تصنیف المقالات احدث المقالات المقالات العشوایئة المقالات الاکثرُ مشاهدة
■ مقالات (٥٧)
أزمة المحْدثين بين الافراط في التصنع والتفريط بالمصطلح
أسباب نزول القرآن، أهميتها وطرقها وحجيتها ومصادرها
باب (من لم يرو عن الأئمة عليهم السلام) فيرجال الشيخ الطوسي
البلاغات من أساليب الأداء للحديث الشريف في التراث الإسلاميّ
البناء على القبور
تأبين الإمام الخمينيّ قدس سرّه
تأبين السيد الخوئيّ قدس سرّه
التأثير المتبادل بين القرآن والحديث في مجال التأكيد والتحديد
تحملُ الحديث بالإجازة، واجبٌ مُلح في العصر الحاضر
تدوين السنّة أم تزييف الشريعة؟ في النقد العلمي
التسميات طليعة المؤلّفات في الحضارة الاسلامية موضوعها، ومنهج تأليفها وفهرستها
تتميم النظر في التقديم لمقتضب الاثر
الثقلان ودورهما في دعم السُنّة
جراب النورة بين اللغة والاصطلاح
حجّية الحديث المُعَنْعَن، وما يُثار حوله شبهةٌ في قبال البديهة
الحشوية نشأةً وتاريخاً (القسم الأول)
السنّة النبوية الشريفة وموقف الحكّام منها تدوينا وكتابة ونقلاً وتداولاً
الشيخ الطوسيّ وتراثه الحديثيّ
الحشوية أراء وملتزمات (القسم الثاني )
صِيَغ الأداء والتحمّل: تاريخها، ضرورتها، فوائدها، اختصاراتها
ضرورة تطويع الممارسات للانتهال من معين الحديث الشريف
ضرورة النقد العلمي في مجال تحقيق التراث
العبث بالتراث بين عمالة العلمنة ونفاق الاسلمة
علم الأئمة عليهم السلام بالغيب، والاعتراض عليه بالإلقاء في التهكلة، والإجابات عنه عبر التاريخ
علوم الحديث بين سعة الآفاق و محدوديّة الأعمال
عناوين الأبواب وتراجمها في التراث الإسلامي :حجّيتها، أغراضها مصادرها،ودلالاتها
فرق الشيعة أو مقالات الإمامية ؟ للنوبختي أم للأشعري؟
فوات فهرس الفهارس والأثبات، بذكر بعض ما للإمامية من الإجازات، في الفهرسة
التقية في الثقافة الاسلامية
الكرامات
الكنية، حقيقتها وميزاتها، وأثرها في الحضارة والعلوم الإسلامية، في علوم العربية، الأدب
لماذا الإمام عليه السلام
مجددو المذهب وسماتهم البارزة
المصطلح الرجالي>أسند عنه< ما هو وما هي قيمته الرجالية؟
مقال حول الصحيفة السجّادية
مقدمة (لوامع الأنوار)
مقدمة (المقنع في الإمامة)
مقولة جسم لا كالأجسام، بين موقف هشام بن الحكم ومواقف سائر أهل الكلام
من أدب الدعاء في الاسلام ضبطه عند الأداء والتحمل وتنزيهه من اللحن والتحريف ودعوة الى إحيائه وتحقيق كتبه
موقف أهل الكتاب من الحق بين الإلتزام والتصرفات المريبة
النكت الخفية في النادرة الشريفيّة
همزية البوصيريّ والتراث الذي دار حولها

علم الأئمة عليهم السلام بالغيب، والاعتراض عليه بالإلقاء في التهكلة، والإجابات عنه عبر التاريخ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين الذي بنعمته تتمّ الصالحات، وتُرفع الدرجات، وأفضل السلام وأكمل الصلاة على سيّد الكائنات وأشرف الموجودات، محمّد صاحب المعجزات الباهرات، وعلى الأئمّة المعصومين من آله ذوي الكرامات والحجج البيّنات.

وبعد: فإنّ الإسلام يمرُّ في هذه الأيّام بظروف صعبة إذ استهدف الكفّار والملحدون قرآنه، وكرامته، وسنّته، وأولياءه، واُمّته، بأنواع من التزييف والتهجين والقذف والهتك والإتّهام، لتشويه سمعته وصورته بين شعوب العالم، ولزلزعة الإيمان به في قلوب معتنقيه والحاملين لإسمه، خصوصاً ذوي المعلومات السطحيّة، والدراسة القليلة، والإطّلاع المحدود، ومن المغفّلين عن حقائق العلم والدين. وقد إستخدم أعداءُ الإسلام أحدث الأساليب والأجهزة والأدوات، في هذا الغرض الخبيث.

ص8 ومن ذلك بعث المنبوذين ممّن لجأ إلى أحضان أعداء الإسلام، وتعمّم باليأس والقنوط من أن يصل إلى منصب أو مقام بين اُمّة الإسلام، وتعهّدوا له أن ينفخوا في جلده، ويكبّروا رأسه، ويصفوه بما يشتهي ويشتهون، ويقدّموه وكتاباته إلى اُمّة الإسلام وقد ملأها بالهُراء والسفسطة والكتابة الهزيلة الزائفة ضدّ عقائد الاُمّة وشريعتها ومصادر الإسلام ومقدّساته باسم الإصلاح، وباسم نقد العقل، وباسم الصياغة الجديدة، وباسم الإعادة لدراسة المعرفة، وباسم التصحيح، وباسم القراءة الجديدة! إنّ كلّ هذه الأسماء هي لمسمّىً واحد هو: «تشويه الإسلام» وإعطاء صورة تشكيكيّة لفكره وشريعته ومصادره، وبأقلام وعقول قاصرة عن درك أبسط المعاني، سوى التلاعب بالألفاظ، وتسطير المصطلحات من دون وضعها في مواقعها، بل باستخدامها في خلاف مقاصدها. إنّ الإستعمار البغيض وأيديه العميلة، يتصوّرون أنّ بإمكانهم زعزعة الإيمان بالإسلام في قلوب الاُمّة الإسلامية، التي فتحت عيونها في هذا القرن، على كلّ ألاعيب الأعداء وأساليب عملهم، وخاصّة باستخدام هذه العناصر البغيضة. وقد نُشرت في الآونة الأخيرة كتابات هزيلة حول علم الأئمّة (عليهم السلام) بما أقدموا عليه في حياتهم، فأصابهم على أثر ذلك القتل والسجن وأنواع البلاء والإيذاء من الأعداء. فرأينا أن ننشر هذا البحث ليكون مبيّناً لحقيقة الأمر، وردّاً حاسماً على مزاعم الزيف الواردة في تلك الكتابات، وهو يستوعب العناوين التالية: * أصل المشكلة. * تحديد محاور البحث العامّة وعلم الغيب. * صيغ الإعتراض عبر التاريخ:

1 ـ في عصر الإمام الرضا (عليه السلام) (ت203هـ).

2 ـ في عصر الكليني (رحمه الله) (ت329هـ). الجواب عن الإعتراضات على الكافي.

3 ـ في عصر الشيخ المفيد (رحمه الله) (ت413هـ).

4 ـ في عصر الشيخ الطوسي (رحمه الله) (ت460هـ).

5 ـ في عصر الشيخ ابن شهر آشوب (رحمه الله) (ت588هـ).

6 ـ في عصر الشيخ العلاّمة الحلّي (رحمه الله)(ت726هـ).

7 ـ في عصر الشيخ المجلسي (رحمه الله) (ت1110هـ). 8 ـ في عصر الشيخ البحراني (رحمه الله)(ت1186هـ).

9 ـ مع السيّد الخراساني (رحمه الله) في القرن السابق (ت1368هـ).

10 ـ في هذا القرن.

* خلاصة البحث.

والمرجوّ من الله أن يأخذ بأيدينا إلى ما فيه رضاه، وأن يفيض علينا من فضله وبرّه وإحسانه، إنّه كريم وهّاب.

وكتب السيّد محمّد رضا الحسيني

20 جمادى الآخرة 1415هـ قم المقدّسة

 

أصل المشكلة ووجه الاعتراض

ــ[2]ــ

الإمامة هي خلافة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، في أداء المهامّ التي كانت على الرسول. فلابدّ أن يتميّز الإمام بكلّ ما يمكن من مميّزات الرسول: من العصمة، والعلم، والكمال، وسائر الصفات الحميدة، وأن يتنزّه عن كلّ الصفات الذميمة والمشينة. وقيد «ما يمكن» هو لإخراج ميزة «الرسالة والنبوّة» فإنّها خاصّة بالرسول المصطفى، والمبعوث بها من الله، والمختار لهذا المقام العظيم، لقيام الأدلّة ـ كتاباً وسنّة ـ على أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) خاتم النبيّين، وأنّه لا نبيّ بعده. وقد أشبع علماء الكلام ـ في كتبهم ـ البحث والإستدلال على ما ذكرناه جملةً وتفصيلا، بما لا مزيد عليه. وفي بحث «العلم» التزم الشيعة الإماميّة بأنّ النبي لابدّ أن يكون عالماً بكلّ ما تحتاج إليه الاُمّة، لأنّ الجهل نقص، ولابدّ في النبي أن يكون أكمل الرعيّة، حتّى يستحقّ الإنقياد له، واتّباع أثره، وأن يكون اُسوةً. وكذا الإمام، لابدّ أن يكون عالماً ـ بنحو ذلك ـ حتّى يستحقّ الخلافة عن النبي في الإنقياد له، واتّباع أثره، ولكي يكون اُسوةً. وبعد هذا، وقع البحث في دائرة «العلم الذي يجب أن يتّصف به النبي والإمام». هل هو العلم بالأحكام فقط؟ أو يعمّ العلم بالموضوعات الخارجة، وسائر الحوادث الكونيّة، بما في ذلك المغيّبات المغيَّبات، الماضية والمستقبلة؟

ص11 فالتزام الإمامية بإمكان هذا العلم بنحو مطلق، وعدم تخصيصه أو تقييده بشيء دون آخر من المعلومات، في أنفسها، إلاّ ما دلّت الأدلّة القطعيّة على إخراجه. واعتُرض هذا الالتزام بوجهين:

الاعتراض الأوّل: أنّ علم الغيب خاصّ بالله تعالى ذكره، لدلالة الآيات العديدة على ذلك. مثل قوله تعالى: (قُل لا يعلم مَن في السموات والأرض الغيب إلاّ الله) الآية (65) من سورة النمل (27) وهي مكّية. وقوله تعالى: (فقل إنّما الغيب لله ...)الآية (20) من سورة يونس (10) وهي مكّية. وقوله تعالى: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلاّ هو) الآية (59) من سورة الأنعام (6) وهي مكّية. وقد وصف الله نفسه جلّ ذكره بأنّه «عالم الغيب» في آيات اُخرى: منها قوله تعالى: (عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير) الآية (73) من سورة الأنعام (6) وهي مكّية. وقوله تعالى: (ثمّ تردّون إلى عالم الغيب والشهادة) الآية (94) من سورة التوبة (9) وهي مدنيّة. وقوله تعالى: (عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال) الآية (9) من سورة الرعد (13) وهي مدنيّة. وقوله تعالى: (عالم الغيب فلا يُظهر على غيبه أحداً) الآية (26) من سورة الجنّ (72) وهي مكّية.

الاعتراض الثاني: أنّ الرسول والإمام إذا كان يعلمان الغيب، فلابدّ أن يعرفا ما يضرّهما ويسوءهما، والعقل والشرع يحكمان بوجوب الإجتناب والإبتعاد عمّا يسوء ويضرّ، بينما نجد وقوع النبي والإمام في ما أضرّهما وآذاهما. وقد جاء التصريح بهذه الحقيقة على لسان النبي في قوله تعالى: (ولو كنت أعلم الغيب لأستكثرت من الخير، وما مسّني السوء، إن أنا إلاّ نذير وبشير لقوم يؤمنون) الآية (188) من سورة الأعراف (7) وهي مكّية. ولو كان الأئمّة يعلمون الغيب، لما أقدموا على أعمال أدّت إلى قتلهم وموتهم، وورود السوء عليهم: كما أقدم أمير المؤمنين على الذهاب إلى المسجد ليلة ضربه ابن ملجم، فمات من ضربته. وكما أقدم الحسين (عليه السلام) على المسير إلى كربلاء، حيث قُتل وسبيت نساؤه، وانتُهب رحله. فإنّ كلّ ذلك ـ لو كان مع العلم به ـ لكان من أوضح مصاديق الإلقاء للنفس في التهلكة، الذي نهى عنه الله في قوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، وأحسنوا إنّ الله يحبّ المسحنين) الآية (195) من سورة البقرة (2). وقد اُثير هذا الإعتراض الثاني قديماً جدّاً، حتّى أنّا نجده معروضاً على الأئمّة (عليهم السلام) أنفسهم، ونجده مطروحاً في القرون التالية مكرّراً، وقد تعدّدت الإجابات عنه كذلك عبر القرون. وقد حاولنا في هذا البحث أن نسرد الإعتراض بصيغه المختلفة، ونذكر الإجابات عنه كذلك.

   تحديد محور البحث بين الإعتراضين وفي البداية لابدّ من التنبيه على اُمور:

* الأمر الأوّل: إنّ الإعتراض الثاني إنّما يفرض ويكون وارداً وقابلا للطرح والمناقشة، فيما إذا التزم بالفراغ عن الإعتراض الأوّل، وكان المعترض بالثاني ملتزماً بأنّ الرسول والإمام يعلمان الغيب، فيكون إقدامهما على موارد الخطر إلقاءً للنفس في التهلكة. وإلاّ، فإن لم يقل بأنّهما يعلمان الغيب، فإنّ الإقدام لا محذور فيه وليس من الإلقاء في التهلكة، لأنّ غير العالم بالخطر معذور في الإقدام عليه. فنفس اللجوء إلى الإعتراض الثاني وفرض وروده دليل على ثبوت الإلتزام بفكرة العلم بالغيب لدى المعترض، خصوصاً مع عدم المناقشة بالإعتراض الأوّل، كما هو المفروض في صيغ الإعتراض الثاني منذ عصور الأئمّة (عليهم السلام). وهذا يدلّ على أنّ فكرة «علم الأئمّة بالغيب» مفروضة عند السائلين، ولا إعتراض لهم عليها، وإنّما أرادوا الخروج من الإعتراض الثاني فقط. أو على الأقلّ فرض التسليم به، والإعتراف به ولو جدلا، حتّى يكون فرض الإعتراض الثاني ممكناً. وإلاّ، لكان اللازم ذكر الإعتراض الأوّل، الذي بتماميّته ينتفي إعتقاد «علم الغيب» وبذلك لا يُبقي للإعتراض الثاني مجال.

* الأمر الثاني: ويظهر من الإجابات المذكورة التي تحاول توجيه مسألة الإقدام على ما ظاهره الخطورة والتهلكة، هو الموافقة على أصل فكرة علم الأئمّة بالغيب، وعدم إنكار فرضه على السائلين. ومن المعلوم أنّ التوجيه إنّما يُلجأ إليه عندما يكون أصل السؤال مقبولا، وغير منكر. وإلاّ، فإنّ الأولى في الجواب هو نفي الأصل وإنكاره وعدم الموافقة على فرض السؤال صحيحاً. وهذا الأمر واضح إشتراطه في المحاورات والمباحثات.

* الأمر الثالث: إنّ الإمامة إذا ثبتت لأحد، فلابدّ أن تتوافر فيه شروطها الأساسيّة، ومن شروطها عند الشيعة الإماميّة: العصمة، وهي تعني الإمتناع عن الذنوب والمعاصي بالإختيار، ومنها العلم بالأحكام الشرعية تفصيلا. فمن صحّت إمامته، واستجمع شرائطها، لم يتصوّر في حقّه أن يُقدم على محرّم كإلقاء النفس في التهلكة، المنهيّ عنه في الآية. وحينئذ لابدّ أن يكون ما يصدر منه مشروعاً. فلا يمكن الإستناد إلى «حرمة الإلقاء في التهلكة» لنفي علم الغيب عنه، لأنّ البحث عن علمه بالغيب إنّما يكون بعد قبول إمامته، وهي تنفي عنه الإقدام على الحرام. وهذا يعني أنّ ما يُقدم عليه هو حلال مشروع، سواء عَلِمَ الغيب أم لم يعلمه! فلا يمكن نفي علمه بالغيب، بفرض حرمة الإلقاء في التهلكة عليه.

ص15 ومن هنا توصّلنا إلى أنّ الإعتراض الثاني ـ وهو «أداء الإلتزام بعلم الأئمّة للغيب إلى إلقائهم بأيديهم إلى التهلكة» ـ إعتراض لا يصدر ممّن يعتقد بإمامة الأئمّة الإثني عشر (عليهم السلام)، ويلتزم بشرائط الإمامة الحقّة المسلّمة الثبوت في كتب الكلام والإمامة. وما يوجد من صور الإعتراض في تراثنا العلمي إنّما هو إفتراض بغرض دفع شُبَه المخالفين، وردّ اعتراضاتهم.

* الأمر الرابع: إنّ بعض أدعياء العقل ونقده، قد انبرى للتطفّل على الكتب والكتابة، وعلى التراث ومصادره القديمة، بادّعاء الإعادة لقراءتها، فعرض هذا البحث بشكل مشوّه ينمّ عن جهل بأوّليات المعرفة الإسلامية، وقصور في فهم أبسط نصوصه، وعرض مشبوه لها لإقدامه على بتر المتون، واقتصاره على الجمل والعبارات التي توحي بغرضه على حدّ زعمه، مع إرتباك في العرض واضطراب في البحث واستخدام لاُسلوب القذف والسبّ! وليس كلّ هذا ولا بعضه من شأن طالب للعلم، فضلا عمّن يدّعي العقل ونقده، والمعرفة وإعادتها! ومن الخبط الجمع بين الإلتزام بالإعتراضين في عرض واحد، وبصورة متزامنة، فإنّ من غير المعقول أن يحاول أحد أن ينفي عن الأئمّة علم الغيب زاعماً منافاة ذلك للعقل ويحاول الإستدلال بالآيات الكريمة التي ذكرنا بعضها في صدر هذا البحث. غافلا عن أنّ دلالة هذه الآيات على إختصاص علم الغيب بذات الله تعالى، مسلّمة عند جميع المسلمين، شيعة وأهل سنّة، ولم يختلف في ذلك إثنان، وليس موضع بحث وجدل حتّى يحتاج إلى إثبات ونقاش، ولم يدّع أحد أنّ غير الله تعالى يمكنه بصورة مستقلّة العلم بالغيب.

ص16 وإنّما يقول الشيعة بأنّ الله تعالى أوحى إلى نبيّه من أنباء الغيب، وقد أخبر عن ذلك في قوله تعالى: (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ...) الآية (44) من سورة آل عمران (3) وهي مدنية. وقد استثنى الرسول ممّن لا يظهر على الغيب، فقال تعالى: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً * إلاّ من ارتضى من رسول ...) الآيتان (25 و 26) من سورة الجنّ (72) وهما مكّيتان. فبالإمكان إذن صدور الغيب الإلهي إلى غير الله تعالى، لكن بإذنه تعالى وبوحيه وإلهامه. وقد ثبت بطرق مستفيضة أنّ الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أخبر عليّاً وأهل البيت (عليهم السلام) بذلك، وقد توارثه الأئمّة (عليهم السلام)، فهو مخزون عندهم. وقد عنون الشيخ المفيد (رحمه الله) لباب في «أوائل المقالات» نصّه: «القول في علم الأئمّة (عليهم السلام) بالضمائر والكائنات، وإطلاق القول عليهم بعلم الغيب، وكون ذلك لهم في الصفات» قال فيه: وأقول: إنّ الأئمّة من آل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) قد كانوا يعرفون ضمائر بعض العباد، ويعرفون ما يكون قبل كونه. وليس ذلك بواجب في صفاتهم، ولا شرطاً في إمامتهم، وإنّما أكرمهم الله تعالى به، وأعلمهم إيّاه للطف في طاعتهم والتمسّك بإمامتهم. وليس ذلك بواجب عقلا، ولكنّه وجب لهم من جهة السماع. فإمّا إطلاق القول عليهم بأنّهم يعلمون الغيب! فهو منكر بيّن الفساد; لأنّ الوصف بذلك إنّما يستحقّه من علم الأشياء بنفسه لا بعلم مستفاد، وهذا لا يكون إلاّ لله عزّوجلّ. وعلى قولي هذا جماعة أهل الإمامة إلاّ من شذّ عنهم من الفوّضة ومن

ص17 إنتمى إليهم من الغلاة(1). وقد أثبت الشيخ المفيد الروايات المنقولة بالسمع والدالّة على علم الأئمّة (عليهم السلام) بالمغيّبات ـ والتي هي دلائل على إمامتهم وإستحقاقهم للتقديم ـ في كتاب «الإرشاد» في أحوال كلّ إمام، فليراجع. فنسبة القول بأنّ الأئمّة يعلمون الغيب، بالإطلاق إلى الشيعة، ومن دون تفسير وتوضيح بأنّه بتعليم الرسول الآخذ له من الوحي، أو بالإلهام والإيحاء والقذف في القلب، والنظر بنور الله، كما جاء في الخبر عن المؤمن أنّه ينظر بنوره تعالى، فهي نسبة ظالمة باطلة يُقصد بها تشويه سمعة هذه الطائفة المؤمنة التي أجمعت على إختصاص علم الغيب بالله تعالى، تبعاً لدلالة الآيات الكريمة، والتزمت بما دلّت عليها الآيات الاُخرى من إيصال ذلك العلم إلى الرسول، وما دلّت عليه الآيات الاُخرى من إيصال ذلك العلم إلى الرسول، وما دلّت عليه الآثار والأخبار من وصول ذلك العلم إلى الائمّة. فلم يكن في تلك النسبة الظالمة إلاّ التقوّل على الشيعة، مضافاً إلى كشفها عن الجهل بأفكار الطائفة وعقائدها ومبادئها. فكيف يحقّ لمثل هذا المغرض المتقوّل أن يتدخّل في إعادة قراءة التراث الشيعي؟! ومع أنّه التزم بنفي علم الغيب عن الرسول والأئمّة: فهو يحاول أن يورد الإعتراض الثاني أيضاً ـ في عرض الإعتراض الأوّل ـ بأنّ في أفعال الرسول والأئمّة ما هو من الإلقاء في التهلكة، وفي ما أصابهم على أثر إقدامهم كثير من السوء الذي وقعوا فيه. وحاول جمع ما يدلّ على ذلك ممّا أصاب الرسول وأهل البيت طول حياتهم، مؤكّداً على أنّ ذلك هو من «السوء» ومن «الهلكة». مع أنّه بعد إصراره على نفي علم الغيب عنهم لم يكن عملهم إقداماً الهامش (1) أوائل المقالات: 67، وسيأتي نقل رأي المفيد في مسألة الإلقاء في التهلكة تفصيلا.

ص18 على الهلكة، فيجب أن لا يحاسبوا على الإقدام عليها، أو ينهوا عن الإلقاء فيها، لأنّ الجاهل بالشيء لا يحاسب عليه، ولا يكلّف بالإجتناب عنه ودفعه.

* الأمر الخامس: أنّ تسمية الفعل الذي يقدم عليه الفاعل المختار سوءً أو هلكةً إنّما يتّبع المفسدة الموجودة في ذلك الفعل، فإذا خلا الفعل في نظر فاعله عن المفسدة، أو ترتّبت عليها مصلحة أقوى وأهمّ في نظره من المفسدة، لم يسمّ سوءً ولا هلكةً. فليس لهذه العناوين واقعاً ثابتاً حتّى يقال: إنّ ما أقدم عليه الأئمّة هو سوء وهلكة، بل هي اُمور نسبيّة تتبع الأهداف والأغراض والنيّات، بل يُراعى في تسميتها الأهمّ، فربّ نفع في وقت هو ضرر في آخر، ورُبّ ضرر لشخص هو نفع لآخر. قال تعالى: (وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وعسى أن تحبّوا شيئاً وهو شر لكم) الآية (216) من سورة البقرة (2). وقال تعالى: (فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً) الآية (19) من سورة النساء (4). هذا في المنظور الدنيوي المادّي، وأمّا في المنظار الإلهي والمثالي، وعالم المعنويات، فالالامر أوضح من أن يذكر أو يكرّر. فهؤلاء الأبطال الذين يقتحمون الأهوال، ويسجّلون البطولات في سبيل أداء واجباتهم الدينية والعقيدية، أو الوطنية والوجدانية، أو الشرف، إنّما يقدمون على ما فيه فخرهم، مع أنّهم يحتضنون «الموت» ويعتنقون «الفناء» لكنّه في نظرهم «الحياة» و «البقاء». كما أنّ المجتمعات تمجّد بأبطالها وتخلّد أسماءهم وذكرياتهم، لكونهم المضحّين من أجل الأهداف السامية، وليس هناك من يمسّي ذلك «هلاكاً» أو

ص19 «سوءً» إلاّ الساقط عن الصعود إلى مستوى الإدراك، وفاقد الضمير والوجدان من المنبوذين. دون الذين استبسلوا في ميادين الجهاد في الحروب والنضالات الدامية، الساخنة أو الباردة، ومن أجل إعلاء كلمة الله في الأرض، اُولئك الذين قال عنهم الله أنّهم: (... أحياءٌ عند ربّهم يرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألاّ خوف عليهم ولا هم يحزنون * يسبتشرون بنعمة من الله وفضل وأنّ الله لا يضيّع أجر المؤمنين) الآيات (169 ـ 171) من سورة آل عمران (3). هؤلاء الذين «قُتلوا» في سبيل الله. ولابدّ أنّ الشهداء قد قصدوا الشهادة وطلبوها وأرادوها، إذ لا يسمّى من لا يريدها «شهيداً» وهيهات أن يعطاها من يفرّ منها، مهما كان مظلوماً، وكان قتله بغير حقّ. إنّ المسلم إذا اقتحم ميداناً بهدف إحقاق الحقّ أو إبطال الباطل ثمّ أصابه ما لا يحتمل إلاّ في سبيل الله، أو أدركه القتل، وهو قاصد للتضحية، فإنّ ذلك ليس سوءً ولا شرّاً، بل هو خير وبرّ، بل هو فوق كلّ برّ، وليس فوقه برّ، كما نطق به الحديث الشريف عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ فوق كلّ برّ برّ حتّى يقتل الرجل في سبيل الله». فلا يدخل مثل هذا في «التهلكة» التي نهى الله عنها في الآية، بل هو من «الإحسان» الذي أمر الله به في ذيل تلك الآية فقال تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، وأحسنوا إنّ الله يحبّ المحسنين) الآية (195) من سورة البقرة (2). والشهادة هي إحدى الحسنيين ـ النصر أو الشهادة ـ في قوله تعالى: (قل هل تربّصون بنا إلاّ إحدى الحسنيين ...) الآية (52) من سورة التوبة (9). وإذا لم يصحّ إطلاق «السوء» على ما أصاب النبي والإمام من البلاء،

ص20 في سبيل الله، وعلى طريق الرسالة والإمامة، ومن أجل إعلاء كلمة الله، والدفاع عن الحقّ، ودحر الباطل، فليس الإستدلال بقوله تعالى: (قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضرّاً إلاّ ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسّني السوء إن أنا إلاّ نذير وبشير لقوم يؤمنون) الآية (188) من سورة الأعراف (7) وهي مكّية. ليس الإستدلال بهذه الآية على نفي علم الغيب عن الرسول، وإثبات أنّ السوء يمسّه فهو لا يعلم به، إستدلالا صحيحاً. لفرض أنّ ما أصاب الرسول ـ وكذا الأئمّة ـ في مجال الدعوة والرسالة الإسلامية وأداء المهامّ الدينيّة، لا يعبّر عنه بالسوء، كما أوضحناه.

