ارسال السریع للأسئلة
تحدیث: ١٤٤٠/١١/١٢ السیرة الذاتیة کتب مقالات الصور دروس محاضرات أسئلة أخبار التواصل معنا
تصنیف المقالات احدث المقالات المقالات العشوایئة المقالات الاکثرُ مشاهدة
■ مقالات (٥٧)
أزمة المحْدثين بين الافراط في التصنع والتفريط بالمصطلح
أسباب نزول القرآن، أهميتها وطرقها وحجيتها ومصادرها
باب (من لم يرو عن الأئمة عليهم السلام) فيرجال الشيخ الطوسي
البلاغات من أساليب الأداء للحديث الشريف في التراث الإسلاميّ
البناء على القبور
تأبين الإمام الخمينيّ قدس سرّه
تأبين السيد الخوئيّ قدس سرّه
التأثير المتبادل بين القرآن والحديث في مجال التأكيد والتحديد
تحملُ الحديث بالإجازة، واجبٌ مُلح في العصر الحاضر
تدوين السنّة أم تزييف الشريعة؟ في النقد العلمي
التسميات طليعة المؤلّفات في الحضارة الاسلامية موضوعها، ومنهج تأليفها وفهرستها
تتميم النظر في التقديم لمقتضب الاثر
الثقلان ودورهما في دعم السُنّة
جراب النورة بين اللغة والاصطلاح
حجّية الحديث المُعَنْعَن، وما يُثار حوله شبهةٌ في قبال البديهة
الحشوية نشأةً وتاريخاً (القسم الأول)
السنّة النبوية الشريفة وموقف الحكّام منها تدوينا وكتابة ونقلاً وتداولاً
الشيخ الطوسيّ وتراثه الحديثيّ
الحشوية أراء وملتزمات (القسم الثاني )
صِيَغ الأداء والتحمّل: تاريخها، ضرورتها، فوائدها، اختصاراتها
ضرورة تطويع الممارسات للانتهال من معين الحديث الشريف
ضرورة النقد العلمي في مجال تحقيق التراث
العبث بالتراث بين عمالة العلمنة ونفاق الاسلمة
علم الأئمة عليهم السلام بالغيب، والاعتراض عليه بالإلقاء في التهكلة، والإجابات عنه عبر التاريخ
علوم الحديث بين سعة الآفاق و محدوديّة الأعمال
عناوين الأبواب وتراجمها في التراث الإسلامي :حجّيتها، أغراضها مصادرها،ودلالاتها
فرق الشيعة أو مقالات الإمامية ؟ للنوبختي أم للأشعري؟
فوات فهرس الفهارس والأثبات، بذكر بعض ما للإمامية من الإجازات، في الفهرسة
التقية في الثقافة الاسلامية
الكرامات
الكنية، حقيقتها وميزاتها، وأثرها في الحضارة والعلوم الإسلامية، في علوم العربية، الأدب
لماذا الإمام عليه السلام
مجددو المذهب وسماتهم البارزة
المصطلح الرجالي>أسند عنه< ما هو وما هي قيمته الرجالية؟
مقال حول الصحيفة السجّادية
مقدمة (لوامع الأنوار)
مقدمة (المقنع في الإمامة)
مقولة جسم لا كالأجسام، بين موقف هشام بن الحكم ومواقف سائر أهل الكلام
من أدب الدعاء في الاسلام ضبطه عند الأداء والتحمل وتنزيهه من اللحن والتحريف ودعوة الى إحيائه وتحقيق كتبه
موقف أهل الكتاب من الحق بين الإلتزام والتصرفات المريبة
النكت الخفية في النادرة الشريفيّة
همزية البوصيريّ والتراث الذي دار حولها

عناوين الأبواب وتراجمها في التراث الإسلامي :حجّيتها، أغراضها مصادرها،ودلالاتها

الحمدُ لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيِّد المرسلين وعلى الأئمة الطاهرين من آلهِ المعصومين .

