تصنیف المقالات احدث المقالات المقالات العشوایئة المقالات الاکثرُ مشاهدة
■ مقالات (٥٧)
أزمة المحْدثين بين الافراط في التصنع والتفريط بالمصطلح
أسباب نزول القرآن، أهميتها وطرقها وحجيتها ومصادرها
باب (من لم يرو عن الأئمة عليهم السلام) فيرجال الشيخ الطوسي
البلاغات من أساليب الأداء للحديث الشريف في التراث الإسلاميّ
البناء على القبور
تأبين الإمام الخمينيّ قدس سرّه
تأبين السيد الخوئيّ قدس سرّه
التأثير المتبادل بين القرآن والحديث في مجال التأكيد والتحديد
تحملُ الحديث بالإجازة، واجبٌ مُلح في العصر الحاضر
تدوين السنّة أم تزييف الشريعة؟ في النقد العلمي
التسميات طليعة المؤلّفات في الحضارة الاسلامية موضوعها، ومنهج تأليفها وفهرستها
تتميم النظر في التقديم لمقتضب الاثر
الثقلان ودورهما في دعم السُنّة
جراب النورة بين اللغة والاصطلاح
حجّية الحديث المُعَنْعَن، وما يُثار حوله شبهةٌ في قبال البديهة
الحشوية نشأةً وتاريخاً (القسم الأول)
السنّة النبوية الشريفة وموقف الحكّام منها تدوينا وكتابة ونقلاً وتداولاً
الشيخ الطوسيّ وتراثه الحديثيّ
الحشوية أراء وملتزمات (القسم الثاني )
صِيَغ الأداء والتحمّل: تاريخها، ضرورتها، فوائدها، اختصاراتها
ضرورة تطويع الممارسات للانتهال من معين الحديث الشريف
ضرورة النقد العلمي في مجال تحقيق التراث
العبث بالتراث بين عمالة العلمنة ونفاق الاسلمة
علم الأئمة عليهم السلام بالغيب، والاعتراض عليه بالإلقاء في التهكلة، والإجابات عنه عبر التاريخ
علوم الحديث بين سعة الآفاق و محدوديّة الأعمال
عناوين الأبواب وتراجمها في التراث الإسلامي :حجّيتها، أغراضها مصادرها،ودلالاتها
فرق الشيعة أو مقالات الإمامية ؟ للنوبختي أم للأشعري؟
فوات فهرس الفهارس والأثبات، بذكر بعض ما للإمامية من الإجازات، في الفهرسة
التقية في الثقافة الاسلامية
الكرامات
الكنية، حقيقتها وميزاتها، وأثرها في الحضارة والعلوم الإسلامية، في علوم العربية، الأدب
لماذا الإمام عليه السلام
مجددو المذهب وسماتهم البارزة
المصطلح الرجالي>أسند عنه< ما هو وما هي قيمته الرجالية؟
مقال حول الصحيفة السجّادية
مقدمة (لوامع الأنوار)
مقدمة (المقنع في الإمامة)
مقولة جسم لا كالأجسام، بين موقف هشام بن الحكم ومواقف سائر أهل الكلام
من أدب الدعاء في الاسلام ضبطه عند الأداء والتحمل وتنزيهه من اللحن والتحريف ودعوة الى إحيائه وتحقيق كتبه
موقف أهل الكتاب من الحق بين الإلتزام والتصرفات المريبة
النكت الخفية في النادرة الشريفيّة
همزية البوصيريّ والتراث الذي دار حولها

الحشوية نشأةً وتاريخاً (القسم الأول)

نَشأةً ؟ وتأريخاً ؟

السيّد محمّد رضا الحسينيّ الجلاليّ‏

الحمد للَّه ربّ العالمين والصلاة والسلام على‏ سيّد الأنبياء والمرسلين محمّد وآله الأطهار المعصومين ،

وبعد : فإنّ التنازع - مع أنّه من أسباب الفشل الذريع الذي مُنِيَتْ به الاُمّة الإسلامية الواحدة ، بالرغم من النهي الصريح لهم ، والتوعّد الربّانيّ على ذلك بذهاب القُوّة والهيبة بين الأجانب الأعداء - فلا ريبَ أنّ من أخطر نتائجه هو تسلّل الأعداء من خلال الثغرات التي تحدث في كيان الاُمّة الثقافي والحضاري ، بتوجيه أفكار مسمومة ، وشُبَهٍ مفتعلة ، وآراء ساقطة ، فتستقطبُ من العلماء والمفكّرين جهوداً وفيرة من أجل دفعها وتعديل الموقف تجاهها .

وأفحش مثالٍ لذلك : ما حدث نتيجةً لنشوء «الفرقة الحَشْويّة» وظهورها بين الإسلاميين ، فإنّ آثارها السيّئة ، كانت ولا زالت - تنخرُ القلاع الفكرية الحصينة ، التي أسّسها الإسلام ، وبناها علماء المسلمين طوال القرون ، ولا يزالون يبذلون الغالي من أجل الحفاظ عليها .

فقد تسلّل العَبَثُ الحشويّ في العقائد ، التي هي ركائز أساسيّة في التحرّك والانطلاق والانبعاث ، حتّى التشريع الذي هو نظام حياة واستقرار .

وقبل ذلك وبعده : فمصادر الإسلام الأساسيّة ، وهي القرآن والحديث ، كانت الهدفَ الأساسيَّ لعبث الحَشْويّة ، ومحطّ تشويهها وتخريبها .

فما هي الحَشْويّة؛ وجوداً وتأريخاً؟

وما هي آراؤها وأهدافها؟

وما هي مواقفها من مصادر الفكر الإسلامي؟

هذه التساؤلات الثلاثة هي محور بحثنا هذا .

وقد عقدنا للإجابة عن كلّ واحدٍ منها فصلاً يستوعب جميع ما يرتبط بالبحث عنه مفصّلاً .

ونستعين باللَّه على أداء البحث حقّه ، ونسأله التوفيق للصواب ، إنه الموفّقُ المعينُ .

وَكَتَبَ‏

السيّد محمّد رضا الحسينيّ الجلاليّ‏

الحوزة العلميّة - قُم‏

الفصل الأوّل‏

الحَشْويّة نشأةً وتاريخاً

الحَشْويّة لغةً واصطلاحاً :

الحَشْويّة - بفتح الحاء المهملة ، وسكون الشين المعجمة - نسبةً إلى الحَشْو : اسم لجماعةٍ خاصّةٍ لهم منهجُهم وآراؤُهم .

و «الحشو» في اللغة :

1 - قال ابن منظور : يقال : «حَشْوُ الإبل وحاشيتها» صغارُها .

وقيل : صغارُها التي لا كِبارَ لها؛ وكذلك من الناس .

وقال : حَشْوُ الناس : رُذّالهم(1) .

2 - وقال الجرجاني : الحَشْوُ في اللغة : ما يُملأ به الوسادة(2) .

وقال ابن الصلاح : فتحُ الشين غلط ، وإنّما هو بالإسكان ، وكذلك قال البرماوي : بالسكون ، لأنّه من الحَشْو ، لأنّهم يقولون بوجود الحشو في كلام المعصوم أو نحو ذلك(3) .

و«الحشو» في الاصطلاح :

1 - قال الجرجاني : عبارة عن الزائد الذي لا طائل تحته(4) .

2 - واسم طائفة من المبتدعة(5) ضلّوا عن سواء السبيل وعميت أبصارهم(6) من الفِرَق المنتمية إلى الإسلام .

وقد تعدّدت وجهات النظر في تحديد السبب لتسميتهم بهذا الاسم ، كالتالي :

1 - فقال التهانوي : سمّوا بذلك لأنّهم كانوا في حَلَقة الحسن البصري ، فوجدهم يتكلّمون كلاماً ، فقال : «ردّوا هؤلاء إلى حَشَا الحَلَقة» فنسبوا إلى «حَشَا» فهم «حَشَويّة» بفتح الشين(7) .

ويبدو أنّ الشيخ الكوثري يرجّح هذا الرأي ، لتكراره له في أكثر من موضع من أعماله(8) .

2 - وقال ابن القيّم في نونيته التي شرحها ابن الجوزي في عنوان : «فصل في تلقيبهم أهل السنّة بالحشوية ، وبيان من هو أولى بالوصف المذموم من هذا اللقب من الطائفتين ، وذكر أوّل من لقّب به أهل السنّة من أهل البدعة» :

النظم :

ومن العجائب قولهم لمن اقتدى‏

بالوحي من أَثَرٍ ومن قرآنِ‏

«حَشْويّةً» يعنون حَشْواً في ال

-وجود وفَضْلةً في أُمّة الإيمانِ‏

ويظنّ جاهلهم بأنّهمُ حَشَوْا

ربَّ العباد بداخل الأكوانِ‏

إذْ قولُهم : «فوقَ العباد» و «في الس

-ماء الربُّ ذُو المَلَكُوت والسُلطانِ»

ظَنَّ الحميرُ بأنّ «في» للظرف وال

-رحمن محويٌّ بظرفِ مكانِ‏

واللَّه لم يُسمَعْ بذا من فرقةٍ

قالتْهُ في زمنٍ من الأزمانِ‏

الشرح :

وقد فسَّر الناظم معنى الحَشْويّة : أنّ المعطِّلة يعنون بقولهم «حَشْويّة» أنّ المثبِتة حَشْوٌ في الوجود وفضلةٌ في الناس .

وجّهالهم يظنّون أنّ معنى «الحشو» أنّهم بقولهم : «إنّ اللَّه سبحانه في السماء وفوق خلقه» قد حَشَوْا ربّ العباد بالأكوان(9) .

3 - وقد نقل التهانوي أيضاً: قيل : سُمُّوا بذلك ، لأنّ منهم المجسّمة ، أو : هُمُ هُمُ ، والجسم‏حَشوٌ، فعلى‏هذا فالقياس‏فيه «الحَشْويّة» بسكون‏الشين،نسبةًإلى الحَشْو(10).

4 - وقيل : طائفة يجوّزون أن يُخاطبنا اللَّه بالمهمل ، ويطلقون الحشو على الدين ، فإنّ الدين يُتلقّى من الكتاب والسنّة ، وهما حشو ، أي واسطة بين اللَّه ورسوله وبين الناس .

نسب هذا إلى الخفاجي في حاشيته على البيضاوي في تفسير الآية (38) من سورة البقرة (رقم 5)(11) .

5 - وقال الحميري : وسمّيت الحَشْويّة حَشْويّةً ، لأنّهم يحشون الأحاديث التي لا أصل لها ، في الأحاديث المرويّة عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم أي يدخلونها فيها وليست منهاوجميع الحَشْويّة يقولون بالجبْر والتشبيه(12) .

و نقل هذا عن ابن الوزير اليماني(13) .

و عن الحميري- أيضاً : إنّما سمّوا بذلك لكثرة قبولهم الأخبار من غير إنكار(14) .

وقال ابن الصلاح : لأنّهم يقولون بوجود الحشو في كلام المعصوم ، أو نحو ذلك(15) نقل ذلك عن البرماوي .

6 - وقال عبدالغني عبدالخالق : وفي حاشيتي المواقف : بفتح الشين منسوبة إلى «حَشُويَه» بوزن (فَعُولة) قريةٌ من قُرى خُراسان(16) .

وقد اعتبر ابن قتيبة هذا الاسم لقباً وضعه عليهم أعداؤهم(17) .

وجعل ابن حبّان هذه التسمية من العوام(18) .

واستنكر الرامهرمزي هذه التسمية واعتبرها تَعْيِيراً(19) .

وعدّ اللألكائي تسمية آراء هؤلاء «حَشْواً وتقليداً ، وحَمَلَتَها جُهّالاً وبُلهاء» : ظلماً وعُدواناً وتحكّماً وطُغياناً(20) .

بينما هذا الاستنكار لا وجه له إذ هم يرفعون حديثاً عن سهل بن سعد الساعدي ، قال :

قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : «لكلّ أُمّةٍ مجوسٌ ، ولكلّ أُمّةٍ نصارى ، ولكلّ أُمّةٍ يهودٌ ، وإنّ مجوسَ أُمّتي القَدَريّة ، ونصاراهم الحَشْويّة ، ويهودُهم المُرْجِئة» .

رواه الطبراني في الأوسط ، حسب نقل الهيثمي(21) .

لكنّهم في المطبوعة الحديثة من المعجم الأوسط(22) حرّفوا الكلمة إلى «الخَشَبِيّة» ونقلوا عن ابن عمر فيهم كلاماً .

وهم مختلفون في توجيه النسبة :

تارةً : إلى جماعة الُمختار الثقفي أنّهم لم يحملوا السُيُوف إلّا من خَشَبٍ .

وأُخرى : إلى الخشبة التي صُلب عليها الشهيد زيد عليه السلام .

ولكن انفرد بعض كبارهم بذكر هذا النقل!

ولم يَجْرِ هذا الاسم على لسان أحدٍ من السابقين غير هذين!

وقد حرّفت الكلمة في نسخةٍ من مجمع الزوائد للهيثمي إلى «الحَشْيِيّة» بالحاء المفردة والياءين المثنّاتين! ولا معنى لها أصلاً .

فأحسن محقّق المجمع في اختيار اسم «الحَشْويّة» وهو الصواب اللائق .

وهذا يدلّ على جهل ابن قتيبة لمّا قال عن عدّة أسماء منها «الحَشْويّة» : وهذه كلّها أنبازٌ لم يأت بها خبرٌ عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم . . . تلك أسماء مصنوعة(23) .

وقفة مع الحَشْويّة - أنفسهم - حول هذا الاسم :

ومع أنّ لهذا الاسم واقعاً لا يُنكر .

وقد جرى على ألسنة العلماء وعلى صفحات كتبهم ، بما عرفت .

ومع أنّ كُبراء الحَشْويّة أنفسهم ، يُقرّرون وجود الاسم ، ويُحاولون ضبطه وتفسيره ، كما عرفت .

ومع أنّ قواعدهم تقتضي التسليم ، لوجود أصل لهذا الاسم في الحديث الذي أسنده الطبراني ، ونقله الهيثمي .

فمع ذلك كلّه : نرى المتشدّدين ممّن تنطبق عليهم أوصاف هذا الاسم ، يستنكرون على الآخرين تسميتهم به ، ويعتبرونه نبزاً ولقباً مذموماً .

فهذا شيخ إسلام الحَشْويّة والسَلَفِيّة ، ابن تَيْمِيَّة الحرّاني (ت‏728) ذكر في هذا الصدد كلماتٍ لا تخلو من التهافت والتناقض :

فتارةً : يستهجن التسمية ، ويُنكر وجود مَن تنطبق عليه .

وتارةً : يُقرُّ بوجودهم ، ويُنكر كونهم معروفين .

وأُخرى : يجعل التسمية من المعتزلة ضدَّ من سمّاهم المؤمنين .

ورابعةً : يُنكر أن يكون للتسمية معنىً صحيحٌ .

وبالتالي - لمّا وجد بعض كبارهم يفتخر بهذا الاسم وباسم المجسّمة والمشبّهة - : يُنكر عليه بشدّته وحنبليته المعروفة! .

وإليك التفصيل :

1ً - قال ابن تَيْمِيَّة :

وتكلّمتُ على لفظ «الحَشْويّة» فقلتُ : هذا اللفظ أوّل مَن ابتدعه المعتزلة ، فإنّهم يسمّون الجماعة والسواد الأعظم : «الحشو» كما تُسمّيهم الرافضة : «الجمهور» .