وأمّا معنى الآية والمراد منها: فبما أنّ «لو» حرف إمتناع، فهي تدلّ على أنّ إمتناع كونه عالماً بالغيب أدّى إلى إمتناع إستكثاره من الخير، وإمتناع أن لم يمسّه السوء، وذلك قبل إتّصال الوحي به. فغاية ما يدلّ عليه ظاهر الآية أنّه كان بالإمكان أن يمسّه السوء، ولم تدلّ الآية على أنّه فعلا ـ وبعد نزول الوحي، وفي المستقبل ـ لم يعلم الغيب، ولم يستكثر من الخير، وسوف يمسّه السوء. فظاهر الآية أنّ الإمتناعين كانا في الماضي، لكون الأفعال مستعملة بصيغة الماضي، وهي: «كنت» و «استكثرت» و «ما مسّني». فهو تعبير عن إمكان ذلك في الماضي لعدم علمه بالغيب سابقاً، لا على وقوع ذلك، ولا على عدم علمه به مستقبلا أو إمتناع حصول الغيب له في المستقبل وبعد اتّصاله بالوحي، فلا ينافي ذلك أن يكون في المستقبل «يعلم بالغيب» ـ من خلال الوحي طبعاً ـ وأنّه «يستكثر من الخير» وأنّه «لا يمسّه السوء».

كما دلّت آيات اُخرى على حصول الأفعال له: فقال تعالى: (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ...)الآية (44) من سورة آل عمران (3). وقال تعالى: (إنّا أعطيناك الكوثر) الآية (1) من سورة الكوثر (108). وقال تعالى: (ذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ...)الآية (24) من سورة يوسف (12). مع أنّ ذيل الآية ـ المستدلّ بها ـ وهو قوله تعالى: (... إن أنا إلاّ نذير وبشير لقوم يؤمنون)يدلّ على المراد من صدرها: فإنّ مهمّة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) منحصرة بالإنذار والتبشير، وإنّما خصّصهما «لقوم مؤمنين» لإعترافهم وقناعتهم بالنبوّة، وإيمانهم بأنباء الغيب الذي يأتي به وينذر به ويبشّر به. بينما غير المؤمنين، لا يقتنعون بهذا الغيب، فماذا يريد النبي نفيه من الغيب في صدر الآية؟! إنّه ينفي عن نفسه العلم بالغيب الذي طلبوا معرفته منه بالإستقلال وبلا وحي، معرفةً ذاتية لدُنّية، فإنّهم كانوا يطالبونه بالإخبار عن علم الساعة، كأسئلة إمتحانية يريدون إبكات النبي وإفحامه بها كما صرّحت بذلك الآية السابقة على هذه والمرقّمة (187) من سوره الأعراف، فكان النفي وارداً على «علم الغيب بالساعة» ومن غير الوحي، ولا من خلال الرسالة، ومن دون أن تتعلّق مشيئة الله أن يعلّمه نبيّه. وإلاّ، فنفس النبوّة والإنذار والتبشير، هي من الغيب الذي جاء به، ومدح المؤمنين بأنّهم «يؤمنون بالغيب». فلو دلّ على عدم إخبار نبيّه به، ممّا اختصّ الله علمه بنفسه، كأمر الروح، وعلم الساعة، وما نُصّ ـ من الاُمور ـ على أنّ علمها عند الله، فهو من العلم المكنون الخاصّ بالله تعالى.

وأمّا اُمور ـ مثل علم النبي بموته ـ ممّا قامت الآثار والأخبار على أنّ النبي والأئمّة كانوا على علم بها، من خلال الوحي وإخباره، وجبرئيل ونزوله، والكتب السماوية وأنبائها. فليس في الإلتزام بذلك تحدّياً لإختصاص علم الغيب بالله جلّ ذكره، وليس ذلك منافياً لكتاب أو سنّة، أو أصل ثابت، أو فرع ملتزم به.

* الأمر السادس: ومن جميع ما ذكرنا ظهر عدم صحّة الإستدلال على نفي علم الغيب عن الرسول والإمام بمحدوديّة وجودهما الذي هو من الممكنات وعدم أزليّتها، وعدم أبديّتها، مع أنّ الغيب لا حدود له، والمحدود لا يستوعب غير المحدود ـ بحكم العقل ـ ولذلك اختصّ «علم الغيب» بالله تعالى الذي لا يحدّ. وذلك لأنّ محدوديّة النبي والإمام أمر لا ريب فيه، ولا شبهة تعتريه، وكذلك إختصاص علم الغيب بالله أمر قد أثبتناه، ولم ينكره أحد من المسلمين، كما ذكرناه. لكنّ المدّعى أنّ الله تعالى أكرمهم وخصّهم بأنباء من الغيب ووهبهم علمها، فبإذنه وأمره علموا ذلك، وأصبح ذلك لهم «شهوداً» وإن كان لغيرهم «غيباً» محجوباً. وإنّما اختصّهم الله بذلك، لقربهم منه بالعمل الصالح، والنيّة الصادقة، وإحراز الإخلاص والتقوى، والجدّ في البذل والفداء. ولم يُعطوا ذلك بالجبر والإكراه، بل من جهة إمتلاكهم للسمات المؤهّلة للوصول إلى الدرجات، وإستحقاق المقامات التي أثبتتها لهم الفتنة والإبتلاء والإمتحان والمعاناة الطويلة التي قاسوها في مختلف مراحل وجودهم في الحياة. إنّ أمر الإستبعاد والإستهوال لعلم الأئمّة بالغيب والشامل للماضي

ص23 والحاضر والمستقبل، سوف يهون إذا عُرف أنّه ليس بالإستقلال، بل بواسطة الوحي الإلهي المنزل على قلب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن خلال الإلهام لآله الأطهار. وقد إستفاضت الأحاديث والأخبار والآثار الدالّة على كثير من ذلك، حتّى عُدّت من «دلائل النبوّة» ومعاجز الرسالة، وقد جمعتها كتب بهذا العنوان، وتناقلتها الرواة وملئت بها الصحف. فإذا اتّفقت عليه عقول السامعين لتلك الأخبار، وشاهدتها عيون الشاهدين لتلك الأحداث، واستيقنتها قلوب المؤمنين بالغيب وبالرسالة المحمّدية. فماذا على ذلك من جحود عقل خامد؟! وإذا بلغت الروايات الدالّة على «إنباء السماء بأنباء كربلاء» حدّ التواتر، وذاعت وانتشرت، حتّى رواها الشيعة وأهل السنّة، وأثبتها المؤلّفون في كتب «دلائل النبوّة» كأبي نعيم والبيهقي، حتّى عدّ من أعظم معاجز النبوّة، وأهمّ ما يصدّقها. فماذا عليها من عقل واحد أن ينكرها، ولا يصدق بها؟! هذا ما نقوله في الجواب عن الإعتراض الأوّل. وحاصله ثبوت علم الغيب للنبي والإمام من خلال الوحي والإلهام، وهو الذي التزم به جمهور علماء الإماميّة، ولم نجد فيه مخالفاً قطّ، إلاّ ظاهر من التزم بإثبات العلم بالإجمال ببعض الاُمور دون التفصيل، وسيأتي نقل كلامه، ومناقشته. ومن هنا فإنّ المحور الذي سنتحدّث عنه إنّما هو حول الإعتراض الثاني، وسنستعرض صيغه عبر القرون، ونذكر أشكال الإجابة عنه.

العامّة ومسألة «علم الغيب»:

إنّ تفسيرنا لآثات الغيب الواردة في القرآن الكريم، لم تنفرد به الشيعة الإمامية، بل التزم به كثير من علماء العامّة من أهل السنّة: مفسّرين، وفقهاء، وعلماء كلام، وغيرهم. وقد ذكر العلاّمة الحجّة المتتبّع السيّد عبدالرزّاق الموسوي المقرّم، مؤلّف «مقتل الحين (عليه السلام)»(2) أقوالهم بهذا الصدد.

الهامش (2) هو العلاّمة الفاضل، والمتتبّع المحقّق، والزاهد السيّد عبدالرزّاق بن محمّد. ولد من والدين شريفين، وفي بيت مزدان بالعلماء والصلحاء، هاجر جدّ والده «السيّد اقسم ابن حسّون» من مدينة «الحَسَكة» إلى مدينة النجف، فولد السيّد عبدالرزّاق سنة 1316هـ فيها. نشأ في مكاتب العلم، والمدارس الدينيّة، وحضر في الدراسات العليا بحوث المجتهدين: الشيخ محمّد جواد البلاغي (ت1352هـ) والسيّد أبو الحسن الأصفهاني (ت1365هـ). وساهم مع اُستاذه البلاغي في نشر كتبه التي ناضل فيها عن شريعة الإسلام كالرحلة المدرسية، والهدى إلى دين المصطفى. واختصّ بالشيخ محمّد حسين الأصفهاني (ت1361هـ) في دروس الفلسفة والكلام، وصحبه طويلا، وبرغبة من السيّد، نظّم الشيخ اُرجوزته «الأنوار القدسيّة» في المعصومين الأربعة عشر (عليهم السلام)، التي استأثرت بعواطف السيّد، فكان يلازم تلاوتها، ونثرها في مواضع من كتبه، وبالخصوص مقتله. أخرج الكثير من المؤلّفات القيّمة بقلمه الشريف، وطبع منها بعض ما يتعلّق بالمعصومين (عليهم السلام) وشخصيّات علوية وإسلامية، وأشهر مؤلّفاته «مقتل الحسين (عليه السلام)» الذي يُعدّ من أغنى المقاتل مادّةً، وأفضلها جمعاً وترتيباً، وقد حسم السيّد المقرّم فيه كثيراً ممّا كان عالقاً من البحوث والقضايا التاريخية والنسبية. وكان السيّد المقرّم عالماً، شريفاً، شديد الغيرة على الدين والحقّ، لا تأخذه في الله لومة لائم، يثار غيظاً إذا وجد مخالفة أو فساداً أو استهتاراً بالموازين والقيم، وكان مهيباً، زاهداً. التقيت به مرّات عديدة فكان يبعث فيّ روح الهمّة والجدّ، والتسابق في درجات العلم

وإليك ما نقله السيّد المقرّم بنصّه ومصادره: قال ابن حجر الهيثمي [وهو المكّي صاحب الصواعق المحرقة]: لا منافاة بين قوله تعالى (قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب الهامش والعمل، وكان كثير الترحاب بكلّ الشباب من أهل العلم تمتلئ نظراته بالأمل والتوقّع أن نسعى ونستعدّ لخوض معارك العلم والعقيدة، وكان يؤكّد بكلامه اللطيف ما كان عليه الآباء والأجداد من مقدّمات عالية في العلم والتحقيق، والورع والتقوى، ويستحثّ اللحوق بهم، مشفعاً ذلك بالدعاء والبركة متّبعاً حديثه بإبتسامة ظريفة. وقد كنت حين ألتقيه، أرجع بنفس مليئة بالعزيمة، متطلّعة إلى العمل، توّاقة إلى العلم. وهكذا كان السيّد المقرّم يسعى في سبيل الأهداف الكبرى التي واصلها تبعاً للأئمّة (عليهم السلام) في النضال، والتربية والتعليم، بلسانه، وقلمه، وقدمه، وإقدامه. توفّي في النجف الأشرف سنة 1391هـ ، تغمّده الله برحمته وأثابه فضله وبرّه وخيره، ورفع درجته. وقد ترجم له ولده السيّد محمّد حسين، في مقدّمة «مقتل الحسين (عليه السلام)» ترجمة ضافية إستفدنا منها. ولم أرسم في خطّة بحثي هذا، التعرّض لكلمات العامّة، إلاّ أنّي لمّا اطّلعت على ما كتبه السيّد المقرّم في «مقتل الحسين (عليه السلام)» عن هذا البحث، وهي كتابة ثمينة ومفصّلة تقع في الصفحات 44 ـ 66، بالعناوين التالية: «الإقدام على القتل» و «آية التهلكة» و «علم الحسين بالشهادة» أودع فيها ما ملخّصه: أنّ علم الأئمّة (عليه السلام) إنّما هو فيض اختّصهم الله به لإستحقاقهم ذلك بخلافتهم عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيامهم بواجب الدعوة، فاقتضى أن يكون لهم من العلم ما يؤدّون به حقّ الخلافة عن الرسالة التي كانت متّصلة بالوحي تنهل من علمه وتنعم بفيضه. وأثبت علم الحسين (عليه السلام) بما آل إليه أمر نهضته، ومن أبدع ما ذكره قوله: «وإنّما لم يُصالح بما عنده من العلم لكلّ من يرغب في إعراضه عن السفر إلى الكوفة لعلمه بأنّ الحقائق لا تفاض لأيّ متطلّب، بعد إختلاف الأوعية سعةً وضيقاً، وتباين المرامي قرباً وبعداً، فلذلك يجيب (عليه السلام) كلّ أحد بما يسعه ظرفه وتتحمّله معرفته وعقليّته» مقتل الحسين (عليه السلام): ص66. وقد نقل السيّد المقرّم في بحثه بعض الأخبار وكلمات المفيد والعلاّمة والبحراني، بشكل مختصر، وإقتصرنا هنا على نقل كلمات العامّة بواسطته تكريماً له، وتخليداً لذكره وتثميناً لجهده، وليكون ذكراً منّا لفضله وخدماته الجليلة للدين والعلم وأهلهما.

ص26 إلاّ الله) [الآية (65) من سورة النمل (27)]. وقوله (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً)[الآية (26) من سورة الجنّ (72)]. وبين علم الأنبياء والأولياء بجزئيات من الغيب. فإنّ علمهم إنّما هو بإعلام من الله تعالى، وهذا غير علمه الذي تفرّد به تعالى شأنه من صفاته القديمة الأزليّة الدائمة الأبديّة المنزّهة عن التغيير. وهذا العلم الذاتي هو الذي تمدّح به، وأخبر ـ في الآيتين ـ بأنّه لا يشاركه أحد فيه. وأمّا من سواه، فإنّما يعلم بجزئيات الغيب بإعلامه تعالى. وإعلام الله للأنبياء والأولياء ببعض الغيوب ممكن، لا يستلزم محالا، بوجه. فإنكار وقوعه عناد. ومن البيّن أنّه لا يؤدّي إلى مشاركتهم له تعالى فيما تفرّد به من العلم الذي تمدّح به واتّصف به من الأزل. وعلى هذا مشى النووي في فتاواه(3). وقال النيسابوري صاحب التفسير: إنّ إمتناع الكرامة من الأولياء: إمّا لأنّ الله ليس [معاذ الله] أهلا لأن يعطي المؤمن ما يريد! وإمّا لأنّ المؤمن ليس أهلا لذلك!! وكلّ منهما بعيد، فإنّ توفيق المؤمن لمعرفته لمن أشرف المواهب ـ منه تعالى ـ لعبده، فإذا لم يبخل الفيّاض بالأشرف، فلأن لا يبخل بالدون أولى(4). وقال ابن أبي الحديد: إنّا لا ننكر أن يكون في نوع من البشر أشخاص الهامش (3) الفتاوى الحديثية: 222، بواسطة مقتل الحسين (عليه السلام) ـ للمقرّم ـ: 53. (4) النور السافر في أعيان القرن العاشر ـ لعبدالقادر العيدروسي ـ: 85.

ص27 يخبرون عن الغيوب، وكلّه مستند إلى الباري جلّ شأنه، بإقداره، وتمكينه، وتهيئة أسبابه(5). وقال ابن أبي الحديد ـ أيضاً ـ: لا منافاة بين قوله تعالى: (وما تدري نفس ماذا تكسب غداً) [الآية (34) من سورة لقمان (31)]. وبين علمه (صلى الله عليه وآله وسلم) بفتح مكّة، وما سيكون من قتال الناكثين والقاسطين والمارقين. فإنّ الآية غاية ما تدلّ عليه: نفي العلم بما يكون في الغد، وأمّا إذا كان بإعلام الله عزّوجلّ، فلا. فإنّه يجوز أن يُعلم الله نبيّه بما يكون(6). وفي عنوان«آية التهلكة» قال المقرّم: وقد أثنى سبحانه وتعالى على المؤمنين في إقدامهم على القتل والمجاهدة في سبيل تأييد الدعوة الإلهيّة [وذكر بعض آيات القتال في سبيل الله]. ولم يتباعد عن هذه التعاليم محمّد بن الحسن الشيباني، فينفي البأس عن رجل يحمل على الألف مع النجاة أو النكاية، ثمّ قال: «ولا بأس بمن يفقد النجاة أو النكاية إذا كان إقدامه على الألف ممّا يُرهب العدو ويقلق الجيش» معلّلا بأنّ هذا الإقدام أفضل من النكاية، لأنّ فيه منفعة للمسلمين(7). ويقول ابن العربي المالكي: جوّز بعض العلماء أن يحمل الرجل على الجيش العظيم طالباً للشهادة، ولا يكون هذا من الإلقاء بالتهلكة، لأنّ الله تعالى يقول: (من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله ...) [الآية (207) من سورة البقرة (2)]. خصوصاً إذا أوجب الإقدام تأكّد عزم المسلمين حين يرون واحداً منهم

 

الهامش

(5) شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 1/427 طبع أوّل ـ مصر.

(6) المصدر السابق 2/362.

(7) أحكام القرآن ـ للجصّاص ـ 1/309 في آية التهلكة.

 

قابل الاُلوف(8) فإذن، لم يمنع مانع شرعي، ولا عقلي، من إمكان علم البشر بالغيب في نظر هؤلاء، وهذا ما يقوله الشيعة الإمامية في النبيّ والإمام. والدليل على «علم النبي والإمام» بالغيب من طريق الوحي والإلهام، هو ما أقاموه في الكتب الكلامية على وجوب مثل ذلك العلم، لهما، لتصدّيهما لمقام الرسالة في الرسول، والإمامة في الإمام، وهذا المقامان يقتضيان العلم. فمن أقرّ للأئمّة بالإمامة، فلا موقع عنده للإعتراض بالإلقاء إلى التهلكة، كما أوضحنا في الاُمور التي قدّمناها. وكذلك من نفى عنهم علم الغيب، لعدم إلتزامه بالإمامة لهم، إذ على فرض ذلك لم يصدق في حقّهم «الإقدام» المحرّم. وإثبات علمهم بالغيب، مع نفي إمامتهم، قول ثالث لم يقل به أحد. نعم، يمكن فرض علمهم بالغيب بإعتبارهم أولياء لله استحقّوا ذلك لمقاماتهم الروحيّة، وقرباتهم المعنوية، وتضحياتهم في سبيل الله، وإخلاصهم في العبادة والولاية لله ـ بقطع النظر عن مقام الإمامة ـ وحينئذ يتساءل: كيف أقدموا على الموت والقتل، وهم يعلمون؟! فإنّ الأجوبة التالية التي نقلناها وأثبتناها في بحثنا تكون مقنعة لمثل من يقدّم هذا السؤال، مع التزامه بهذا الفرض! الهامش (8 الأحكام ـ لابن العربي ـ 1/49، في آية التهلكة، طبع أوّل سنة 1331هـ .

صيغ المشكلة وجوابها عبر العصور

 

1 ـ عصر الإمام الرضا (عليه السلام)(ت203 هـ) عُرضت المشكلة على الإمام أبي الحسن الرضا علي بن موسى بن جعفر بن محمّد (عليه السلام) (ت203هـ) فيما رواه الكليني (رحمه الله) في «الكافي» كتاب الحجّة، باب «أنّ الأئمّة (عليهم السلام)يعلمون متى يموتون، وأنّهم لا يموتون إلاّ باختيار منهم»: الحديث الرابع: علي بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن عبدالحميد، عن الحسن بن الجهم، قال: قلت للرضا (عليه السلام): إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قد عرف قاتله، والليلة التي يقتل فيها، والموضع الذي يقتل فيه. وقوله ـ لمّا سمع صياح الإوز في الدار ـ: «صوائح تتبعها نوائح»! وقول اُمّ كلثوم: «لو صلّيت الليلة داخل الدار، وأمرت غيرك يصلّي بالناس» فأبى عليها! وكثّر دخوله وخروجه تلك الليلة، بلا سلاح! وقد عرف (عليه السلام)أنّ ابن ملجم لعنه الله قاتله بالسيف! كان هذا ممّا لم يجز(9) تعرّضه؟! فقال: ذلك كان، ولكنّه خُيّر(10) في تلك الليلة، لتمضي مقادير الله عزّ الهامش (9) علّق محقّق الكتاب: في بعض النسخ [لم يحلّ]وفي بعضها [لم يحسن]. (10) علّق المحقّق: في بعض النسخ [حيّر] بالحاء المهملة. وقد نقل المجلسي في مرآة العقول عن بعض النسخ: «حُيّن».

ص30 وجلّ(11). والمستفاد من هذا الحديث اُمور: الأوّل: إنّ المشكلة كانت مطروحة منذ عهود الأئمّة، وعلى المستوى الرفيع، إذ عرضها واحد من كبار الرواة وهو: الحسن بن الجهم بن بكير بن أعين، أبو محمّد الزراري الشيباني، من خواصّ الإمام الرضا (عليه السلام)، وروى عن الإمام الكاظم (عليه السلام)، وعن جمع من أعيان الطائفة، وقد صرّح بتوثيقه، وله كتاب معروف رواه أصحاب الفهرستات، وله حديث كثير في الكتب الأربعة(12). وهو من كبار آل زرارة، البيت الشيعي المعروف بالإختصاص بالمذهب. الثاني: إنّ علم الإمام ومعرفته بوقت مقتله، وما ذكر في الرواية من الأقوال والأفعال الدالّة على إختياره للقتل وإقدامه على ذلك، كلّها اُمور كانت مسلّمة الوقوع، ومعروفة في عصر السائل. الثالث: إنّ الراوي إنّما سأل عن وجه إقدام الإمام على هذه الاُمور، وإنّه مع العلم بترتّب قتله على ذلك، كيف يجوز له تعريض نفسه له؟ وهو مضمون الإعتراض الثاني. الرابع: إنّ جواب الإمام الرضا (عليه السلام) بقوله: «ذلك كان» تصديق بجميع ما ورد في السؤال من أخبار «علم الإمام» والأقوال والأفعال التي ذكرها السائل، وعدم معارضة الإمام الرضا (عليه السلام) لشيء من ذلك وعدم إنكاره، كلّ ذلك دليل على موافقة الإمام الرضا(عليه السلام) على إعتقاد السائل بعلم الإمام بوقت قتله. الخامس: جواب الإمام الرضا (عليه السلام)عن السؤال بتوجيه إقدام الهامش (11) الكافي، الاُصول 1/259 ح4، ومرآة العقول 3/123 ـ 124. (12) معجم الأعلام من آل أعين الكرام: 204 رقم 12.

ص31 الإمام، وعدم الإعتراض على أصل فرض علم الغيب، دليل على قبول هذا الفرض، وعدم ثبوت الإعتراض الأوّل. السادس: قول الإمام (عليه السلام) في الجواب: «لكنّه خُيِّرَ» صريح في أنّ الإمام (عليه السلام) اُعطي الخِيَرةَ من أمر موته، فاختار القتل لتجري الاُمور على مقاديرها المعيّنة في الغيب، وليكون أدلّ على مطاوعته لإرادة الله وانقياده لتقديره. وهذا أوضح المعاني، وأنسبها بعنوان الباب. وعلى نسخة «حُيّن» التي ذكرها المجلسي، فالمعنى أنّ القتل قد عيّن حينه ووقته، لمقادير قدّر الله أن تمضي وتتحقّق، فتكون دلالة الحديث على ما في العنوان من مجرّد ثبوت علم الإمام بوقت قتله وإقدامه، وعدم إمتناعه وعدم دفعه عن نفسه، وذلك يتضمّن أنّ الإمام وافق التقدير وجرى على وفقه. وأمّا نسخة «حُيّر» فلا معنى لها، لأنّ تحيّر الإمام ليس له دخل في توجيه إقدامه على القتل عالماً به، بل ذلك مناقض لهذا الفرض، مع أنّه لا يناسب عنوان الباب. فيكون إحتمالها مرفوضاً. ولعلّها مصحّفة عن «خُبِّرَ» بمعنى أُعلم، فيكون الجريان على التقدير وإمضائه تعليلا لإخبار الإمام وإعلامه، لكنّه لا يخلو من تأمّل. فالأولى بالمعنى، والأنصب بالعنوان: هو «خُيّر» كما أوضحنا. فدلالة الحديث على ثبوت علم الإمام بوقت موته، واختياره في ذلك واضحة جدّاً. والجواب عن الإعتراض بالإلقاء في التهلكة: هو أنّ الإمام إنّما اختار الموت والقتل بالكيفيّة التي جرى عليها التقدير، حتّى يكشف عن منتهى طاعته لله وإنقياده لإرادته وحبّه له وفنائه فيه وعشقه له ورغبته في لقائه، كما نقل عنهم قولهم (عليهم السلام): «رضاً لرضاك، تسليماً لأمرك، لا معبود سواك».