وبعد، فقد تنّبهتُ بتوفيق من الله تعالى إلى موضوع الأبواب وأهميتها عندما كنتُ أبحثُ عن (فقه الحديث) لأتحقق من بعض اُصوله وقواعده ، فوقفتُ على مَشْرَع واسع الأطراف يهدي إلى ذلكَ المنهل العظيم ـ أعني فقه الحديث ـ الذي هو نتيجة باهرة لكلّ الجهود المبذولة في سبيل الحديث وعلومه .

وقد تجمعتْ لديّ بعض الجذاذات ، أحببتُ أنْ أقدّمها ليتبلور البحثُ عنها ، على أمل أن يتكامل في موضع آخر نخصّصه لمثل هذا البحث.

والله وليّ التوفيق .

وكتب

السيد محمد رضا الحسيني الجلالي

الحوزة العلمية ـ قم المقدسة 1419 هـ

ــ[2]ــ

 

 

 

 

تمهيد : مصطلحات

العنوان لغةً واصطلاحاً :

كلمة «عُنْوان» بضمِّ العين ـ وقد تكْسر ـ تدلُّ على : مايُستدلُّ بهِ على شيء ، وما يُظهره ، ويُقال : عنونتُ الكتاب إذا وضعتُ لهُ «عنواناً» .

هذا ماقاله الفيّومي ، في مادة «عنن» من المصباح(1) . وهو المعنى المصطلح للكلمة ، مأخوذٌ من المعنى اللغويّ كما يلي:

قال الخليل في مادة «عنَّ» : عَنَنْتُ الكتابَ أعنُّهُ عنّاً ، وعنوَنْتُ ، وعنويْتُ: عَنْونةً وعنواناً(2) .

وقال في مادة «عنو» : العنوان : عنوان الكتاب ، وفيهِ ثلاث لغات: عنونتُ وعَنَنْتُ ، وعنيتُ .

وعنوان الكتاب مشتقٌ من المعنى(3) .

وقال ابن منظور: عَنَنْتُ الكتاب، وأعْنَنْتُه لكذا، أي: عرّضتُهُ لهُ ، وصرفتُهُ إليهِ.

وعنّ الكتاب يعنّهُ عنّاً ، كعَنْوَنَهُ ، وعنوَنتُهُ(4) : علونته بمعنىً ، مشتقٌّ من
المعنى .

وقال اللحياني : عنّنْتُ الكتاب تعنيناً ، وعنّيْتُه تعنيةً : إذا عنوَنتَهُ .

وسمّي «عنواناً» لأنّه يُعَنُّ الكتاب من ناحيته .

ويُقال للرجل الذي يُعرّض ، ولا يصرّح : قد جعل كذا وكذا «عنواناً» لحاجته ، وأنشدَ :

 

اهنحل ضعب اهناونع  ى ف ُفرعتو

ايهاودلا  ىكحت ءاعمس اهفوج  ى فو

 

قال ابنُ البري : والعنوان : الأثر ، قال سوار بن المضرب:

 

وحاجة دون اُخرى قد سنحتُ بها جعلتها للتي أخفيتُ عنوانا

 

قال : وكلّ مااستدللتَ بشيء يظهره على غيره ، فهو عنوان لهُ .

قال الليث : «العلوان» لغةٌ في «العنوان» غير جيِّدة : والعُنوان ـ بالضم ـ هي اللغة الفصيحة ، وقد وردت اللفظة في الشعر ، قال أبو دؤاد الرواسي :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المصباح المنير (ص434) .

(2) العين للخليل بن أحمد الفراهيدي .

(3) نفس المصدر .

(4) كذا في طبعة مصر ، دار المعارف ، وفي طبع بولاق «عنونته وعلونته» .

ــ[3]ــ

 

لمنْ طللٌ كعنوان الكتاب ببطن أواق أو قَرْن الذهاب

 

وقال أبو الأسود الدؤلي :

 

نظرتُ إلى عنوانه فنبذتُه كنبذكَ نعلاً أخلقتْ من نعالكا(1)

 

وقال الفيروزآبادي والزبيدي في «عنن» : عُنوان الكتاب وعُنيانه ، ويكسران ، سمّي (بهِ) لأنه يُعنّ لهُ (أي للكتاب) من ناحيته .