وحشو الناس هم عموم الناس وجمهورهم ، وهم غير الأعيان المتميّزين ، يقولون : هذا من حشو الناس ، كما يقال : هذا من جمهورهم .

وأوّل من تكلّم بهذا عمرو بن عبيد ، قال : «وكان عبداللَّه بن عمر حشوياً» . فالمعتزلة سَمَّوا الجماعة : «حَشْواً» كما تسمّيهم الرافضة : «الجمهور» .

وقلتُ : مَن في أصحاب الإمام أحمد حشويٌّ بالمعنى الذي تريده؟

الأثرم؟ أبو داود المروزي؟ الخلاّل أبو بكر؟ عبدالعزيز أبو الحسن التميمي؟ ابن حامد؟ القاضي أبو يَعْلى‏؟ أبو الخطّاب ، ابن عقيل؟

ورفعتُ صوتي وقلتُ : سمِّهم لي مِنْهُم ، مَنْ هُوَ؟

أبِكِذْبِ ابن الخطيب وافترائه على الناس في مذاهبهم تبطل الشريعة وتندرس معالم الدين؟

كما نقل هو وغيره عنهم : أنّهم يقولون : إنّ القرآن القديم هو أصوات القارئين ، ومداد الكاتبين ، وأنّ الصوت والمداد قديم أزلي!

مَنْ قال هذا؟

وفي أيّ كتابٍ وُجِدَ هذا عنهم؟

قُلْ لي!(24) .

أقول : وهكذا يظهر ابن تَيْمِيَّة مهرّجاً في هذا البحث - كعادته - ليضيّع أصل الموضوع المبحوث عنه بالتساؤلات والاحتمالات ، ورفع الصوت ، والضوضاء .

ولكي نكون واقعيين ، ليهدأ الرجلُ من فورته ، نقول له :

لقد وضعت لائمة الاسم «الحَشْويّة» على المعتزلة ، فقط ، واتّهمت عمرو بن عبيد ، بذلك ، وفسّرت الكلمة بما أعجبك ، ممّا لم نجد للعلماء به قولاً ولو ضعيفاً أو احتمالاً ،

وقد خالفت في أُمور :

1 - إعراضك عن الحديث الذي ورد فيه اسم «الحَشْويّة» المرفوع إلى الرسول‏صلى الله عليه وآله وسلم والذي أورده الحافظ الطبراني ، والناقد الهيثمي ، كما مرّ .

وهو - إن ثبت - يبطل زعمك على المعتزلة ، واتّهامك لابن عُبيد .

2 - إنّك لم تذكر المعنى الذي أراده خصمك من الكلمة ، وأنت تحاول محاسبته على أساسه .

3 - أنّك تستنكر أن يكون الذين ذكرتَهم من علماء نحلتك «حشويةً» بينما نقلت عن ابن عبيد أنّه جعل «عبداللَّه بن عمر» حشوياً .

فهل هؤلاء أفضل عنده من «عبداللَّه بن عمر» حتّى لا يكونوا من الحَشْويّة؟

أم إنّ عبداللَّه بن عمر عندك أهون منهم حتّى لا تُبالي بكونه حشوياً؟ فلم تدافع عنه ، كما دافعت عن أُولئك؟

4 - وأمّا مَنْ ذكرتَه من الأشخاص ، فهم - وإن كانوا من الجُلُودالمنفُوخة عندك - إلّا أنّهم من كبار الحَشْويّة عند القوم .

5 - ثمّ هل ينحصر الأمر بين الحنابلة بهؤلاء؟ فأين أنت من البَرْبَهاري ، وأمثاله؟

فلماذا لا تذكرهم ، وهم من أجلّة مَنْ ذكروا في طبقات الحنابلة؟

وعليك بقراءة تراجمهم في محالّها كي تعرف أنّهم الأعمدة في ما اختّصت به الحَشْويّة من : الالتزام بالظواهر ، وإنكار التأويل ، وتعطيل العقل ، والتشبيه والتحديد ، والالتزام بالأخبار بما فيها من الحشو والباطل ، و . . .

وكلّ ما في معنى الحَشْويّة عند العلماء ، فهو مجتمع في كلّ واحد من هؤلاء!

فكيف تُنكر حشويّتهم؟

وما مَثَلُك إلّا مَثَلُ النعامة التي أخفت رأسها في التراب ، لم ترَ أحداً ، وتتصوّر أنّ الآخرين لم يروك!

فإن أنكرت مقالات هؤلاء المليئة بالحشو ، فإنّ الآخرين يقرؤون ويعرفون ، فلا تبقى لك إلّا فضيحة الكذب ، أو الجهل! فاختر أيّهما شئت .

2ً - وقال ابن تَيْمِيَّة الحرّاني :

أمّا لفظ الحَشْويّة : فليس فيه ما يدلّ على شخصٍ معيّنٍ ، ولا مقالةٍ معيّنةٍ ، فلا يُدرى‏ مَن هؤلاء؟

وقد قيل : إنّ أوّل مَنْ تكلّمَ بهذا اللفظ : عمرُو بن عُبيد ، فقال : «كان عبداللَّه بن عمر حشويّاً» .

وكأنّ هذا اللفظ في اصطلاح مَنْ قاله يريد به العامّة الذين هم حَشْوٌ ، كما تقول الرافضة عن مذهب أهل السنّة مذهب الجمهور .

[1] فإن كان مراده بالحشويّة طائفةً من أصحاب الأئمّة الأربعة دون غيرهم ، كأصحاب أحمد أو الشافعي ، أو مالك ، فمن المعلوم أنّ هذه المقالات لا توجد فيهم أصلاً ، بل هم يكفّرون من يقولها .

[0] ولو قُدّر أنّ بعضها وُجِدَ في بعضهم ، فليس ذلك من خصائصهم ، بل كما يوجد مثل ذلك في سائر الطوائف .

[2] وإن كان مراده بالحشويّة : أهل الحديث - على الإطلاق - سواء كانوا من أصحاب هذا أو هذا - فاعتقاد أهل الحديث هو السُنّة المحضة ، وليس في اعتقاد أحدٍ من أهل الحديث شي‏ءٌ من هذا .

والكتب شاهدة بذلك .

[3] وإن كان مراده بالحشويّة عموم أهل السنّة والجماعة مطلقاً ، فهذه الأقوال لا تُعرفُ في عُموم المسلمين ، وأهل السنّة .

وجُمهور المسلمين لا يظنّون أنّ أحداً قال هذا .

[0] وإذا كان في بعض جُهّال العامّة مَنْ يقول هذا ، أو أكثر من هذا ، لم يَجُزْ أن يجعل هذا اعتقاداً لأهل السنّة(25) .

وهنا بلغ ابن تَيْمِيَّة غاية العناد ، حيث أنكر معرفة مَنْ يقول هذه الأقوال :

بين أصحاب المذاهب الأربعة أوّلاً .

وبين أهل الحديث ثانياً .

وبين عموم أهل السنّة ثالثاً .

وهذا مخالف لجميع خُبراء الملل والنحل ، وعلماء العقائد من اعترافهم بوجود القائلين بها بين المسلمين ، وتصريحهم بأقوالهم والردّ عليهم ، كما عرفت مفصّلاً .

ولذلك لم يجد بُدّاً من ذكر ما يدلّ على وجودهم ، لكنّه ذكرهم :

بلفظ :[0] «لو قُدِّرَ أنّ بعضها وُجِدَ في بعضهم» في الفرض الأوّل .

وبلفظ :[0] «وإذا كان في بعض جُهّال العامّة» في الفرض الثالث .

يُريد بذلك تصغير الأمر وتهوينه ، لكنّه منافٍ لإنكاره وجودهم ، ونفي معرفة من يقول بأقوالهم .

وأمّا في الفرض الثاني ، فلم يذكر احتمال وجودهم ، فكأنّه يستبعد ذلك عن أهل الحديث ، بينما وجدنا أنّ عنوان «أهل الحديث» يُطلق على الحَشْويّة بعينها ، بحيث جعل أحدهما تفسيراً للآخر ، عند بعض العلماء ، كما سيجي‏ء .

والغريب في كلامه قوله : «بل كما يوجد مثل ذلك في سائر الطوائف» حيث يدلّ على وجود مثل أقوال هؤلاء ، في الطوائف كلّها ، فكيف يجعل هذا تعقيباً لقوله : «فمن المعلوم أنّ هذه المقالات لا توجد فيهم أصلاً»؟

وكذلك من الغريب قوله : «إذا كان في بعض جُهّال العامّة مَنْ يقول هذا ، أو أكثر من هذا ، . . .»! فيجعل هذا استدراكاً لقوله : «لا يظنّون أنّ أحداً قال هذا»؟

فإذا كان «يوجد مثل ذلك في سائر الطوائف» فلماذا يحاول التشكيك في ذلك بمثل قوله : «لو قدر . . .» و «إذا كان . . .»؟

ولنا أن نسأل الشيخ الحرّاني ، عن المشار إليه بقوله : «هذا» في هذه العبارات؟

بل نسأله عن : «الأكثر من هذا»؟ ما هو؟!

إنّ هذه العبارة بطولها تدلّ على تناقض الشيخ في دعاويه ، وإنكاره للواضحات ، وعلى جهله بالفرق والمقالات والأقوال ومصادرها ومواردها .

مع أنّ أُسلوبه في تحوير الكلام ، وطرح الاحتمالات ، فيه تضليلٌ متعمَّدٌ للقارئ ، وهو عملٌ قبيحٌ بلا ريب .

3ً - ويقول الشيخ ابن تَيْمِيَّة :

مسمّى «الحَشْويّة» في لغة الناطقين به : ليس اسماً لطائفةٍ معيّنةٍ لها رئيسٌ قال مقالةً فاتّبعتْهُ ، كالجهميّة ، والكلابيّة ، والأشعرية .

ولا اسماً لقولٍ معيّنٍ ، مَنْ قاله كان كذلك .

والطائفة إنّما تتميّزُ بذكر قولها ، أو بذكر رئيسها(26) .

وهُنا يبدو الشيخ الحرّاني أكثر جديّةً ، حيث يبدو مناقشاً في التسمية ، وأنّ النسبة إلى ماذا؟ فالحشو في نفسه ليس اسماً لشخصٍ ، ولا اسماً لرأيٍ وقولٍ .

ولكنّ ابن تَيْمِيَّة يعرف الحقيقة ، وقد وقف عليها من خلال كتب الملل والنحل والعقائد ، فماذا يُريد أن يفعلَ ويُنكر هذه المرّة؟

إنّ كلمة الحَشْويّة نسبةٌ إلى «الحشو» وقد ذكروا وجوهاً للنسبة ، ووجه تسمية القوم بذلك ، كما عرفنا مفصّلاً .

وإذا لم يكن اسماً لشخص ، أو لرأي ، فثُمَّ ماذا؟

وأمّا أنّ ابن تَيْمِيَّة الحرّاني يعرف الحقيقة ، فاقرأ النصّ التالي :

4ً - قال : ينبغي النظر في الموسُومين بهذا الاسم ، وفي الواسمين لهم به ، أيُّهما أحقّ؟

وقد علم أنّ هذا الاسم ممّا اشتهر عن النُفاة ، ممّن هو مظنّة الزندقة ، كما ذكر العلماء كأبي حاتم وغيره : إنّ علامة الزنادقة تسميتهم لأهل الحديث حشويةً .

ونحن نتكلّم بالأسماء التي لا نزاع فيها مثل لفظ الإثبات والنفي ، فنقول :

من المعلوم أنّ هذا من تلقيب بعض الناس لأهل الحديث الذين يُقرُّونه على ظاهره ، فكلّ مَنْ كان عنه أبعد كان أعظم ذمّاً بذلك ، كالقرامطة ، ثمّ الفلاسفة ، ثمّ المعتزلة .

وهم بذلك يذمّون المتكلّمة الصفاتيّة ، من الكلاّبية ، والكرامية والأشعرية .

ومَن قال بالصفات العقليّة ، مثل العلم والقدرة ، دون الخبرية ونحو ذلك ، سمّى مثبتةَ الصفات الخبريّة «حشويّةً» كما يفعل أبو المعالي الجويني ، وأبو حامد الغزالي ونحوهما .

وهؤلاء . يعيبون منازعيهم :

إمّا لجمعه حشو الحديث من غير تمييزٍ بين صحيحه وضعيفه .

أو لكون اتّباع الحديث في مسائل الاُصول من مذهب الحشو ، لأنّها مسائل علميّة ، والحديث لا يُفيد ذلك ، لأنّ اتّباع النصوص مطلقاً في المباحث الاُصولية الكلامية : حَشْوٌ ، لأنّ النصوص لا تفي بذلك .

فالأمر راجع إلى أحد أمرين : إمّا ريبٌ في الإسناد ، أو في المتن :

إمّا لأنّهم يضيفون إلى الرسول ما لم يُعلم أنّه قاله ، كأخبار الآحاد ، ويجعلون مقتضاها العلم .

وإمّا لأنّهم يجعلون ما فهموه من اللفظ معلوماً ، وليس هو بمعلومٍ ، لما في الأدلّة اللفظية من الاحتمال(27) .

وهذه العبارة من ابن تَيْمِيَّة تكفي للردّ على كلّ مزاعم الرجل ، التي ادّعاها في عباراته المنقولة سابقاً :

فقد اعترف هنا بوجود الطائفة «الحَشْويّة» ، وبالمعنى المناسب للفظ ، وباتّهام أهل الحديث خاصّة بالحشوية ، وبأنّ التسمية جاءت من أعلام كبار كالجويني والغزالي .

فأين الإنكار السابق؟ للمعنى ، والتسمية ، والمسمّى ، والمتّهِم ، والمتّهَم؟

ولم يترك ابن تَيْمِيَّة ما تعوّد عليه من السبّ والقذف لمن يُحاججه ، فقد جعل تسمية أهل الحديث «حَشْويّةً» علامةَ الزندقة ، وجعل مَنْ يتلفظ بهذا الاسم عليهم مظنّةَ الزندقة ، حتّى لو كان المسمِّي مثل أبي المعالي الجويني ، والغزالي وغيرهما من كبار علماء الأمّة الإسلاميّة المجيدة .

ولا يتحاشى في هذا أيَّ كذبٍ أو هُراءٍ ، فانظر الفقرة التالية :

5ً - ففي كلامٍ له - بعد أن ذكر أنّه : لا يجوز تعليق الحبّ والبغض والموالاة والمعاداة إلّا بالأسماء الشرعيّة ، وأمّا أسماء التعريف كالأنساب والقبائل فيجوز أن يعرف بها ما دلّت عليه ، ثمّ يُنظر في موافقته للشرع ومخالفته له - قال : وإذا كان كذلك : فأوّل مَنْ عُرِفَ أنّه تكلّم في الإسلام بهذا اللفظ [الحَشْويّة] عمرُو بن عبيد - رئيس المعتزلة فقيههم وعابدهم - فإنّه ذُكِرَ له عن ابن عمر شي‏ءٌ يُخالف قوله ، فقال : «كان ابن عمر حشوياً» نسبه إلى «الحشو» وهم العامّة والجمهور ، وكذلك تسمّيهم الفلاسفة والمعتزلة ونحوهم يُسمّونهم «الحَشْويّة» .

والمعتزلة تعني بذلك كلّ مَنْ قال بالصفات ، وأثبت القَدَر .