2 ـ عصر الشيخ الكليني (ت329هـ) المحدّث الأقدم أبو جعفر محمّد بن يعقوب الكليني الرازي، مجدّد القرن الرابع، المتوفّى سنة 329هـ ، وقد عاش في عصر الغيبة الصغرى وعاصر من الوكلاء ثلاثة، وقد احتلّ بين الطائفة مكانةً مرموقةً، وكانت له بين علماء الإسلام منزلة عظيمة، وننقل بعض ما قاله الكبراء في حقّه: قال النجاشي (ت450هـ): شيخ أصحابنا في وقته بالريّ ووجههم، وكان أوثق الناس في الحديث وأثبتهم. وقال الطوسي (ت460هـ): ثقة عارف بالأخبار، جليل القدر. وقال العامّة فيه: من فقهاء الشيعة، ومن أئمّة الإمامية وعلمائهم. وقال السيّد بحر العلوم (ت1212هـ): ثقة الإسلام، وشيخ مشايخ الأعلام، ومروّج المذهب في غيبة الإمام (عليه السلام)، ذكره أصحابنا ... واتّفقوا على فضله وعظم منزلته(13). وكتابه العظيم «الكافي» أوّل الكتب الأربعة المعتمدة عند الشيعة في الحديث وأجلّها وأوسعها، والذي مجّد به كبار الطائفة وأعلامهم: فقال المفيد (ت413هـ) فيه: هو من أجلّ كتب الشيعة وأكثرها فائدة. وقال الشهيد الأوّل (ت786هـ): كتاب الكافي في الحديث الذي لم يعمل الإماميّة مثله. الهامش (13) الرجال ـ للنجاشي ـ: 266، الفهرست ـ للطوسي ـ: 161 رقم 603، الرجال ـ للطوسي ـ: 495 رقم 27، الإكمال ـ لابن ماكولا ـ 4/575، الكامل في التاريخ ـ لابن الأثير ـ 8/364، الفوائد الرجالية ـ لبحر العلوم ـ 3/325، وقد نقلنا هذه الأقوال بواسطة كتاب: الشيخ الكليني البغدادي وكتابه الكافي، تأليف السيّد ثامر هاشم حبيب العميدي: 140 ـ 143.

ص33 وقال المازندراني (ت1081هـ) وهو شارح الكافي: كتاب الكافي أجمع الكتب المصنّفة في فنون علوم الإسلام، وأحسنها ضبطاً، وأضبطها لفظاً، وأتقنها معنىً، وأكثرها فائدةً، وأعظمها عائدةً، حائز ميراث أهل البيت، وقمطر علومهم. وقال السيّد بحر العلوم (ت1212هـ): إنّه كتاب جليل، عظيم النفع، عديم النظير، فائق على جميع كتب الحديث بحسن الترتيب، وزيادة الضبط والتهذيب، وجمعه للاُصول والفروع، وإشتماله على أكثر الأخبار الواردة عن الأئمّة الأطهار(عليهم السلام)(14). لقد عقد الشيخ الكليني في كتابه «الكافي» باباً في كتاب «الحجّة» بعنوان:«باب أنّ الأئمّة (عليهم السلام) يعلمون متى يموتون، وأنزهم لا يموتون إلاّ باختيار منهم». وأورد فيه «ثمانية» أحاديث تدلّ على ما في العنوان، ومنها الحديث المذكور سابقاً، عن الإمام الرضا(عليه السلام). وعقد الكليني لهذا الباب بهذا العنوان يدلّ بوضوح على أنّ المشكلة كانت معروضة في عصره، وبحاجة إلى حسم، فلذلك لجأ إلى عقده. فلنمرّ بمضمون الأحاديث، كيف نقف على مداليلها(15): الحديث الأوّل: بسنده عن أبي بصير، قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): أيّ إمام لا يعلم ما يصيبه، وإلى ما يصير، فليس ذلك بحجّة لله على خلقه. ودلالته على عنوان الباب واضحة.الحديث الثاني: بسنده عمّن اُدخل على موسى الكاظم (عليه السلام) الهامش (14) نقلنا هذه التصريحات من المصدر السابق: 154 ـ 156. (15) الأحاديث وردت في الكافي، الاُصول 1/258 ـ 260.

ص34 فأخبر أنّه قد سقي السُمّ وغداً يحتضر، وبعد غد يموت. ودلالته على علم الإمام بوقت موته واضحة. الحديث الثالث: بسنده عن جعفر الصادق (عليه السلام)، عن أبيه الباقر (عليه السلام): أنّه أتى أباه علي بن الحسين السجّاد (عليه السلام)، قال له: إنّ هذه الليلة التي يقبض فيها، وهي الليلة التي قبض فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). ودلالته على علم الإمام بليلة وفاته واضحة. الحديث الرابع: وقد أوردناه في المقطع السابق بعنوان «عصر الإمام الرضا (عليه السلام)». الحديث الخامس: بسنده عن الإمام أبي الحسن موسى الكاظم (عليه السلام)، وفيه: أنّ الله غضب على الشيعة وأنّه خيّره نفسه، أو الشيعة، وأنّه وقاهم بنفسه. ودلالته على تخييره بين أن يصيبهم بالموت، أو يصيبه هو، وعلى إختياره الموت وقاءً لهم، واضحة. الحديث السادس: بسنده إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، أنّه قال لمسافر الراوي: إنّه رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يقول له: ياعلي، ما عندنا خير لك. ومن الواضح أنّ هذا القول هو دعوة للإمام إلى ما عند رسول الله، وهو كناية واضحة عن الموت، وقد مثّل الإمام الرضا (عليه السلام) وضوح ذلك بوضوح وجود الحيتان في القناة التي أشار إليها في صدر الحديث. الحديث السابع: بسنده عن أبي عبدالله الصادق(عليه السلام)، أنّ أباه أوصاه بأشياء في غسله وفي كفنه وفي دخوله قبره، وليس عليه أثر الموت، فقال الباقر (عليه السلام): يابنيّ، أما سمعت علي بن الحسين (عليه السلام) ينادي من وراء الجدار: «يامحمّد، تعال، عجّل».

ص35 ودلالته مثل الحديث السابق، في كون الدعوة إلى الدار الاُخرى، والقرينة هنا أوضح، حين أوصى الإمام بتجهيزه. ودلالة هذين الحديثين على الإختيار للإمام واضحة، إذ أنّ مجرّد الدعوة ليس فيها إجبار على الإمتثال، بل يتوقّف على الإجابة الإختياريّة لذلك. الحديث الثامن: بسنده عن عبدالملك بن أعين، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: أنزل الله تعالى النصر على الحسين (عليه السلام) حتّى كان بين السماء والأرض. ثمّ خُيّر: النصر، أو لقاء الله. فاختار لقاء الله تعالى. ودلالته على ما في عنوان الباب واضحة، للتصريح فيه بالتخيير ثمّ إختيار الإمام لقاء الله. ومع وضوح دلالة جميع هذه الأحاديث على ما في عنوان الباب كما شرحناه، فلا يرد نقد إلى الكليني، ولا الكافي، ولا هذا الباب بالخصوص، ومن حاول التهجّم على الكتاب والتشكيك في صحّة نسخه، والمناقشة في أسانيد هذه الأحاديث، فهو بعيد عن العلم وأساليب عمل العلماء. والتشكيك في دلالة الأحاديث على مدلول عنوان الباب يدلّ على الجهل باللغة العربية، ودلالتها اللفظيّة والبعد عن أوّليّات علم الكلام بشكل مكشوف ومفضوح، فلا نجد من اللازم التعرّض لكلّ ما ذكر في هذا المجال، إلاّ أنّ محاولة التهجّم على الكتاب، وأسانيده، لابدّ من ذكرها وتفنيدها، وهي: أوّلا: ما ذكر تبعاً لمستشرق أمريكي أثار هذه الشبهة ـ من أنّ نُسخ كتاب «الكافي» مختلفة، وأنّ هناك فرقاً بين رواية الصفواني، ورواية النعماني، للكتاب، وبين النسخة المطبوعة المتداولة. نقول: إنّ تلاميذ الكليني الذين رووا عنه كتاب «الكافي» بالخصوص

ص36 كثيرون، وقد صرّح علماء الرجال بروايتهم للكتاب عن مؤلّفه الكليني، وهم: الصفواني، والنعماني، وأبو غالب الزراري، وأبو الحسن الشافعي، وأبو الحسين الكاتب الكوفي، والصيمري، والتلعكبري، وغيرهم(16). وإن دلّت كثرة الرواة على شيء فإنّما تدلّ على أهميّة الكتاب والعناية به، والتأكّد من نصّه، ولابدّ أن يبذل المؤلّف والرواة غاية جهدهم في تحقيق عمليّة المحافظة عليه، والتأكّد من بلوغه بالطرق الموثوقة المتعارفة لتحمّل الحديث وأدائه. أمّا الإختلاف بين النسخ على أثر وقوع التصحيف والسهو في الكتابة، وعلى طول المدّة الزمنيّة بيننا وبين القرن الرابع على مدى عشرة قرون، فأمر قد مني به تراثنا العربي، فهل يعني ذلك التشكيك في هذا التراث؟! كلاّ، فإنّ علماء الحديث قد بذلوا جهوداً مضنيّة في الحفاظ على هذا التراث وجمع نسخه والمقارنة بينها، والترجيح والإختيار والتحقيق والتأكّد من النصّ، شأنهم في ذلك شأن العلماء في عملهم مع النصوص الاُخرى، من دون أن يكون لمثل هذه التشكيكات أثر في حجّيتها أو سلب إمكان الإفادة منها، ما دامت قواعد التحقيق والتأكّد والتثبّت، متوفّرة، والحمد لله. أمّا تهريج الجهلة بأساليب التحقيق، وبقواعد البحث العلمي في إنتخاب النصوص، وإثارتهم وجود نسخ مختلفة، فهو نتيجة واضحة للأغراض المنبعثة من الحقد والكراهية للعلم، وقديماً قيل: «الناس أعداء ما جهلوا».وثانياً: مناقشة الأحاديث المذكورة، من حيث أسانيدها، ووجود رجال موسومين بالضعف فيها.والردّ على ذلك: أنّ البحث الرجالي، ونقد الأسانيد بذلك، لابدّ أن يعتمد على منهج رجالي محدّد، يتّخذه الناقد، ويستدلّ عليه، ويطبّقه، وليس الهامش (16) لاحظ كتاب: الشيخ الكليني، للسيّد العميدي: 96 ـ 112.

ص37 ذلك حاصلا بمجرّد تصفّح الكتب الرجالية، ووجدان اسم لرجل، والحكم عليه يالضعف أو الثقة، تبعاً للمؤلّفين الرجاليّين وتقليداً لهم، مع عدم معرفة مناهجهم وأساليب عملهم. وإنّ من المؤسف ما أصاب هذا العلم، إذ أصبح ملهاةً للصغار من الطلبة يناقشون به أسانيد الأحاديث، مع جهلهم بالمناهج الرجاليّة التي أسّس مؤلّفو علم الرجال كتبهم عليها، وبنوا أحكامهم الرجالية على أساسها، مع أهميّة ما يبتني على تلك الأحكام من إثبات ونفي، وردٍّ وأخذ، لأحاديث وروايات في الفقه والعقائد والتاريخ وغير ذلك. كما إنّ معرفة الحديث الشريف، وأساليب تأليفه ومناهج مؤلّفيه له أثر مهمّ في مداولة كتبهم والإستفادة منها. ولقد أساء من أقحم ـ ولا يزال يقحم ـ الطلبة في وادي هذا العلم، الصعب المسالك، فيصرفون أوقاتهم الغالية في مناقشات ومحاولات عقيمة، ويبنون عليها الأحكام والنتائج الخطيرة. كالمناقشة في أسانيد أحاديث هذا الباب الذي نبحث عنه في كتاب «الكافي» للشيخ الكليني، فقد جهل المناقش اُموراً من مناهج النقد الرجالي، ومن اُسلوب عمل الكليني، فخبط خبط عشواء في توجيه النقد إلى «الكافي». فمن ناحية: إنّ قسم الاُصول من«الكافي» إنّما يحتوي على أحاديث ترتبط بقضايا عقائدية، واُخرى موضوعات لا ترتبط بالتعبّد الشرعي، كالتواريخ وأحوال الأئمّة ومجريات حياتهم. ومن المعلوم أنّ إعتبار السند، وحاجته إلى النقد الرجالي بتوثيق الرواة أو جرحهم، إنّما هو لازم في مقام إثبات الحكم الشرعي، للتعبّد به، لأنّ طريق إعتبار الحديث توصّلا إلى التعبّد به متوقّف على إعتباره سنديّاً، بينما القضايا الإعتقادية، والموضوعات الخارجية لا يمكن التعبّد بها، لأنّها ليست من الأحكام الشرعية، فليس المراد منها هو التعبّد بمدلولها والتبعيّة للإمام فيها،

ص38 وإنّما المطلوب الأساسي منها هو القناعة والإلتزام القلبي واليقين، وليس شيء من ذلك يحصل بالخبر الواحد حتّى لو صحّ سنده، وقيل بحجّيته وإعتباره، لأنّه على هذا التقدير لا يفيد العلم، وإنّما يعتبر للعمل فقط. نعم، إنّ حاجة العلماء إلى نقل ما روي من الأحاديث في أبواب الاُصول الإعتقادية، لمجرّد الإسترشاد بها، والوقوف من خلالها على أساليب الإستدلال والطرق القويمة المحكمة التي يتّبعها أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) في الإقناع والتدليل على تلك الاُصول. ولا يفرّق في مثل هذا أن يكون الحديث المحتوي عليه صحيح السند أو ضعيفه، ما دام المحتوى وافياً بهذا الغرض وموصلا إلى الإقناع الفكري بالمضمون. وليس التشكيك في سند الحديث المحتوي على الإقناع مؤثّراً لرفع القناعة بما احتواه من الدليل. وكذا الموضوعات الخارجة، كالتواريخ وسنيّ الأعمار وأخبار السيرة، ليس فيها شيء يتعبّد به حتّى تأتي فيه المناقشة السنديّة، وإنّما هي اُمور ممكنة، يكفي في الإلتزام بها ونفي إحتمال غيرها ورود الخبر به. فلو لم يمنع من الإلتزام بمحتوى الخبر الوارد أصل محكم، أو فرع ملتزم، ولم تترتّب على الإلتزام به مخالفة واضحة، أو لم تقم على خلافه أدلّة معارضة، كفى الخبر الواحد في إحتماله لكونه ممكناً. وإذا غلب على الظنّ وقوعه باعتبار كثرة ورود الأخبار به، أو توافرها، أو صدور مثل ذلك الخبر من أهله الخاصّين بعلمه، أو ما يماثل ذلك من القرائن والمناسبات المقارنة، كفى ذلك مقنعاً للإلتزام به. وبما أنّ موضوع قسم الاُصول من الكافي، وخاصّةً الباب الذي أورد فيه الأحاديث الدالّة على «علم الأئمّة (عليهم السلام) بوقت موتهم وأنّ لهم الإختيار في ذلك» هو موضوع خارج عن مجال الأحكام والتعبّد بها، وليس الإلتزام به

ص39 منافياً لأصل من الاُصول الثابتة، ولا لفرع من الفروع الشرعيّة، ولا معارضاً لآية قرآنيّة، ولا لحديث ثابت في السنّة، ولا ينفيه دليل عقلي، وقد وردت به هذه المجموعة من الأحاديث والآثار ـ مهما كان طريقها ـ فقد أصبح من الممكن والمحتمل والمعقول. وإذا توافرت الأحاديث وتكرّرت، كما هو في أحاديث الباب ودلّت القرائن الاُخرى المذكورة في كتب السيرة والتاريخ، وأيّدت الأحاديث المنبئة عن تلك المضامين حصل من مجموع ذلك وثوق وإطمئنان بثبوته. ولا ينظر في مثل ذلك إلى مفردات الأسانيد ومناقشتها رجاليّاً. ومن ناحية اُخرى: فإنّ المنهج السائد في عرف قدماء العلماء، وأعلام الطائفة، هو اللجوء إلى المناقشة الرجالية في الأسانيد، ومعالجة إختلاف الحديث بذلك، في خصوص موارد التعارض والإختلاف. وقد يستدلّ على هذه السيرة وقيام العمل بها، باعتمادهم في الفقه وغيره على الأحاديث المرسلة المقبولة والمتداولة وإن كانت لا سند لها، فضلا عن المقطوعة الأسانيد، في صورة إنفرادها بالحكم في الموقف. وللبحث عن هذا المنهج، وقبوله أو مناقشته، مجال آخر. هذا، مع أنّ الكليني لم يكن غافلا ـ قطّ ـ عن وجود هذه الأسماء في أسانيد الأحاديث، لتسجيله لها وعقد باب لها في كتابه. كيف، وهو من روّاد علم الرجال، وقد ألّف كتاباً في هذا العلم باسم «الرجال»(17)؟! أمّا اتّهام الرواة لهذه الأحاديث بالإرتفاع والغلوّ، ومحاسبة المؤلّف الكليني على إيرادها، لأنّها تحتوي على ثبوت علم الغيب للأئمّة(عليهم السلام) الهامش (17) الرجال ـ للنجاشي ـ: 267، جامع الرواة ـ للأردبيلي ـ 2/219، الفوائد الرجالية 3/332، أعيان الشيعة 47/153، مصفّى المقال: 427، الأعلام ـ للزركلي ـ 8/17، ولاحظ كتاب: الشيخ الكليني البغدادي، للسيّد العميدي: 120.

ص40 فهذا مبني على الجهل بأبسط المصطلحات المتداولة بين العلماء: فالغلوّ اسم يطلق على نسبة الربوبيّة إلى البشر ـ والعياذ بالله ـ، بينما هذا معنون بـ«أنّ الأئمّة يعلمون متى يموتون ...» فالباب يتحدّث عن «موت الأئمّة» وهذا يناقض القول بـ«الغلوّ» وينفيه. فجميع رواة هذا الباب، يبتعدون ـ بروايتهم له ـ عن الغلوّ المصطلح، قطعاً. فكيف يتّهمهم بالغلوّ؟! هذا، والكليني نفسه ممّن ألّف كتاباً في الردّ على «القرامطة» وهم فرقة تُنسب إلى الغلاة(18) ممّا يدلّ على استيعاب الكليني وتخصّصه في أمر الفِرَق. فكيف يحاسب بمثل ذلك؟! ثمّ إنّ قول الكليني في عنوان الباب: «وأنّهم لا يموتون إلاّ باختيار منهم» يعني أنّ الموت الإلهي الذي قهر الله به عباده وما سواه، بدون إستثناء، وتفرّد هو بالبقاء دونهم، لابدّ أن يشملهم ـ لا محالة ـ ولا مفرّ لهم منه، وإنّما امتازوا بين سائر الخلائق بأن جعل الله إختيارهم لموتهم إليهم، وهذا يوحي: أوّلا: أنّ لهم إختيار وقت الموت، فيختارون الآجال المعلّقة، قبل أن تُحتم، فيكون ذلك بإرادة منهم وإختيار وعلم، رغبةً منهم في سرعة لقاء الله، وتحقيقاً للآثار العظيمة المترتّبة على شهادتهم في ذلك الوقت المختار. وهذا أنسب بكون إقداماتهم مع كامل إختيارهم، وعدم كونها مفروضة عليهم، وأنسب بكون ذلك مطابقاً لقضاء الله وقدره، فهو يعني إرادة الله منهم الهامش (18) الرجال ـ للنجاشي ـ: 267، الفهرست ـ للطوسي ـ: 161، معالم العلماء ـ لابن شهر آشوب ـ: 88، جامع الرواة 2/219، لؤلؤة البحرين ـ للبحراني ـ: 393، هديّة العارفين ـ للبغدادي ـ مج2 ج6/35، الأعلام 8/17، الفوائد الرجالية 3/332، أعيان الشيعة 47/153، ولاحظ كتاب: الشيخ الكليني البغدادي، للسيّد العميدي: 115.

ص41 لِما أقدموا عليه، من دون حتم. وإلاّ، فإن كان قضاءاً مبرماً وأجلا حتماً لازماً، فكيف يكونون مختارين فيه؟! وما معنى موافقتهم على ما ليس لهم الخروج عنه إلى غيره؟! ثانياً: أنّ لهم إختيار نوع الموت الذي يموتون به، من القتل باليف ضربة واحدة، كما اختار الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) ذلك، أو بشرب السمّ أو أكل المسموم كما إختاره أكثر الأئمّة (عليهم السلام)، أو بتقطيع الأوصال وفري الأوداج وإحتمال النصال والسهام وآلام الحرب والنضال، وتحمّل العطش والظمأ، كما جرى على الإمام سيّد الشهداء (عليه السلام). ولا يأبى عموم لفظ العنوان «لا يموتون إلاّ باختيار منهم» عن الحمل على ذلك كلّه. مع أنّ في المعنى الثاني بُعداً إجتماعياً هامّاً، وهو: أنّ الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) كانوا يعلمون من خلال الظروف، والأحداث، والمؤشّرات والمجريات، المحيطة بهم ـ بلا حاجة إلى الإعتماد على الغيب وإخباره ـ أنّ الخلفاء الظلمة، والمتغلّبين الجهلة، على حكم العباد والبلاد، سيقدمون على إزهاق أرواحهم المقدّسة بكلّ وسيلة تمكّنهم، لأنّهم لا يطيقون تحمّل وجود الأئمّة (عليهم السلام) الرافضين للحكومات الجائرة والفاسدة، والتي تحكم وتتحكّم على الرقاب بالباطل، وباسم الإسلام ليشوّهوا سمعته الناصعة بتصرّفاتهم الشوهاء. فكان الأئمّة الأطهار تجسيداً للمعارضة الحقّة الحيّة، ولو كانوا في حالة من السكوت، وعدم مدّ اليد إلى الأسلحة الحديديّة، لكنّ وجوداتهم الشريفة كانت قنابل قابلة للإنفجار في أيّ وقت! وتعاليمهم كانت تمثّل الصرخات المدوّية على أهل الباطل، ودروسهم وسيرتهم كانت تمثّل الشرارات ضدّ تلك الحكومات! فكيف تطيق الأنظمة الفاسدة وجود هؤلاء الأئمّة، لحظة واحدة؟!

ص42 فإذا كان الأئمّة (عليهم السلام) يعلمون أنّ مصيرهم ـ مع هؤلاء ـ هو الموت. ويعرفون أنّ الظلمة يكيدون لهم المكائد، ويتربّصون بهم الدوائر، ويدبّرون لقتلهم والتخلّص من وجودهم، ويسعون في أن ينفّذوا جرائمهم في السرّ والخفاء، لئلاّ يتحمّلوا مسؤولية ذلك، ولا يحاسبوا عليه أمام التاريخ! ولو تمّ لهم إبادة هؤلاء الأئمّة سرّاً وبالطريقة التي يرغبون فيها، لكان أنفع لهم، وأنجع لأغراضهم! لكنّ الأئمّة (عليهم السلام) لابدّ أن يحبطوا هذه المكيدة على الظلمة القتلة، يأخذوا بأيديهم زمام المبادرة في هذا المجال المهمّ الخطر، ويختاروا بأنفسهم أفضل أشكال الموت، الذي يُعلن مظلوميتهم، ويصرخ بظُلاماتهم، ويفضح قاتليهم، ويُعلن عن الإجرام والكيد الذي جرى عليهم، ولا تضيع نفوسهم البريئة، ولا دماؤهم الطاهرة، هدراً. فلو كان الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام)يُقتل في بيته، أو في بض الأزقّة والطرق، خارج المسجد. فمن كان يفنّد الدعايات الكاذبة التي بثّها بنو اُميّة بين أهل الشام بأنّ عليّاً (عليه السلام) لا يصلّي؟! فلمّا سمعوا أنّه قتل في المسجد، تنبّهوا إلى زيف تلك الدعايات المضلّلة. وإذا كان الإمام الحسين (عليه السلام)، يقتل في المدينة، فمن كان يطّلع على قضيّته؟! وحتّى إذا كان يقتل في «مكّة»: فمضافاً إلى أنّه كان يعاب عليه أنّ حرمة الحرم قد هُتكت بقتله! فقد كان يضيع دمع بين صخب الحجيج وضجيجهم! بل إذا قتل الحسين (عليه السلام) في أرض غير كربلاء، فأين؟! وكيف؟! وما هو: تفسير كلّ النصوص التي تناقلتها الصحف، والأخبار عن جدّه النبي المختار حول الفرات؟ وكربلاء؟ وتربتها الحمراء؟! وهذا الإختيار يدلّ ـ مضافاً إلى كلّ المعاني العرفانية التي نستعرضها ـ

ص43 يدلّ على: تدبير حكيم، وحنكة سياسيّة، ورؤية نافذة، وحزم محكم، قام به الأئمّة (عليهم السلام) في حياتهم السياسيّة تجاه الظالمين المستحوذين على جميع المقدّرات، والذين سلبوا من الاُمّة كلّ الحريات حتّى حريّة إنتخاب الموت كمّاً وكيفاً ووقتاً ومكاناً. فإنّ خروج الأئمّة (عليهم السلام)بتدابيرهم الحكيمة عن سلطة الحكّام في هذه المعركة، وتجاوزهم لإرادتهم وأخذ زمام الإختيار بأيديهم، وإنتخابهم للطريقة المثلى لموتهم، يُعدّ إنتصاراً باهراً، في تلك الظروف الحرجة القاهرة. ولقد قلت ـ عن مثل هذا ـ في كتابي «الحسين (عليه السلام)سماته وسيرته» ما نصّه: «وهل المحافظة على النفس، والرغبة في عدم إراقة الدماء، والخوف من القتل، أُمور تمنع من أداء الواجب؟! أو تعرقل مسيرة المسؤولية الكبرى، وهي: المحافظة على الإسلام وحرماته؟! وإتمام الحجّة على الاُمّة بعد دعواتها المتتالية؟! وإستنجادها المتتابع؟! ثمّ هل تُعقل المحافظة على النفس، بعد قطع تلك المراحل النضالية، والتي كان أقلّ نتائجها المنظورة: القتل؟! إذ أنّ يزيد صمّم وعزم على الفتك بالإمام (عليه السلام)، الذي كان يجده السدّ الوحيد أمام إستثمار جهود أبيه في سبيل المُلك الاُموي العضوض، فلابدّ من أن يزيحه عن الطريق. ويتمنّى الحكم الاُموي لو أنّ الحسين (عليه السلام) كان يقف هادئاً ساكناً ـ ولو للحظة واحدة ـ حتّى يركّز في إستهدافه، ويقتله!! وحبّذا لو كان قتل الحسين (عليه السلام) بصورة إغتيال، حتزى يضيع دمه، وتهدر قضيّته!! وقد أعلن الحسين (عليه السلام) عن رغبتهم في أن يقتلوه هكذا، وأنّهم

ص44 مصمّمون على ذلك حتّى لو وجدوه في جُحر هامة! وأشار يزيد إلى جلاوزته أن يحاولوا قتل الحسين أينما وجدوه، ولو كان متعلّقاً بأستار الكعبة! فلماذا لا يبادرهم الإمام (عليه السلام) إلى انتخاب أفضل زمان، وفي أفضل مكان، وبأفضل شكل، للقتل؟! الزمان «عاشوراء» المسجّل في عالم الغيب، والمثبت في الصحف الاُولى، وما تلاها «من أنباء الغيب» التي سنستعرضها. والمكان«كربلاء» الأرض التي ذكر اسمها على الألسن منذ عصور الأنبياء. أمّا الشكل الذي اختاره للقتل: فهو النضال المستميت، الذي ظلّ صداه، وصدى بطولاته وقعقعات سيوفه، وصرخات الحسين(عليه السلام) المعلنة عن أهدافه ومظلوميّته، مدوّية في اُذن التاريخ على طول مداه، يقضّ مضاجع الظالمين، والمزوّرين للحقائق. إنّ الإمام الحسين (عليه السلام) وبمثل ما قام به من الإقدام، أثبت خلود ذكره، وحديث مقتله، على صفحات الدهر، حتّى لا تناله خيانات المحرّفين، ولا جحود المنكرين، ولا تزييف المزوّرين، بل يخلد خلود الحقّ والدين»(19). وأخيراً: فإنّ الشيخ الكليني وهو: «أوثق الناس في الحديث وأثبتهم» كما شهد له النجاشي، قد بنى تأليف كتابه على أساس محكم، ومن شواهد الإحكام فيه: أنّه (رحمه الله) عقد باباً بعنوان «باب نادر في ذكر الغيب» أورد فيه أحاديث تحلّ مشكلة الإعتراض الأوّل على «علم الأئمّة للغيب» وفيها الجواب الهامش (19) الحسين (عليه السلام)سماته وسيرته: 112. وقد وجدت إشارة إلى نحو ما هنا في كتاب «هزار ويك نكته» للشيخ حسن زاده آملي: 453 ـ 454 النكتة 660 نقلا عن بعض مشايخه رضوان الله تعالى عليه.