وعَنَّ الكتاب وعنَّنهُ وعناه : كتب عنوانه(2) .

عُلْوانُ :

قال ابن منظور في «علا»: عُلوان الكتاب : سِمَتُهُ ، كعُنوانه ، وقد علّيْتُه ، هذا أقيس .

ويُقال : عَلْوَنْته عَلْوَنةً وعلواناً ، وعنونتهُ عنونةً وعُنواناً .

قال أبو زيد : علوان كلّ شيء ماعلا منه ، وهو العنوان .

قال الأزهري : العربُ تبدِّل اللام من النون ، في حروف كثيرة . . . وكأنّ «عُلْوان الكتاب» اللام فيهِ مبدلةٌ من النون(3) .

والمناسبة بين عنوان الكتاب ، المصطلح ، وهو اسمه الموضوع له ، وبين ماتقدّم من المعاني اللغوية لكلمة «عنوان» هو : أنّ عنوان الكتاب هو الأثر المرشد إلى الكتاب ، والدليل الباعث على قصده ، والصارف للقارىء إليهِ ، والمظهر الموصل إلى باطنه ومحتواه ومعناه .

ولذا جاء في أقوال القدماء :«الكتابُ يُعرفُ بعنوانه» ومن الأمثال الشائعة :«اعرف الكتاب من عنوانه»(4) .

وقال أبو الفتح البُستي : وأوّل مقروء من الكتب عنوان(5) .

وكما يُضاف العنوان إلى الكتاب ، ويُجعل دالاً عليهِ ، فكذلكَ يُضاف إلى الباب فيهِ ، أو الفصل ، أو النوع ، الذي ينقسم الكتاب بحسبهِ ، فعنوان الباب هو : مايوضع لهُ معرّفاً لمحتواه ، وهو المسمّى عند المحدثين بـ «ترجمة الباب» أيضاً ، فلنقف على معناها لغةً واصطلاحاً .

الترجمة :

لغةً : مصدر الفعل الرباعي «تَرْجَمَ ، يُترجم» وهي تُعطي معنى التفسير ، ومعنى تبديل لغة المحادثة إلى لغة اُخرى .

واصطلاحاً تُطلق :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لسان العرب، طبعة دار المعارف (4 / 2142) .

(2) تاج العروس (عنن) (9 / 283) .

(3) لسان العرب ط دار المعارف مصر (4 / 3094) .

(4) مقتطفات من الكتب .

(5) يتيمة الدهر (4 / 230) .

ــ[4]ــ

1 ـ تارةً في علم التاريخ وطبقات الأعلام ، وتعني : ذكر الرجل باسمه وأوصافه ومايرتبط بالتعريف بحياته وشخصيته وإنجازاته ، و جمعها : التراجم ، وتتعدّى باللام ، فيُقال : ترجمَ لهُ(1) .

2 ـ واُخرى في علم الحديث ، والمؤلفات عامة وتعني : عنوان الباب، المبني عليهِ التأليف .

والمناسبة اللغوية بين هذين المصطلحين ، وبين المعنى اللغوي واضح ، حيث أنّهما يعتبران تفسيراً لما وُضعا لهُ ، فترجمة الرجل تبيّن تأريخه وتعلن عن معالم شخصه وشخصيّته ، وترجمة الباب تكشف عن مضمونه ومحتواه ودليل على ماتحته من المواضيع .

وإليك النصوص حول الكلمة ، لغةً واصطلاحاً :

قال ابن منظور الأنصاري ، في مادة «رجم» : التَرْجُمان والتَرجَمان : المفسِّر ، وقد ترجمه ، وترجم عنه .

ويُقال : قد ترجمَ كلامه : إذا فسَّره بلسان آخر ، ومنه (الترجُمان) والجمع : التراجم(2) .