وأخذ ذلك عنها متأخّرو الرافضة ، فسمّوهم الجمهور بهذا الاسم .

وأخذ ذلك عنهم القرامطة الباطنية فسمّوا بذلك كلّ مَن اعتقد صحّة ظاهر الشريعة ، فمن قال - عندهم - بوجوب الصلوات الخمس والزكاة المفروضة وصوم رمضان وحجّ البيت وتحريم الفواحش والمظالم والشرك ونحو ذلك ، سمّوه «حشوياً»(28) .

فمع قربه من الحقيقة ، صرّح بأنّ التسمية اصطلاح من المتكلّمين على مَنْ خالف المنهج العلميّ البحثيّ النظريّ ، وتمسّك بالمنهج الظاهريّ التقليديّ للألفاظ والعبارات المتعلّقة بالصفات ، دون التحقيق والتدقيق والتفكّر في المداليل والمؤدّيات .

فالتسمية - إذن - لها مبنىً على معنىً ، لكن لماذا يجرُّ الشيخ الحرّاني الكلام إلى «وجوب الصلوات الخمس والزكاة والصوم والحجّ» من أُمور يلتزم بها المسلمون - بلا استثناء - ؟

ليس عمله ذلك إلّا للتهويل والاتّهام الباطل ، على عادته مع خصومه ، وإن كان على حساب الحقائق وتحريف المصطلحات! .

ومع تصريحه بأنّ التسمية بالحشوية إنّما هي على أساس الالتزام بالصفات الخبرية وإثباتها للَّه تعالى بظواهرها ، كاليد والوجه . . . ، فإنّ إقحام فروع الصلاة والزكاة وغيرهما ، في المقام ، تزيّدٌ متعمّدٌ ، وتضليلٌ للقرّاء ، وتهويلٌ على المخاصم .

وليس شي‏ءٌ من هذه لائقاً بمن يدّعي العلم ، أويستضي‏ء بنوره .

هذا الاسم في التراث الشيعي :

جاء ذكر «الحَشْويّة» في التراث الشيعي بوفرة :

1 - ففي الحديث الذي رواه الصدوق (ت‏381ه) في أخبار الإمام الرضاعليه السلام والمناظرة التي عقدها المأمون العبّاسي بينه وبين أصحاب المذاهب والفرق ، جاء اسم «الحَشْويّة» وما روته(29) .

2 - وأمّا شيخ متكلّمي الإماميّة ، ومنظّر قواعدها الاُصولية ، الإمام المفيد (ت‏413) فإنّه ركّز على ذكر الكلمة في مختلف المجالات :

فذكرها في الفارق المميّز بين السمة بالتشيّع ، وبين سائر الفرق(30) .

وفي القول في المتقدّمين على أمير المؤمنين عليه السلام(31) .

وفي القول في الخلأ والملأ قال : إنّ العالم مملوء من الجواهر ، وأنّه لا خلاء فيه ، . . . ، ويخالف فيه . . جماعة من متكلّميّ الحَشْويّة وأهل الجبر والتشبيه(32) .

وفي القول في الإرادة ، وأنّها موجبة لمرادها ، وعلى خلافه . . الحَشْويّة وأهل الإجبار(33) .

وذكرهم في القول في الطباع باسم «أهل الحشو وأصحاب المخلوق والإجبار»(34) .

ووصفهم في مورد بقوله : «الحَشْويّة المنتسبون إلى الحديث»(35) .

وفي القول في التوبة مِن قتل المؤمنين ، قال : «وإنّما خالف فيه شذّاذ من الحَشْويّة والعوام»(36) .

وفي القول في رؤية المحتضرين ، رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام ذكر أنّ المراد رؤية ثمرة الولاء لهم عليهم السلام دون النظر إلى أعيانهما ، ثمّ قال : «وعلى هذا القول محقّقو النظر من الإمامية ، وقد خالف فيه جماعة من حشويتهم ، وزعموا أنّ المحتضر يرى نبيّه ووليّه ببصره ، كما يشاهد المرئيات . . .»(37) .

وقال في الإرشاد : فأمّا الحَشْويّة فإنّها تدين بإمامة بني اُميّة ، ولا ترى لولد رسول اللَّه‏صلى الله عليه وآله وسلم إمامةً على حالٍ(38) .

وقال في ذكر عبداللَّه بن جعفر الصادق عليه السلام : وكان متّهماً بالخلاف على أبيه في الاعتقاد ، ويقال : إنّه كان يخالط الحَشْويّة ، ويميل إلى مذاهب المرجئة(39) .

وهذا يدلّ على وجود طائفة بهذا الاسم منذ ذلك العهد وهو النصف الأوّل من القرن الثاني .

وعدّهم في فرق الاُمّة المتّفقة على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام(40) .

وقال في تفسير آية : {وعد اللَّه الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات . . .} ما نصّه : على أنّ المفسّرين للقرآن طائفتان : شيعة وحشوية . . .(41) .

وذكر اسم الحَشْويّة في الاحتجاج على المنكرين لإكْفار الُمحاربين للإمام أمير المؤمنين عليه السلام(42) .

وقال في فصل آخر ما نصّه : ثمّ يقال للمعتزلة ومن وافقهم في إنكار إمامة معاوية بن أبي سفيان وبني اُميّة ، من عقلاء أصحاب الحديث : ما الفرق بينكم وبين الحَشْويّة في ما أوجبوا به طاعة معاوية وبني أُميّة . . .(43) .

وذكر في مسألة أُخرى : فإن قالوا : أفليس قد وردت الأخبار بأنّ أبا بكر كان يَعُوْلُ مِسْطَحَ ويتبرّع عليه . . .؟

الجواب : قيل لهم : لسنا ندفع أنّ الحَشْويّة قد رَوَت ذلك ، إلّا أنّها لم تُسنده إلى الرسول‏صلى الله عليه وآله وسلم ولا روته عن حُجّةٍ في الدين ، وإنّما أخبرتْ به عن مُقاتل والضحّاك وداود الجواربي والكلبي وأمثالهم ممّن فسّر القرآن بالتوهُّم(44) .

وأكّد في فصلٍ خاصٍ على شهرة تسمية أصحاب الحديث بالحشوية ، فقال : ثمّ يقال للمعتزلة : ليس يمكنكم دفاع ما قد شاع لكم عن لقبكم بالقَدَريّة ، كما شاع من لقب أصحاب المخلوق بالجبر ، والمحكّمة بالخارجية ، وشيعة عليٍّ عليه السلام بالرافضة ، وأصحاب الحديث بالحشوية ، ولم يجب بذلك - عندكم ، ولا عند فريق ممّن سمّيناه - استحقاقهم الشايع ممّا وصفناه ، ولا خروجهم به من الدين . . .(45) .

وقال في رسالة عدم سهو النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : فليس يجوز - عندنا وعند الحَشْويّة ، المجيزين عليه السهو - أن يكذب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم متعمّداً ولا ساهياً(46) .

وذكر تعلّق المخالفين بالشبهة التي أحدثها جعفر بن علي المعروف بالكذّاب في شأن ولادة الإمام المهدي عليه السلام ، ومنهم الحَشْويّة(47) .

وفي جواب اعتراضهم على غَيْبة الإمام بأنّه يؤدّي إلى تضييع الأحكام وتعطيل الحدود ، ذكر الشيخ : أنّ مثل ذلك وارد عليهم؛ لأنّهم أهملوا نصبَ الأئمّة مع أنّهم يعتقدون بوجوب ذلك على الاُمّة .

وإنْ كان لهم عذرٌ في ذلك الترك ، فعذر الإمام في الظهور أوضح ، لأنّ سيرة آبائه عليهم السلام دلّتْ على مدى الحقد والعداء الذي يُكنُّهُ المخالفون ، بل أبدوه تجاههم وتجاه شيعتهم ، من القتل وسفك الدماء وأنواع المضايقات والإيذاء ، بينما علماؤهم وأئمّتهم لم يُلاقوا أيَّ شي‏ءٍ من ذلك ، فقال : ولم يَرَ أحدٌ من المعتزلة ولا الحَشْويّة سفك دمه ، ولا شُرِّدَ من وطنه ، ولا خيف على التوهّم عليه ، والتحقيق منه ، بل هؤلاء القوم يصرّحون في المجالس بأنّهم أصحاب الاختيار وأنّ إليهم الحلَّ والعقدَ والإنكارَ على الطاعة ، وانّ من مذهبهم الأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر ، فرضاً لازماً على اعتقادهم ، وهم - مع ذلك - آمنون من السلطان ، غيرُ خائفين من نكره عليهم من هذا المقال!

فبانَ أنّه لا عذرَ لهم في ترك إقامة الإمام! وأنّ العذر الواضح الذي لا شبهةَ فيه حاصلٌ لأئمّتنا عليهم السلام(48) .

وأخيراً : أطلق الكلمة على بعض الشيعة ، فقال في حديث الأشباح : فالمراد بذلك أنّ أمثلتهم في الصور كانت في العرش فرآها آدم عليه السلام وسأل عنها؟ فأخبره اللَّه أنّها أمثال صور من ذرّيته شرّفهم بذلك وعظّمهم به ،

فأمّا أن تكون ذواتهم عليهم السلام كانت قبل آدم موجودةً ، فذلك باطلٌ بعيدٌ عن الحقّ ، لا يعتقده محصّلٌ ، ولا يدين به عالمٌ ، وإنّما قال به طوائفُ من الغُلاة الجهّال ، والحَشْويّة من الشيعة الذين لا بَصَرَ لهم بمعاني الأشياء ولا حقيقة الكلام(49) .

وذكر الشيخ الطوسي هذا الاسم في مواضع :

منها ما ذكره في أخبار المعمّرين وطول عمرهم ما نصّه : وعندنا يجوز خرق العادات على يد الأنبياء والأئمّة والصالحين ، وأكثرُ أصحاب الحديث يجوّزون ذلك ، وكثيرٌ من المعتزلة والحَشْويّة - وإنْ سمّوا ذلك كراماتٍ - كان ذلك خلافاً في عبارة(50) . ونقل في مورد آخر : قال أبو عبداللَّه محمّد بن زيد : فحدّثت أبا بكر محمّد ابن أبي دارم اليمامي ، وهو أحد مشايخ الحَشْويّة(51) .

وقد ذكرت هذه الفرقة ، بأسماء أُخرى ، منها :

1 - النابتة :

قال الزمخشري : هذا قول النابتة والنوابت ، وهم الحَشْويّة(52) .

وقال الزبيدي : النوابت : هم الأغمار من الأحداث ، وفي الأساس : طائفة من الحَشْويّة ، أي أنّهم أنْبَتُوا بِدعاً غريبةً في الإسلام .

قال شيخنا : وللجاحظ فيهم رسالة(53) .

أقول : وألّف في الردّ عليهم أبو يحيى الجرجاني ، وهو أحمد بن داود ، وكان من أصحاب الحديث العامّة ، ورزقه اللَّه التشيّع ، فصنّف كتباً كثيرة في فنون الاحتجاجات على الحَشْويّة ، منها : محنة النابتة ، يصف فيه مذاهب الحَشْويّة وفضائحهم(54) .

وعدّ النديم : نابتة الحَشْويّة ، والمُجْبِرة ، في فنٍّ واحدٍ ، من كتابه الفهرست ، الذي بناه على ترتيب أصحاب كلّ مقالة ، فقال : «الفنّ الثالث من المقالة الخامسة ، ويحتوي على أخبار متكلّمي المُجْبِرة ونابتة الحَشْويّة» ثمّ عَدَّ منهم : البُخاري ، وحفص القِرد ، وابن كُلّاب - وقال فيه : من نابتة الحَشْويّة - وابن أبي بشر عليّ بن إسماعيل أبا الحسن الأشعري(55) .

ومن أسمائهم :

2 - الغُثاء :

وهو ما يعلو ماءَ السيل من الزَبَد ، وما يوجد معه من الأوساخ ، ويطلق على الحَشْويّة ، باعتبار رذالتهم وخسّتهم من حيث الرأي والتصرّف .

3 - والغَثَر :

وهم سَفَلَةُ الناس وأرذالهم ، قال الزمخشري : فلانٌ من الغوغاء والغُثاء ، والغَثْراء ، ويقالُ لهم : الغَثَر ، والغَثَرة : الرعاع(56) .

وقد جعل ابن قتيبة هذه الأسماء ممّا وضعه الأعداء عليهم(57) .

4 - والرَعاع :

ذكره الرامهرمزي ، فقال مخاطباً «أهل الحديث» : ودَعُوا ما به تُعَيَّرُون من تتبُّع الطُرق وتكثير الأسانيد ، وتَطَلُّب شواذّ الأخبار ، وما دَلَّسَهُ الَمجانين ، وتَبَلْبَلَ فيه المغفّلون .

ثمّ استنكر على من «سمّاهم : «الحَشْويّة ، والرعاع» ويزعم أنّهم «أغثار» و «حملة أسفار»(58) .

ومن أسمائهم :

5 - «المُجْبِرة» و «الجَبْريّة»(59) :

لقولهم بالجبر للعباد على ما يصدر منهم من طاعة أو معصية .

ويسمّون أنفسهم :

6 - «السَلَفِيّة» :

نسبة إلى السَلَف ، لدعواهم أنّ أفكارهم هي ملتزمات أُولئك السَلَف ، وهي لم يتركها لهم المسلمون ، فأنكروا عليهم هذا الاسم بشدّة ، وستقف على كلام العلماء حول ذلك .

7 - المُقَلِّدة :

ذكر الشيخ المفيدرضى الله عنه هذا الاسم ، في ما ورد عنه من النقاش مع شيخ من حذّاق المعتزلة ، حول غَيْبة الإمام المهدي المنتظرعليه السلام حيث جاء فيه : أنّ الإمام عليه السلام إنّما لجأ إلى الغَيْبة للتقيّة والخوف ، وهي تشمل الشيعة الذين يعتقدون بإمامته أيضاً ، لعدم عصمتهم ، وإمكان التغرير به وإيقاعه في الخطر لو ظهر لهم ، حاشا مَنْ يكون تامّ الإيمان والمعرفة والكمال .

فانجرّ الكلام إلى أنّ جماعةً من معتقدي التشيّع غير عارفين في الحقيقة ، وإنّما يعتقدون الديانة على ظاهر القول بالتقليد والاسترسال ، دون النظر في الأدلّة والعمل على الحجّة .

فقال المعتزلي : خبّرني عن هؤلاء المقلّدين من الشيعة الإماميّة؟

فقال الشيخ المفيد : لستُ أقول : إنّ جميع المُقَلِّدة كفّارٌ ، لأنّ فيهم جماعةً لم يكلّفوا المعرفة ولا النظر في الأدلّة ، لنقصان عقولهم عن الحدّ الذي به يجب تكليف ذلك ، وإن كانوا مكلّفين عندي للقول والعمل .

وجماعةٌ من المُقَلِّدة عندي كفّارٌ ، لأنّ فيهم من القوّة على الاستدلال ما يصلون به إلى المعارف ، فإذا انصرفوا عن النظر في طرفها فقد استحقّوا . . .(60) .

وذكرهم الشيخ المفيد في ردّه على حديث سهو النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في صلاته ، فقال : الحديث الذي روته الناصبة ، والمُقَلِّدة من الشيعة(61) .