ص45 الصريح لقول السائل للأئمّة: «أتعلمون الغيب؟» ويجعل نتيجة هذا الباب أصلا موضوعاً للأبواب التالية. ومن تلك الأحاديث: حديث حمران بن أعين، قال لأبي جعفر (عليه السلام): أرأيت قوله جلّ ذكره: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً ...) [الآية (25) من سورة الجنّ (72)]؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام)(إلاّ من ارتضى من رسول ...) [الآية (26) من سورة الجنّ (72)]وكان ـ والله ـ محمّد ممّن ارتضاه(20). فقد كان الكليني يراعي ترتيب أبواب كتابه ترتيباً، منهجيّاً، برهانيّاً، حتّى تؤتي نتائجها الحتميّة بشكل منطقي مقبول، فجعل من كتابه «الكافي» للدين سدّاً لا يستطيع الملحدون أن يظهروه بشبههم وتشكيكاتهم، ولا يستطيعون له نقباً.

3 ـ عصر الشيخ المفيد (رحمه الله) (ت413هـ) الشيخ الإمام أبو عبدالله محمّد بن محمّد بن النعما، البغدادي، العكبري، الشهير بالشيخ المفيد، وابن المعلّم، مجدّد القرن الخامس (336 ـ 413هـ). قال فيه النجاشي (ت450هـ): فضله أشهر من أن يوصف في الفقه، والكلام، والرواية، والثقة، والعلم(21). وقال الطوسي (ت460هـ): جليل، ثقة، من جملة متكلّمي الإماميّة، إنتهت إليه رئاسة الإماميّة في وقته، وكان مقدّماً في العلم، وصناعة الكلام، الهامش (20) الكافي ـ الاُصول 1/256 ح2، وقد وافق أكثر المفسّرين من الخاصّة والعامّة على هذا المعنى. (21) رجال النجاشي: 399 رقم 1067.

ص46 وكان فقيهاً متقدّماً فيه، حسن الخاطر، دقيق الفطنة، حاضر الجواب(22). قال ابن أبي طيّ (ت630هـ): كان أوحد في جميع فنون العلم: الأصلين، والفقه، والأخبار، ومعرفة الرجال، والتفسير، والنحو، والشعر، وكان يناظر أهل كلّ عقيدة، مع العظمة في الدولة البويهيّة، والرتبة الجسيمة عند الخلفاء، وكان قويّ النفس، كثير البرّ، عظيم الخشوع، كثير الصلاة والصوم، يلبس الخشن من الثياب، وكان مديماً للمطالعة والتعليم، ومن أحفظ الناس، قيل: «إنّه ما ترك المخالفين كتاباً إلاّ وحفظه» وبهذا قدر على حلّ شُبَهِ القوم، وكان من أحرص الناس على التعليم، يدور على المكاتب وحوانيت الحاكة، فيتلمّح الصبي الفطن، فيستأجره من أبويه، وبذلك كثر تلاميذه(23). وقال السيّد بحر العلوم (ت1212هـ): المفيد (رحمه الله) شيخ المشايخ الجلّة، ورئيس رؤساء الملّة، فاتح أبواب التحقيق بنصب الأدلّة، والكاسر بشقاشق بيانه الرشيق حجج الفرق المضلّة، إجتمعت فيه خلال الفضل، وإنتهت إليه رئاسة الكلّ، واتّفق الجميع على علمه وفضله وفقهه وعدالته وثقته وجلالته، وكان (رضي الله عنه) كثير المحاسن، جمّ المناقب، حديد الخاطر، دقيق الفطنة، حاضر الجواب، واسع الرواية، خبيراً بالرجال والأخبار والأشعار، وكان أوثق أهل زمانه في الحديث، وأعرفهم بالفقه والكلام، وكلّ من تأخّر عنه إستفاد منه(24). لقد وجّه هذا الإعتراض إلى الشيخ المفيد ضمن المسائل الحاجبية فأجاب عنها ضمن الجوابات العكبرية المطبوعة، وإليك نصّ السؤال ثمّ الجواب: الهامش (22) رجال الطوسي: 514، وفهرست الطوسي: 168 رقم 710. (23) سير أعلام النبلاء ـ للذهبي ـ 17/344. (24) رجال السيّد بحر العلوم 3/311 ـ 312.

ص47 المسألة العشرون: قال السائل: الإمام عندنا مجمَع على أنّه يعلم ما يكون: فما بال أمير المؤمنين (عليه السلام) خرج إلى المسجد، وهو يعلم أنّه مقتول، وقد عرف قاتله، والوقت والزمان؟! وما بال الحسين (عليه السلام) صار إلى أهل الكوفة، وقد علم أنّهم يخذلونه ولا ينصرونه؟! وأنّه مقتل في سفرته تلك؟! ولِمَ ـ لمّا حُوصر، وقد علم أنّ الماء منه، لو حفر، على أذرع ـ لم يحفر؟!، ولِمَ أعان على نفسه حتّى تلف عطشاً؟! والحسن (عليه السلام) وادع معاوية، وهو يعلم أنّه ينكث، ولا يفيى، ويقتل شيعة أبيه (عليهما السلام)؟! والجواب ـ وبالله التوفيق ـ: عن قوله «إنّ الإمام يعلم ما يكون بإجماعنا»: أنّ الأمر على خلاف ما قال، وما أجمعت الشيعة ـ قطّ ـ على هذا القول، وإنّما إجماعهم ثابت على أنّ الإمام يعلم الحكم في كلّ ما يكون، دون أن يكون عالماً بأعيان ما يحدث ويكون على التفصيل والتمييز. وهذا يُسقط الأصل الذي بنى عليه الأسئلة بأجمعها. فصل (1): لسنا نمنع أن يعلم الإمام أعيان حوادث تكون بإعلام الله تعالى له ذلك. فأمّا القول بأنّه يعلم كلّ ما يكون، فلسنا نطلقه، ولا نصوّب قائله، لدعواه فيه من غير حجّة ولا بيان.فصل (2): والقول بأنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يعلم قاتله، والوقت الذي يقتل فيه، وقد جاء الخبر متضافراً: أنّه كان يعلم في الجملة أنّه

ص48 مقتول، وجاء أيضاً بأنّه كان يعلم قاتله على التفصيل. فأمّا علمه بوقت قتله، فلم يأت فيه أثر على التفصيل، ولو جاء فيه أثر لم يلزم ما ظنّه المستضعفون، إذ كان لا يمتنع أن يتعبّده الله بالصبر على الشهادة والإستسلام للقتل، ليبلغه الله بذلك علوّ الدرجة ما لا يبلغه إلاّ به. ولعلمه تعالى بأنّه يطيعه ـ في ذلك ـ طاعة، لو كلّفها سواه لم يؤدّها، ويكون ـ في المعلوم من اللطف بهذا التكليف لخلق من الناس ـ ما لا يقوم مقامه غيره. فلا يكون أمير المؤمنين (عليه السلام) ملقياً بيده إلى التهلكة، ولا معيناً على نفسه معونةً مستقبحة في العقول. فصل (3): فأمّا علم الحسين (عليه السلام)بأنّ أهل الكوفة خاذلوه: فلسنا نقطع على ذلك، إذ لا حجّة عليه من عقل ولا سمع. ولو كان عالماً بذلك، لكان الجواب عنه ما قدّمناه في الجواب عن علم أمير المؤمنين (عليه السلام) بوقت قتله، والمعرفة بقاتله، كما ذكرناه. فصل (4): أمّا دعواه علينا: أنّا نقول: إنّ الحسين (عليه السلام) كان عالماً بموضع الماء، وقادراً عليه: فلسنا نقول ذلك، ولا جاء به خبر على حال، وظاهر الحال التي كان عليها الحسين (عليه السلام) في طلب الماء والإجتهاد فيه يقضي بخلاف ذلك. ولو ثبت أنّه كان عالماً بموضع الماء، لم يمتنع في العقول أن يكون متعبّداً بترك السعي في طلب الماء من ذلك الموضع، ومتعبّداً بالتماسه من حيث كان ممنوعاً عنه، حسب ما ذكرناه في أمير المؤمنين (عليه السلام)، غير أنّ الظاهر خلاف ذلك، على ما قدّمناه. فصل (5): والكلام في علم الحسن (عليه السلام)بعاقبة حال موادعته معاوية، بخلاف ما تقدّم، وقد جاء الخبر بعلمه ذلك، وكان شاهد الحال يقضي به. غير أنّه دفع به عن تعجيل قتله، وتسليم أصحابه إلى معاوية، وكان في

ص49 ذلك لطف في مقامه إلى حال معيّنة، ولطف لبقاء كثير من شيعته وأهله وولده، ورفع لفساد في الدين هو أعظم من الفساد الذي حصل عند هدنته. وكان (عليه السلام) أعلم بما صنع، لما ذكرناه وبيّنا الوجه فيه وفصّلناه(25). والمستفاد من مجموع السؤال والجواب: إنّ الظاهر من السؤال، هو ما أكّد المفيد على نفيه وهو دعوى «علم الأئمّة للغيب بلا واسطة». وهذا أمر لم تقل به الشيعة فضلا عن أن تجمع عليه، لما قد ذكرنا في صدر هذه المقالة ـ من أنّ «علم الغيب بهذه الصورة» خاصّ بالله تعالى، ومستحيل أن يكون لغيره من الممكنات. والممكن علمه من الغيب بالنسبة إلى النبي والأئمّة (عليهم السلام) هو الغيب بواسطة الوحي والإلهام من الله تعالى، وهذا لم ينفه المفيد. والمجمع عليه ـ من هذا ـ بين الشيعة: أنّ الأئمّة (عليهم السلام) يعلمون جميع الأحكام الشرعيّة بلا إستثناء، لإرتباط ذلك بمقامهم في الخلافة عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، كما اُثبت ذلك في علم الكلام. وأمّا غير الأحكام، فالظاهر من المفيد أنّه وضع ذلك في دائرة الإمكان ووقّفه على ورود الخبر والأثر به، فما قامت عليه الآثار قُبِلَ والتزم به، وليس أصله مستحيلا عقلا ولا ممتنعاً من جهة آية أو سنّة، أو عقل. وهكذا قال في موضع «علم الأئمّة بمقاتلهم وما جرى عليهم»: فالتزم بعلم أمير المؤمنين (عليه السلام) بالمقدار الذي جاءت به الأخبار، الهامش (25) المسائل العكبرية، المسألة العشرون: 29 ـ 72 من المطبوعة مع مصنّفات الشيخ المفيد، المجلّد السادس، وقد وقع في المطبوعة تصحيفات صحّحناها من الهوامش، واُخرى من غيرها.

ص50 فما كان منها وارداً بالتفصيل التزم بعلمه له بالتفصيل، وما كان وارداً بالإجمال التزم بعلمه بالإجمال. وقد نفى المفيد في الفصل الثاني الإعتراض على علي (عليه السلام) «بأنّه ألقى بنفسه إلى التهلكة إذا كان عالماً بوقت مقتله». بأنّه (عليه السلام) على ذلك يكون مأموراً بتحمّل ذلك والصبر عليه والإستسلام له، لينال ـ بهذه الطاعة وهذا التسليم ـ المقامات الربّانية العالية المعدّة له، والتي لا يبلغها إلاّ بذلك. فليس المفيد (رحمه الله) في ردّ هذا الإعتراض مخالفاً لما التزمته الطائفة من «علم الإمام بمقتله، وإقدامه عليه بالإختيار» وإن ادّعى أنّ الآثار لم تنصّ على التفصيل، بل على مجرّد الإجمال. والتفصيل بتعيين الساعة والوقت، وإن لم يذكر في الآثار، إلاّ أنّ المعلوم من القرائن كون ذلك واضحاً ومتوقّعاً للإمام (عليه السلام). ويظهر من هذا أنّ مجيء الأثر بذلك ـ لو تمّ ـ لكان كافياً، ووافياً للإلتزام به، وعدم حاجة ذلك إلى القطع به، لما ذكرنا من أنّ ورود الأخبار ـ غير المعارضة ولا المنافية لأصل ثابت أو فرع مقبول ـ يكفي للإلتزام في مثل هذه المواضيع، التي هي بحاجة إلى مقنعات متعارفة، دون حاجة إلى مثبتات قطعيّة، أو حجج شرعيّة. والقول بأنّ الأئمّة يعلمون الغيب بالإجمال دون التفصيل، قول التزم به من الطائفة السيّد المرتضى وآخرون، وسنذكرهم أيضاً. إلاّ أنّ المستفاد من مجموع كلام المفيد ـ والطوسي فيما سيأتي ـ أنّ الطائفة مجمعة على أنّ النبي والأئمّة يعلمون الغيب ـ من الله وبوحيه وإلهامه ـ إمّا بالتفصيل أو بالإجمال، وليس في الطائفة من ينكر علمهم هذا. فالقول بنفي علم الغيب عنهم، مخالف لإجماع للطائفة، كما أنّ الإلتزام بعلمهم الغيب بالإستقلال مناف لعقائد الطائفة، ومعارَض بآيات القرآن

ص51 المطلقة الدالّة على إختصاص ذلك بالله تعالى. وأمّا بالنسبة إلى الحسين (عليه السلام)فقد ورد في السؤال البحث عن ثلاثة اُمور: 1 ـ عن علم الإمام (عليه السلام) بأنّ أهل الكوفة يخذلونه ولا ينصرونه. 2 ـ عن علمه (عليه السلام) أنّه مقتول في سفرته تلك. 3 ـ عن السبب في عدم حفره لتحصيل الماء. والمفيد (رحمه الله) لم ينف علم الإمام بذلك كلّه، ولم يقل باستحالته وإمتناعه. بل هو لم يُجِب عن السؤال، ولعلّ سكوته كان من أجل ثبوته، لتظافر الأخبار المعلنة عن خبر مقتل الحسين (عليه السلام) ومكانه، بما لم يبق ريب فيه للمخالفين، حتّى عدوّه من دلائل النبوّة وشواهدها الثابتة، كما سيأتي بيانه. وأمّا السؤال الأوّل: فقد نفى الشيخ المفيد قطعه هو به، لعدم قيام حجّة عليه عنده، ولكنّه كما عرفت ـ لم ينفه مطلقاً ـ . فيمكن أن يقال: إنّ عدم ثبوت حجّة عند الشيخ، لا ينافي ثبوتها عند غيره، خصوصاً إذا لاحظنا إرسال السائل لذلك كالمسلّم. مع أنّ شواهد العلم بخذلان أهل الكوفة كانت واضحة ـ من غير طريق علم الغيب ـ لكلّ ناظر إلى أحداث ذلك اليوم ومجرياته، وقد تنبّأ بذلك أكثر المرويّ عنهم الكلام في هذا المقام، وفيهم مَن ليس من ذوي الإهتمام بهذه الشؤون، فكيف بالإمام الحسين (عليه السلام) الذي كان محور الأحداث تلك ومدارها؟! ثمّ إنّ افتراض المفيد لعلم الحسين (عليه السلام) بأنّه يخذل ويُقتل، والجواب عن إقدامه على ذلك بالتعبّد، قرينة واضحة على إمكان العلم بذلك

ص52 عنده، وأنّه أمر ليس معارضاً للعقل ولا للكتاب، وإنّما لم يلتزم به لعدم ورود أثر به عنده! فلو أثبتنا الحجّة على ورود الأثر بذلك بتواتر الآثار والأخبار، كفى دليلا للإلتزام به، وعدم قابليّة الإعتراض الثاني للوقوف في وجهه. وكذلك أجاب المفيد عن الأمر الثالث بعدم قيام الحجّة عليه وعدم ورود أثر به، مع مخالفته لمقتضى الحال وشواهده. وبالنسبة إلى الإمام الحسن(عليه السلام)فقد صرّح المفيد (رحمه الله) بعلمه بمستقبل حال معاوية، ونكثه وثيقة الصلح، واستدلّ على ذلك بمجرّد مجيء الخبر به، ومطابقته لمقتضى الحال. فيدلّ على كفاية ذلك لإثبات «علم الإمام بالغيب». وأمّا الاعتراض بالإقدام على التهلكة فقد أجاب عنه بالمصلحة واللطف، ومقابلة ذلك بالأهمّ. فقد ظهر أنّ الشيخ المفيد (رحمه الله) لا يمنع من نسبة «علم الغيب» إلى الأئمّة إذا كان من طريق إعلام الوحي والإلهام لهم بواسطة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). وأنّه في إثبات جزئيّات ذلك بحاجة إلى ورود الأخبار والآثار بذلك. وأنّ شواهد الأحوال والسيرة تؤكّد إثبات ذلك أو نفيه عند المعارضة. وقد نقلنا فيما سبق ـ ص47 ـ رأي الشيخ المفيد في علم الأئمّة بالغيب مصرّحاً بثبوت ذلك لهم مستفاداً، من دون كونه صفةً ذاتية لهم، ولا وجوب عقليّ له، بل إنّما هو كرامة من الله لهم، وأنّ السمع قد ورد به. وقد نسب هذا القول إلى «جماعة أهل الإمامة» ولم يستثن إلاّ شواذّاً من

ص53 الغلاة(26) وأثبت في كتابه «الإرشاد» نماذج من الروايات الواردة في إخباراتهم الغيبيّة سواءً عن الماضيات أو المستقبلات، وحتّى عن أحوال المخاطبين وما يكنّونه في أنفسهم، ذكر ذلك في الدلالة على إمامة كلّ واحد من الأئمّة (عليهم السلام) في فصل أحواله. فما نسب إليه (رحمه الله)من أنّ الحسين (عليه السلام) لم يكن يعلم بمقتله، وأنّه إنّما توجّه إلى الكوفة بغرض الاستيلاء على المُلك، وأنّه لو كان عالماً بأنّه يُقتل لما ذهب، لأنّه إلقاء في التهلكة!!! كلّها نسب باطلة إلى الشيخ المفيد (رحمه الله)، لم تدلّ على ذلك عبارته المذكورة هنا التي استند إليها الناسبون، وبتروا وقطّعوا أوصالها، لتؤدّي ما يريدون!

4 ـ عصر الشيخ الطوسي (ت460هـ) الشيخ أبو جعفر، محمّد بن الحسن بن علي الطوسي (385 ـ 460هـ). قال السيّد بحر العلوم: شيخ الطائفة المحقّة، رافع أعلام الشريعة الحقّة، إمام الفرقة بعد الأئمّة المعصومين، وعماد الشيعة الإماميّة في كلّ ما يتعلّق بالمذهب والدين، محقّق الاُصول والفروع، ومهذّب فنون المعقول والمسموع، شيخ الطائفة على الإطلاق، ورئيسها الذي تُلوى إليه الأعناق، صنّف في جميع علوم الإسلام، وكان القدوة في كلّ ذلك والإمام(27). الهامش (26) لاحظ أوائل المقالات: 67 من طبعة مؤتمر الشيخ المفيد، وص77 من طبعة شيخ الإسلام، التي أعادتها مكتبة الداوري ـ قم. (27) رجال السيّد بحر العلوم 3/227 ـ 228.

ص54 وقد عرض الشيخ الطوسي الإعتراض وأجاب عنه، وهذا نصّ ما ذكره: فإن قيل: أليس في أصحابكم مَن قال: «إنّ الحسين (عليه السلام) كان يعلم ما ينتهي إليه أمره، وأنّه يُقتل ويخذله من راسله وكاتبه، وإنّما تعبّد بالجهاد والصبر على القتل». أيجوز ذلك عندكم، أم لا؟! وكذلك قالوا في أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنّه كان يعلم أنّه مقتول». والأخبار عنه مستفيضة به. وأنّه كان يقول: «ما يمنع أشقاها أن يخضب هذه من هذا» ـ ويومئ إلى لحيته ورأسه ـ . وأنّه كان يقول تلك الليلة ـ وقد خرج وصِحْنَ الإوز في وجهه: «إنّهنّ صوائح تتبعها نوائح». قالوا: «وإنّما أُمر بالصبر على ذلك». فهل ذلك جائز عندكم؟! قيل: اختلف أصحابنا في ذلك: فمنهم من أجاز ذلك(28) وقال: لا يمتنع أن يتعبّد بالصبر على مثل ذلك، لأنّ ما وقع من القتل ـ وإن كان ممّن فعله قبيحاً ـ فالصبر عليه حسن، والثواب عليه جزيل. بل، ربّما كان أكثر، فإنّ مع العلم بحصول القتل ـ لا محالة ـ الصبر أشقّ منه إذا جوّز الظفر وبلوغ الغرض. الهامش (28) علّق محقّق «تلخيص الشافي»: يقصد بذلك الشيخين المفيد والكليني ـ قدّس الله سرّهما ـ وعلى ذلك جرى كثير من علمائنا المتأخّرين قدّس الله أسرارهم، كالعلاّمة الحلّي، والمجلسي، والشهيد، وغيرهم. وقد عقد الكليني في اُصول «الكافي» باباً خاصّاً بذلك سمّاه: «باب أنّ الأئمّة (عليهم السلام) يعلمون متى يموتون» واستعرض فيه جملة من الروايات عن الأئمّة في إثبات ذلك.

ص55 ومنهم من قال: إنّ ذلك لا يجوز، لأنّ دفع الضرر عن النفس واجب عقلا وشرعاً، ولا يجوز أن يتعبّد بالصبر على القبيح، وإنّما يتعبّد بالصبر على الحسن، ولا خلاف أنّ ما وقع من القتل كان قبيحاً، بل من أقبح القبيح. وتأوّل هذا القائل ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، من الأخبار الدالّة على علمه بقتله، بأن قال: كان يعلم ذلك على سبيل الجملة، ولم يعلم بالوقت بعينه، وكذلك علم الليلة التي يقتل فيها بعينها، غير أنّه لم يعلم الوقت الذي يحدث فيه القتل. وهذا المذهب هو الذي اختاره المرتضى ـ رحمة الله عليه ـ في هذه المسألة. وليَ ـ في هذه المسألة ـ نظر(29). والذي يستفاد من هذا النصّ سؤالا وجواباً: 1 ـ أنّ الطائفة لم تختلف في أصل «أنّ الأئمّة يعلمون متى يموتون، وما يجري عليهم» لكنّ المرتضى خالف في خصوص (الوقت المعيّن) للقتل، هل يعرفه الإمام بالتفصيل، أو يعرفه بالإجمال؟ وأمّا العلم بحوادث اُخر فهو ـ أيضاً ـ مجمع عليه، ولا خلاف فيه. 2 ـ أنّ الأخبار التي ظاهرها العلم بالتفصيل ـ حتّى بوقت الموت ـ متظافرة وواردة، وإنّما القائل بالإجمال يحاول تأويلها! 3 ـ أنّ القائل بالإجمال إنّما صار إلى ذلك، لتصوّره أنّ أمراً مثل الإقدام على الشهادة أمر لا يمكن التعبّد به، لأنّه قتل قبيح، ولا تعبّد بالقبيح! وأنّ دفع الضرر واجب عقلا وشرعاً، فلا يجوز تركه على الإمام. الهامش (29) تلخيص الشافي 4/188 ـ 190، وعلّق محقّقه: راجع في تفصيل الباب: مرآة العقول ـ للمجلسي ـ 3/123، والبحار ـ له ـ 42/259، والدرّة النجفيّة ـ للبحراني ـ 85، وغيرها.

ص56 لكنّ هذا التصوّر خاطئ لوجوه: الأوّل: أنّ كون الفعل قبيحاً صدوراً من الفاعل، لا يقتضي كونه قبيحاً بالنسبة إلى الواقع عليه، فبالإمكان أن يفرض العمل قبيحاً صدوراً باعتبار حرمته على الفاعل أن يقوم به، ولكنّه يكون بالنسبة إلى القابل، أو الواقع عليه جائزاً مباحاً، أو مراداً. فلا مانع من أن يكون قتل الأئمّة (عليهم السلام) حراماً على القاتلين، لكونه ظلماً وتعدّياً، بل من أقبح صوره وأفحشها، ولكن يكون الصبر على ذلك من الإمام أمراً حسناً لكون إمتثالا لأمر الله، وانقياداً لإرادته، ورضاً بقضائه، وتعبّداً بما عبّد به الإمام، لتحقيق المصالح الدنيوية عليه، ولبلوغ الأئمّة المقامات العالية المفروضة لهم في ظرف طواعيّتهم وتحمّلهم لذلك. الثاني: أنّه مع ورود النصّ بثبوت علم الأئمّة لا وجه للجوء إلى مثل هذا التصوّر، لأنّ قبح القتل ـ في موارد ـ إنّما هو من جهة كونه ظلماً وحراماً; وكذا الإقدام على أن يقتل، والإلقاء إلى التهلكة، إنّما يكون حراماً إذا كان منهيّاً عنه، أمّا إذا تعلّق به أمر إلهي، وصار مورداً للتعبّد به لمصلحة، فهو لا يكون قبيحاً للمتعبّد بذلك، والمفروض أنّ الأخبار قد وردت بذلك، فلابدّ من فرض جوازه وحسنه. كما كان الإقدام على الشهادة، والقتل في سبيل الله، من أفضل القُرب وأشرفها، وأكثرها أجراً، وتستوجب أرفع الدرجات مع الصدّيقين. الثالث: أنّ تحمّل القتل والصبر عليه، في مثل هذا الفرض، لا يصحّ تسميته ضرراً، بل هو نفع، من أنفع ما يقدم عليه عباد الله المخلصون، ويختارونه لكونه لقاء الله، ومقرّباً إليه، ولما يترتّب على ذلك من المصالح للإسلام وللاُمّة، ولأنّه مقحّق أروع الأمثلة للتضحية والفداء في سبيل الأهداف الإلهيّة الكبيرة والجليلة.