وقال ابن قتيبة في «أدب الكاتب» : إنّ الترجمة ، تفعلةٌ من الرجم ، ثمّ وقعَ الخلاف : هل هو من الرجم بالحجارة؟ لأنّ المتكلّم رمى بهِ؟ أو من الرجم بالغيب ، لأنّ المترجم يتوصل لذلك بهِ؟ قولان ، لا تنافي بينهما(3) .

أقول : والظاهر أنّه مصنوع من كلمة «الترجمان» وهو المفسّر لكلام الغير ، أو المعبّر عنه بلغة اُخرى ، وقد اختلف في كون «ترجمان» عربيّةً أو معرّبةً ، كما سيأتي .

وقال الفيروزآبادي: التُرْجُمان; كعُنفوان، وزَعْفَران ، ورَيهُقان : المفسّر للسان .

ذكره في حرف الجيم ، فصل ماأوّله التاء(4) .

قال الزبيدي : أهمله الجوهري هنا ، وأورده في تركيب «ر ج م» على الصواب ، وفيهِ ثلاث لغات . . . والأخيرة «تَرْجُمان» هي المشهورة على الألسنة(5) .

قال الفيروزآبادي ، والزبيدي(6) :«وقد ترجمه و» ترجم «لغتَهُ» إذا فسّر كلامهُ بلسان آخر ، قال الجوهريّ : وهل هو عربيّ ، أو معرَّب درغمان ، فتصرّفوا فيه؟

فيهِ خلاف ، نقله شيخنا .

قلتُ : إذا كان معرّباً فموضع ذكرهُ هنا «تَرْجَمَ» لأنّه حينئذ لا يُشتقّ من « رجم » فتأمّل(7) .

وقال الفَيّومي في :«ترج» : وترجمَ فلان كلامه : إذا بيّنه وأوضحه ، وترجمَ كلام غيره : إذا عبّر عنه بلغة غير لغة المتكلّم، والفاعِلُ «ترجمان» والجمع «تراجم» والتاء والميم أصليّتان فوزن «ترجم» : فعلل .

وجعل الجوهري التاء زائدةً ، وأورده في «رجم» .

وذكر اللحياني : الفعل في الرباعيّ «ترجم» ولهُ وجهٌ ، فإنّه يُقال : لسانٌ مِرْجَمٌ : إذا كان فصيحاً قوّالاً ، على أصالة التاء(8) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المعجم الوجيز (ص74) مادة : ترجم .

(2) لسان العرب (5 / 120)، مادة : رجم .

(3) تاج العروس (8 / 311)، مادة : ترجم .

(4) القاموس المحيط ، فصل التاء من حرف الجيم ( ترج ) .

(5) تاج العروس ( ترج ) .

(6) كلام الفيروزآبادي داخل الأقواس ، وكلام الزبيدي خارجها .

(7) تاج العروس ( ترجم ) .

(8) المصباح المنير (ص74) ترج .

ــ[5]ــ

وقال التهانوي :«التَرْجَمة» بفتح التاء والجيم : فَعْلَلة ، كما يُستفاد من
« الصراح » و «كنز اللغات» وفي الفارسية : بيان لغة ما بلغة اُخرى ، واللسان المترجم بهِ هو لسانٌ آخر ، وفاعل ذلكَ يُسمى «الترجمان» كما في «المنتخب» .

وفي اصطلاح البلغاء هو عبارة عن نظم بيت عربي باللسان الفارسي وبالعكس(1) .

والحاصل أنّ «الترجمة» إمّا أنّها عربيةٌ أو معرّبةٌ :

فعلى العربيّة :

1 ـ إمّا أنها مصدر لفعل «تَرَجَمَ» الرباعي ، على وزن «فعلل» ، فالتاء والميم فيها أصليتان ، وموضعها ماأوّله حرف التاء ، وآخرها الميم .

وهو رأي اللحياني ، واختاره الفيومّي ، وهو ظاهر الفيروزآباديّ ، وابن منظور ، والزبيدي ، والتهانوي ، وغيرهم .