وذكرهم في المقالات في «القول في الأرض وهيئتها وهل هي متحرّكة أو ساكنة؟» فقال : إنّ الأرض على هيئة الكُرة في وسط الفلك . . . وقد خالف فيه الجبّائي وابنه وجماعة غيرهما من أهل الآراء والمذاهب من المُقَلِّدة والمتكلّمين(62) .

وفي بعض معارضاته لمن حلّل ذبائح اليهود متمسّكاً بما يُظهرونه من الإقرار باللَّه عزّ اسمه وتوحيده ، سمّي المشبّهة بالمقلّدة(63) .

وأطلق الشيخ الطوسي هذا الاسم على مَنْ وصفهم بأنّهم : إذا سُئِلُوا عن التوحيد أو العدل أو صفات اللَّه تعالى أو صحّة النبوّة . . . قالوا : «هكذا رُوِّينا» ويروون في ذلك كلّه الأخبار(64) .

ومن أظهر آراء الحَشْويّة - كما سنفصّل - هو الالتزام بالتقليد في أُصول العقائد ، والاعتماد في ذلك على الأخبار .

وجاء ذكر «المُقَلِّدة في الأصول» في كلام ابن الجوزي ، أيضاً(65) .

ويبدو أنّ «المُقَلِّدة» كانوا جماعةً معيّنة ، بحيث وجّه الشيخ المفيد إليهم رسالة خاصّة فنجد في مؤلّفاته «الرسالة إلى أهل التقليد»(66) .

وأطلق الشيخ الطوسي على الحَشْويّة أيضاً اسم :

8 - «غَفَلَة أصحاب الحديث» :

فقال في جواب الاعتراض على العمل بخبر الواحد في ما طريقه العلم من الاعتقاديات ، كما وجب العمل به في غيرها ، ما نصّه : إنّ الذي ذكروه مجرّد الدعوى ممّن يرجع إلى الأخبار في هذه المسائل ، فلا يمكن إسناد ذلك إلى قومٍ علماء متميّزين ، وإن قال ذلك بعضُ «غَفَلَة أصحاب الحديث» فذلك لا يُلتفت إليه(67) .

ويُطْلَق عليهم :

9 - «أهل الحديث» :

وقد ذكر المازني صفات أهل العلم ، فقال : . . . أهل الحديث فيهم حَشْوٌ ورقاعة . . .(68) .

وجمع كثيرٌ من العلماء بين اسمي «الحَشْويّة» و «أهل الحديث» فجعلوا أحدهما بياناً للآخر ، كالفضل بن شاذان(69) .

فعنون لأقاويل أصحاب الحديث ، وهو يعني العامّة منهم ، وقال : ومنهم العامّة أصحاب الحديث مثل سفيان الثوري ، ويزيد بن هارون ، وجرير بن عبداللَّه ، ووكيع بن الجرّاح ، وأشباههم من العلماء الذين يروون . . .(70) .

فذكر مجموعةً من أحاديث الجبر والتشبيه .

وعلّق على روايتهم «أنّ الزُهرة وسهيلاً مُسِخا كوكبين» فقال : «هكذا تقول الحَشْويّة أصحاب الحديث»(71) .

ومحقّق الكتاب السيّد الأرمويّ وَضَعَ بين الكلمتين حرف العطف [و] بين المعقوفتين في المتن ، ثمّ علّق بقوله : هذه العبارة في الأصل بدون حرف العطف ، لكن المتعارف في ألْسِنة أهل التصنيف والتأليف والتحقيق استعمالهما - عند الاقتران - مع حرف العطف ، وذلك لأنّ بين معنييهما - أعني : بين «الحَشْويّة» وبين «أصحاب الحديث »- فرقاً ، إلّا أنّ حيث لهما مشتركات في العقائد الواهية يُطلقون اللفظتين معاً عند البحث عن عقائدهم هذه ومقالاتهم تلك(72) .

أقول : بما أنّ مذهب الحَشْويّة ، ليس مُبْتنياً على قواعد وأُسس وأُصول عقيدية ، وإنّما هو منهج للتعامل مع النصوص والأخذ منها ، وهو الالتزام فيها ، على ظاهر اللفظ ، من دون تأويل ، كما سيأتي ، فمن التزم بهذا ، سُمّي «حشويّاً» من أي مذهبٍ كان . وقد مرّ أنّ ابن المرتضى الزيدي قال : لا مذهب لهم مُنْفَرِد(73) .

وأصحاب الحديث هذا شأنهم ، وإن اختلفوا في ما بينهم في الالتزام بقواعد الجرح والتعديل ، واعتماد بعضهم على ما اعتبروه من الحديث «صحيحاً» حسب ما وضعوه من القواعد والمخترعات المصطلحة . وعدم اعتماد بعضهم الآخر على تلك القواعد ، والتزامهم بكلّ ما روي ، ممّن هبّ ودبّ .

قال ابن الجوزي : في «ذكر تلبيس إبليس على أصحاب الحديث» ما نصّه : إنّ قوماً استغرقوا أعمارهم في سماع الحديث والرحلة فيه ، وجمع الطرق الكثيرة ، وطلب الأسانيد العالية ، والمتون الغريبة ، وهؤلاء على قسمين :

قسمٌ قصدوا حفظ الشرع بمعرفة صحيح الحديث من سقيمه ، وهم مشكورون على هذا القصد ، إلّا أنّ إبليس يلبّس عليهم ، بأن يشغلهم بهذا عمّا هو فرض عين ، من معرفة ما يجب عليهم في أداء اللازم والتفقّه في الحديث .

إلى أن يقول عن زمانه : فقلّ أن يمكن أحداً أن يجمع بين الأمرين [الحديث والفقه‏] فترى المحدّث يكتب ويسمع خمسين سنة ، ويجمع الكتب ، ولا يدري ما فيها ، ولو وقعت له حادثة لافتقر إلى بعض أحداث المتفقّهة .

وقال : وبهؤلاء تمكّن الطاعنون على المحدّثين ، فقالوا : «زوامل أسفارٍ لا يدرون ما معهم» .

فإن أفلح أحدهم ونظر في حديثه ، فربّما عمل بحديثٍ منسوخٍ ، وربّما فهم من الحديث ما يفهم العامي الجاهل ، وعمل بذلك ، وليس بالمراد من الحديث(74) .

ثمّ ذكر أمثلة من غلط المحدّثين واعتمادهم على الكلمات المصحّفة ، وعملهم على ذلك ، لقلّة فقههم .

إلى أن قال : فانظروا إلى هاتين الفضيحتين : فضيحة الجهل ، وفضيحة الإقدام على الفتوى بمثل هذا التخليط(75) .

ثمّ ذكر القسم الثاني من أصحاب الحديث ، فقال :

القسم الثاني : قومٌ أكثروا سماع الحديث ، ولم يكن مقصودهم صحيحاً ، ولا أرادوا معرفة الصحيح من غيره، بجمع الطرق ، وإنّما كان مرادهم العوالي والغرائب ، فطافوا البلدان ، ليقول أحدهم : «لقيتُ فلاناً» و «لي من الأسانيد ما ليس لغيري» و «عندي أحاديث ليست عند غيري» . إلى أن قال : وهذا كلّه من الإخلاص بمعزلٍ ، وإنّما مقصودهم الرئاسة والمباهاة ، ولذلك يتّبعون شاذّ الحديث وغريبه(76) .

وقال ابن الجوزي : ومن تلبيس إبليس على «أصحاب الحديث» قدح بعضهم في بعض طلباً للتشفّي ، ويخرجون ذلك مخرج الجرح والتعديل الذي استعمله قدماء هذه الاُمّة للذبّ عن الشرع(77) .

أقول : ولجوء أصحاب الحديث القدماء إلى الجرح والتعديل ، لم يكن دائماً كما زعم «للذبّ عن الشرع» فإنّ المتتبّع يجد في أعمالهم إعْمالاً للأغْراض التي ذكر ابن الجوزي بعضها ، واتّباعاً للأساليب التي استهجنها من قبيل التدليس في الشيوخ والأسماء ، والإخفاء للأحاديث ، ورواية الموضوعات ، وغير ذلك ، ممّا يدلّ على أنّ أساليبهم في الجرح والتعديل غير سليمة ، وأغْراضهم في التزامها غير صادقة(78) .

ومع هذا فالقسمان من «أصحاب الحديث» يشتركان في هذه الجهة ، كما أنّهما يشتركان في الأهمّ من ذلك ، وهو التزامهم بما وردت بها الأحاديث الغريبة من ظواهر التشبيه والتجسيم .

وهؤلاء هم الذين ذكرهم ابن حبّان بقوله : لم يكن هذا العلم [يعني علم الحديث‏] في زمان قطُّ تعلُّمهُ أوجبَ منه ، لأنّهم اشتغلوا في العلم - في زماننا هذا - وصاروا حزبين :

فمنهم طلبةُ الأخبار ، الذين يرحلون فيها إلى الأمصار ، وأكثرُ همّهم الكتابة والجمع ، دون الحفظ والعلم به وتمييز الصحيح من السقيم ، حتّى سمّاهم العوام «الحَشْويّة» .

والحزب الآخر : المتفقّهةُ الذين جعلوا جُلّ اشتغالهم بحفظ الآراء والجدل ، وأغْضَوا عن حفظ السنن ومعانيها وكيفية قبولها وتمييز الصحيح من السقيم منها ، مع نبذهم السنن قاطبةً وراء ظهورهم(79) .

وإليهم لَمَزَ الخطيبُ البغدادي بقوله : ولتعلم أنّ الإكثار من كتب الحديث وروايته لا يصير بها الرجل فقيهاً ، وإنّما يتفقّه باستنباط معانيه وإنعام النظر فيه .

قال ذلك في كتاب «نصيحة أهل الحديث»(80) .

كما أنّ الرامْهُرْمُزي خاطب «أهل الحديث» بقوله : ودَعُوا ما به تُعَيَّرون من : تتبّع الطرق ، وتكثير الأسانيد ، وتطلُّب شواذّ الأخبار ، وما دَلَّسَهُ المجانين وتَبَلْبَلَ فيه المغفّلون .

ثمّ استنكر على مَنْ سمّاهم «الحَشْويّة ، والرعاع» ويزعم أنّهم «أغثار وحملة أسفار»(81) .

وهذه النصوص تدلّ أنّ «أهل الحديث» ليسوا غير «الحَشْويّة»(82) .

وقال ابن الجوزي : واعلم أنّ «عموم المحدّثين» حملوا ظاهر ما تعلّق من صفات البارئ - سبحانه - على مقتضى الحسّ ، فشبّهوا ، لأنّهم لم يخالطوا الفقهاء فيعرفوا حمل المتشابه على مقتضى المحكم(83) .

بل زاد هؤلاء على أُولئك أن حكموا بصحّة هذه الأحاديث ، وأثبتوها في كتبهم التي سمّوها «الصحاح»!

فجميع مَنْ سُمُّوا «أصحاب الحديث» ومَنْ سُمُّوا «الحَشْويّة» يشتركون في أهمّ ما تميّز به الحَشْويّة من التصرّفات وهي :

الالتزام بظواهر ما في الأحاديث ، ونفي تأويلها .

وتقليد السَلَف في طريقة العقائد ، بالاعتماد على الأخبار المرويّة .

وعدم تحكيم العقل في معانيها . وغيرها من الميّزات التي سنذكرها عن الحَشْويّة .

فمَنْ جمع بين الاسمين «الحَشْويّة» و «أصحاب الحديث» جاعلاً أحدهما بياناً للآخر ، فقد قصد اتّحادهما في هذه التصرّفات ، واشتراكهما في هذه الالتزامات .

ومَنْ عطف أحدهما على الآخر(84) فقد يكون قد فسّر الاسمين بالعطف التفسيري ، وقد يكون قصد هذا الاشتراك .

كما يشتركون في خلافهم للمسلمين في مسألة القرآن .

وقد نسب السيّد المرتضى ذلك إلى «بعض أصحاب الحديث» فقال : إنّ الخلاف في ذلك مضافٌ إلى قومٍ من أصحاب الحديث نقلوا أخباراً ضعيفةً ظنّوا صحّتها(85) .

وذكرهم الشيخ المفيد بقوله : أخبار الآحاد لا توجب علماً ولا عملاً ، وروايتها عمّن يجوز عليه السهو والغلط ، وأصحاب الحديث ينقلون الغثّ والسمين ، ولا يقتصرون في النقل على المعلوم ، وليسوا بأصحاب نَظَرٍ وتفتيشٍ ولا فكرٍ في ما يروونه وتمييز ، فأخبارهم مختلطةٌ لا يتميّز منها الصحيح من السقيم إلّا بنظرٍ في الاُصول ، واعتمادٍ على النظر الذي يوصل إلى العلم بصحّة المنقول(86) .

وقد ذكر المفيد «أصحاب الحديث» في مواضع من مصنّفاته :

1 - منها - في القول في الإجماع ، وأنّه حُجّة لوجود قول الإمام عليه السلام مع المجمعين - قال : «وهذا مذهب أهل الإمامة خاصّةً ، ويُخالفهم فيه المعتزلة ، والمرجئة ، والخوارج ، وأصحاب الحديث من القدَرَيّة وأهل الإجبار»(87) .

2 - ومثله - في القول في كلام عيسى عليه السلام في المهد - وأنّه كان منه على كمال عقل وثبوت تكليف وأداء واجب ، وبعد نبوّة حصلت له - قال : وهذا مذهب أهل الإمامة بأسرها ، وجماعة من أهل الشيعة غيرها ، وقد ذهب إليه نفر من المعتزلة وكثير من أصحاب الحديث . . .(88) .

وهنا خصّ الاسم بغير الإمامية . . كما هو واضح .

3 - ومنها - في القول في كلام المجنون والطفل ، وهل يكون فيه كذب أو صدق أو لا؟ وانّه لا يحكم عليه حتّى يعلم القصد من قائله والنيّة فيه - قال : وهذا مذهب جماعة من أهل العدل . . . ويذهب إليه قوم من الشيعة العدلية وطائفة من المرجئة ، وقد خالف فيه بعض المعتزلة ، وجماعة من الخوارج وأصحاب الحديث(89) .

4 - وعبّر في مورد ب «عقلاء أصحاب الحديث» في سياق المعتزلة والخوارج وأهل العدل والمرجئة(90) .

وخصّ الشيعة منهم بالذكر في موارد :

1 - منها قوله في تفسير الأمانة في قوله تعالى : {إنّا عرضنا الأمانة على السموات والأرض . . .} الآية 72 من سورة الأحزاب 33 - قال : ولطائفة تنسب إلى الشيعة - وهم بَراء منهم - تأويل هذه الآية ، بعيد من الصواب .

ولقومٍ من أصحاب الحديث الذاهبين إلى الإمامة جواب تعلّقوا به من جهة بعض الأخبار(91) .

2 - وسمّاهم - في القول في نزول الملكين على أصحاب القبور ، وأنّه لا يتوجّه إلّا إلى الإحياء بعد الموت - قال : وهذا هو مذهب حملة الأخبار من الإمامية ، ولهم فيما سطّرت منه آثار ، وليس لمتكلّميهم من قبل فيه مقال عرفته فأحكيه(92) .

3 - وفي نزول آية التطهير (الآية 33 من سورة الأحزاب 33) في بيت اُم سلمة ، قال : فلم يختلف أصحاب الحديث من الناصبة ، ولا أصحاب الحديث من الشيعة في خصوصها(93) .

4 - ونقل في مسألة العدد ، في «جواب أهل الموصل» عن علماء الشيعة وفقهائها وأصحاب الحديث منها(94) .