ص57 فلا حرمة فيه شرعاً، ولا عقلا، بل هو محبوب، وواجب في بعض الأحيان. 4 ـ وقد دلّ هذا النصّ على أنّ المتفرّد بالقول بالإجمال إنّما هو السيّد المرتضى، وأنّ القائل بالإجمال يعارض التعبّد بالصبر على ذلك، فظهر أنّ المفيد ـ الذي مرّ افتراضه للتعبّد ـ إنّما يفترض ذلك على تقدير التفصيل، وأنّ القول بالإجمال ليس بحاجة إلى افتراض ذلك. مبيت علي (عليه السلام) على فراش الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ليلة الهجرة: ثمّ إنّ ما يؤكّد جواز إقدام الإمام (عليه السلام) على الأخطار مع علمه بها هو مبيت علي (عليه السلام) على فراش النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليلة هجرته من مكّة إلى المدينة فادياً له بنفسه، حتّى نزلت فيه آية (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله ...) الآية (207) من سورة البقرة (2). وقد كان ذلك بأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فتوجّه إلى الغار وأنام عليّاً على فراشه وألبسه برده(30). فقال علي (عليه السلام) في ذلك شعراً(31):

وقيتُ بنفسي خير من وطِئَ الحصى ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر

وبتّ اُراعي منهم ما ينوبني وقد صَبَرَتْ نفسي على القتل والأسر

ولم يكن يخفى على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ما يتهدّد الإمام (عليه السلام) من الخطر، فكيف أمره بالمبيت وأنامه على فراشه؟! وما كان يخفى على علي (عليه السلام) خطر القتل والأسر، فكيف تعبّد الهامش (30) اُنظر: تفسير الحبري: 242 ح9، وانظر: ص410 ـ 416. (31) المستدرك على الصحيحين ـ للحاكم ـ 3/4، ولاحظ: شواهد التنزيل 1/131.

ص58 بذلك وأطاع؟! وقول قيل: إنّهما كانا يعلمان عدم إصابته بأذىً في ذلك، فهو إثبات لعلم الغيب الذي يحاول إنكاره. مع أنّه قد كان القتل محتملا كما قال الله تعالى: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك) [الآية (3) من سورة الأنفال (8)] وكما احتمله الإمام علي (عليه السلام) في شعره المذكور؟! حول شهادة الحسين (عليه السلام): ثمّ إنّ للشيخ الطوسي كلاماً حول أعذار الحسين (عليه السلام) في مخرجه ومقتله، ذكره في «تلخيص الشافي» وهو بعين العبارة مذكور في كتاب «تنزيه الأنبياء» للسيّد المرتضى، فلابدّ من ذكره، سؤالا وجواباً، لإرتباطه الوثيق بهذا المبحث: فإن قيل: فما أعذار الحسين (عليه السلام)؟! لأنّه خرج بأهله وعياله إلى الكوفة، والمستولي عليها أعداؤه والمتآمر فيها من قِبل يزيد منبسط اليد والأمر والنهي، وقد رأى صنيع أهل الكوفة بأبيه وأخيه (عليهما السلام)، وأنّهم غادرون خوّانون؟! وكيف خالف ظنّه ظنّ جميع أصحابه، لأنّ ابن عبّاس ـ رحمة الله عليه ـ أشار بالعدول عن خروجه، وقطع على العطب. وابن عمر لمّا ودّعه بقول: أستودعك الله من قتيل. وأخوه محمّد مثل ذلك. إلى غير من ذكرناه ممّن تكلّم في هذا الباب؟! ثمّ لمّا علم بقتل مسلم بن عقيل ـ وقد أنفذه رائداً له ـ كيف لم يرجع، ويعلم الغدر من القوم، وتفطّن بالحيلة والمكيدة؟! ثمّ كيف استجاز أن يحارب بنفر قليل، لجموع عظيمة خلفها موادّ لها

ص59 كثيرة؟! ثمّ لمّا عرض عليه ابن زياد الأمان، وأن يبايع يزيد، كيف لم يستجب حقناً لدمه ودماء من معه من أهله وشيعته ومواليه؟! ولِمَ ألقى بيده إلى التهلكة؟! وبدون هذا الخوف سلّم أخوه الحسن (عليه السلام) الأمر إلى معاوية؟! وقد أجابا عن جميع ما ورد في السؤال بتفصيل، ونحن نقسّمه إلى مقاطع لتسهيل الإرجاع إليها: قيل لهم: 1 ـ قد علمنا أنّ الإمام متى غلب على ظنّه أنّه يصل إلى حقّه والقيام بما فُوّض إليه ـ بضرب من الفعل ـ وجب عليه ذلك، وإن كان فيه ضرب من المشقّة ـ يُتحمّل مثلها ـ تحمّلها. وأبو عبدالله (عليه السلام) لم يسر إلى الكوفة إلاّ بعد توثّق من القوم وعهود وعقود، وبعد أن كاتبوه (عليه السلام) طائعين غير مكرهين، ومبتدئين غير مجيبين. وقد كانت المكاتبة من وجوه أهل الكوفة وأشرافها وقرّائها، تقدّمت إليه (عليه السلام) في أيّام معاوية، وبعد الصلح الواقع بينه وبين الحسن (عليه السلام)، فدفعهم وقال في الجواب ما وجب. ثمّ كاتبوه بعد وفاة الحسن (عليه السلام) ـ ومعاوية باق ـ فوعدهم ومنّاهم. وكانت أيّام معاوية صعبة لا يُطمع في مثلها. فلمّا مضى معاوية أعادوا المكاتبة وبذل الطاعة، وكرّروا الطلب والرغبة، ورأى (عليه السلام) من قوّتهم ـ على من كان يليهم في الحال من قِبل يزيد وتسلّحهم عليه وضعفه عنهم ـ ما قوّى في ظنّه أنّ المسير هو الواجب، وتعيّن عليه فعله.

ص60 2 ـ ولم يكن في حسابه أنّ القوم يغدر بعضهم، ويضعف بعضهم عن نصرته، ويتّفق ما اتّفق من الاُمور الطريفة الغريبة ... إنّ أسباب الظفر بالعدوّ كانت لائحة، وإنّ الإتّفاق السيّئ هو الذي عكس الأمر وقلبه حتّى تمّ فيه ما تمّ. 3 ـ وقد همّ أبو عبدالله (عليه السلام) لمّا عرف بقتل مسلم واُشير عليه بالعود، فوثب إليه بنو عقيل فقالوا: والله، لا ننصرف حتّى ندرك ثارنا أو نذوق ما ذاق أخونا، فقال (عليه السلام): «لا خير في العيش بعد هؤلاء». 4 ـ ثمّ لحقه الحرّ بن يزيد ومن معه من الرجال ... ومنعه من الإنصراف، وسامه أن يقدم على ابن زياد، نازلا على حكمه، فامتنع، ولمّا رأى ألاّ سبيل إلى العود، ولا إلى دخول الكوفة، سلك طريق الشام سائراً نحو يزيد، لعلمه (عليه السلام) بأنّه ـ على ما به ـ أرقّ به من ابن زياد وأصحابه! فسار حتّى قدم عليه عمر بن سعد في العسكر العظيم، وكان من أمره ما قد ذكر وسُطِرَ. فكيف يقال: إنّه (عليه السلام) ألقى بيده إلى التهلكة؟! وقد روي أنّه (عليه السلام) قال لعمر بن سعد: اختاروا منّي: إمّا الرجوع إلى المكان الذي أقبلت منه، أو أن أضع يدي على يد يزيد ـ فهو ابن عمّي يرى فيَّ رأيه ـ، وإمّا أن تسيروا بي إلى ثغر من ثغور المسلمين، فأكون رجلا من أهله، لي ما له، وعليَّ ما عليه. وإنّ عمر كتب إلى عبيدالله بن زياد بما سأل، فأبى عليه، وكاتبه بالمناجزة، وتمثّل بالبيت المعروف، وهو:

الآن إذ عَلَقت مخالبنا به يرجو النجاة ولاتَ حينَ أوانِ

فلمّا رأى (عليه السلام) إقدام القوم، وأنّ الدين منبوذٌ وراء ظهورهم، وعلم أنّه إن دخل تحت حكم ابن زياد تعجّل الذلّ والعار، وآل أمره ـ من بعد ـ إلى القتل، التجأ إلى المحاربة والمدافعة لنفسه، وكان بين إحدى الحسنيين: إمّا الظفر، أو الشهادة والميتة الكريمة.

ص61 5 ـ وأمّا مخالفة ظنّه لظنّ جميع من أشار عليه من النصحاء، كابن عبّاس وغيره، فالظنون إنّما تغلب بحسب الأمارات، وقد تقوّى عند واحد، وتضعف عند آخر، ولعلّ ابن عبّاس لم يقف على ما كوتب به (عليه السلام) من الكوفة، وما تردّد في ذلك من المكاتبات والمراسلات والعهود والمواثيق ... 6 ـ فأمّا محاربة الكثير بالنفر القليل، فقد بيّنا أنّ الضرورة دعت إليها، وأنّ الدين والحزم معاً ما اقتضيا في هذه الحال إلاّ ما فعل ... 7 ـ وليس يمتنع أن يكون (عليه السلام) في تلك الحال مجوّزاً أن يفيء إليه قوم ممّن بايعه وعاهده ثمّ قعد عنه، ويحمله ما يرون ـ من صبره وعدم إستسلامه، وقلّة ناصره ـ على الرجوع إلى الحقّ، ديناً أو حميّة، فقد فعل ذلك نفر منهم حتّى قتلوا بين يديه (عليه السلام) شهداء. ومثل هذا يطمع فيه، ويتوقّع في أحوال الشدّة ... 8 ـ ... والحسين(عليه السلام) لمّا قوي في ظنّه النصرة ممّن كاتبه ووثق له، فرأى من أسباب قوّة نصّار الحقّ وضعف نصّار الباطل، ما وجب معه عليه الطلب والخروج. فلمّا انعكس ذلك، وظهرت أمارات الغدر فيه وسوء الاتّفاق، رام الرجوع والمكافّة والتسليم، كما فعل أخوه (عليه السلام)، فمُنع من ذلك، وحيل بينه وبينه(32). أقول: لابدّ من تفسير ما ورد في هذا النصّ ـ سؤالا وجواباً ـ من عبارة: «كيف خالف ظنّه ظنّ جميع أصحابه» في السؤال. الهامش (32) تلخيص الشافي 4/181 ـ 188، وقد نقله عنه وعن تنزيه الأنبياء ـ للسيّد المرتضى ـ: 179 ـ 182 النقوي في: السبطان في موقفيهما ـ ص51 فما بعدها ـ، مع ردّ على مفردات السؤال والجواب معاً، فلاحظه.

ص62 وعبارة: «غلب على ظنّه» و «قوّى في ظنّه» في الفقرة الاُولى من الجواب، وعبارة «وأمّا مخالفة ظنّه لظنّ جميع من أشار عليه» في الفقرة الخامسة، وعبارة: «لمّا قوي في ظنّه النصرة» في الفقرة الثامنة. حيث اُضيفت كلمة «الظنّ» إلى الإمام (عليه السلام)، وهي ظاهرة في إرادة حالة الشكّ والتردّد، خصوصاً بقرينة كلمات «غلب» و «قوى» و «قوي» وقياسه بظنون الآخرين. وهذا بلا شكّ، يُعطي الموافقة على أنّ الإمام (عليه السلام) لم يكن متأكّداً بصورة علميّة ممّا يُقدم عليه. فلابدّ إذن من توجيه لهذا الإطلاق، فأقول: بما أنّ المرتضى والطوسي إستعملا في الجواب كلمة «الظنّ» في مورد الحكم الشرعي حيث قالا في الفقرة الاُولى: «متى غلب على ظنّه أنّه يصل إلى حقّه ... بضرب من الفعل وجب عليه ذلك» وفي الفقرة الثامنة: «لمّا قوي في ظنّه النصرة ... ما وجب معه عليه الطلب والخروج». وهذا «الوجوب» حكم شرعي. وقد عرفنا فيما نقله المفيد إجماع الطائفة على أنّ الإمام يعلم الأحكام كلّها، ولا يعتمد فيها على مجرّد «الظنّ» حيث قال المفيد: «وإنّما إجماعهم ثابت على أنّ الإمام يعلم الحكم في كلّ ما يكون» وكذلك قال: «وعلى ذلك جماعة أهل الإمامة» في إثبات علم الأئمّة بالغيب المستفاد من الله تعالى، واستثنى الغلاة. وكذلك ما حصل من حصر الطوسي أقوال الطائفة في مسألة علم الأئمّة بالغيب بين قولين فقط، ولم يختلفا في أصل علم الأئمّة بالغيب، وإنّما اختلفا في معرفة «وقت القتل» بين التفصيل والإجمال، واتّفقا على العلم بغير ذلك بالتفصيل، فإنّه يقتضي أن يكون الإمام عالماً بالأحكام. كما عرفت أنّ الطوسي نسب القول بالعلم الإجمالي بوقت القتل إلى

ص63 خصوص المرتضى، ممّا يقتضي، عدم مخالفته للطائفة في التزام العلم في غير هذا، ومنه الأحكام. كما أنّ إستدلال الكلاميين من الطائفة على ثبوت علم الإمام بالأحكام وضرورة ذلك معروف في كتب الكلام. ومع كلّ هذا، فكيف يمكن أن يريد الطوسي والمرتضى مجرّد الشكّ والإحتمال ـ ولو الإحتمال الراجح ـ من كلمة «الظنّ»؟! فلابدّ أن يكون المراد بالظنّ ليس ما يقابل اليقين، بل يراد به هو «اليقين». وقد استُعمل «الظنّ» واُطلق على «اليقين» لغةً، وصرّح علماء اللغة بذلك: قال الجوهري: الظنّ: معروف، وقد يوضع موضع العلم. وقال الأزهري: الظنّ: يقين، وشكّ. وقال ابن سِيْدَه: الظنّ: شكّ، ويقين، إلاّ أنّه ليس بيقين عيان، إنّما هو يقين تدبّر(33). فإذا كان المراد بالظنّ هو اليقين، فالمعنى: أنّ الإمام (عليه السلام)لمّا علم بأنّ الفعل الكذائي هو الواجب عليه حسب الظروف المعيّنة التي تحيط به، فهو عالم بما يقوم به، في صلحه وسلمه، وفي خروجه وحربه. والإمام الحسين (عليه السلام) كان على علم ويقين بأنّ حركته هي إعلان عن حقّه في قيادة المسلمين التي آلت إليه في تلك الظروف، وأنّه بخروجه وقيامه يملأ الثغرة التي كادت الدولة الاُموية أن توسّعها بعد ما أحدثتها، والضربة القاضية التي كاد يزيد أن يوقعها بالاُمّة الإسلامية والدين الإلهي، بعد أن أنهكهما أبوه طعناً، فكانت حركته سدّاً منيعاً يصدّ الجاهلية أن تعود إلى

ص64 الحياة. ويدلّ على أنّ مراد المرتضى والطوسي «علم الإمام بما يجري» قولهما في آخر الفقرة الرابعة: «فلمّا رأى (عليه السلام) إقدام القوم، وأنّ الدين منبوذ وراء ظهورهم، وعلم أنّه إن دخل تحت حكم ابن زياد تعجّل الذلّ ...». فإذا كان الحسين (عليه السلام) علم هذا، فأجدر به أن يعلم غيره ممّا جرى! وأمّا قولهما في الفقرة الثانية: «ولم يكن في حسابه أنّ القوم يغدر بعضهم ...».فمعناه: أنّ إحتمالات الغدر والخيانة وطروء الظروف غير المنظورة، اُمور لا تدخل في الحساب، لأنّها تخمينات لا يمكن الإعتماد عليها لمن يُقدم على مثل ما أقدم عليه الإمام الحسين (عليه السلام) في الخطورة والأهمّية، وفي النتائج العظيمة والوخيمة التي كانت تترتّب عليه إيجاباً وسلباً. فالإمام الحسين (عليه السلام) بنى حركته على أساس من علمه بوجوبها عليه، وعلمه بما يترتّب عليها من النتائج، وما يجب أن يتحمّله من المآسي والآلام، فلا تمنعه الإحتمالات ولا تدخل في حسابه التخمينات، ولم يأبه بما يُثار في هذه الطريق من الأخطار، إذ لا يُنقض اليقين بيقين أحد من الناس العاديّين، فكيف بظنونهم وإحتمالاتهم؟! إنّ الحسين (عليه السلام) كان يعمل ويسير من منطلق العلم بالحكم الشرعيّ المحدّد له في مثل ظرفه، والواضح له من خلال تدبّر مصالح الإسلام والمسلمين، والمعروف له من بوّابة الغيب المتّصلة بطرق السماء من خلال الوحي النبويّ والإلهام، فكان يرى كلّ شيء رأى العين، ويسير بثبات ويقين، ولم يكن ليصرفه عن واجبه الإلهي المعلوم له، كلّ ما يعرفه من غدر الكوفة وخيانة أهلها، فكيف ينصرف باحتمال غدرهم، وظنّ خيانتهم؟! وقد شرحنا في كتابنا «الحسين (عليه السلام) سماته وسيرته» جانباً من هذه

ص65 الحقيقة، في ذكر مواجهة الإمام الحسين (عليه السلام) لجواب الناصحين له بعدم الخروج، والمتنبّئين بأنّ مصيره «القتل» فكان الجواب الحاسم: «أنّ الحسين (عليه السلام) إذا كان خارجاً لأداء واجب الدعوة إلى الله، فلا يكون خروجه لغواً، ولا يحقّ لأحد أن يُعاتبه عليه لأنّه إنّما يؤدّي بإقدامه واجباً إلهيّاً، وضعه الله على الأنبياء وعلى الأئمّة من قبل الحسين (عليه السلام)، ومن بعده. وإذا أحرز الإمام تحقّق شروط ذلك، وتمّت عنده العُدّة ـ ولو الظاهرية ـ للخروج، من خلال العهود والمواثيق ومجموعة الرسائل والكتب التي وصلت إليه. فهو لا محالة خارج، ولا تقف أمامه العراقيل المنظورة له والواضحة، فضلا عن تلك المحتملة والقائمة على الفرض والتخمين، مثل الغدر به، أو قتله وهلاكه! ذلك الذي عرضه الناصحون. فكيف لو كان المنظور هو «الشهادة» والقتل في سبيل الله، التي هي من أفضل النتائج المتوقّعة والتي يترقّبها الإمام، والمطلوبة لمن يدخل هذا السبيل، ويسير في هذا الطريق الشائك. مع أنّ الشهادة مقضيّة ومأمور بها، ويحتاج إلى توفيق عظيم لنيلها، فهي إذن من صميم الأهداف التي كان يضعها الإمام الحسين (عليه السلام) نصب عينيه، ويسعى لطلبها، لا أنّها موانع في طريق إقدامه! وأمّا أهل العراق وسيرتهم، وأنّهم أهل النفاق والشقاق، وعادتهم الغدر والخيانة، فهي اُمور لا تعرقل خطّة الإمام في قيامه بواجبه; وإن كان فيها ضرر متصوّر، فهي على حياة الإمام، وتمسّ راحته، وليس هذا مهمّاً في مقابل أمر القيادة الأهمّ، وأداء واجب الإمامة الإلهي، حتّى يتركها من أجل ذلك. ولذلك لم يترك الإمام علي (عليه السلام)أهل الكوفة بالرغم من إظهاره استياءه منهم إلى حدّ الملل والسأم! ولكن لا يجوز له ـ شرعاً ـ أن يترك موقع

ص66 القيادة، وواجب الإمامة من أجل أخلاقهم المؤذية. وكذلك الواجب الذي اُلقي على عاتق الإمام الحسين (عليه السلام) بدعوة أهل العراق، وأهل الكوفة بالخروج إليهم والقيام بقيادة أمرهم وهدايتهم إلى الإسلام، لم يتأدّ إلاّ بالخروج، ولم يسقط هذا الواجب بمجرّد إحتمال العصيان غير المتحقّق، في ظاهر الأمر، فكيف يرفع اليد عنه، وما هو عذره عن الحجّة التي تمّت عليه بدعوتهم؟! ولم يبدُ منهم نكث وغدر به؟! فلابدّ أن يمضي الإمام في طريق أداء واجبه، حتّى تكون له الحجّة عليهم، إذا خانوا وغدروا، كما حدث في كربلاء، ولو كان على حساب وجوده الشريف»(34). وقلت فيه أيضاً: «وغريب أمر اُولئك الذين ينظرون إلى الموقف من زاوية المظاهر الحاضرة، ويحذفون من حساباتهم الاُمور غير المنظورة، ويريدون أن يحاسبوا حركة الإمام وخروجه، على أساس أنّه إمام عالم بالمصير، بل لابدّ أن يعرف كلّ شيء من خلال الغيب! فكيف يُقدم على ما أقدم، وهو عالم بكلّ ما يصير؟! والغرابة في أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) لو عمل طبقاً لما يعلمه من الغيب، لعاب عليه كلّ من يسمع بالأخبار، ويقرأ التاريخ: أنّه ترك دعوة الاُمّة المتظاهرة بالولاء له، من خلال آلاف الكتب والعهود ـ والواصلة إليه بواسطة أُمناء القوم ورؤسائهم ـ إستناداً إلى إحتمالات الخيانة والتخاذل، التي لم تظهر بوادرها إلاّ بالتخمين، حسب ماضي هذه الجماعة وأخلاقهم. فلو عمل الإمام بعلمه بالغيب، الذي لم يؤمن به كثير من الناس في عصره ومن بعده، ولم يسلّمه له غير مجموعة قليلة من شيعته، وأطاع اُولئك الناصحين له بعدم الخروج، لكان مطيعاً لمن لم تجب عليه طاعتهم، وتاركاً الهامش (34) الحسين سماته وسيرته ـ الباب3، الفقرة 27 ـ: عراقيل على المسير.

ص67 لنجدة مَن تجب عليه نجدتهم. كما أنّ طاعة اُولئك القلّة من الناصحين، لم تكن بأجدر من طاعة الآلاف من عامّة الشعب، الذي قدّموا له الدعوة، وبإلحاح، وقدّموا له الطاعة والولاء. وقبل هذا وبعده: فإنّ الواجب الإلهي يحدوه، ويرسم له الخطط، للقيام بأمر الاُمّة، فإذا تمّت الحجّة بوجود الناصر، فهذا هو الدافع الأوّل والأساسي للإمام على الإقدام، دون الإحجام على أساس الإحتمالات السياسيّة، والتوقّعات الظاهرية، وإنّما استند إليها في نصوص من كلماته وتصريحاته، لإبلاغ الحجّة، وإفحام الخصوم، وتوضيح المحجّة، لكلّ جاهل ومظلوم»(35). إنّ حاصل ما ذكره المرتضى والطوسي في أمر الحسين (عليه السلام) هو: إنّه (عليه السلام) عَلِمَ بواجبه وتيقّن بتماميّة الحجّة، بدعوة أهل العراق وتواتر كتبهم إليه، وطلبهم له، واستقرّ عليه هذا الواجب، فنهض لأداء واجبه، وخرج إليهم ليُتمّ هو الحجّة عليهم، وهو وإن كان عالماً بالنتيجة المعلومة له من الغيب ـ أو من شواهد الحال ـ إلاّ أنّه لم تقم حجّة خارجية عياناً تردّ الحجّة التي قدّمها أهل الكوفة بدعوتهم للإمام، إلاّ بعد حصر الإمام في كربلاء. والإمام لم يكلّف ـ قبل كربلاء ـ بالعمل بواجبه الظاهر، ولو أخبر ـ هو ـ بما يعلمه من الغيب، هل كان يصدّقه أحد؟! خصوصاً من أهل الكوفة الذين دعوه؟! وبالأخصّ قبل أن يظهر منهم الغدر، وقبل أن يُحاط بالإمام في كربلاء؟! وأمّا في كربلاء، فإنّ الأمر قد اختلف، وقد تمّت الحجّة على أهل الكوفة بحضور الإمام، وبظهور الغدر والخيانة منهم! الهامش (35) الحسين سماته وسيرته ـ الفقرة 29 ـ: أنصار أوفياء.