2 ـ أو أنّها من «الرجم» الثلاثيّ ، فالتاء والميم زائدان فوزنه تفعلة .

وهو رأي ابن قتيبة ، والجوهري ، ولذا ذكروها في «رَجَمَ» ماأوّله الراء وآخره الميم .

3 ـ ولو كانت معربّة «درغمان» بتصرّف ، فلابدّ أن يذكر في ماأوّله حرف التاء ، كما صرّحَ الزبيديّ .

وقد سبق أنّ كلمة الترجمة لها معان :

1 ـ التفسير ، بمعنى ذكر الكلام بعبارة أوضح من نفس اللغة .

2 ـ بمعنى التعبير عن الكلام بلغة اُخرى .

3 ـ بمعنى العنوان .

وهذا الأخير ، هو المتداول استعماله عندَ المحدّثين وأصحاب علوم الحديث ، حيث يعبّرون عن العناوين الموضوعة للأبواب في كتب الحديث بـ «التراجم»
ومفردها «الترجمة» .

إلاّ أنّا وجدنا القاضي الرامْهُرْمزي (ت / 360) استعمل كلمة «ترجمة» بمعنى «التفسير والبيان» في كتابه (المحدّث الفاصل) حيث عنون :«القول في ترجمة المشكل المقصور علمه على أصحاب الحديث»(2) .

ومقصودهُ توضيح المراد من الأسماء المبهمة الواردة في الأسانيد .

ثمّ بدأ بذكر تلكَ الأسانيد ، وشرح المراد من الأسماء المبهمة فيها ، وعنون لكلّ اسم مبهم بلفظ «ترجمة» وحدها(3) .

والمفروض أن تكون كلمة «ترجمة» مضافة إلى الاسم المراد تفسيره ، فيقول : «ترجمة عبد الله» في السندين الأولين اللذين ذكرهما بمعنى : تفسير المراد من اسم «عبدالله» حيث قال بعدهما : فالأوّل عبد الله بن مسعود ،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون (ج1 ص414) .

(2) المحدث الفاصل (ص329) .

(3) لاحظ المصدر نفسه (ص329 ـ 350) .

ــ[6]ــ

والثاني يذكرون أنّه عبد الله بن عمرو(1) .

 

بين الباب والترجمة :

قال الحاكم النيسابوري : الفرق بن الأبواب والتراجم : أنّ التراجم شرطها أن يقول المصنّف : «ذكر ماورد عن أبي بكر . . .» ثُمّ يُترجم على هذا المسند فيقول : «ذكر ماروى قيس بن حازم عن أبي بكر . . .» فحينئذ يلزمه أنْ يُخرج كلّ ماروى قيسٌ عن أبي بكر ، صحيحاً كان ،أو سقيماً .

فأمّا مصنّف الأبواب : فإنّه يقول : «ذكر ماصحّ وثَبَتَ عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) في أبواب الطهارة أو الصلاة أو غير ذلكَ من العبادات»(2) .

وقد عنون الخطيب البغدادي في كتابه «الجامع لأخلاق الراوي» لما نصّه :«الأثر في ثبوت الأبواب»(3).

وذكر تحته عدّة آثار تدلُّ على اهتمام العلماء بالأبواب الخاصة ، للتأليف فيها وحفظ الأحاديث الشريفة تبعاً لها ، ومما جاء في ذلكَ : أنّ الوضع على الأبواب يُعطي فائدة أكبر من مجرّد الحفظ على الإسناد ، لأنّه على الأبواب أقرب إلى الفائدة العلمية والعملية بالتطبيق .

وأقول :

مضافاً إلى ماصرّحَ بهِ الحاكم من لزوم احتواء الباب على خصوص ماصحَّ وثبتَ من الأحاديث ـ ولو بنظر المؤلّف ـ فإنّ ذلكَ مهمّ جدّاً في تصحيح ماوردَ فيها .