5 - وجاء في كلام السيّد المرتضى في الحكايات التي سأل فيها المفيد ما نصّه : فإنّي لا أزال أسمع المعتزلة يدّعون على أسلافنا أنّهم كانوا - كلّهم - مشبهة ، وأسمع المشبّهة من العامّة يقولون مثل ذلك ، وأرى جماعةً من أصحاب الحديث من الإمامية يطابقونهم على هذه الحكاية(95) .

وقد تصدّى الشيخ المفيد لهؤلاء وآرائهم الفاسدة المبتنية على الالتزام بمطلق الأخبار ، ففي مؤلّفاته كتاب باسم (مقابيس الأنوار في الردّ على أهل الأخبار)(96) . وذكرهم الشيخ الطوسي نقلاً عن أبي نصر ، هبة اللَّه بن محمّد بن أحمد المعروف بابن برينة الكاتب ، قال : «حدّثني بعض الشراف(97) من الشيعة الإماميّة أصحاب الحديث»(98) .

ونقل الفقيه يحيى بن سعيد الحلّي ، قال : قال الشيخ أبو جعفر الطوسي رحمه الله في التهذيب : وقال قوم من أصحابنا من أصحاب الحديث : يجب الوضوء من المذي إذا كان عن شهوة واستدلّ بما رواه الصفّار(99) .

ويشترك «أصحاب الحديث» و«الحَشْويّة» في ادّعاء نسبة عقائدهم إلى السَلَف ، فيتسمَّوْنَ بالسلفية !

وهم يحاولون بذلك تبرئة أنفسهم من مغبّة الآراء الباطلة ، والمخالفة لأدلّة العقل السليم والنقل الصحيح ، فهم يُسندون جميع أقوالهم إلى غيرهم من الأموات السالفين ،ويزعمون أنهم يقلّدونهم في أفكارهم عقيدة وشريعة!

بينما أولئك إما لا رأى لهم في تلك المسائل‏فهم برءاءُ مما ينسبه إليهم هؤلاء الحشويّة ، أو هم قاصرون عن إدراكها ، أو لا حجيّة لالتزاماتهم وأقوالهم .

ولكن اغترّ بعض بهذه التسمية الرنّانة ، لما في النفوس من التقديس للسلف الصالح .

قال السُبكي : الحَشْويّة طائفةٌ ضلّوا عن سواء السبيل .

وقيل : المراد بالحشويّة : طائفة لا يرون البحث عن آيات الصفات التي يتعذّر إجراؤها على ظاهرها ، بل يؤمنون بما أراد اللَّه ، مع جزمهم بأنّ الظاهر غير مراد ، ويفوّضون التأويل إلى اللَّه .

قال السبكي : وعلى هذا إطلاق «الحَشْويّة» عليهم غير مستحسن ، لأنّه مذهب السَلَف (100) .

أقول : في كلامه مواقع للنقض :

فقوله : «مع جزمهم بأنّ الظاهر غير مراد» :

هذا منافٍ لما ثبت عن «الحَشْويّة» من حمل الأخبار على الظواهر ، فلهذا سمّوا :

10 - «الظاهرية» أيضاً .

ولو كان ذلك مذهب السَلَف - كما زعم - لما نَسَبَ الحَشْويّة أنفسهم «سلفيّة» كما هو الرائج عندهم اليوم - في عصرنا - .

وقوله : «يفوّضون التأويل إلى اللَّه» :

هو إثبات للتأويل ، مع أنّ المعروف عن السَلَف - في زعمهم - هو «نفي التأويل» وردّه ، والالتزام بالمعنى الظاهر ، وأنّه المراد ، إلّا أنّهم يمنعون عن السؤال عنه ب «كَيْفَ؟» وهو مذهب «البلكفة»؟

فهل تخفى هذه الحقائق على السُبْكيّ ، حتّى قال ذلك الكلام المتناقض؟

مع أنّ نسبة ما قالوه إلى السَلَف ، لا يخلّصهم من مغبّة ما في معتقداتهم من الفساد والبطلان؟ لأنّه محض التقليد في المعتقَد ، وهو لا يقلبُ الباطل حقّاً .

وقال الكوثري : وهم مهما تظاهروا باتّباع السَلَف ، إنّما يُتابعون السَلَف الطالح دون الصالح .

ولا سبيل إلى استنكار ما كان عليه السَلَف الصالح من إجراء ما ورد في الكتاب والسنّة المطهّرة المشهورة - في صفات اللَّه سبحانه - على اللسان ، مع القول بتنزيه اللَّه سبحانه تنزيهاً عامّاً بموجب قوله تعالى : «ليس كمثله شي‏ء» بدون خوضٍ في المعنى ، ولا زيادة على الوارد ، ولا إبدال ما وَرَدَ ممّا لم يرِدْ وفي ذلك تأويلٌ إجماليٌّ(101) .

11 - «الأخبارية»

نسبةً إلى الأخبار ، وهي الأحاديث .

وقد جاءت عبارة «طريقة أهل الأخبار» في ترجمة أحمد بن محمّد بن خالد البرقي .

قال ابن الغضائريّ : طعن القمّيون عليه ، وليس الطعنُ فيه ، إنّما الطعنُ في مَنْ يروي عنه ، فإنّه كان لا يُبالي عمّن يأخُذُ ، على طريقة أهل الأخبار(102) .

وأُطلقت «الأخبارية» على الحَشْويّة لالتزامهم بها في آرائهم سواء العقائدية أم الفقهيّة العمليّة ، واحتجاجهم بها في كلّ ذلك .

وقد سمّاهم بذلك الشهرستاني ، في مقابل «الكلامية»(103) .

واشتهر هذا الاسم بين المتأخّرين من «الشيعة الاثنى عشرية» فأطلق على مَن التزم الأخبار والأحاديث واستند إليها ، على نحو ما نسب إلى الحَشْويّة وأهل الحديث من العامّة .

بل ، خصّ الشهرستاني هذا الاسم بالفرق الشيعيّة ، فقال في عداد «الإمامية» : إنّهم كانوا في الأوّل على مذهب أئمّتهم في الأُصول ، ثمّ لمّا اختلفت الروايات عن أئمّتهم ، وتمادى الزمان ، اختارت كلّ فرقةٍ منهم طريقاً : فصارت الإمامية :

بعضها «معتزلة» : إمّا وعيديّة ، وإمّا تفضيلية .

وبعضها «أخبارية» إمّا مشبّهة ، وإمّا «سلفيّة»(104) .

وشرح التهانوي هذا الكلام ، فقال : إلى «أخبارية» : يعتقدون ظاهر ما وردت به الأخبار المتشابهة ، وهؤلاء منقسمون إلى : مشبّهة : يُجرون المتشابهات على أنّ المراد بها ظواهرها ، و«سَلَفِيّة» : يعتقدون أنّ ما أراد اللَّه بها حقٌّ بلا شبهةٍ ، كما عليه السَلَف .

وكذلك أعاد الكلام في مادّة «إماميّة»(105) .

وفي مادّة «سلف» قال : «السَلَفِيّة فرقة من الإماميّة»(106) .

ومهما يكن : فإنّ الشهرستاني خصّ «الأخبارية» بالإمامية ، لكن تفصيله وتفسيره يعمّ مَن التزم بما التزموا من الاعتقاد بالظواهر ، وهم الظاهرية الحَشْويّة من العامّة .

ومن الجدير بالذكر أنّ العلّامة الحلّي - ذكر في نهاية الاُصول : «إنّ الأخباريين لم يعوّلوا في أُصول الدين وفروعه إلّا على أخبار الآحاد»(107) .

فيكون موافقاً لما نسبه الشيخ الطوسي في العدّة(108) إلى «المُقَلِّدة» و «غفلة أصحاب الحديث» كما صرّح به الشيخ الأنصاري في رسائله مكرّراً(109) .

وسيأتي بيان موقف الحَشْويّة من الأخبار ، في الفصل الثالث من هذا البحث .

وأمّا كلمة «الحَشْويّة» فاختصّ إطلاقها عند أهل الملل والنحل بالظاهرية من العامّة من أهل الحديث ، وعمّمت على الذين التزموا بمنهج الحشويّة في التعامل مع الأخبار والأحاديث ، بحملها على ظواهرها ، والمنع من تأويلها ، وتقليد السَلَف - حسب زعمهم - في ذلك ، ولو كانوا من أهل المذاهب الاُخرى ، فإنّ الحَشْويّة - كما قال ابن المرتضى الزيدي - : لا مذهب لهم منفرد(110) .

وقد عرفت من خلال ما تقدّم أنّ العلماء أطلقوا عليهم أسماء عديدة تتناسب مع معتقداتهم والتزاماتهم . ويقابل كلّ مصطلح اسم للفرقة المعارضة لهم ، مثل : المعتزلة والكلامية ، وأهل النظر ، وأهل التنزيه ، والعدلية ، والمجتهدين ، والفقهاء .

ومعرفة المراد من كلمة «الحَشْويّة» تبتني على القرائن الحافّة بالكلام في كلّ مقام .

فإذا أُطلقت فهي منصرفة إلى أهل الحديث من العامّة ، وكذا لو اقترنت باسم من يقابلهم من الفرق .

مثلاً قال السيّد الشريف المرتضى حول صيانة القرآن الكريم : «إنّ مَنْ يُخالف هذا الباب من «الإماميّة» و «الحَشْويّة» لا يُعتدُّ بخلافهم ، فإنّه مضافٌ إلى قومٍ من «أصحاب الحديث» نقلوا أخباراً ضعيفةً ظنّوا صحّتها ، لا يُرجع إلى مثلها عن المعلوم المقطوع عليه(111) .

وهذا الكلامُ واضحُ الدلالة على أنّ المراد ب «الحَشْويّة» فيه هم العامّة ، لمقابلته للإماميّة .

وأمّا قوله «أصحاب الحديث» فهو أعمّ من الخاصّة والعامّة . إذْ من المعلوم أنّ المخالفة المذكورة المستندة إلى الأخبار هي من عمل الحَشْويّة كلّها ، كما سيأتي ذكره .

فمع أنّ السيّد الشريف المرتضى وغيره من متكلّمي الإمامية صرّحوا في كتبهم بأنّ المخالفين في مسألة القرآن هم شرذمةٌ من العامّة الحَشْويّة ، و المُقَلِّدة من الخاصّة .

ومع أنّ أعلام الإمامية ومحقّقيهم يردّون على هؤلاء جميعاً بقولٍ واحدٍ ، وبملاكٍ واحدٍ ، وهو أنّ مستندهم في الخلاف هي أخبار ظنّيةٌ ، لا يُعارَض بمثلها النصُّ القرآنيّ القطعيُّ الثابتُ بالتواتُر الموجب للعلم .

ولم يفرّقوا في الردّ بين الحشوي العامّي والمقلّد الإمامي ، لأنّ القرآن أعزّ عليهم من آراء الرجال .

لكنّ بعض ذيول الحَشْويّة في عصرنا يُحاول تجاوُزَ كلّ الحقائق ، والتعامي عن الحقّ الذي ذكره المرتضى ، والتغابي في فهم كلامه؛ فيقول :

وكأنّ الجملة الأخيرة تُشير إلى ما ذهب إليه الإخباريّون من الشيعة من القول بهذا الضلال(112) .

يريد هذا الحشويُّ الانتصار للحشوية من العامّة ، بتبعيدهم عن القول بالخلاف في الباب ، مع أنّ ما رووه في ذلك من الروايات والأخبار والأحاديث سوّدت صحائف من (صحاحهم) وشوّهت مجلّدات من كتبهم ، ممّا لا يخفى أمره حتّى على العميان!

ولم يكن لجميع تلك الروايات الموضوعة والمفتعلة أدنى أثَرٍ في قُدس القرآن وعظمته وسلامة نصّه ، بحمد اللَّه ووعده بحفظه .

فإذا كان السيّد المرتضى بصدد الردّ على الحَشْويّة - سواء من العامّة أو الخاصّة - فهذا يعني الدفاع عن القرآن وتنزيهه عمّا يريده المخالفون ، ويرويه الحَشْويّة ، ويستندون إليه في مخالفتهم لسلامته .

فالقفاري يريد من محاولته هذه تصويب الحَشْويّة من العامّة في ما افتروه من الضلال اعتماداً على ما رووه من أحاديث الحشو ، المخالفة لحقّ القرآن .

ولو كان القفاريّ يرى صحّة تلك الروايات ، لوجودها في كتب يسمّيها «الصحاح» فليعتبر :

1 - أنّ تلك الروايات - مهما بلغت من الصحّة - إنّما هي آحاد ظنيّة ، فهي لا تقابل قطعيّة القرآن ، ولزوم كون آياته معلومةً باليقين .

وهذا هو ما صرّح به السيّد المرتضى في كلامه ، وردّ به على الحَشْويّة .

فلماذا يغضبُ القفاري ويُثار؟! من قول الحقّ؟؟

2 - وإن التزم القفاريّ - دفاعاً عن الحَشْويّة - بأنّ لتلك الروايات محملاً صحيحاً وتوجيهاً مقبولاً لا يتنافى وسلامة القرآن ، فليحمل روايات «الأخبارية» على ذلك أيضاً ، حتّى لا يعرِّضَ القرآنَ لشبهة المخالفة .

والسيّد الشريف المرتضى والمحقّقون من أعلام الاُمّة ، يردّون على الحَشْويّة خلافهم في سلامة القرآن .

ومحاولة القفاريّ فاشلة ، لأنّ الحَشْويّة لا يقبلون ما يتخيّله القفاري وجهاً لحمل تلك الروايات ، ويُصرّون على الالتزام بظاهرها الدالّ على الخلاف .

وسيأتي التفصيل عن هذا في الفصل الثالث من هذا البحث .

ومهما يكن فإنّ وجود الالتزام بملتزمات الحَشْويّة ، من بعض المحسوبين على العامّة ، كالسلفية قديماً أو حديثاً ،و من بعض الإماميّة ، كالأخبارية - قديماً أو حديثاً - يدلّ على وجود المتّخذين لهذا المنهج الباطل بين الأمّة جمعاء .

فإطلاق الحَشْويّة ، وإن كان ينصرف إلى العامّة ، لكنّ صدقه على غيرهم من أهل المذاهب ، ممّن التزم بمنهجهم ، أمرٌ واضحٌ ، كما أنّ إطلاق اسم «السَلَفِيّة» عليهم كذلك .

وقد ورد إطلاق اسم «الحَشْويّة» على من التزم بمنهج العامّة في حجيّة الخبر الواحد ، ممّن نسب إلى التشيّع :

فذكره الشيخ المفيد في مواضع من كتبه ، كما سبق :

منها في القول في رؤية المحتضرين للمعصومين عليهم السلام(113) .

وصرّح في تفسير حديث الأشباح بقوله : «الحَشْويّة من الشيعة : الذين لا بَصَرَ لهم بمعاني الأشياء ولا حقيقة الكلام»(114) وقد مرّ نقله .

والمحقّق الحلّي ، قال : «أفرط الحَشْويّة في العمل بخبر الواحد ، حتّى انقادوا لكلّ خبر»(115) .

وكذلك أطلق الاسم على أهل العَدَد في شهر رمضان ، فقال : «إنّ قوماً من الحَشْويّة يزعمون أنّ شهور السنة قسمان : ثلاثون يوماً ، وتسعة وعشرون يوماً ، فرمضان لا ينقص أبداً»(116) كما سيأتي مفصّلاً .