ص68 وكان واجب الإمام هو حفظ كرامته وحرمته، وكرامة الإسلام وحرمته التي ستهتك وتهدر باستسلامه. مع أنّ مصيره المعلوم كان هو القتل حتّى بعد الإستسلام! وكما قال الطوسي والمرتضى ـ بنصّ العبارة ـ في الفقرة السادسة: «فإنّ الضرورة دعت إليها ـ أي المحاربة ـ وإنّ الدين، والحزم ـ معاً ـ ما اقتضيا ـ في هذه الحال ـ إلاّ ما فعل». فبعد إتمام الإمام (عليه السلام)الحجّة بما قام به من الخروج والمسير إلى أهل الكوفة، وحتّى عرضه عليهم الصلح والسلام ـ وبكلّ خياراته وأشكاله ـ ورفضهم لها كلّها، تمّت الحجّة عليهم، فحاربهم وقاومهم وجاهدهم، وناضلهم، حتّى نال الشهادة. ومن المخزي أنّ بعض المتطفّلين على العلم والدين، والقلم والكتابة، اتّبع ما تشابه من عبارات الطوسي والمرتضى والمفيد، فاستشهد بظواهرها ـ ومن دون بحث وتحقيق عن الأعماق والدلالات المرادة فيها ـ على ما وضعه نصب عينيه ـ من نفي علمهم بالغيب ـ يحاول إثباته والتأكيد عليه، بصور مختلفة: فتارةً: بدعوى أنّ الحسين (عليه السلام) لم يكن يعلم بما وقع عليه من القتل والبلاء، وإنّما خرج طالباً للحكم والسلطان والملك والخلافة! ولكنّه فوجئ بجيش أقوى ممّا معه، وبغدر من وعده النصر وخذلانه، وانقلب الأمر عليه! وبدعوى: أنّه ما كان يريد أن يقتل، وأنّه كان في خروجه يأمل النصر ويتوقّعه، ولذلك عرض على جيش الكوفة عروضاً سلميّة! واُخرى بدعوى: أنّه لم يقم إلاّ منطلقاً من خلال العناوين الفقهيّة العامّة، من دون أن يكون لخصوصية إمامته دخلا في خروجه وحركته! إنّ هؤلاء لو جرّدوا الحسين (عليه السلام)عن قُدسيّة الإمام التي قلّده الله

ص69 بها، وسلبوا عنه علم الإمامة بالغيب حتّى الحكم الشرعي ومعرفة ما يجب عليه أن يفعل! فلماذا جرّدوه وسلبوه من التنبّه لما عرفه اُناس عاديّون عاصروا الأحداث ـ مثل الفرزدق، وابن عبّاس، وابن عمر، وحتّى بعض النساء ـ فأعلنوا أنّ ذهابه إلى العراق يؤدّي إلى قتله؟! ولماذا فرضوا أنّ الحسين (عليه السلام) لم ير ما رآه اُولئك برؤية واضحة؟! وقد أبلغوه آراءهم ورؤاهم، فهلاّ تنبّه ـ لو فرضت له غفلة ـ؟! إنّ هؤلاء ينزلون بالحسين إلى مرتبة أقلّ من إنسان عاديّ عاصر الأحداث! وكيف لهم أن يعرضوا ـ بغمضة عين ـ عن عشرات الآثارت والروايات والأخبار والأحاديث، وفيها الصحيح والمسند والمتّصل، وذات الدلالات الواضحة، والتي مُلئت بها كتب السيرة والحديث والتاريخ، والتي أخبرت عن «مقتل الحسين ومصرعه في كربلاء» وعلى لسان النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وعلي أمير المؤمنين (عليه السلام)؟! تلك الأخبار التي عُدّت من «دلائل النبوّة» و «معجزات الإمامة» والتي احتجّ بها المسلمون، وتواتر خبرها بينهم! فأخبرت عن «قتل الحسين في كربلاء» قبل مولده، وعنده، وبعده، وقد أحضر الرسول تربة مصرعه وشمّها، وحضر علي أرض كربلاء، وصبّر أبا عبدالله فيها وهو في طريق صفّين ذهاباً وإيّاباً.

5 ـ عصر الشيخ ابن شهر آشوب (ت588هـ) هو الشيخ أبو جعفر، محمّد بن علي بن شهر آشوب بن أبي نصر، السروي المازندراني، رشيد الدين.

ص70 قال الصفدي: أحد شيوخ الشيعة، حفظ القرآن وله ثمان سنين. قال ابن أبي طيّ الحلبي: اشتغل بالحديث، ولقي الرجال، ثمّ تفقّه وبلغ النهاية في فقه أهل البيت، ونبغ في الاُصول، ثمّ تقدّم في القراءات والقرآن، والتفسير، والعربية. وكان مقبول الصورة، مليح العرض على المعاني، وصنّف في: المتّفق والمفترق، والمؤتلف والمختلف، والفصل والوصل، وفرّق بين رجال الخاصّة ورجال العامّة ـ يعني أهل السُنّة والشيعة ـ . كان كثير الخشوع، مات في شعبان سنة ثمان وثمانين وخمسمائة. وقال الصفدي: بلغ النهاية في اُصول الشيعة، كان يرحل إليه من البلاد، ثمّ تقدّم في علم القرآن، والغريب، والنحو. ووعّظ على المنبر أيّام المقتفي ببغداد، فأعجبه وخلع عليه، وأثنى عليه كثيراً. وقال الداوودي في «طبقات المفسّرين»: كان إمام عصره، وواحد دهره، أحسن الجمع والتأليف، وغلبه عليه علم القرآن والحديث، وهو عند الشيعة كالخطيب البغدادي لأهل السُنّة في تصانيفه، وتعليقات الحديث ورجاله ومراسيله، ومتّفقه ومفترقه، إلى غير ذلك من أنواعه. واسع العلم، كثير الفنون، قال ابن أبي طيّ: ما زال الناس بحلب لا يعرفون الفرق بين ابن بطّة الحنبلي، وابن بُطّة الشيعي، حتّى قدم الرشيد، فقال: «ابن بطة الحنبلي بالفتح، والشيعي بالضمّ(36). وقد تعرّض للمشكلة في ذيل آية: (... ولا أعلم الغيب ...) من الآية (31) من سورة هود (11) وهي مكّية، فقال: الهامش (36) نقلنا هذه الكلمات من مقدّمة العلاّمة الجليل السيّد محمّد صادق بحر العلوم (رحمه الله) لكتاب «معالم العلماء» لابن شهر آشوب: 3 ـ 5، فلاحظ مصادره، وانظر أسماء مؤلّفاته في ذلك الكتاب: 119 رقم 791، وهو آخر من اسمه (محمّد).

ص71 النبي والإمام يجب أن يعلما علوم الدين والشريعة. ولا يجب أن يعلما الغيب، وما كان، وما يكون: لأنّ ذلك يؤدّي إلى أنّهما مشاركان للقديم تعالى في جميع معلوماته، ومعلوماته لا تتناهى، وإنّما يجب أن يكونا عالمين لأنفسهما، وقد ثبت أنّهما عالمان بعلم محدث. والعلم لا يتعلّق ـ على التفصيل ـ إلاّ بمعلوم واحد، ولو علما ما لا يتناهى، لوجب أن يعلما وجود ما لا يتناهى من المعلوما، وذلك محال. ويجوز أن يعلما الغائبات والكائنات الماضيات، والمستقبلات، بإعلام الله تعالى لهما شيئاً منها. وما روي أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام)كان يعلم أنّه مقتول، وأنّ قاتله ابن ملجم: فلا يجوز أن يكون عالماً بالوقت الذي يقتله فيه على التمييز، لأنّه لو عَلِمَ ذلك لوجب عليه أن يدفعه عن نفسه، ولا يلقي بيده إلى التهلكة! وإنّ هذا ـ في علم الجملة ـ غير واجب(37). إنّ ما أثبته الشيخ ابن شهر آشوب موافق لما سبق ذكره سوى نقطة واحدة: فما ذكره من نفي «علم الغيب بالاستقلال» عن الأئمّة مجمع عليه بين المسلمين: وذلك لما ذكرنا في صدر هذا البحث من دلالة الآيات الكريمة على إختصاص ذلك بالله تعالى. مضافاً إلى ما ذكره ابن شهر آشوب من الإستدلال العقلي بأنّ النبي والإمام محدود متناه، والغيب لا حدّ له، ولا يمكن أن يحيط المحدود باللا منتهي.الهامش (37) متشابه القرآن ومختلفه: 211.

ص72 ثمّ ما ذكره من إمكان علم الغيب بإعلام الله تعالى: هو أيضاً ممّا أجمعت عليه الطائفة، ودلّت عليه الآيات الكريمة التي ذكرناها في صدر البحث. وأمّا التفرقة بين علم الإمام بالحوادث، وخصوصاً ما يرتبط بقتله، من الإلتزام بالتفصيل في غير وقت القتل، والإلتزام بالإجمال فيه. فهذا أيضاً قد سبق قول المرتضى فيه، والتزامه. وقد أضاف ابن شهر آشوب تصريحاً بأنّ على فرض علم الإمام بوقت قتله بالعلم الإجمالي، فلا يرد عليه إعتراض الإلقاء في التهلكة، لأنّ الدفع حينئذ غير واجب لفرض الإجمال فيه وعدم معرفته الأمر بالتفصيل. وإنّما اختّص ابن شهر آشوب بالتزامه بالإعتراض على تقدير علم الإمام بقوت قتله تفصيلا، فقال: «فلا يجوز أن يكون عالماً بالوقت الذي يقتله فيه على التمييز، لأنّه ـ لو علم ذلك ـ لوجب عليه أن يدفعه عن نفسه، ولا يلقي بيده إلى التهلكة». وهذه هي النقطة التي خالف فيها ابن شهر آشوب من سبقه، لأنّ المفيد الذي أشار إلى مسألة علم الجملة، قال بإمكان القول بالتفصيل، ومنع كون ذلك من الإلقاء في التهلكة، لإمكان التعبّد بالصبر على القتل للإمام. وحتّى المرتضى ـ الذي التزم بالجملة، ونفى التعبّد ـ لم يصرّح بالتزامه اعتراض الإلقاء في التهلكة على تقدير التفصيل، فلعلّه دفعه بأحد الوجوه الكثيرة المتصوّرة، والتي يكون تحمّل القتل بها أمراً حسناً أيضاً ولو بغير التعبّد! ولعلّ ابن شهر آشوب عدّ فقدان الإمام ضرراً وتهلكة فحكم فيه بوجوب الدفع، وعدم الإلقاء، محافظةً على وجوده الشريف لأداء مهمّات الإمامة. لكنّ إطلاق لفظ «الضرر» ولفظ «التهلكة» على ما جرى على الإمام ممنوع، مطلقاً: فإنّه إذا علم الإمام إرادة الله تعالى لما يجري عليه، مع أنّه يعلم ما فيه

ص73 من المصلحة للدين والاُمّة، والمصلحة لنفسه الشريفة بالفوز بالشهادة ورفع الدرجات والكرامة الإلهيّة، بانقياده المطلق لأوامر الله تعالى، وتسليمه المطلق لله، ورضاه بما يرضاه تعالى، فلا ريب، أن لا يكون في ما يُقدم عليه أيّ ضرر، ولا يمكن أن يسمّى ذلك تهلكة بأيّ وجه، إلاّ في المنظار المادّي، والدنيوي. ونظرة إلى قصّة إبراهيم، وولده الذبيح إسماعيل، (عليهما السلام) التي جاءت في القرآن الكريم، حين أمر الله إبراهيم بذبح إبنه، فقال تعالى في نهايتها: (فلمّا أسلما وتلّه للجبين * وناديناه أن ياإبراهيم * قد صدّقت الرؤيا إنّا كذلك نجزي المحسنين * إنّ هذا لهو البلاء المبين) الآيات (103 ـ 106) من سورة الصافّات (37) .. فقد سمّى الله ذلك تسليماً، وتصديقاً، وإحساناً، وجعله «بلاءً مبيناً» مع أنّه لم يتحقّق فيه ذبح، بل فُدي إسماعيل بذبح عظيم. فإذا لم يكن ما جرى على إسماعيل إلقاء في التهلكة وكان شرعيّاً؟! فلماذا لا يكون ما جرى على أهل البيت (عليهم السلام) من القتل ـ بأنواعه ـ أمراً شرعيّاً متعبّداً به، وقد تعبّد به إبراهيم من قبل؟! ولماذا لا يكون ما فعلوه تسليماً، وتصديقاً لقضاء الله، وإحساناً؟! وقد تحمّلوه في سبيل الله، وأهداف الدين السامية! وأمّا «البلاء» هنا فهو «أبين» لأنّه قد تحقّق، واُريقت دماء آل بيت الرسول عليهم الصلاة والسلام، ولم يُفد عنهم بشيء! مع أنّ عمل الإمام، لم يكن إمتحاناً خاصّاً وفرديّاً، بل هو عمل أعظم وأهمّ، لكونه إحياءً للإسلام ولرسالة الله الخالدة. فإذا علم الإمام بتفصيل أسباب ما يجري عليه من الحوادث، ونتائجه الباهرة، فهو أحرى أن ينقاد لإمتثال ذلك والإطاعة لإرادة الله، وعمل في مثل هذه العظمة والأهميّة، لا يكون الموت من أجله «تهلكة».

ص74 كلّ هذا مع عدم وجود «جبر» ولا إكراه للإمام على شيء، وإنّما الاُمور هي تحت إختياره، وبهذا يكون إقدامه أبلغ في الكشف عن عظمته وحبّه لله والإنقياد له تعالى، لمّا يختار لقاء الله تعالى على النصر الدنيوي. وقد جاد هذا المعنى الأخير في بعض روايات الباب. فإذا لم يكن إقدامهم على ما أصابهم أمراً «مضرّاً» ولا يصحّ تسميته «تهلكة» ولا مانع من أن يكونوا عالمين به، وعارفين له، فكيف يجعل إقدامهم عليه دليلا على نفي علمهم به؟!

6 ـ عصر الشيخ العلاّمة الحلّي (ت726هـ) هو الإمام الشيخ جمال الدين الحسن بن يوسف بن المطهّر، أبو منصور، الشهير بالعلاّمة الحلّي. قال ابن داود: شيخ الطائفة، وعلاّمة وقته، وصاحب التحقيق والتدقيق، كثير التصانيف، انتهت رئاسة الإمامية إليه في المعقول والمنقول. وقال ابن حجر: ابن المطهّر عالم الشيعة وإمامهم ومصنّفهم، وكان آية في الذكاء ... واشتهرت تصانيفه في حياته ... وكان مشتهر الذكر حسن الأخلاق، ولمّا بلغه بعض كتاب ابن تيميّة قال: «لو كان يفهم ما أقول أجبته». ومات في المحرّم سنة 726هـ عن 80 سنة(38). وأمّا السيّد السائل: فهو السيّد المهنّا بن سنان بن عبدالوهّاب بن نميلة، من آل يحيى النسّابة الهامش (38) نقلنا هذه الأقوال من مقدّمة العلاّمة الجليل السيّد محمّد صادق بحر العلوم على رجال العلاّمة الحلّي: 9 ـ 14، فراجع.

ص75 ابن جعفر الحجّة بن عبيدالله الأعرج بن الحسين الأصغر بن الإمام زين العابدين علي السجّاد (عليه السلام). فهو حسيني، عبيدلي، أعرجي، مدني. قال ابن حجر في الدرر الكامنة 4/318: الحسيني، الإمامي، المدني، قاضي المدينة، اشتغل كثيراً، وكان حسن الفهم، جيّد النظم، ولاُمراء المدينة فيه إعتقاد، وكانوا لا يقطعون أمراً دونه، وكان كثير النفقة، متحبّباً إلى المجاورين، ويحضر مواعيد الحديث ... من فقهاء الإمامية، مع تحقّق المعرفة، وحسن المحاضرة، ومات سنة 754. ووصفه العلاّمة في أوّل جوابه عن مسائله بقوله: السيّد الكبير، النقيب الحسيب النسيب، المعظّم المرتضى، عزّ السادة، زين السيادة، معدن المجد والفخار، والحكم والآثار، الجامع للقسط الأوفى من فضائل الأخلاق، والفائز بالسهم المعلّى من طيّب الأعراق، مزيّن ديوان القضاء، بإظهار الحقّ على المحجّة البيضاء عند ترافع الخصم، نجم الحقّ والملّة والدين. وانظر الحقائق الراهنة في أعلام المائة الثامنة، ص244، من طبقات أعلام الشيعة لشيخنا آقا بزرك الطهراني(رحمه الله)(39). ذكر السيّد المهنّا بن سنان الحسيني المدني في المسائل الثالثة التي وجّهها إلى العلاّمة الحلّي، المسألة 15 منها سؤالا هذا نصّه: ما يقول سيّدنا، فيما نُقل أنّ مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان يعرف الليلة التي يقتل فيها ويُخبر بها؟! فكيف خرج (عليه السلام) في تلك الليلة، ملقياً بيده إلى التهلكة؟! وإنّ فعله (عليه السلام) هو الحجّة، لكن نطلب وجهاً نجيب عن الشبهة، الهامش (39) نقلنا النصّين من مقدّمة «أجوبة المسائل المهنّائية»: 12 ـ 13، وهي بقلم العلاّمة المفضال الشيخ محيي الدين المامقاني دام ظلّه.

ص76 فقد سأل المملوك عنها شخص بدمشق. فأوضح لنا ذلك، أحسن الله إليك. ويبدو أنّ الشبهة كانت مثارة من قبل غير السائل، بل الإثارة كانت من بعض المخالفين من أهل دمشق. وفي هذا السؤال فائدة جيّدة، حيث ورد فيه التنبيه إلى أنّ فعل الإمام لو كان حجّة، فلا معنى للإعتراض عليه، وذلك لأنّ من ثبتت إمامته، وقامت الحجج على كونه إماماً مفترض الطاعة، فهو لا شكّ في كونه عالماً بأحكام الله تعالى، وكلّ ما يصدر منه هو طاعة لله، ولا تصدر منه المعصية، لأنّ الإمام عندنا يُشترط فيه العصمة عن الذنوب، وكذلك يُشترط فيه العلم بأحكام الشريعة بالإجماع. فإذا ثبتت إمامته، لم يحاسب على شيء من إقدامه فعلا أو تركاً، فكيف يتصوّر أن يكون ملقياً بنفسه إلى التهلكة، حتّى مع فرض علمه بما يجري عليه. ففرض الإلقاء في التهلكة مناف لأصل ثبوت إمامته، فهو منتف في حقّه، قبل أن يُبحث عن كونه عالماً بالغيب وبما يجري عليه تفصيلا .. فلا يبتني نفي علمه بالغيب على فرض حرمة الإلقاء للنفس إلى التهلكة. وقد شرحنا هذا الأمر في صدر البحث. وقد أجاب العلاّمة الحلّي عن هذا السؤال بقوله: يحتمل أن يكون (عليه السلام) أُخبر بوقوع القتل في تلك الليلة، ولم يُعلم أنّه في أي وقت من تلك الليلة! أو أنّه لم يُعلم في أيّ مكان يقتل! أو أنّ تكليفه(عليه السلام) مغاير لتكليفنا، فجاز أن يُكلّف ببذل مهجته الشريفة ـ صلوات الله عليه ـ في ذات الله تعالى، كما يجب على المجاهد

ص77 الثبات، وإن أدّى ثباته إلى القتل، فلا يُعذل في ذلك(40). والظاهر أنّ العلاّمة إنّما أخذ في الاعتبار في جوابه فرض السائل أنّ إلقاء الشبهة ليس من قبل من يعتقد بالإمامة ومستلزماتها، بل من رجل من المخالفين لا يعتقد إمامة الإمام، ولا يلتزم بشرائطها المعروفة من العصمة والعلم وغير ذلك. وعلى ذلك، فلو اُريد إلزامه بعلم الإمام وتصديق الأخبار الدالّة على معرفته بمقتله ـ والتي وردت ولم تُنكر ـ، فلابدّ من الخروج بأحد الوجوه التي ذكرها العلاّمة: إمّا بالإلتزام بتحديد الخبر الواصل إليه، وأنّه عن أصل القتل وشخص القاتل، دون زمانه المحدّد. أو بالإلتزام بتحديد الخبر بما دون مكان معيّن. وعلى هذين الفرضين فلا ينافي إقدام الإمام حتّى على قتله، لأنّه لم يخبر بالزمان والمكان الخاصّين، حتّى يكلّف باجتنابهما، فلا يرد إعتراض أنّه أقدم على الهلكة. وأمّا الجواب الثالث، فهو مناسب حتّى للسائل المعتقد بالإمامة، وهو أن يكون الإمام متعبّداً بتكليف خاص، وهو مثل المجاهد المأمور والمكلّف بالجهاد حتّى الشهادة. فالإمام كالمجاهد الذي يُستشهد ـ لا يُعاتب ولا يُعذل، لأنّ فعله طاعة، وليس حراماً ولا معصية، ولا يقال في حقّه: إنّه ألقى بيده إلى التهلكة. الهامش (40) أجوبة المسائل المهنّائية: 148، ونقله المجلسي في مرآة العقول 3/126، وفي بحار الأنوار 42/259.

7 ـ في عصر العلاّمة المجلسي (ت1110هـ) الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي بن المقصود علي الأصفهاني المجلسي (ت1110هـ). قال القمّي: هو شيخ الإسلام والمسلمين، ومروّج المذهب والدين، الإمام، العلاّمة، المحقّق المدقّق. كان إماماً في الجمعة والجماعة، وهو الذي روّج الحديث ونشره، سيّما في بلاد العجم، وترجم لهم الأحاديث بأنواعها، مضافاً إلى تصلّبه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقمع المعتدين والمخالفين من أهل الأهواء والبدع سيّما الصوفية والمبدعين ...(41). وقد شرح الكتب الأربعة ـ الاُصول الحديثيّة ـ بملاذ الأخيار في شرح تهذيب الأخبار، ومرآة العقول في شرح الكافي، وحاول جمع شتات كتب الحديث والأخبار في أكبر موسوعة حديثيّة وهي «بحار الأنوار». وقد بحث في المشكلة التي نبحث فيها في كتابه «مرآة العقول» الذي شرح فيه أحاديث «الكافي» التي وردت في «باب أنّ الأئمّة (عليهم السلام) يعلمون متى يموتون ...» ونقل فيه كلمات المفيد في الرسالة العكبرية، والعلاّمة الحلّي في جوابات المسائل المهنّائية، وممّا قاله: منشأُ الإعتراض أنّ حفظ النفس واجب عقلا وشرعاً، ولا يجوز إلقاؤها إلى التهلكة. وقال في شرح جواب الإمام في بعض أحاديث الباب: هو مبني على منع كون حفظ النفس واجباً مطلقاً، ولعلّه كان من خصائصهم عدم وجوب ذلك عند الهامش (41) الكنى والألقاب 3/121.

ص79 إختيارهم الموت. وحكم العقل في ذلك غير متّبع. مع أنّ حكم العقل بالوجوب في مثل ذلك غير مسلّم(42). وقد أجاب عن الإعتراض بوجوه ثلاثة: * الأوّل: أنّ حفظ النفس ليس بواجب مطلقاً. وذلك لما ذكرنا سابقاً من أنّ هذا الواجب يسقط إذا زاحمه واجب آخر أهمّ متوقّف على التضحية بالنفس، مثل حفظ الدين والإسلام، فلابدّ من تقديم الأهمّ، ويسقط غيره، فيجب التضحية بالنفس. وقد احتمل المجلسي أن يكون عدم وجوب حفظ النفس خاصّاً بالأئمّة (عليهم السلام)عند إختيارهم الموت. وهذا الجواب مبني على فرض ثبوت إمامته، وثبوت الإختيار له في إنتخاب الموت. ومن الواضح أنّه مع هذا الفرض، لا يصحّ الإعتراض، كما أسلفناه في الأمر الثالث ممّا قدّمناه في صدر البحث. إذ أنّ فعل الإمام ـ حينئذ ـ حجّة في نفسه، ودليل على جواز إقدامه، من دون إحتمال كونه إلقاءً محرّماً إلى التهلكة المنهيّ عنه. * الثاني: أنّ حكم العقل بوجوب حفظ النفس غير مسموع ولا متّبع. إذ مع إقدام الإمام على فعل، وحسب المصلحة والهدف الصالح الأهمّ الذي ارتآه، فلا أثر لحكم العقل وإستهجانه، لأنّه إنّما يدرك المنافع العاجلة الظاهرية، لكنّ المتشرّع إنّما يصبو إلى النعيم الاُخروي والأهداف السامية، الهامش (42) مرآة العقول 3/123.

ص80 غير المرئية للعقل، ولا المطلوبة له. * الثالث: عدم تسليم وجود حكم للعقل بوجوب حفظ النفس في مثل هذا المقام: لأنّ العقل إنّما يدرك الكلّيات، دون الاُمور الخاصّة، فلو فرضنا أنّ إلقاء النفس إلى التهلكة كان أمراً قبيحاً عند العقل، فهو بمعناه الكلّي أمر يدركه العقل العمليى، وبصورته المجرّدة عن أيّة ملاحظة أو غرض يُتدارك به ذلك القبح. فلو ترتّبت على الإلقاء مصلحة، أوجبت حسنه، لم يكن للعقل أن يعارض ذلك، بل لابدّ له أن يوازن بين ما يراه من القبح وما فيه من الحسن. وبعبارة اُخرى ليس ما يدركه العقل هنا وفي صورة المعارضة للأغراض، واجب الإطاعة والاتّباع، وإنّما المتّبع هو الراجح من مصلحة الغرض أو مفسدة ما يراه العقل، كالعكس فيما يدرك العقل حسنه ولكنّ الأغراض تبعده والشهوات تأباه!والحاصل: أنّ درك العقل للحسن والقبح الذاتيّين وإن كان مسلّماً، إلاّ أنّ اتّباعه ليس واجباً، والعمل عليه ليس متعيّناً إذا أحرز الإنسان مصلحته في مخالفته، بعادة أو عرف أو شرع. وإذا علمنا بأنّ الأئمّة (عليهم السلام) إنّما أقدموا على القتل وتحمّل المصائب لأغراض لهم ـ وهي الوجوه التي عرضنا بعضها وسنعرض بعضها الآخر ـ فلا أثر لحكم العقل في موردهم بقبح الفعل، ولا بوجوب حفظ النفس، بل قد يحكم بوجوب الإلقاء، وحرمة المحافظة على النفس، نظراً للأخطار العامّة والكبرى المترتّبة على حفظ النفس، ولفوات الآثار المهمّة بذلك. وهذان الأمران ـ الثاني والثالث ـ إنّما طرحهما الشيخ المجلسي على أثر

ص81 الإفراط في الإستناد إلى العقل وحكمه، إلى حدّ الإعتراض به على مسلّمات دينيّة وشرعية وتاريخيّة، إعتماداً على فرضيات وإحتمالات نظرية بحتّة، لم يؤخذ فيها بالنظر مسائل التوقيفات الشرعية ولا الآثار الواردة. وهذا نظير ما اعتاد أن يلهج به صغار الطلبة من استخدام كلمة العقل ونقده، والفكر وصياغته وتجديده، والفلسفة والتبجّح بها، على حساب الدين والشرع والتاريخ، والعقيدة ومسلّماتها واُصولها، والغريب أنّ ذلك يتمّ باسم الدين، وعلى يد من يتزيّى بزيّ أهل العلم والدين! وقد ذكر الشيخ المجلسي في «بحار الأنوار» أجوبة المفيد والعلاّمة الحلّي بنصّها، أيضاً(43).

8 ـ في عصر الشيخ البحراني (ت1186هـ) المحدّث الشيخ يوسف بن أحمد بن إبراهيم آل عصفور الدرّازي البحراني. قال أبو علي الحائري في «منتهى المقال»: عالم فاضل، متبحّر ماهر متتبّع، محدّث ورع، عابد صدوق، من أجلّة مشايخنا وأفاضل علمائنا المتبحّرين. وقال الشيخ التستري في «مقابس الأنوار»: العالم العامل، المحقّق الكامل، المحدّث الفقيه، المتكلّم الوجيه، خلاصة الأفاضل الكرام، وعمدة الأماثل العظام، الحاوي من الورع والتقوى أقصاهما، ومن الزهد والعبادة أسناهما، ومن الفضل والسعادة أعلاهما، ومن المكارم والمزايا أغلاهما، الزكيّ النقيّ التقيّ ... الهامش (43) بحار الأنوار 42/259.