إلاّ أنّ إثبات ذلكَ مشكل بالنسبة إلى كتب المتأخرين، وماجمعوه في الأبواب وإن كان جمع أحاديث «الباب» الواحد ، يؤدّي طبيعيّاً ، إلى اجتماع الشواهد والمتابعات ، اعتماداً على الأسانيد المتعدّدة ، وبذلكَ يكون الحديث الواحد مدعوماً سنديّاً ، ويسهل على المراجع أمر الاستفادة ، ويكفيه مؤونة البحث والتنقيب ، وهذا هو من أهمّ أهداف الجمع والتأليف ، كما سيأتي .

وبعد وقوفنا على مداليل هذهِ المفردات المصطلحة ، ومقاصدها اللغوية ، والاصطلاحية ، ندخل في مايهمّ من المباحث حول «عناوين الأبواب» من حيث :

أوّلاً : حُجِيّتها ، ومدى اعتبارها للاعتماد في مجالات العلوم المختلفة .

ثانياً : فوائدها ، والأغراض المترتبة عليها ، عندَ المؤلّفين .

ثالثاً : شروطها الأساسية وضوابطَها .

رابعا ً : أنواعها وأقسامها .

خامساً : مصادرها التراثيّة وموارد بحوثها الهامّة .

سادساً : شؤونها الاُخرى .

سابعاً : دلالاتها .

وأهم ماسنستعرضه في هذهِ الدراسة ، الآثار العلمية للأبواب في العلوم الإسلامية ، وماوقعَ فيها من البحوث على أساس العناوين .

وقد تتبّعنا ماوقعَ من هذهِ البحوث في مختلف العلوم وأهمّها الحديث الشريف ، حيث أهتمّ المحدّثون بعناوين الأبواب في التراث الحديثي بشكل مركّز ، وبالأخص في كتب شروح الحديث التي تهتمّ بفقهه ودرايته .

وكذلكَ علم الفقه والاستنباط ، حيث تبتني دلالات كثير من أحاديث الأحكام على مداليل العناوين التي وضعها المحدّثون للأبواب التي أوردوا الأحاديث فيها .

وسنتابع كلّ ذلكَ ضمن الفصول الآنية .

أوّلاً : حجيّة العناوين ومدَى اعتبارها

ذكر علماء المنطق «الرؤوس الثمانية» الواجب على الطالب أن يتوفّر على معرفتها وامتلاكها كي يدخل في غمار كل عِلم على بصيرة ، ويسهل لهُ استيعاب دقائقه واستجلاء خوافيه .

وذكروا سابعها :«القِسْمة» التي عرّفوها : ببيان أجزاء العلوم وأبوابها ، ليطلب المتعلّم في كلّ باب منها مايتعلّق بهِ ، ولا يضيع وقته في تحصيل مطالب لا تتعلّق بهِ ، كما يُقال :«أبواب المنطق تسعة» وهذا :«قسمة العلم» .

و «قسمة الكتاب» كما يُقال :كتابنا هذامرتّبٌ على تمهيد وسبعة فصول وخاتمة ، وهذا الثاني كثير شائع ، لا يخلو عنه كتاب(4) .

وتذكر معَ كل قسم في بدايته «عناوين» موجزة تدلُّ على محتوى ذلكَ القسم ، وتبيِّن مايقع فيهِ ، كما يُقال «الباب في كذا . . .» وهذا العنوان هو المسمّى بالترجمة وهو المبحوث عنه في دراستنا هذهِ .

وقد أصبحَ الالتزام بهذا الأمر ، متعارفاً عندَ العلماء والمؤلّفين بحيث يعدّ تركُهُ مستهجناً .

وإذاكان الالتزام به ، والتعارف عليهِ حسب وضعه المنطقي السالف ، فلابدّ أن يكون المؤلّف قاصداً إلى أن يجمع في الباب المعيّن والمعنون بعنوان خاص ، مايدخلُ تحت ذلكَ العنوان فقط ، ومايكون ذلكَ العنوان منطبقاً عليهِ ، مفسِّراً لهُ ، ومرشداً إليهِ ، وكاشفاً عنه ، ومحيطاً بهِ ، حتى يكون عمله موافقاً للعرف الذي عرّفه أهل المنطق وجرى عليهِ عمل العلماء كافّة ، كما يقتضي ذلكَ الوضع اللغوي للكلمة كما عرفنا .