وعبّر عنهم ابن فهد الحلّي - في مسألة العَدَد في أيّام شهر رمضان - بقوله : «شذّاذ من أصحابنا»(117) .

وكذلك أطلق الاسم على الأخبارية الشيخ حسن النجفي صاحب الجواهر ، في مسألة «الإخفات في التسبيح في الأخيرتين في ظهر الجمعة» فحكم بالإسرار ، وقال : ولعلّه إلى ذلك أشار العلّامة الطباطبائي بقوله :

ويلزم الإخفات في الذكر البَدَلْ‏

بالأصل ، والنقل ، وظاهر العَمَلْ‏

وقال : مضافاً إلى موافقته للاحتياط أيضاً ، ضرورة أنّه لم يقل أحدٌ من معتبري الأصحاب بوجوب الجهر ، وإن ظُنَّ من عبارة الصدوق ، لكنّه وَهْمٌ واضح .

نعم أفتى به بعض الحَشْويّة المخلّطة في عصرنا وما قاربه ، كما أنّ بعضهم - أيضاً - واظب على الجهر بالقراءة في الأخيرتين ، المعلوم - عند الإمامية - بطلانه .

ثمّ اعتبر ذلك من القائل : بدعةً من البدع القبيحة ، أجار اللَّه المذهب منها ومن أهلها(118) .

وقد عرفت أنّ الشيخ الأنصاري (ت‏1281ه) جعل «الأخباريين» هم «المُقَلِّدة» و «غفلة أصحاب الحديث» وأنّهم «الذين لم يعوّلوا في أُصول الدين وفروعه إلّا على أخبار الآحاد»(119) .

ممّا يدلّ على استمرار هذا المنهج إلى عصره .

ومهما كان ، فلا مشاحّةَ في الأسماء ، فإنّها اصطلاحاتٌ تتبعُ مُراد الواضعين ، ولا ضَيْرَ بها على مَنْ لا تنطبقُ عليه ، حتّى لو ادّعى ذلك المُدّعون .

والأمرُ الذي نُعلنُهُ هو أنّا لا نهابُ أحداً في ذكر واقعٍ ، ولا نُغمِصُ الأعينَ عن الموجود ، اتّباعاً للطائفيّة المقيتة أو على حساب المقدّسات ، فالحشويّ مهما كان شيعياً أو من العامّة ، فطريقتُهُ مرفوضةٌ وفكرهُ منبُوذٌ ، لا كما يُحاول المُسْتسْلِفُون قديماً وفي عصرنا ، من إنكار الحقائق والواقعيّات ، فلا يعترفون بوجود الحشويّة في ماضيهم وحاضرهم ، ويحاولون اتّهامَ المذاهب الأخرى فقطْ بها ، كما رأيْنا ابن تيميّة الحرّاني يصنعُ قديماً والقفاري وإخوانه المُتدَكْتِرين حديثاً ، وإنْ لم يبقَ لكلام أمثال هؤلاء أدنى وقعٍ عند العلماء .

وإنّما المهمّ معرفة ما يُميّزُ الحَشْويّة ، من بين الفرق وأهل الأهواء ، من الآراء والملتزَمَات ، حتّى يكون الملتزِم بها «حشويّاً» من أيّ الفرق والمذاهب كان .

وهذا ما سنقدّمه في الفصل الثاني من بحثنا بعون اللَّه .

الحَشْويّة والحنبليّة :

اشتهر انتساب الحَشْويّة إلى مذهب أحمد بن حنبل (ت‏241ه) حتّى كان من المسلّمات التي لم يكن لأشدّ الناس عصبيةً وعناداً إنكاره .

فلمّا ذكر الرجل الأشعري قوله : لا ريبَ أنّ الإمامَ أحمد إمامٌ عظيمُ القدر ، ومن أكبر أئمّة الإسلام ، لكن قد انتسب إليه أُناس ابتدعوا أشياء . . . .

وذكر في كلامٍ : إنّه انتسب إلى أحمد ناسٌ من الحَشْويّة والمشبّهة .

لم يُنكر ابنُ تَيْمِيَّة الحرّاني هذا الانتساب ، بل أقرّ به ، ولكنّه - على عادته - انتقل منه إلى المراوغة ، فاسمعه يقول :

فقلتُ : أمّا هذا فحقٌّ .

وليس هذا من خصائص أحمد ، بل ما من إمامٍ إلّا وقد انتسبَ إليه أقوامٌ هو منهم بري‏ءٌ .

قد انتسبَ إلى مالك أُناسٌ ، مالكٌ بري‏ءٌ منهم .

وانتسبَ إلى الشافعي أُناسٌ ، هو بري‏ءٌ منهم .

وانتسبَ إلى أبي حنيفة أُناسٌ ، هو بري‏ءٌ منهم .

وقد انتسبَ إلى موسى عليه السلام أُناسٌ ، هو منهم بري‏ءٌ .

وانتسبَ إلى عيسى عليه السلام أُناسٌ ، هو منهم بري‏ءٌ .

وقد انتسبَ إلى عليّ بن أبي طالب‏[عليه السلام‏] أُناسٌ ، هو بري‏ءٌ منهم .

ونبيّنا[صلى الله عليه وآله وسلم‏] قد انتسبَ إليه من القرامطة والباطنيّة وغيرهم من أصناف المُلحدة والمنافقين مَنْ هو بري‏ءٌ منهم .

[وأمّا] أنّه انتسبَ إلى أحمد ناسٌ من الحَشْويّة والمشبّهة ونحو هذا الكلام . فقلتُ : المشبّهةُ والمجسّمةُ في غير أصحاب الإمام أحمد ، أكثر منهم فيهم .

هؤلاء أصناف الأكراد كلّهم شافعيّة ، وفيهم من التشبيه والتجسيم ما لا يوجد في صنف آخر .

وأهل جيلان فيهم شافعيّة وحنبليّة .

قلتُ : وأمّا الحنبليّة المحضة ، فليس فيهم من ذلك ما في غيرهم .

وكان من تمام الجواب : أنّ الكراميّة المجسّمة كلّهم حنفيّة(120) .

أقول :

أوّلاً : مع رفضنا لأُسلوب اتّهام الآخرين ، حتّى الأنبياء والأئمّة عليهم السلام في سبيل الُمحاماة عن الحنابلة ، فإنّ توسيع رقعة الاتّهام ليس موجباً للبراءة منها ، بما ورد في السؤال .

وثانياً : إنّ ما ذكره عن الآخرين ، ليس مقبولاً منه ، لأنّه دعوى بلا بيّنة ولا برهان .

وثالثاً : إنّ ما تهرّب به أخيراً من قوله : «وأمّا الحنبليّة المحضة» فهو تصريحٌ بانقسام الحنبليّة إلى محضةٍ وغير محضةٍ ، واعترافٌ آخر بوجود الاتّهام في طرف منهما .

ومع هذا ، فهذا العذر يمكن لجميع الفرق التحجُّج به ، فيقول أحدهم : «إنّ الحنفية المحضة لا تقول به» و «الشافعيّة المحضة لا تقول به . .» وهكذا .

وكأنّ الأمر كان واضحاً لدى ابن تَيْمِيَّة أنّ المعنيّين باسم «الحَشْويّة» عند الإطلاق ، ليسوا سوى الحنابلة ، فهو يكرّر مثل هذا الكلام دائماً : يقول - وهو يخاطب خصمه - : كأنّك - واللَّه أعلم - عنيتَ «بالحشوية المشبّهة» من ببغداد والعراق من الحنبلية ونحوهم ، أو الحنبلية دون غيرهم ، وهذا من جهلك ، فإنّه ليس للحنبلية قولٌ انفردوا به عن غيرهم من طوائف أهل السنّة والجماعة ، بل كلّ ما يقولونه قد قاله غيرهم من طوائف أهل السنّة ، بل يوجد في غيرهم من زيادة الإثبات ما لا يوجد فيهم(121) .

ويبقى السؤال الأوّل ، بلا جواب من ابن تَيْمِيَّة ، وهو : إنّ الحَشْويّة ينتسبون إلى أحمد بن حنبل فقط ، لماذا؟ دون غيره من العلماء والمذاهب ؟؟

وهذا أمرٌ لم يقلْ به ذلك الرجلُ الأشعري فقط ، بل ذاع وانتشر .

وورد في أكثر من مورد ومصدر ، على اختلاف تعابيرهم :

قال العفيف اليافعي في كتاب (مَرْهَم العلل المُعْضلة في دفع الشبه والردّ على المعتزلة) في الجزء الثالث منه : ومتأخّرو الحنابلة غَلَوا في دينهم غُلُوّاً فاحشاً ، وتَسَفّهُوا سَفَهاً عظيماً ، وجَسَّموا تجسيماً قبيحاً ، وشبّهوا اللَّه بخلقه تشبيهاً شنيعاً ، وجعلوا له من عباده أمثالاً كثيرةً ، حتّى قال أبو بكر بن العربي في (العواصم) : أخبرني من أثقُ به من مشيختي : أنّ القاضي أبا يَعْلى‏ الحنبلي كان إذا ذكر اللَّه سبحانه يقول - في ما ورد من هذه الظواهر في صفاته تعالى - : ألْزِمُوني ما شئتُمْ ، فإنّي ألتزمُهُ إلّا اللحية والعورة .

قال بعض أئمّة أهل الحقّ : وهذا كفرٌ قبيحٌ ، واستهزاءٌ باللَّه تعالى شنيعٌ ، وقائله جاهلٌ به تعالى لا يُقْتدى‏ به ولا يُلتفتُ إليه ولا مُتّبِعٌ لإمامه الذي ينتسبُ إليه(122) .

وهذا أبو يعلى‏ القاضي هو من كُبراء الحنابلة ، وصنّف لهم (طبقات الحنابلة) وهو ممّن عدّهم ابن تَيْمِيَّة من (الحنبلية المحضة)!

وهذا كلامه في التوحيد ومذهبه!

وسيجى‏ء عن السبكي في تعريفه للخطّابية من الحَشْويّة قال : يعْتَزُون إلى الإمام أحمد بن حنبل‏رضى الله عنه وهو منهم بري‏ءٌ ، ولكنّه ابتُلي بالمجسّمة(123) .

وقال العلّامة الكوثري : وبعض الحنابلة على مسلك السَلَف في التفويض ، و بعضهم انحاز إلى المعتزلة ، وكان غالبُهم - على تعاقُب القُرُون - حشويةً على الطريقة السالميّة والكراميّة ، إلى أن جعل الظاهر بيبرس قضاء القُضاة في المذاهب الأربعة لأوّل مرّة ، فأخذت تزول أمراضُهم البِدْعيّة ، وكادَ أن لا يبقى بينهم حشويّ لولا جالية (حرّان) بعد نكبة بغداد ، حطَّوا رحلَهم بالشام ، ونَبَغَ من بينهم رجلٌ . . . فإذا هو يجري على خُطّةٍ مدبّرةٍ في إحلال المذهب الحشوي تحت ستار مذهب السَلَف ، محلّ مذهب أهل السنّة(124) .

وأمّا وجه انتسابهم إلى ابن حنبل : فهذا ينشأُ من منهجهم في الالتزام بالأحاديث وما فيها من الحشو ، وحيث لم يكن في أئمّة المذاهب الأربعة مثل أحمد ابن حنبل مَنْ أكْثَرَ من رواية الأحاديث ، وجمعها ، بل هو أكثر جميع علماء العامّة المؤلّفين من حيث عدد الأحاديث التي رواها وصنّفها ، كميّاً ، فكان أقرب الأئمّة إلى مبتغى الحَشْويّة وأغراضها .

وقد نسبوا إلى أحمد نفسه أقوالاً يُضاهِئون بها أقوالهم وآراءهم .

ولا يعني هذا موافقة أحمد لهم في فعلهم وقولهم ، فإنّ في المنقولات عن أحمد ما لا يُوافق عليه الحَشْويّة والسَلَفِيّة ، بل يكفّرون القائل بها ،

وفي المنقول عنه كذلك آراءٌ مناقضةٌ لما نقله الحَشْويّة عنه موافقة لهم .

وكلّ ذلك يدلّ على اتّخاذهم له ذريعةً لإضْفاء الشرعيّة على أنفسهم ، بعد نبذ المسلمين لهم ولآرائهم .

فرق الحَشْويّة وانقساماتها :

انقسمت الحَشْويّة - شأنها شأن سائر الفرق والمذاهب - إلى أحزاب وفرق وطوائف ، وتسمّت بأسامٍ خاصّة ، حسب آرائها واتّجاهاتها وانتماءاتها ، وقد وقفنا على ما يلي :

1 - الخَطابيّة :

قال السُبكي : هم المجسمّة في زماننا ، ويرون أنّهم المسلمون ، وأنّهم أهل السنّة ، ولو عُدّوا عدداً لما بلغ علماؤهم - ولا عالمَ فيهم على الحقيقة! - مبلغاً يُعتبر .

ويكفّرون غالب علماء الاُمّة .

ثمّ يَعْتَزُون إلى الإمام أحمد بن حنبل رضى الله عنه وهو منهم بري‏ءٌ ، ولكنّه ابتُلي بالمجسّمة(125) .

وقال : وفي المبتدعة - لا سيّما المجسّمة - زيادةٌ لا توجدُ في غيرهم ، وهو : أنّهم يرون الكذبَ لنُصرة مذهبهم ، والشهادة على مَنْ يُخالفهم في العقيدة بما يسوؤه في نفسه وماله ، بالكذب ، تأييداً لاعتقادهم ، ويزدادُ حنقهم وتقرّبهم إلى اللَّه بالكذب عليه بمقدار زيادته في النيل منهم .

فهؤلاء لا يحلُّ لمسلمٍ أن يعتبر كلامهم .

وقال : نصّ الشافعي على عدم قبول شهادة الخَطّابيّة - وهم المجسّمة الذين يَعْتَزُون إلى أحمد بن حنبل وهو منهم بري‏ءٌ - وأصحابُ هذه الطريقة يقولون : لو شهد خطّابيّ ، وذكر في شهادته ما يقطعُ احتمال الاعتماد على قول المدّعي . . . قبلتْ شهادتُه .

وقد تزايد الحالُ بالخطابيّة . . وبلغني أنّ كبيرهم استُفتي في شافعيٍّ : أيُشهدُ عليه ، بالكذب؟

فقال : ألستَ تعتقدُ أنّ دَمَهُ حلالٌ؟ .

قال : نعم .

قال : فما دونَ ذلك دونَ دَمِهِ ، فاشهد ، وادفع فَساده عن المسلمين .

فهذه عقيدتهم(126) .

2 - السالِميّة :

قال الإسفرايني : وجماعة من متكلّمي البصرة يُقال لهم : (السالميّة) وهم من جملة الحَشْويّة ، يَتكلّمون ببدع متناقضة ، قبلوا (الحلّاج) وقالوا : إنّه كان صوفيّاً محقّقاً ، وله كلامٌ في معانٍ دقيقة في حقائق الصوفيّة(127) .

أقول : ونسبتهم إلى أحمد بن محمّد بن سالم ، أبي الحسن ، الزاهد البصري ، قال في الشذرات : شيخ السالميّة ، كان له أحوال ومجاهدات ، وعنه أخذ الأُستاذ أبو طالب صاحب القوت ، وهو آخر أصحاب سهل التستري وفاةً ، وقد خالف أُصول السنّة في مواضع ، وبالغ في الإثبات في مواضع وعمّر دهراً(128) .