ص82 وقال المولى شفيع في «الروضة البهيّة»: من أجلاّء هذه الطائفة، كثير العلم، حسن التصانيف، نقي الكلام، بصير بالأخبار المرويزة عن الأئمّة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين ... وكان ثقة ورعاً عابداً زاهداً ... من فحول العلماء الأجلّة. وقال هو عن كتابه «الدرر النجفيّة»: كتاب لم يُعمل مثله في فنّه، مشتمل على تحقيقات رائقة، وأبحاث فائقة. وقال الحائري في «منتهى المقال»: كتاب جيّد جدّاً، مشتمل على علوم ومسائل، وفوائد ورسائل، جامع لتحقيقات شريفة، وتدقيقات لطيفة(44). فقد أورد في كتابه «الدرر النجفيّة» هذا الإعتراض، وأجاب عنه بالتفصيل، نورد ما يناسب ذكره هنا، قال: درّة نجفيّة: قال كثر السؤال من جملة من الأخلاّء الأعلام، والأجلاّء الكرام عن الوجه في رضا الأئمّة عليهم الصلاة والسلام، وإعطائهم بأيديهم لما أوقعه بهم مخالفوهم من القتل بالسيف أو السمّ؟ حيث إنّهم عالمون بذلك، لما استفاضت به الأخبار من أنّ الإمام (عليه السلام) يعلم إنقضاء أجله، وأنّه هل يموت بموت حتف أنفه، أو بالقتل أو بالسمّ! وحينئذ، فقبوله ذلك، وعدم تحرّزه من الإمتناع، يستلزم الإلقاء باليد إلى التهلكة، مع أنّ الإلقاء باليد إلى التهلكة محرّم نصّاً، قرآناً، وسنّة! وقد أكثر المسؤولون من الأجوبة في هذا الباب، بل ربّما أطنبوا فيه أيّ الهامش (44) إعتمدنا في نقل هذه الكلمات على مقدّمة «الحدائق الناضرة» بقلم الحجّة المحقّق السيّد الطباطبائي.

ص83 إطناب بوجوه لا يخلو أكثرها من الإيراد، ولا تنطبق على المقصود والمراد. وحيث إنّ بعض الإخوان العظام، والخُلاّن الكرام سألني عن ذلك في هذه الأيّام، رأيت أن أكتب في المقام ما استفدته من أخبارهم عليهم الصلاة والسلام. فأقول: ـ وبالله الثقة لإدراك المأمول وبلوغ كلّ مسؤول ـ: يجب أن يُعلم: أوّلا: أنّ التحليل والتحريم توقيفيّة من الشارع عزّ شأنه، فما وافق أمره ورضاه فهو حلال، وما خالفهما فهو حرام. وليس للعقل ـ فضلا عن الوهم ـ مسرح في ذلك المقام. وثانياً:أنّ مجرّد الإلقاء باليد إلى التهلكة ـ على إطلاقه ـ غير محرّم، وإن أشعر ظاهر الآية بذلك، إلاّ أنّه يجب تقييده وتخصيصه بما قام الدليل على جوازه. وذلك: فإنّ الجهاد متضمّن للإلقاء باليد إلى التهلكة، مع أنّه واجب، نصّاً وإجماعاً. وكذلك الدفاع عن النفس، والأهل، والمال. ومثله ـ أيضاً ـ وجوب الإعطاء باليد إلى القصاص، وإقامة الحدّ عليه، متى استوجبه. وثالثاً: إنّهم صلوات الله عليهم في جميع أحوالهم وما يتعلّق بمبدئهم ومآلهم يجرّون على ما إختارته لهم الأقدار السبحانية، ورضيته لهم الأقضية الربّانية. فكلّ ما علموا أنّه مختار له تعالى بالنسبة إليهم ـ وإن اشتمل على غاية الضرر والبؤس ـ ترشّفوه ـ ولو ببذل المهج والنفوس ـ . إذا تقرّرت هذه المقدّمات الثلاث، فنقول: إنّ رضاهم صلوات الله عليهم بما ينزل بهم من القتل بالسيف والسمّ، وكذا ما يقع بهم من الهوان

ص84 والظلم على أيدي أعدائهم، مع كونهم عالمين به، وقادرين على دفعه، إنّما هو لما علموه من كونه مرضيّاً له سبحانه وتعالى، ومختاراً له بالنسبة إليهم، وموجباً للقرب من حضرة قدسه، والجلوس على بساط اُنسه. وحينئذ، فلا يكون من قبيل الإلقاء باليد إلى التهلكة، الذي حرمته الآية، إذ هو ما اقترن بالنهي من الشارع نهي تحريم، وهذا ممّا عُلِمَ رضاه به وإختياره له، فهو على النقيض من ذلك. ألا ترى أنّه ربّما نزل بهم شيء من تلك المحذورات قبل الوقت المعدّ، والأجل المحدّد، فلا يصل إليهم منه شيء من الضرر، ولا يتعقّبه المحذور والخطر؟! فربّما امتنعوا منه ظاهراً، وربّما احتجبوا منه باطناً، وربّما دعوا الله سبحانه في رفعه فيرفعه عنهم، وذلك لمّا علموا أنّه غير مراد له سبحانه في حقّهم، ولا مقدّر لهم. وبالجملة: فإنّهم صلوات الله عليهم يدورون مدار ما علموه من الأقضية والأقدار، وما إختاره لهم القادر المختار. ولا بأس بإيراد بعض الأخبار الواردة في هذا المضمار ليندفع بها الإستبعاد، ويثبت بها المطلوب والمراد: * فمن ذلك ما رواه ثقة الإسلام ـ عطّر الله مرقده ـ في «الكافي» بسنده عن الحسن بن الجهم، قال: قلت للرضا (عليه السلام): إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قد عرف قاتله، والليلة التي يُقتل فيها، والموضع الذي يُقتل فيه [إلى آخر الحديث الذي نقلناه سابقاً](45) وأضاف بعده: وحاصل سؤال السائل المذكور: أنّه مع علمه (عليه السلام) بوقوع القتل، فلا يجوز له أن يعرّض نفسه له، الهامش (45) وهي الرواية التي نقلناها بنصّها تحت عنوان «في عصر الإمام الرضا (عليه السلام)» عن الكافي 1/259.

ص85 لأنّه من قبيل الإلقاء باليد إلى التهلكة، الذي حرّمه الشارع؟! فأجاب (عليه السلام) بما هذا تفصيله وبيانه: أنّه ـ وان كان الأمر كما ذكرت من علمه (عليه السلام) بذلك ـ لكنّه ليس من قبيل الإلقاء باليد إلى التهلكة الذي هو محرّم، لأنّه (عليه السلام) خُيّر في تلك الليلة بين لقاء الله تعالى على تلك الحال، أو البقاء في الدنيا، فاختار (عليه السلام) اللقاء على الوجه المذكور، لمّا علم أنّه مختار ومرضي له، عند ذي الجلال. كما يدلّ عليه قوله (عليه السلام)، لمّا ضربه اللعين ابن ملجم ـ المُلَجَّمُ بلجام جهنّم وعليه ما يستحقّه ـ: «فزت وربّ الكعبة». وهذا معنى قوله: «لتمضي مقادير الله تعالى» يعني: أنّه سبحانه قدّر وقضى في الأزل أنّه (عليه السلام) لا يخرج من الدنيا إلاّ على هذه الحال، باختياره ورضاه بها. * ومن ذلك ما رواه في الكتاب المذكور عن عبدالملك بن أعين، عن أبي جعفر (عليه السلام) [وذكر الحديث الثامن الذي رواه الكليني(46)]* ومن ذلك ما رواه ـ أيضاً ـ عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال فيه: فقال له حمران: جعلت فداك، أرأيت ما كان من أمر قيام علي بن أبي طالب والحسن والحسين (عليهم السلام)، وخروجهم، وقيامهم بدين الله عزّوجلّ، وما اُصيبوا من قتل الطواغيت إيّاهم، والظفر بهم حتّى قتلوا وغُلبوا؟! فقال أبو جعفر (عليه السلام): ياحمران، إنّ الله تبارك وتعالى قد كان قدّر ذلك عليهم، وقضاه، وأمضاه، وحتمه، على سبيل الإختيار، ثمّ أجراه. فبتقدّم علمه إليهم من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قام علي الهامش (46) الذي أوردناه سابقاً في صفحة 35.

ص86 والحسن والحسين، وبعلم صمت من صمت منّا. ولو أنّهم ـ ياحمران ـ حيث نزل بهم من أمر الله تعالى، وإظهار الطواغيت عليهم سألوا الله تعالى أن يدفع عنهم ذلك، وألحّوا عليه في طلب إزالة تلك الطواغيت، وذهاب ملكهم، إذاً لأجابهم، ودفع ذلك عنهم. ثمّ كان إنقضاء مدّة الطواغيت وذهاب ملكهم، أسرع من سلك منظوم إنقطع فتبدّد. وما كان ذلك الذي أصابهم ـ ياحمران ـ لذنب اقترفوه، ولا لعقوبة معصية خالفوا الله فيها، ولكن لمنازل، وكرامة من الله أراد أن يبلغوها! فلا تذهبنّ بك المذاهب فيهم(47). أقول: وهو صريح في المطلوب، على الوجه المحبوب(48). ثمّ روى عدّة أحاديث تدلّ على أنّهم (عليهم السلام) امتنعوا من فعل ما يؤدّي إلى قتلهم، لكون ذلك في غير الأجل المحدّد لموتهم، ولم يختاروا ذلك إلاّ في الوقت المقدّر، حتّى يكون إختيارهم موافقاً للقضاء ورضاً به. ويبدو من المقدّمة «الاُولى» والمقدّمة «الثانية» ممّا قدّمهما على الجواب، أنّه يوافق المجلسي (رحمه الله) في كليهما. ولعلّ لجوءه إلى هذه الاُسلوب من جهة ميله إلى استبعاد تحكيم العقل في مثل هذه القضايا التي هي اُمور خاصّة، وليست كليّات وثوابت عامّة حتّى يمكن للعقل التدخّل فيها، كما أنّ ما ثبت من الشرع فيه حكم، وجاء منه توقيف، فليس للعقل إلاّ التسليم وترجيح المصلحة الشرعيّة على مدركاته. وهذا ـ كما أشرنا سابقاً ـ نتيجة لردّ الفعل الذي استحوذ على علمائنا الأخباريين من التطرّف الذي إنغمر فيه بعض العقلانيّين، ممّن قصُرت يده عن الهامش (47) الكافي ـ الاُصول ـ 1/261 ـ 262. (48) الدرر النجفيّة: 84 ـ 86. بتصرّف يسير.

ص87 علوم الشريعة ونصوصها، فراح يجول ويصول في علوم الشريعة بجناح العقل وأدلّته، وبنى الدين اُصولا وفروعاً وموضوعات خارجيّة واُموراً واقعة، وأحداثاً تاريخيّة، على مدركاته العقليّة. مع أنّ من الواضح: أنّ الاُمور التعبّدية، وكذا الموضوعات الخارجيّة، وكلّ الاُمور والحوادث، والحقائق الشخصيّة، وصفات الأئمّة (عليهم السلام)، وما صدر منهم ... إلى غير ذلك من الاُمور الخاصّة ليست مسرحاً للعقل، وإنّما طريقها الإثبات بالنقل. والعقل النظري إنّما يدرك المعقولات العامّة التي ترتبط بالحقائق الكونية الثابتة ولذلك يجب أن تكون مدركة لجميع العقلاء، ومقبولة لديهم، لا خاصّة بعقل طائفة دون اُخرى، ولا مبتنية على قضيّة دون اُخرى. أمّا العملي فهو يدرك حسن أمر أو قبح آخر، ولا يستتبع عملا، وإنّما للعالم أن يراعي مصلحته ويوازن فيه ما يخصّه بين ما يمسّه وبين ما يدركه العقل، فيرجّح ما يناسبه. فالإنسحاب وراء الخيالات الخاصّة بعنوان العقل، كما يفعله أدعياء العقل ونقده ـ في عصرنا الحاضر ـ جهل بأبسط المسائل العقليّة، وهو مجال عمله.

9 ـ في القرن الماضي مع السيّد الإمام الخراساني (ت1368هـ) هو المجتهد الكبير، والعلاّمة النحرير، فريد دهره، ووحيد عصره، قدوة العلماء المتبحّرين، سيّد الفقهاء والمجتهدين، عمدة العلماء العاملين، ونخبة الأفاضل والمجتهدين، ملاذ الأنام، وثقة الإسلام، سيّدنا الأعظم، سماحة آية الله العظمى السيّد الميرزا محمّد الهادي الحسيني الخراساني الحائري،

قدّس الله سرّه(49). وقال الشيخ محمّد حسن كبّة في إجازته له: السيّد السند، والمولى الجليل المعتمد، فخر المحقّقين، وإفتخار المدقّقين، صفوة العلماء الكرام، وعماد الفقهاء الأجلّة الفخام، التقي النقي، الطاهر الزكي، نتيجة الشرف الأقدم، وسلالة سيّد الاُمم (صلى الله عليه وآله وسلم). وقال شيخ الشريعة الأصفهاني (ت1339هـ) في إجازته له: العالم العامل، الفاضل الكامل، أبا الفضائل والفواضل، صاحب القريحة القويمة، والسليقة المستقيمة، والحدس الصائب، والنظر الثاقب، المستعدّ لإفاضة نتائج المطالب من الكريم الفيّاض الواهب، عمدة العلماء المحقّقين، وزبدة الفضلاء المدقّقين، العالم العَلم العيلم، الثقة الورع، التقي النقي، العدل الصفي. وقال السيّد مهدي الأصفهاني الكاظمي (من تلامذته): كان (رحمه الله) من أعاظم علماء الفقه والاُصول، وأكابر فضلاء المقعول والمنقول، وكان عارفاً بالرجال، والتاريخ، والحديث، والتفسير، والعربية، ماهراً في الفنون العقليّة والنقلية. وقال الكاظمي في «أحسن الأثر» ص36: وأمّا مناظراته: فإنّه إذا صادف خارج ملّة أو مذهب، فهو يفحمهم ويُلقمهم الحجر ـ لا محالة ـ لما عليه من عظيم المقدرة في علم المناظرة، وزيادة إلمام بكلّ العلوم معقولها ومنقولها. أمّا في المعقول: فإنّ له اليد الطولى في علم المنطق والحكمة والهيئة والرياضيات والكلام والفلسفة. وأمّا في المنقول: فلقد برع فيه، واجتهد، وحاز السبق بها على الهامش (49) هكذا ذكره المترجمون له، لاحظ مصادر هذه الكلمات في «سيرة آية الله الخراساني» الطبعة الاُولى 1415هـ ـ قم.

ص89 معاصريه(50). وفي عصر السيّد الخراساني في القرن الهجري الماضي (القرن الرابع عشر الهجري) خيّم شبح الاستعمار الغربي الملحد على البلاد الإسلامية ودنّس الغربيّون أرض الشرق الطاهرة بأرجلهم الدنسة، وبدأوا بنفث سموم الفسق والإلحاد، وبذر الشقاق والفساد، في كلّ قطر وبين كلّ العباد، وحاولوا التفرقة بين أجزاء الوطن الإسلامي، وقطع أوصال الاُمّة الإسلامية، على أساس من الطائفية البشعة والعنصرية القذرة، والنزاعات المفتعلة، ونصبوا بينهم العداء ليأكل بعضهم بعضاً، فلا تكون لهم وحدة متشكّلة، ولئلاّ تكون اُمّة قويّة متراصة. وحاولوا تأجيج شرر التفرقة بين المذاهب الإسلامية الفقهية، وتوسيع رقعة الخلاف بينها مهما أمكن، وتوسيع الخلافات الصغيرة، وتأجيج النزاعات الحقيرة والقديمة، كما حاولوا تأسيس مذاهب فقهيّة جديدة، وإبراز فقهاء جدد ومجدّدين! وسعوا في إثارة النزاعات والخلافات بين أهل المذهب الواحد، لتّتسع رقعة الخلاف على راقعها، ولقد جنوا على البشرية عامّة، وعلى المسلمين خاصّة، بهذه الأعمال جناية كبرى، لكنّهم جنوا من أفعالهم تلك أنّهم استولوا على العباد والبلاد وخيراتها وتراثها وجمالها وحتّى عقولها، وذهبوا بكلّ ذلك إلى بلادهم في شمال العالم الأرضي لتعيش بها شعوبهم ـ قرناً من الزمان ـ في رفاه من العيش ورغد، وأمن وإستقرار، وهدوء وقانون، على حساب عذاب ملايين من أفراد البشر في سائر أقطار العالم الجنوبية. وقد وجدوا في المذهب الشيعي الاثني عشري طائفة متماسكة مؤمنة بمبادئ الإسلام الحقّة، لأنّها تعتمد على القرآن وأهل البيت، الثقلين، اللذين الهامش (50) نقلنا هذه النصوص من كتاب «سيرة الإمام الخراساني».

ص90 خلّفهما الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، لبني اُمّته، ووعد أنّها لا تضلّ ما تمسّكت بهما، وأنّهما لا يفترقان ـ أبداً ـ إلى يوم القيامة. فكان الشيعة أقوى مذاهب الاُمّة يداً، وأكثرها صبراً وجَلَداً، وأوفاها للإسلام، وأشدّها دفاعاً عن القرآن، وأعلاها نداءاً بالوحدة الإسلامية، وأكثرها سعياً للتقريب بين المسلمين. فلم يجد الإستعمار الغربي البغيض وأيديه العميلة إلاّ السعي في تشويه سمعة هذه الطائفة بين المسلمين من جهة، والسعي في تشتيت وحدة الشيعة من جهة اُخرى. وقد أثاروا الشُبَه بين عوامّ الشيعة، والتشكيكات في المذاهب اُصولا وفروعاً، ونبشوا التاريخ ليجدوا مثل هذه المشكلة «الإعتراض على علم الأئمّة بالغيب» فأثاروها، رغبةً في أن توجِد شقاقاً في الطائفة الشيعيّة، بالرغم من كونها شبهة بائدة قديمة، وقد أجاب عنها علماء الشيعة منذ عصور الأئمّة وإلى اليوم بأجوبة سديدة قويمة. إلاّ أنّ الغربيّين الحمقى، لا يهمّهم ذلك، وليس همّهم إلاّ التشبّث بكلّ ذريعة ووسيلة ـ ولو وهميّة ـ لإيقاع الفُرقة. فانبرى السيّد الخراساني (ت1948م) للتصدّي لهذه الشبهة في رسالة «عروض البلاء على الأولياء». وقد ذكر فيها «عشرين وجهاً» من بنات أفكاره، ومبدعات تحقيقاته، من دون مراجعة أو إرجاع إلى مصدر أو كتاب. ونجد بعض الوجوه منها قد وردت في الأجوبة المذكورة في ما سبق من العصور، وخاصّةً في الأحاديث الشريفة. ومن المطمأنّ به أنّ ذلك كان في مخزون فكر السيّد على أثر مراجعته الواسعة للمصادر، وخاصّة كتب الحديث الشريف. وقد يكون بعضها من توارد الأفكار، لأنّ تلك الوجوه كلّها، وخصوصاً

ص91 ما ورد في الأثر منها، وجوه توافق الفطرة السليمة ويقف عليها صاحب السليقة المستقيمة، كما أنّه يوافق كثيراً من الحقائق الراهنة في حياة الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) وسيرتهم الكريمة. والسيّد الخراساني هو من عرفناه ابن هذه السلالة، وسائر على نهجهم، ومتعمّق بالغور في علومهم، وممتلئ مشبع بأفكارهم ومالك لأزمّة تراثهم. فلا غرو أن يكون ما توصّل إليه موافقاً لما ذكروه في النتيجة! والوجوه التي ذكرها هي: الأوّل: الفناء المحض في ذات الله، وإثبات كمال العبودية له. الثانية: الرضا والتسليم لمشيئة الله، والسير بمقتضى تقديره. وهذا وارد في الحديث الشريف عن الإمام الرضا (عليه السلام)، والإمام الباقر (عليه السلام)الثالث: العلم بعموم قدرة الله تعالى وكمال حكمته. الرابع: إظهار عظمة الله تعالى، وأنّه مستحقّ لكلّ تعظيم وتسليم من العبد.الخامس: ظهور مقام العبد وسموّ مرتبة هذه العبادة. السادس: حتّى يهون الخطبُ على سائر العباد.السابع: حتّى لا يعترض الخلقُ، ويسلّموا لأمر الله تعالى، وترضى خواطرهم. الثامن: حتّى يستحقّ الأئمّة المثوبات والاُجور العظيمة فيكونون الأوْلَيْن بمقام الخلافة والإمامة. وهذا الوجه ورد في جواب للإمام الباقر (عليه السلام)، وقد ذكره البحراني. وقد استطرد السيّد الخراساني ـ في هذا المورد ـ إلى ذكر: «الإشكال في فائدة الصلاة على النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)».

ص92 و «أنّ الفائدة تعود إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو إلى المصلّي عليه؟». التاسع: أنّ التوجّه إلى الله تعالى ـ مع البلاء ـ يكون أكمل. العاشر: أنّ الفرج بعد الشدّة، فيه لذّة عظيمة. الحادي عشر: أنّ الضغط العارض على النفس مثل الزناد القادح، فالتَنَوّرات القلبيّة والأشعّة الروحية، لا تعقل فعليّتها إلاّ بتلك الآلام والمصائب. الثاني عشر: أنّ تمييز الخبيث من الطيّب، متوقّف على الإبتلاء. وفي ضمنه أجاب عن: «فائدة فعلية معرفة الخبيث». الثالث عشر: أنّ العبد إذا علم أنّ البلاء إنّما جاءه من جهة القرب من الله وحبّه له، سيستبشر بالبلاء، ويشكر الله عليه. الرابع عشر:أنّ مصائب الأئمّة (عليهم السلام) ـ والحسين (عليه السلام) خاصّة ـ لها منافع عظيمة لجميع الخلق. وفيه حديث عن الشعائر والمجالس الحسينيّة وأهمّيتها، ومدى إهتمام الأعداء بإزالتها ومحاربتها.الخامس عشر: أنّ بقاء الشريعة الإسلامية إنّما تمّ بمظلوميّة الأئمّة (عليهم السلام) وصبرهم. السادس عشر: أنّ ما جرى على الأئمّة يثبت صحّة النبوّة والرسالة، ببيان إنفرد بذكره المصنّف. السابع عشر: أنّ في وقوع البلاء على أهل بيت الرسول، تصديقاً لأخبار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بها، وذلك من أعظم «دلائل النبوّة» وهي من المعاجز التي تحقّقت بعد وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم)الثامن عشر: رضا الأئمّة (عليهم السلام) وتسليمهم لهذه المصائب دليل

ص93 على كمال إيمانهم، وصحّة أعمالهم، وقوّة نيّاتهم، وذلك دليل على إستحقاقهم للإمامة.التاسع عشر: أنّ مظلوميّة الأئمّة (عليهم السلام) دليل على لزوم وجود «المعاد» ببيان فريد ذكره المصنّف. متمّ العشرين: أنّ تحمّل الأئمّة (عليهم السلام) للبلايا والمصائب لطف من جهة دلالته على دناءة الدنيا وحقارتها. وقد ذكر السيّد في نهاية هذا الوجه نكتة عرفانيّة مهمّة، حاصلها: «أنّ مَن فدى روحه في «الحجّ» بدل الاُضحية، شوقاً إلى لقاء الله، فهو في أعلى مراتب القرب والقبول».أقول: ولذلك جعل الله لمن مات مهاجراً إلى الله ورسوله ـ في الحجّ ـ أجراً وقع على الله تعالى. هذا إذا مات بغير إختياره، فكيف إذا مات بإختياره للموت؟! ويلاحظ أنّ الوجوه التي ذكرها السيّد الخراساني قد وُضعت بشكل فنّي من حيث تفاعل المؤمن بالإسلام معها، لأنّها تعتمد على ربط الجوابات بالعقيدة: * ففيها ما يرتبط بعقيدة التوحيد وصفات الله تعالى. وأنّه في منتهى العظمة وإستحقاقها، وأنّه قادر، حكيم، وأنّه قدّر الاُمور بحكمته، ومولويّته البالغة. * وفيها ما يرتبط بالنبوّة وصدق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): وأنّ دعوة الإسلام صحيحة، لأنّ فداءها والواقفين في مقدّم صفوف المدافعين عنها هم أهل بيت النبي، ولو كان ديناً مزيّفاً لوقف هؤلاء في المواقع الخلفيّة حتّى يستلذّوا من دنياهم وممّا زيّفوا، ولكنّهم أثبتوا بتضحياتهم، أنّ الدين حقّ، وأنّهم لم يجيئوا به، ولم يحملوا رايته إلاّ أداءً لواجب الرسالة والإمامة وحقّها.

ص94 وهذا ممّا إنفرد بذكره السيّد الخراساني. وكذلك تصديق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي أخبر متواتراً بما يجري فيما بعده على أهل بيته، فكان كما قال. * وفيها ما يرتبط بالإمامة: وأنّ الأئمّة أثبتوا إخلاصهم لله وللنبي ولهذا الدين وحقّانيّته، وأنّهم لم يطلبوا بالإمامة دُنياً فانية، وإنّما هو الحقّ الذي أرادوا تحقيقه، ولذلك ضحّوا بأنفسهم في سبيله. * وفيها ما يرتبط بالعدل والمعاد: إذ إنّ المظالم التي جرت على أهل البيت الطاهر لابدّ أن يكون لهم بها مقابل وأجر، والذين قاموا بهذه المظالم ووطّدوا بها حكمهم في الخلافة، والتذّوا بالحكم في دنياهم، لابدّ أن يحاسبوا ويجازوا على ظلمهم، وقد ماتوا وهم مالكوا أرائكها، أين يجدون جزاء ما جنوا بعد هذه الدنيا؟! إنّ العدل والوجدان، يقتضيان أن تقام محكمة تأخذ الحقّ وتحاكم العدوان وتنزل القصاص، وتوصل المجرمين إلى الهوان، وتعطي المظلومين حقوقهم. وقد ملئت رسالة السيّد الخراساني بالمعاني الدقيقة والفوائد الجليلة، والإفادات الروحية والعرفانيّة الرفيعة، ممّا يزيد من روعتها وعظمتها العلميّة والروحية. وقد رأيت خلال سعيي للكتابة عن هذا البحث أن اُحقّق هذه الرسالة، واُقدّمها لمحبّي العلم والمعرفة، بعون الله. 10 ـ وفي هذا العصر: في مطلق القرن الخامس عشر الهجري، وفي العقد الأخير من القرن

ص95 العشرين، حين هبّت رياح النصر الإلهي للاُمّة الإسلامية، من خلال حركة دينية قادها زعيم عظيم من سادة أهل البيت، السيّد الورع التقي، المجتهد المجاهد، الإمام الخميني، فجدّد للإسلام رسمه واسمه وقوّته، وأعاد إلى المسلمين ثقتهم بأنفسهم، وصدّقوا بقدرتهم، ووجدوا ذاتهم العظيمة بعد تياه ويأس وبؤس وشقاء، فرضتها عليهم إيحاءات الغربيّين بالتخلّف والضعف والعجز، والإستخفاف بالشرق ودينه وعرفه وذوقه وتراثه! فنفث الإمام الخميني في الاُمّة روح القوّة والوحدة والاُلفة والمجد والعزّة، وأيّده الله تعالى بجنود لم يرها المستعمرون الملحدون، من بين شباب الاُمّة ومستضعفيها، ومَن لم يحسب لهم الطواغيت حساباً، فانتصروا بأيد خالية من السلاح ـ سوى الإيمان ـ على أكبر دول المنطقة عمالة وغطرسة، وأوسعها مساحة وإمكانيات، وهي دولة «إيران» الشاه العميل، والمرتمي في أحضان أمريكا، والذي جعل من بلده ترسانة لأنواع الأسلحة الاستراتيجية. كان هذا الإنتصار العظيم، بعد قرن من سيطرة الغرب الكافر على أرض الإسلام، من حدوده الشرقية إلى سواحله الغربية ـ وبعد عمل دقيق ودؤوب وماكر ـ بالإستيلاء على كلّ مرافق الحياة الحسّاسة، وقد سلّط عليها ـ من بعد ـ عملاءه. لكنّ الاُمّة الإسلامية، أصبحت من الرشد والوعي، وبفضل أجهزة الإعلام الحديثة، بحيث لا يخفى عليها ما يجري في أنحاء العالم كلّه، وفي العالم الإسلامي بالذات. فلا يخفى عليها دجل تلك الدعايات الكاذبة التي تروّجها الوهّابية السعودية، والسلفيّة الممقوتة، والعلمانية الملحدة، وكلّ الذين وضعوا أيديهم أمس ـ أو يضعونها اليوم، أو غداً ـ في أيدي الصهيونية الحاقدة على الإسلام والمسلمين! إنّ الصحوة الإسلاميّة المجيدة، والعودة الحميدة إلى الإسلام، التي

ص96 عمّت البلاد الإسلامية من الشرق إلى الغرب، إنّما هي ثمرة يانعة من ثمار حركة الإمام الخميني المقدّسة، وإنّ الوعي الإسلامي العظيم لن تنطلي عليه أساليب الاستعمار وذيوله الماكرة، والتي بليت وتهرّأت في سبيل تشتيت كلمة المسلمين وتفتيت قواهم، وإثارة الفتن والقلاقل ـ بالكذب والبهتان والتكفير ـ فيما بينهم. لقد استخدموا هذه المرّة ـ وفي هذه الأيّام بالذات ـ عناصر من داخل الإطار الشيعي، ببعث بعض المنبوذين من المنتمين بالاسم أو المواطنة أو العائلة، إلى الإسلام، ودفعهم إلى الكتابة باسم الشيعة، ضدّ الثورة الإسلامية. ومن ذلك ما صدر أخيراً من إثارات تشكيكيّة ضدّ عقائد المذهب وتراثه ومصادره وتاريخه. عادوا إلى بثّ بذور النفاق والشقاق بين الطائفة الشيعيّة ـ العمود الفقري للحركة الإسلامية الجديدة ـ ليقصموا بذلك ظهرها، ويخنقوها في مهدها! وذلك بإثارة الشُبَه والدعايات المغرضة، وممّا أثاروه هذه الشبهة البائدة القديمة، وقد تولّى كبرها وإثارتها من يدّعي «العقل ونقده» سارقاً لمجموعة من النصوص من هذا الكتاب وذاك، ومراوغاً في الكلمات والجمل والفصول، زاعماً أنّه اهتدى إلى هذه «المشكلة وحلّها» وأنّه يقوم بقراءة جديدة للفكر الإسلامي والعقل الشيعي! أو يصوغهما صياغة جديدة! إنّ الشبهة هذه قد أكل الدهر عليها وشرب، وقد أرهقها علماؤنا منذ القدم وفي مختلف العصور ردّاً وتفنيداً! فلم يكن في إثارتها في هذه الظروف، إلاّ لغرض سياسي مشؤوم ولزلزلة التزام المؤمنين العقيدي، وفصل عُرى الوحدة الإيمانية بينهم. ولقد وفّقني الله ـ حماية للعقيدة، ودفاعاً عن الفكر الإسلامي، وإنتصاراً لحركة الإسلام الجديدة، وتزييفاً لمثل تلك المحاولات اللئيمة، وتحصيناً

ص97 لمعتقدات المؤمنين ـ أن أقوم بهذا الجهد المتمثّل في البحث عن اُصول المشكلة، وتحديد محلّ البحث منها، وعرض الأجوبة الموروثة منذ عصر الأئمّة (عليهم السلام) وحتّى اليوم. والهدف ـ بعد نسف تلك الدعوى التي أثارتها أجهزة الكفر، وإبطال ما توهّموه حلا لها، والذي هو الهدف من إثارتها، وهو نفي علم الأئمّة بالغيب! ـ هو إشباح المسألة بحثاً وتنقيباً حتّى يقف المسلم على حقيقة الأمر وجليّته، بكلّ أبعاده. وقد توصّلنا من خلال ذلك إلى نتائج مهمّة، نلخّصها فيما يأتي من صفحات:

خلاصة البحث:

1 ـ تعتقد الشيعة الإماميّة بأنّ علم الغيب، بالإستقلال خاصّ بالله تعالى، بنصّ القرآن الكريم.

2 ـ وتعتقد أنّ الله تعالى يُطلع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على الغيب بوسيلة الوحي أو الإلهام، وهذا أيضاً منصوص عليه في القرآن الكريم، ومذكور في الحديث الشريف. وكذا الإمام يعلم ذلك بواسطة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

3 ـ أجمعت الطائفة الإماميّة على أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام يعلمان ـ بإعلام الله وإطلاعه ـ الغيب، سواء في الأحكام، أو في الموضوعات، ويدخل في ذلك علمهم بأسباب موتهم والمصائب الجارية عليهم، وما يرتبط بذلك من الزمان والمكان والفاعل، علماً تفصيليّاً. إلاّ أن أفراداً خالفوا في خصوص «وقت القتل» فاعتقدوا فيه بالعلم الإجمالي، وعدم التحديد التفصيلي، حذراً من ورود الإعتراض التالي عليهم. ويترتّب على القول بالتفصيل كونهم (عليهم السلام)مختارين في إنتخاب الموت لأنفسهم. وقد دلّت على ذلك الأحاديث والآثار المنقولة. 4 ـ لقد اعترض المنحرفون والخارجون عن المذهب على الشيعة في أصل «علم الأئمّة بالغيب». واستدلّوا على ذلك بالآيات، وبدليل العقل بمحدودية المخلوقين فلا يمكنهم الإحاطة بالغيب الذي هو غير محدود. وردّ هذا الإعتراض: بأنّ الله تعالى نصّ في القرآن بأنّه يطلع من يشاء من الرسل على الغيب. وأمّا العقل، فبأنّ ما ذكر من اللازم، إنّما يلزم على تقدير ادّعاء أنّ غيرالله يعلم الغيب بالإستقلال وبنفسه، وقد عرفت أنّ ذلك خاصّ بالله تعالى، ولا يشركه فيه أحد من المخلوقات بشراً أو ملائكة أو غيرهما. وإنّما نقول في مسألة علم النبي ـ ويتبعه الإمام ـ بما يُطلعهما الله تبارك وتعالى عليه من مخزون علمه، وبإرادته. وقد استأثر الله لنفسه بكثير من العلوم كعلم الساعة ووقتها، وأمر الروح. ولكنّه بفضله على أوليائه من الرسول والأئمّة (عليهم السلام) يلهمهم علوماً اختصّهم بذلك دون البشر، كرامة لهم وإعظاماً لشأنهم. وقد استثنى الله تعالى ذلك ممّا دلّ على حصر الغيب بنفسه، في القرآن الكريم. فليس اعتقاد ذلك منافياً لمدلول تلك الآيات التي هي حقّ. 5 ـ ومع إعتقادنا بأنّ النبي والإمام يعلمان الغيب بإعلام الله ويطّلعان عليه بالوحي والإلهام، فإنّ علمها لابدّ أن يكون محدّداً بحدود الوحي والإلهام والإعلام الإلهيّ وإطلاعه جلّ وعزّ لهما على ما يشاء من الغيب. وقد دلّت الأحاديث والآثار والنقول ـ المتواترة بالمعنى ـ على حصول علم الغيب لهم(عليهم السلام) في بعض القضايا والاُمور الماضية والمستقبلة. وهذا في نفسه كاف لإبطال ما اُقيم من الشُبه ـ في وجه هذا المعتقد ـ باسم الأدلّة العقليّة، فلو تحقّق علمهم بالغيب بنحو الموجبة الجزئية إنقضى الدليل على سلب ذلك كلّياً، ونفيه بشكل عام. لكن ذلك لا يستلزم الإثبات الكلّي إلاّ إذا دلّ الدليل عليه، كما وردت به الروايات والآثار العديدة. وحيث لا مانع ـ شرعيّ ولا عقلي ـ من الإلتزام بها، بعد كونها ممكنة، فلا نرى في الإلتزام بمداليلها ومضامينها محذوراً. 6 ـ وقد اُثيرت في وجه الإلتزام بهذه الروايات والآثار، والإعتقاد بعلم الغيب للنبي والأئمّة (عليهم السلام)«شبه» من قبيل الحوادث التاريخيّة المنقولة

ص100 في سيرتهم (عليهم السلام) والتي تتضمّن قضايا ظاهرها عدم علم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة (عليهم السلام) بالنتائج المترتّبة عليها. مثل ما في قضيّة «خالد» وفعلته المنكرة في إحدى قبائل العرب، التي قتل فيها جماعة من المسلمين، ولمّا اطّلع الرسول على فعله تبرّأ منه وبعث من فداهم. فلو كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) علم ما سيفعله خالد لما أرسله، ولمنعه ولأبدله بغيره؟! وكذلك تأمير الإمام علي (عليه السلام) زياد ابن أبيه، الذي أدّى بعد ميله إلى معاوية إلى فتكه بالشيعة. فلو كان الإمام يعلم بعاقبة أمره، لما ولاّه ولما إعتمد عليه؟! وقضايا ارخرى ظاهرها أنّ النبي والإمام كانا يظهران أسفهما على ما صدر منهما، ممّا يدلّ على عدم علمهما بالنتائج! أقول: إنّ هذه القضايا التاريخيّة لا يمكن الإعتماد عليها في بحث علم الغيب، لكونها قضايا مبتورة لم تُنقل بتفاصيلها الواضحة، بل لا يُعتمد على ناقليها الذين ليسوا إلاّ من كُتّاب الأجهزة الحكومية ومؤرّخي السلطات، والذين يسعون إلى إخفاء حقائق كثيرة من كلّ ما يروونه، فلم نعرف عنها تفصيلا لكلّ جزئيّاتها وخصوصياتها، ومع ذلك لا يمكن الحكم من خلالها على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا الإمام (عليه السلام) بشيء ما لم نعرف كلّ ظروفها ومجرياتها. ثمّ إنّ النبي والإمام (عليهما السلام) لم يكن بإمكانهما إبداء كلّ ما يعلمان، والتصريح بكلّ شيء إلى مَن حولهما من الناس، لإختلاف مقاماتهم في العقيدة والإيمان والإلتزام والتصديق، وقابلية الإدراك والتعقّل، وسعة المعرفة، وبُعد النظر، والتقوى، والزهد في الشهوات، ولذلك تجد إختلافاً في الخطابات الصادرة إليهم حسب مستوياتهم، فليس بإمكان النبي والإمام التصريح بكلّ الحقائق لكلّ السامعين، وليس من المفروض أن يقبل جميع السامعين ما يسمعون، وكذلك ليس كلّ الناقلين اُمناء في ما ينقلون. ومع هذه الحقائق لم يبق إعتماد على مثل هذه القضايا المبتورة بحيث يُردّ به الأخبار والآثار المتظافرة الواردة عن علم الأئمّة (عليهم السلام) بالغيب. وإن صحّت، فالنبي والإمام (عليهما السلام)مكلّفون أن يتصرّفوا ويتعاملوا مع الآخرين حسب ظواهر الاُمور والأسباب الطبيعيّة، لا على أساس ما يعلمونه من الغيب. إنّ من الغريب أن يحاول المغرضون مواجهة ما ورد من روايات علم الغيب بالإشكالات السَنَدية، ومعارضتها بمثل هذه القضايا التي لم تثبت حتّى بسند ضعيف، وإنّما هي أخبار تاريخيّة، لا يُعتمد على ناقليها في مجال القصص، فضلا عن مجال الأحكام والعقائد! 7 ـ وقد اعترضوا على علم الأئمّة (عليهم السلام) بالغيب أنّه يستلزم أن يكونوا قد أقدموا على إلقاء أنفسهم إلى التهلكة، لأنّ خروجهم إلى موارد الخطر ـ مع علمهم بذلك ـ يلزم منه ما ذُكر. والإلقاء إلى التهلكة حرام شرعاً بنصّ القرآن الكريم، وحرام عقلا لأنّه إضرار بالنفس، وهو قبيح. مع أنّه لا ريب في قُبح ما أجراه الظالم على أهل البيت (عليهم السلام)، بل هو من أقبح القبيح، فكيف يُقدم الأئمّة العالمون بقبحه عليه؟! وقد اُجيب عن ذلك بوجوه:

الجواب الأوّل: أنّ هذا الإعتراض إنّما يتصوّر ويُفرض بعد الإعتقاد بعلم الأئمّة للغيب، أمّا لو اُنكر ذلك، ولم يعتقد بعلمهم به، فلا يرد الإعتراض، لأنّه مع عدم العلم لا يكون الإقدام إلاّ على ما يجوز، وليس إلقاءً إلى التهلكة، فلا يكون الإجتناب عليه واجباً، لعدم التكليف بما لا يعلم ورفعه عمّن لا يعلم، فلا يكون الإعتراض وارداً.

ص102 ومع ذلك يُعلم أنّ الجمع بين الإعتراضين في الأسئلة التي وردت في هذا المجال، وكذا الكتب الباحثة عنه، إنّما هو مبني على الجهل والغرض الباطل. وكذلك نعلم أنّ الأسئلة إنّما يوجّهها غير الشيعة ويعترضون بها على الشيعة بفرض إعتقادهم في الأئمّة بعلم الغيب، وأنّه على هذا التقدير يأتي الإعتراض بالإلقاء إلى التهلكة. ولكن إذا ثبت أو فُرض علم الأئمّة بالغيب، فالجواب عن الإعتراض بما سيأتي من الوجوه الاُخر.

الجواب الثاني: أنّ الأئمّة إذا ثبتت إمامتهم بالأدلّة القطعيّة الواردة في كتب الإمامة، فلابدّ أن تتوفّر فيهم شروطها التي منها «العصمة» و «العلم بالأحكام الشرعيّة» لإقتضاء مقام خلافة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك. وحينئذ، فالمعتقد بالإمامة يسلّم بأنّ الإمام لا يُقدم على فعل الحرام، فلا يكون إقدامهم على ذلك من الإلقاء المحرّم، ولابدّ من الإلتزام بأحد التوجيهات الآتية. وأمّا غير المعتقد بالإمامة فلا يرى لزوماً لأصل الإعتقاد بعلم الأئمّة، فلا وجه في إعتراضه! لأنّه لا يراهم مقدمين على ما يعلمون! فهذا الإعتراض على كلا الفرضين غير وارد.

الجواب الثالث: إنّ درك العقل لقبح صدور ذلك من الظالمين لا يُنكر، لكنّه لا يستلزم قبحاً على المظلومين، لعدم رضاهم بذلك، وعدم تمكينهم، وإنّما قاموا بما يلزمهم القيام به، حسب وظائفهم وما يراد منهم، وهو حكم عليهم من قبل الله تعالى، فلا يكون إقدامهم على الاُمور الحسنة أو المباحة، قبيحاً بإرادة الظالم وفعله، وكلّ من الظالم والمظلوم مكلّف ومحاسب بما يقوم به حسب وظيفته ونيّته، وعلى ما صدر منه، فالأعمال بالنيّات، ولكلّ امرئ ما نوى.

الجواب الرابع: إنّ شمول «الإلقاء المحرّم» لإقدام الأئمّة (عليهم السلام) غير صحيح، لا شرعاً، ولا عقلا.

أمّا شرعاً، فإنّ الإلقاء إنّما يكون حراماً إذا كان إلى التهلكة، وليس «الموت» في سبيل الله «تهلكة» وإنّما هو عين «الفوز» و «النجاة» و «السعادة» و «الحياة» في نظر الأئمّة (عليهم السلام)وشيعتهم. كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) ـ لمّا ضُرب بالسيف على رأسه ـ: «فزتُ وربّ الكعبة». وكما قال الحسين (عليه السلام): «إنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة، والحياة مع الظالمين إلاّ بَرَماً».

وأمّا عقلا: فلما مرّ من أنّ الحكم بحرمة الإلقاء إلى التهلكة ليس مطلقاً، بل إنّما هو ـ على فرض وروده ـ خالياً عن مصلحة وأدرك العقل قبحه، ولا يكون حراماً إذا كان فيه نفع أهمّ وأعمّ، وكان في صالح الإنسان المُقدِم عليه نفسه، أو في صالح اُمّته أو دينه أو وطنه، لأنّ العقل حينئذ يقدِّم مصلحة الفعل على مفسدة القبح المدرَك، فلا يحكم بحرمته، ولا يعاقب المقدم عليه، بل يُثاب. وعلى فرض وروده، وإطلاق حكمه، فهو ليس إلزاميّاً إذا عارضته أحكام دينيّة وأغراض شرعية ومصالح عامّة إلهيّة، وإنّما هو مجرّد إدراك وجداني يصادمه إدراك ضرورة وجدانية باتّباع الأحكام الدينيّة والإرادة الإلهيّة.

وأمّا المصالح التي ذكروها في الإقدام على الأخطار، وعروضها على الأئمّة الأطهار، فهي الوجوه التالية:

الأوّل: العمل بمقتضى القضاء الإلهيّ والقَدَر الربّاني، والإنصياع للإرادة المولوية، التي يعلمها الأئمّة (عليهم السلام). وقد ورد هذا الوجه في حديث للإمام الباقر (عليه السلام) وللإمام الرضا(عليه السلام)،

وذكره عدّة من العلماء الأبرار.

الثاني: إختيار لقاء الله تعالى على البقاء في الدنيا الفانية. وقد ورد في الحديث الشريف أيضاً.

الثالث: التعبّد بأوامر الله تعالى بأن يقدّموا أنفسهم قرابين في سبيل الدين، ويضحّوا بأرواحهم الطاهرة من أجل إعلاء كلمة الدين. ذكره الشيخ المفيد، ونسبه الطوسي إلى جمهور الطائفة، وذكره جمع من بعده كالعلاّمة الحلّي وغيره.

الرابع: أنّ ما ترتّب على ذلك من المصالح الدنيوية والمقامات الدائمة الاُخروية، يتدارك بها ما فيها من الآلام الزائلة. وهناك وجوه ارخر، ومصالح دقيقة عرفانية، مستنبطة من سائر أحوالهم وأقوالهم، جمعها سماحة آية الله العظمى الإمام الخراساني في كتابه «عروض البلاء على الأولياء» ذكرناها مجملا، ولا نطيل هذا الملخّص بإعادتها. وسوف يقرؤها العلماء في النصّ المحقّق لكتابه(51). وقد وفّقني الله تبارك وتعالى، لإعداد هذا البحث في هذه الفترة العصيبة من تاريخ الإسلام والمذهب، حيث يستهدف الكفر العالمي الحضارة الإسلامية بأعنف الحملات الطائشة. وكان دوري ـ بعد التجميع لنصوص الإجابات المعروضة في طول التاريخ ـ أنّي وضعتها في إطار قراءات تحليليّة يمكن من خلالها الوقوف على الأبعاد الدلاليّة والعقيديّة غير المنظورة. وأسأل الله أن يتقبّل هذه الخدمة للحقّ، وأن يُثيبنا في الدنيا بالتوفيق للعلم والعمل الصالح، وفي الآخرة بالمغفرة والجنّة، وأن يُلحقنا بالصالحين. والحمد لله ربّ العالمين. الهامش (51) وستقرأه في هذا العدد من «تراثنا» في الصفحات 213 ـ 242.

المصادر والمراجع

1 ـ أجوبة المسائل المهنّائية، للعلاّمة الحلّي، الحسن بن يوسف بن المطهّر (ت726هـ) مطبعة الخيّام ـ قم 1401هـ .

2 ـ أوائل المقالات في المذاهب المختارات، للشيخ المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان (ت413هـ) طبعة مؤتمر الشيخ المفيد ـ قم 1413هـ ، وطبعة مكتبة الداوري ـ قم.

3 ـ بحار الأنوار، للعلاّمة المحدّث المجلسي محمّد بن باقر بن محمّد تقي الأصفهاني (ت1110هـ) دار إحياء التراث العربي ـ بيروت 1403هـ ، الجزء 42.

4 ـ تفسير الحبري، للحسين بن الحكم بن مسلم الحبري الكوفي (ت282هـ) تحقيق السيّد محمّد رضا الحسيني الجلالي، بيورت 1408هـ .

5 ـ الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، للمحدّث الفقيه الشيخ يوسف بن أحمد آل عصفور البحراني الدرّازي (ت1186هـ)، دار الكتب الإسلامية ـ النجف 1376هـ.

6 ـ الحسين (عليه السلام) سماته وسيرته، للسيّد محمّد الحسيني الجلالي ـ مخطوط.

7 ـ الدرر النجفيّة، للمحدّث الفقيه الشيخ يوسف بن أحمد آل عصفور البحراني الدرّازي (ت1186هـ) مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث ـ قم.

8 ـ رجال السيّد بحر العلوم، للسيّد الإمام محمّد مهدي بحر العلوم النجفي (ت1212هـ) تحقيق السيّد محمّد صادق بحر العلوم، نشر مكتبة العلمين ـ النجف، أعادته مطبعة الصادق ـ طهران.

9 ـ رجال الطوسي، لشيخ الطائفة الفقيه المحدّث الشيخ محمّد بن الحسن الطوسي (ت460هـ) تحقيق السيّد محمّد صادق بحر العلوم ـ المطبعة الحيدرية ـ النجف 1380هـ .

10 ـ رجال العلاّمة الحلّي، للإمام العلاّمة الشيخ حسن بن يوسف بن المطهّر الحلّي (ت726هـ) تحقيق السيّد محمّد صادق بحر العلوم ـ المطبعة الحيدرية ـ النجف1381هـ .

11 ـ رجال النجاشي، للشيخ الرجالي الأقدم أحمد بن علي أبي العبّاس النجاشي البغدادي (ت450هـ) تحقيق السيّد موسى الشبيري الزنجاني، طبعة جماعة المدرّسين ـ قم.

12 ـ السبطان في موقفيهما، للسيّد علي نقي النقوي اللكهنوي الهندي (ت1409هـ) مكتبة الداوري ـ قم.

13 ـ سيرة آية الله الخراساني (ت1368هـ)، تأليف لجنة التأبين، تمهيداً له بمناسبة مرور نصف قرن على وفاته، مطبعة باقري ـ قم 1415هـ .

14 ـ الشيخ الكليني البغدادي وكتابه الكافي (الفروع)، للسيّد ثامر هاشم حبيب العميدي، مركز النشر في مكتب الإعلام الإسلامي ـ قم 1414هـ .

15 ـ عروض البلاء على الأولياء: للسيّد آية الله العظمى الإمام السيّد محمّد هادي الحسيني الخراساني الحائري (ت1368هـ) تحقيق السيّد محمّد رضا الحسيني الجلالي ـ نشر في مجلّة «تراثنا» العدد 37.

16 ـ الفهرست، لشيخ الطائفة الفقيه المحدّث الشيخ محمّد بن الحسن الطوسي (ت460هـ) تحقيق السيّد محمّد صادق بحر العلوم، المطبعة الحيدرية ـ النجف.

17 ـ الكافي (قسم الاُصول)، للشيخ ثقة الإسلام المحدّث الأقدم أبي جعفر محمّد بن يعقوب الكليني الرازي البغدادي (ت329هـ) صحّحه وعلّق عليه علي أكبر الغفاري، دار الأضواء ـ بيروت 1405هـ.

18 ـ الكنى والألقاب، للشيخ عبّاس القمّي، ـ مكتبة بيدار ـ قم، مصوّرة عن طبعة صيدا ـ 1358هـ.

19 ـ لسان العرب، للإمام اللغوي محمّد بن مكرم ابن منظور الأنصاري الأفريقي (ت) دار المعارف ـ مصر.

20 ـ متشابه القرآن ومختلفه، للشيخ الإمام الفقيه المحقّق محمّد بن علي بن شهر آشوب المازندراني السروي (ت588هـ) صحّحه الشيخ حسن المصطفوي ـ مكتبة بيدار ـ قم 1410هـ.

21 ـ مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، للعلاّمة المحدّث الشيخ المجلسي

ص107 محمّد باقر بن محمّد تقي الأصفهاني (ت1110هـ) إخراج ومقابلة وتصحيح السيّد هاشم الرسولي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران 1402هـ .

22 ـ المستدرك على الصحيحين، للحاكم النيسابوري محمّد بن عبدالله بن البيّع (ت405هـ) طبع حيدر آباد في 4 أجزاء.

23 ـ معالم العلماء، لابن شهر آشوب السروي (ت588هـ) تحقيق السيّد محمّد صادق بحر العلوم ـ المطبعة الحيدرية ـ النجف 1381هـ .

24 ـ معجم الأعلام من آل زرارة الكرام، للسيّد محمّد رضا الحسيني الجلالي، طُبع مع رسالة أبي غالب الزراري، مركز الأبحاث والدراسات الإسلامية التابع لمكتب الإعلام المركزي ـ قم 1411هـ .

25 ـ مقتل الحسين (عليه السلام)، للسيّد عبدالرزّاق الموسوي المقرّم، دار الثقافة ـ قم 1411هـ .

ارسال الأسئلة