3 - السَلَفِيّة :

وقد سبق أنّ الحَشْويّة تدّعي النسبة إلى السَلَف ، وقد جاء ذلك في كلام العلماء : قال السبكي : مذهب الحَشْويّة - في إثبات الجهة - مذهبٌ واهٍ ، ساقطٌ ، يظهر فساده من مجرّد تصوّره ، حتّى قالت الأئمّة : لولا اغْترار العامّة بهم ، لما صُرِفَ إليهم عنانُ الفكر ، ولا قطر القلم في الردّ عليهم .

وهم فريقان :

فريقٌ لا يتحاشى من إظهار الحشو ، {ويحسبون أنّهم على شي‏ءٍ ، ألا إنّهم هم الكاذبون‏} .

وفريقٌ يتستّر بمذهب السَلَف ، لسُحْتٍ يأكله أو حُطامٍ يأخذه أو هوىً يجمع عليه الطُغام الجهلة والرعاع السفلة ، لعلمه أنّ إبليس ليس له دأبٌ إلّا خذلان أُمّة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ولذلك لا يجمع قلوب العامّة إلّا على بدعةٍ وضلالةٍ يهدم بها الدين ، ويُفسد بها اليقين .

وفي هذا الفريق مَنْ يكذب على السابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار ، ويزعم أنّهم يقولون بمقالته .

ولو أنفق مل‏ءَ الأرض ذهباً ما استطاع أن يروّج عليهم كلمةً تصدّق دعواه .

وتستّر هذا الفريق بالسَلَف ، حفظاً لرئاسته ، والحُطام الذي يجتليه .

وهؤلاء يتحلّون بالرياء والتقشُّف فيجعلون الروث مفضّضاً ، والكنيف مبيّضاً ، ويزهدون في الذَرّة ليحصّلوا الدُرّة .

أظهروا للناس نُسْكاً

وعلى المنقوش داروا(129)

ومذهب السَلَف إنّما هو التوحيد والتنزيه ، دون التجسيم والتشبيه ، والمبتدعة تزعم أنّها على مذهب السَلَف .

وكلٌّ يدّعي وَصْلاً بِليْلى‏

وليْلى‏ لا تُقرُّ لَهُمْ بِذاكا(130) .

وقد تصدّى ابن تَيْمِيَّة لكلام السبكي هذا ، بالذات ، فقال : وأمّا قول من قال إنّ الحَشْويّة على ضربين . .

فهذا الكلام فيه حقٌّ وباطل :

فمن الحقّ الذي فيه : ذمُّ من يمثّل اللَّه بمخلوقاته ويجعل صفاته من جنس صفاتهم .

وفيه من الحقّ : الإشارة إلى الردّ على مَنْ انتحل مذهب السَلَف مع الجهل بمقالهم ، أو المخالفة لهم بزيادة أو نقصان .

فتمثيل اللَّه بخلقه ، والكذب على السَلَف : من الاُمور المنكرة ، سواء سُمّي ذلك (حشواً) أو لم يُسَمّ؟!

وهذا يتناول كثيراً من غالية المُثبتة الذين يروون أحاديث موضوعةً في الصفات ، مثل : عرق الخيل ، ونزوله عشيّة عرفة على الجمل الأورق حتّى يصافح المُشاة ويعانق الرُكبان ، وتجلّيه لنبيّه‏صلى الله عليه وآله وسلم في الأرض ، أو رؤيته له على كرسيٍّ بين السماء والأرض ، أو رؤيته إيّاه في الطواف ، أو في بعض سكك المدينة ، إلى غير ذلك من الأحاديث الموضوعة .

فقد رأيتُ من ذلك أُموراً من أعظم المنكرات والكفران ، وأحضر لي غير واحد من الناس من الأجزاء والكتب ما فيه من ذلك ما هو من الافتراء على اللَّه وعلى رسوله .

وقد وُضِعَ لتلك الأحاديث أسانيد .

حتّى أنّ منهم مَنْ عمد إلى كتابٍ صنّفه الشيخ أبو الفرج المقدسي في ما يمتحن به السُنّي من البِدعي ، فجعل ذلك الكتاب ممّا أوحاه اللَّه إلى نبيّه ليلة المعراج ، وأمره أن يمتحن به الناس ، فمَنْ أقرّ به فهو سُنّي ، ومَنْ لم يُقرّ به فهو بِدعيّ . وزادوا فيه على الشيخ أبي الفرج أشياء لم يقلها هو ، ولا عاقل .

ثمّ عاد إلى كلام السُبكي فقال : وفيه من الباطل أُمور :

أحدها : قوله : «لا يتحاشى من الحشو والتجسيم» .

ذمٌ للناس بأسماء ما أنزل اللَّه بها من سلطان ، والذي مدحُه زينٌ وذمّه شينٌ هو اللَّه ، والأسماء التي يتعلّق بها المدح والذمّ من الدين لا تكون إلّا عن الأسماء التي أنزل اللَّه بها سلطانه ، ودلّ عليها الكتاب والسنّة أو الإجماع ، كالمؤمن ، والكافر ، والعالم ، والجاهل ، والمقتصد ، والملحد .

فأمّا هذه الألفاظ (الحشو ، والتجسيم . . .) فليست في كتاب اللَّه ، ولا في حديث عن رسول اللَّه ، ولا نطق بها أحدٌ من سَلَف الاُمّة وأئمّتها ، لا نفياً ولا إثباتاً(131) .

ثمّ راح ابن تَيْمِيَّة يُطيل الكلام على التسمية ومشروعيتها ووجوهها ، ممّا يخرج عن البحث ، ولا ربطَ له بالغرض الذي تكلّم فيه السُبكي ، وهو منحصر في القسم الأوّل الذي سمّاه ابن تَيْمِيَّة «من الحقّ» .

وهذه عادة ابن تَيْمِيَّة في مناظراته : أنّه يُخرج من لبّ البحث إلى حاشية من الحواشي ، ويُهرّج على نُقطة خارجة عن لبّ البحث ومركزه ، ويُثير شبهه في اللفظ أو الإعراب أو السند ، ليملأَ الوقت وصفحات الورق ، ويُبعّد السامع والقارئ عن أصل البحث .

فهنا يُناقش في اسم (الحشو والتجسيم) ولماذا أطلقهما السبكي على الحنابلة القائلين بذلك؟

مدّعياً عدم ورود ذلك في الكتاب والسنّة ولسان السَلَف .

والجواب - بعد مُنافاة ذلك لآداب البحث وكونه تضييعاً لأصله - أنّ ابن تَيْمِيَّة أبدى جهلاً في هذا :

أوّلاً : لورود اسم (الحَشْويّة) في الحديث الذي مرّ أنّ الطبراني الحافظ أسنده في المعجم الأوسط ، والهيثمي الناقد أخرجه في مجمعه(132) وإنْ حرّفه محرّفو الكتب إلى «الحَشْيِّية» و «الخَشَبِيَّة» كما مرّ .

وثانياً : لا ملزم من الشرع والعقل ، في استعمال الأسماء المرتجلة ، التي اصطلح واضعوها لمعانيها الخاصّة ، فقد أصبح اسم (الحشو) عَلَماً تنسب إليه الطائفة (الحَشْويّة) باعتبارات شتّى‏ ، مضى‏ ذكرها .

والشأن في ذلك شأن أسماء الأعلام والكنى والألقاب ، فما هذا الضوضاء والتطويل بلا طائل حولها؟ .

وأمّا دلالة الكلمة والاسم على المدح والذمّ ، فهو يتبع المعنى الموضوع له والغرض المذكور له .

مع أنّ الإيراد مردودٌ على ابن تَيْمِيَّة نفسه ، في استعماله لكلمة (السَلَف والسَلَفِيّة والمعتزلة والجهمية) وأمثالها ممّا يتداول في البحوث ، فهل يمنع منها؟ بعنوان (ما أنزل اللَّه بها من سلطان)؟!

وأغرب ما توسّل به ابن تَيْمِيَّة في نهاية تطويله هذا ، قوله :

لا نسلّم أنّ الذين عنيتهم ، داخلون في هذه الأسماء التي ذممتها .

ولم يقم دليل شرعيّ على ذمّها .

وإنْ دخلوا فيها ، فلا نسلّم أنّ كلّ مَنْ دخل في هذه الأسماء ، فهو مذموم في الشرع(133) .

فابن تَيْمِيَّة يُراوغ هنا مع نفسه :

فقوله : «لا نُسلّم أنّ الذين عنيتهم ، داخلون . . .» يتنافى مع قوله : «وإن دخلوا فيها . . . كلّ مَنْ دخل . . .» .

والوجه في المراوغة : أنّ الدخول في الأسماء وعدمه يتبع المعنى الموضوع لهذه الأسماء ، عند واضعيها ، وعند المستعمل لها حسب الأبعاد التي فهمها .

وكذلك الذمّ عليه شرعاً ، يتبع كون الملتَزَمات التي تدخل في الاسم ، مذمومةً شرعاً .

وليس باختيار أحدٍ أن يقول : «فلان يدخل أو لا يدخل ، وإذا دخل فهو مذموم أو لا؟» حسب رغبته وهواه .

وإذا كان مقصودُ السبكي من كلمة «السَلَفِيّة . . الحَشْويّة» واضحاً ، وهو قولهم بالتجسيم للَّه جلّ وعلا؛ فكلّ مَنْ قال بذلك من الحنابلة والسَلَفِيّة وغيرهم ، مذمومٌ بفساد المعتقد وبطلانه ، بلا ريب .

فهل يعارض ابن تَيْمِيَّة كون هذا ذمّاً؟ أو هو ينفي وجود طائفة من الناس يعتقدون بذلك؟

وهو قد اعترف في كلماته الكثيرة ، بوجود مَنْ يقول بذلك ، وأظهر قبح ذلك ،

وقد ذكرنا في هذا البحث بعض كلماته المتناقضة .

ثمّ إنّ ابن تَيْمِيَّة ذكر الأمر الثاني في كلام السبكي ، فقال :

إنّ هذا الضرب الذي قلتَ : إنّه لا يتحاشى من الحشو والتشبيه والتجسيم : إمّا أن تُدخل فيه مثبتة الصفات الخبرية التي دلّ عليها الكتاب والسنّة أو لا تدخلهم؟

فإن أدخلتهم : كنتَ ذامّاً لكلّ من أثبتَ الصفاتِ الخبريةَ ، ومعلومٌ أنّ هذا مذهب عامّة السَلَف ، ومذهب أئمّة الدين ، بل أئمّة المتكلّمين يُثبتون الصفات الخبرية في الجملة ، وإن كان لهم فيها طرق ، كأبي سعيد بن كلّاب ، وأبي الحسن الأشعري ، وأئمّة أصحابه .

فما من هؤلاء إلّا مَنْ يُثبت من الصفات الخبرية ما شاء اللَّه تعالى .

وعماد المذهب عندهم إثبات كلّ صفةٍ في القرآن ، وأمّا الصفات التي في الحديث فمنهم مَنْ يثبتها ، ومنهم من لا يثبتها .

فأي ذمٍّ لقومٍ في أنّهم لا يتحاشون ممّا عليه سلف الاُمّة وأئمّتها وأئمّة الذامّ لهم .

وإن لم تُدخل في اسم الحَشْويّة مَنْ يُثبت الصفات الخبرية ، لم ينفعك هذا الكلام(134) .

وهنا بلغ ابن تَيْمِيَّة القمّة في التصريح بما عنده من الحشو ، لكنّه يُحاول أن يجرّ معه مجموعةً من الأئمّة ، مدّعياً عليهم أنّهم ممّن يُثبتون الصفات التي يسمّونها «الخبرية» مُوهماً أنّ رأيهم موجودٌ في القرآن ، وأنّهم اعتمدوا ذلك في اتّخاذه مذهباً .

ثمّ ينقضُّ على السُبكي : لماذا يذمّهم وهم أئمّة!

لكنّ ابن تَيْمِيَّة يعلمُ جيّداً أنّ السُبكيّ يعتقدُ أنّه ليس في الأئمّة من هؤلاء ومن غيرهم مَنْ يتوهّم أو يتصوّر أنّ الصفةَ تصبحُ عَيْناً وجِسْماً ، فضلاً عن أنْ ينسبها إلى ذات الباري تعالى شأنه ، بأي طريق كان ، لأنّ ذلك هو التجسيم والتشبيه ، ومن يقول ذلك فهو من الحَشْويّة ، وإن سمّيته ووصفته بالإمامة .

واتّصاف هؤلاء الرجال بالإمامة عندك ليس مانعاً أن نستنكرَ عليهم لو التزموا الباطل ، فإنّ الباطل لا ينقلب حقّاً بالتزام الرجال .

وقديماً قيل : «لا يُعرف الحقّ بالرجال ، وإنّما يعرف الرجالُ بالحقّ ، فاعرف الحقّ تعرف أهله» .

فما دام الحشو باطلاً فالحَشْويّة ليسوا إلّا أهل الباطل ، مهما نَفخت السَلَفِيّة والتيميّة في جلودهم! ومهما نادوا بهم! وعدّوهم من كبرائهم! .

ويبدو ابن تَيْمِيَّة هنا - وبعد تصريحه بأنّ السَلَف والأئمّة يعتقدون بالصفات الخبرية - متبجّحاً بالنتائج المترتّبة على اسم «الحَشْويّة» غير آبٍ أن يكون هو منهم .

وسنأتي في الفصل الثاني على تفاصيل آرائهم والتزاماتهم التي نجد ابن تَيْمِيَّة يقصع بجرّتهم‏منها ، مفتخراً .

4 - الوهابية :

ومن فرق الحَشْويّة في عصرنا الحاضر ، هم الوهابية أتباع محمّد بن عبدالوهّاب الأصفهاني النجدي ، الذي ظهر في أرض نجد ، في شرق الحجاز ، ونشر آراء ابن تَيْمِيَّة الحرّاني ، بعد أن تآمر مع أُمراء الأعراب ، فعاثوا في بلاد اللَّه فساداً ، وفي عباد اللَّه قتلاً ونهباً وتشريداً ، حتّى ملكوا .

قال الشيخ الكوثري : بعنوان : محاولة ابن تَيْمِيَّة بعث الحَشْويّة عن مرقدها :

قد استمرّت فتن المخدوعين من الرواة على طول القرون مجلبة لسخط اللَّه تعالى ولاستخفاف العقلاء من غير أن يخطر ببال عاقل أن يناضل عن سخافات هؤلاء ، إلى أن نبغ في أواخر القرن السابع بدمشق حرّانيٌّ تجرّد للدعوة إلى مذهب هؤلاء الحَشْويّة السخفاء ، متظاهراً بالجمع بين العقل والنقل على حسب فهمه من الكتب ، من دون أستاذٍ يُرشده في مواطن الزلل .

وحاشا العقل الناهض ، والنقل الصحيح أن يتضافرا في الدفاع عن تخريف السخفاء ، إلّا إذا كان العقل عقل صابئٍ ، والنقل نقل صبيٍ .

وكم انخدع بخزعبلاته أُناس ليسوا من التأمّل للجمع بين الرواية والدراية في شي‏ء ، وله مع خلطائه هؤلاء موقف في يوم القيامة لا يُغبط عليه .

ومَنْ درس حياته يجدها كلّها فتناً لا يُثيرها حاظٍ بعقله غيرُ مصابٍ في دينه(135) .

مواطن الحَشْويّة :

قيل : والغالب على أهل قم التشيّع ، وعلى أهل قاشان الحَشْويّة(136) .

وتنتشر التيمية والسَلَفِيّة منذ القدم وحتّى اليوم ، في دمشق الشام وما جاورها من البلدان ، لتأصّل جذور النصرانية واليهودية هناك وقربهم منهم ، مع وجود ابن تَيْمِيَّة وحزبه وانتشارهم وكتبهم في تلك الربوع .

وأمّا الوهابيّة ، وقلاعهم الحصينة هي أرض نجد وصحاريها التي استولوا عليها بالنار والسيف والدم ، وكذلك الأراضي المقدّسة ، حيث جثموا على صدور أهلها بالقوّة والقسوة ، وهم - بالرغم من السنين الطوال التي قضوها في حكم تلك البلاد - لم ينفُذوا في قلوب الناس ولا عقولهم ، إلّا بالتغرير لجماعات بالتطميع ، والجاه والسيطرة ، وغير ذلك من الاُمور التي لا ينغرُّ بها عن دينه مَنْ يعرف اللَّه والحقّ ويتّبع سبيل مَنْ آمَنَ .

ولهذه الأسباب بالذات نجد انتشار الدعوة الوهابيّة في أوساط الأرذال من منبوذي البلاد الإسلامية ، في مصر والهند وبنغلادش ، والپاكستان .

وتجدهم وراء كلّ فتنةٍ وخلافٍ يُحاربون كلّ حركةٍ إسلاميةٍ جادّةٍ ، ودعوةٍ علميةٍ صالحةٍ ،

ويشوّهون سمعة الإسلام والمسلمين بالآراء الباطلة ، والمظاهر الخشنة الوحشية ، باللحى المزيّفة المنفوشة المهملة ، والثياب القصيرة ، والألسنة البذيئة ، يشوّهون بمنظرهم القبيح صورة المسلمين ، ويجترئون على مقدّسات المسلمين ، ويُهينون كرامات الأولياء ومقاماتهم ، ويكفّرون ويبدّعون ويفسّقون ، حسب هواهم .

فتجدهم مع كلّ العصابات الإرهابية ، يدعمونهم بالمال والعتاد ، ويؤيّدون مواقفهم ، كجيش الصحابة في الپاكستان حيث يقتلون المصلّين في المساجد في وضح النهار ، على أساس الخلافات الطائفية .

وهم وراء عصابات الطالبان في أفغانستان ، حيث يهتكون الحرمات ، ويتاجرون بالمخدّرات علناً أمام العالم ، ممّا شوّه سمعة الدين الإسلامي .

وهم وراء إثارة العصابات في داغستان والشيشان ، حيث دمّروا البلاد وقتلوا العباد بتحريض الروس الكفّار عليهم وإبادة دولتهم وشعبهم‏هذه الأيّام .

والأنكى من كلّ ذلك : أنّهم يتعاونون مع الكفّار من نصارى ويهود ضدّ المسلمين في كلّ موطنٍ وموقفٍ ومؤتمرٍ ومجمعٍ .

ولقد صدق الكوثري في وصفهم : هُم غلاظ الطباع ، قُساة ، جُفاة ، يتحيّنون الفرص لإحداث القلاقل ، لا يظهر لهم قولٌ إلّا عند ضعف الإسلام ، ويستفحل أمر الإلحاد مع ظهور قولهم .

هكذا في جميع أدوار التاريخ(137) .

للبحث صلة .

وسنقف في الفصل الثاني على آرائهم وعقائدهم .

ومصادر البحث ستلحق بنهاية البحث .

والحمد للَّه كما هو أهله .

...................) Anotates (.................

1) لسان العرب «حشو» .

2) التعريفات (ص‏77) .

3) توضيح المقاصد شرح قصيدة ابن القيّم (2/77) .

4) التعريفات (ص‏77) .

5) تاج العروس «حشو» .

6) نقله عن التاج السُبكي في شرح مختصرابن الحاجب،في حجيّة الستة هامش (ص‏110).

7) كشّاف اصطلاحات الفنون «الحَشْويّة» وانظر شرح قصيدة ابن القيّم (2/77 - 78) .

فقد نقل عن (شرح مختصر التحرير) للتاج السبكي ، مثل ذلك وانظر حجيّة السنة هامش (ص‏110) .

8) مقدّمة تبيين كذب المفتري للأشعري (ص‏11) ومقدّمة السيف الصقيل (ص‏5) .

9) شرح قصيدة ابن القيّم (2/77-78) .

10) كشّاف اصطلاحات الفنون «الحَشْويّة» والسيف الصقيل (ص‏14) .

11) حاشية الشهاب الخفاجي على البيضاوي (1/143 - 144) وانظر حجيّة السنة (ص‏110) .

12) الحور العين (ص‏204) تحقيق كمال مصطفى - القاهرة 1367ه .

13) الروض الباسم .

14) ضياء العلوم (1/120) . لاحظ أضواء أبي ريّة ص‏383 .

15) توضيح المقاصد شرح قصيدة ابن القيّم (2/77) .

16) حجيّة السنة هامش (ص‏110) .

17) تأويل مختلف الحديث (ص‏80) .

18) المجروحين (1/11) .

19) المحدّث الفاصل بين الراوي والواعي (ص‏162) .

20) اعتقاد أهل السنّة (1/12 - 14) .

21) مجمع الزوائد (7/207) وعلّق المعلّق : في الأصل : الحَشْيِيّة .

22) المعجم الأوسط (9/93) طبعة دار الحرمين ، تحقيق إبراهيم الحسني .

23) تأويل مختلف الحديث (ص‏81) .

24) كتب ابن تَيْمِيَّة في العقيدة (3/198) في حكاية الشيخ علم الدين للمناظرة في العقيدة الواسطية .

25) منهاج السنة النبوية (2/521) .

26) بيان تلبيس الجهميّة (1/242) .

27) مجموع الفتاوى لابن تَيْمِيَّة (4/88) .

28) بيان تلبيس الجهميّة (1/244) .

29) عيون أبار الرضا عليه السلام (1/210) وفي طبعة اُخرى (195) .

30) أوائل المقالات (ص 37) مع المصنّفات(4) وفي طبعة الدكتور مهدي المحقّق (ص‏3) .

31) المصدر السابق (ص‏42) مع المصنّفات(4) وطبعة المحقّق (6) .

32) المصدر السابق (ص‏100) وطبعة المحقّق (ص‏43) .

33) المصدر السابق (ص‏103) وطبعة المحقّق (ص‏45) .

34) المصدر السابق (ص‏101) وطبعة المحقّق (ص‏44) .

35) المصدر السابق طبعة المحقّق (ص‏7) .

36) المصدر السابق (ص‏87) وطبعة المحقّق (ص‏35) .

37) المصدر السابق (ص‏74) وطبعة المحقّق (ص‏25 - 26) .

38) الإرشاد للمفيد (2/23) .

39) الإرشاد للمفيد (2/23) .

40) الإفصاح (ص‏30) .

41) المصدر السابق (ص‏91) .

42) المصدر السابق (ص‏120) .

43) المصدر السابق (ص‏130) .

44) المصدر السابق (ص‏5 - 176) .

45) الإفصاح (ص‏227) .

46) عدم سهو النبي‏صلى الله عليه وآله وسلم (ص‏23) مصنّفات المفيد (10) .

47) الفصول العشرة في الغيبة (ص‏66) نهاية الفصل الثاني .

48) الرسالة الثالثة في الغيبة للمفيد (ص‏15 - 16) مع المصنّفات (7) .

49) المسائل العكبرية (ص‏28) من المصنّفات (6) .

50) الغيبة للطوسي (ص‏125 - 126) .

51) الغيبة للطوسي (ص‏301) .

52) أساس البلاغة (نبت) .

53) تاج العروس (1/58) .

54) الفهرست للطوسي (ص‏76 رقم‏100) ورجال النجاشي (الكنى) (رقم‏1242) .

55) الفهرست للنديم ص‏229 - 231 .

56) أساس البلاغة (غثر) .

57) تأويل مختلف الحديث (ص‏80) .

58) المحدّث الفاصل (ص‏162) .

59) الملل والنحل للشهرستاني (1/89) الفصل (2) وانظر المحدّث الفاصل (ص‏162) .

60) الفصول المختارة (ص‏112 - 113) مع المصنّفات (12) .

61) عدم سهو النبي‏صلى الله عليه وآله وسلم (ص‏20) مع المصنّفات ج‏10 .

62) أوائل المقالات (ص‏100) .

63) حرمة ذبائح أهل الكتاب (23) المصنّفات (9) .

64) العدّة للشيخ الطوسي (1/133) ولاحظ مقدّمتنا لكتاب الحكايات للمفيد (ص‏19 - 21) .

65) تلبيس إبليس (ص‏85) .

66) الذريعة (11/108) ورجال النجاشي (284) .

67) العدّة للشيخ الطوسي (1/131) .

68) معجم الاُدباء (7/123) .

69) الإيضاح للفضل بن شاذان (ص‏42) تحقيق السيّد المحدّث الأرموي .

70) الإيضاح للفضل بن شاذان (ص‏7 - 8) .

71) الإيضاح للفضل بن شاذان (ص‏41 - 42) .

72) الإيضاح (ص‏42) الهامش (1) .

73) المنية والأمل (ص‏11) .

74) تلبيس إبليس (ص‏111 - 112) .

75) تلبيس إبليس (ص‏114) .

76) تلبيس إبليس (ص‏113) .

77) تلبيس إبليس (ص‏114) .

78) اقرأ عن ذلك : العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل ، للسيّد محمّد بن عقيل الحضرمي ، وإيقاظ الوسنان ، لكاتب البحث الجلالي ، وهما مطبوعان .

79) كتاب المجروحين (1/11) .

80) نصيحة أهل الحديث للخطيب (ص‏128) .

81) المحدّث الفاصل بين الراوي والواعي (ص‏162) .

82) وللمزيد راجع أضواء على السنّة لمحمود أبي ريّه (ص‏381 - 385) .

83) كذا الصواب ، وفي المصدر : «الحكم» وهو غلط .لاحظ تلبيس إبليس (115) .

84) كالسيّد المرتضى علم الهدى في الذخيرة (ص‏361) وتنزيه الأنبياء (ص‏15 - 16) وسيأتي نقل عبارته في فصل «آراء الحَشْويّة» .

85) الذخيرة في علم الكلام (ص‏361) .

86) المسائل السروية (ص‏72 - 73) المسألة الثامنة ، مع المصنّفات (7) .

87) أوائل المقالات (ص‏121) مع المصنّفات (4) وطبعة المحقّق (ص‏57) .

88) أيضاً (125) مع المصنّفات (4) وطبعة المحقّق (ص‏60) .

89) أيضاً (126) مع المصنّفات (4) وطبعة المحقّق (61) .

90) الإفصاح (ص‏226) مع المصنّفات (8) .

91) المسائل العكبرية (ص‏91) مع المصنّفات (6) .

92) أوائل المقالات (77) مع المصنّفات (4) وطبعة المحقّق (ص‏27) .

93) الفصول المختارة (ص‏54) المصنّفات (2) .

94) جوابات أهل الموصل (ص‏17) المصنّفات (9) .

95) الحكايات (ص‏77) المصنّفات (10) .

96) رجال النجاشي (ص‏286) .

97) كذا وردت الكلمة ، ولعلّها تصحيف (الأشراف) أو (الثقات)؟!

98) الغيبة للطوسي (ص‏355) رقم (317) .

99) نزهة الناظر في الجمع بين الأشباه والنظائر للحلّي (ص‏8) .

أقول : لكن هذا المنقول عن التهذيب لا يوجد في (تهذيب الأحكام) المطبوع ، بل استدلّ الشيخ بالحديث المذكور على استحباب الوضوء من المذي في تلك الحال ، فلاحظ تهذيب الأحكام (1/19) ولاحظ الاستبصار (1/92 - 93) رقم (8) .

100) شرح اُصول ابن الحاجب ، للسبكي ( ) .

101) السيف الصقيل (ص‏14) .

102) رجال الغضائري ، وعنه العلّامة في رجاله ص‏14 .

103) الملل والنحل (1/172) .

104) الملل والنحل (1/165) .

105) كشّاف اصطلاحات الفنون (1/261 - 262) .

106) المصدر السابق (السلفيّة) .

107) نقله الشيخ الأنصاري في فرائد الاُصول (الرسائل) (ج‏1 ص‏157) .

108) العدّة في الاُصول للطوسي (1/ ) .

109) فرائد الاُصول (1/154 و157) .

110) المنية والأمل ، لابن المرتضى الزيدي (ص‏11 - 12) .

111) الذخيرة في علم الكلام ص‏363) ولاحظ مجمع البيان للطبرسي (1/31) .

112) اُصول مذهب الشيعة لناصر القفاري (ج‏1 ص‏293) وهو كتاب ملي‏ء بالمغالطة والتحريف للمنقولات ، والتصحيف للنصوص ، والبتر لها عن علم وعمد ، وإسقاط للقرائن المنافية لما يهواه المؤلّف ، وما يهدفه من التشويه لمذهب الشيعة ، وما أثبتنا واحد من أمثلة محاولاته المشبوهة ، وفي كتابه العشرات من أمثالها .

113) في أوائل المقالات (74) وطبعة المحقق (ص‏25 - 26) .

114) المسائل العكبرية (ص‏28) مع المصنّفات (6) .

115) المعتبر (1/29) .

116) المعتبر (2/688) .

117) المهذّب البارع (2/60) .

118) جواهر الكلام (9/4 - 375) وانظر (16/364 و365) .

119) فرائد الاُصول (الرسائل) (1/154 و157) .

120) كتب ابن تَيْمِيَّة في العقيدة (3/185) .

121) منهاج السنّة (2/601) .

122) نقله عنه السبكي في السيف الصقيل (ص‏130) .

123) قاعدة في الجرح (ص‏49 - 50) .

124) مقدّمة تبيين كذب المفتري (ص‏17) .

125) قاعدة في الجرح (49 - 50) .

126) قاعدة في الجرح (ص‏8 - 49) .

127) التبصير في الدين (133) .

128) شذرت الذهب (2/36) عام (360) .

129) يلاحظ أنّ غالب المرتزقة الذين تستأجرهم الوهابية في عصرنا ، هم من المنبوذين الأرذال من الأفغان وبنگلادش والهند والپاكستان ، ممّن لا هَمَّ لهم إلّا الريال والدرهم والدولار والدينار ، يتسلّلون إلى المشاعر المقدّسة في مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة ودول الخليج ، فتستخدمهم السلطات في المباحث والاستخبارات والأمن باسم العلم والدين ، وشغلهم التجسّس والفتنة وإيذاء المسلمن من المواطنين ومن المهاجرين ومن المُعتمرين والحُجّاج والزائرين!

ولكن اللَّه لهم بالمرصاد .

130) طبقات الشافعية الكبرى (9/36 - 39) .

131) كتب ابن تَيْمِيَّة في العقيدة (4/146) .

132) مجمع الزوائد (7/207) .

133) كتب ابن تَيْمِيَّة في العقيدة (4/147) .

134) كتب ابن تَيْمِيَّة في العقيدة (3/197) .

135) السيف الصقيل في الردّ على ابن زفيل (ص‏6) .

136) نزهة المشتاق في اختراق الآفاق (2/626) .

137) تبيين كذب المفتري ، المقدّمة (ص‏18) .

ارسال الأسئلة