فالارتباط الوثيق بين العنوان ، وماتحته من المعنونات ، أمرٌ ضروريّ لازم ، وهو بديهيٌّ واضح لكلّ متصدّ للتأليف في العلوم .

ونسبة ذلكَ إلى المؤلّف ومسؤوليته عنه ،ومحاسبته عليهِ، كلّها كذلكَ اُمور مسلّمة .

ويكاد يكون هذا التواضع ، مسلّماً عندَ جميع العقلاء ، ويكون من يخالفه متّهماً بالشذوذ والتجاوُز على مقتضى هذا العرف المقبول والمتسالم عليهِ .

إذن ، فدليل الاقتضاء هو الموجب لاعتبار الربط بين دلالة العناوين ، وبين دلالة ماتحتها من الأحاديث ـ مثلاً في علم الحديث ـ حسب رأي المؤلّف الواضع لتلكَ العناوين .

وبنفس الملاك ، يجري الأمر على عناوين الكتب ، فإنّ مقتضى الحكمة ، والتعارف المقبول لدى العقلاء : أنّ الكتاب الحامل لعنوان معيّن ، لابدّ أن يحتوي على مايدخل تحتَ ذلكَ العنوان من المطالب ، والمرتبطة بهِ بشكل تام وواضح ، ولو لغرض عندَ المؤلف ، وإلاّ كان على خلاف العرف والسيرة العقلائية ، ولسقطَ عنِ الاعتبار والاعتداد .

ويكفي التصديق بهذهِ الدلالة : التتبّع التام فيما بأيدينا من التراث العلميّ العظيم ، حيث نجده يفي بهذا العُرف وينطبق على مقتضى تلكَ الحكمة بشكل متين ورائع ، والوقوع أدلّ دليل على الإمكان والثبوت .

ومن هُنا : فإنّ حجيّة العنوان للدلالة على المراد من المعنون ـ عند المؤلّف ـ أمرٌ عقلائي ثابت .

ويمكن أنْ يتُمسّك لحجّيّة العناوين واعتبار دلالاتها . بأنّ السيرة العمليّة للعلماء هو الاحتجاج بالعناوين ، سواء للاستفادة من ماتحتها من المعنونات ، أم لمعارضة واضعيها عندما يجدونها مخالفةً .

ومن الواضح أنّ هذهِ السيرة تدلّ على توقّعهم من المؤلّفين السير على مقتضى تلكَ الحكمة وذلكَ العُرف ، وتدلّ على فرضهم موافقة المؤلّف لهذا المقتضى ، وعدم المناقشة فيه .

وأخيراً : فإنّ المؤلّف الحكيم، لابُدّ أن يلتزم بما تقتضيه الحكمة، وأنْ يسير على ماهو المتعارف، إلاّ أن يكون له غرض في مخالفة ذلك، وعليه حينئذ أن يُعلن انصرافه، ويبيّن عن غرضه، وإلاّ فهو محكوم وملزمٌ بذلكَ المقتضى، ويحتجّ عليه به .

ومن ناحية اُخرى :

فلو وجدنا عنواناً مُثْبتاً في كتب الحديث ـ مما ألّفه واحدٌ من قدماء الأصحاب ، في القرن الثالث والرابع ، أو وجدنا عدّة من المحدّثين القدماء قد تداولوا ذلكَ العنوان في ماألّفوه من الكتب ، فإنّا نُحْرِز كون دلالة ماتحته من الأحاديث ثابتاً ومسلّماً عندَ المحدّثين اُولئكَ .

وبالنظر إلى قرب عصر اُولئكَ إلى عصر تحديد النصوص ، بل معاصرة بعضهم للأئمة : ، وخاصة أصحاب الاُصول منهم ، فإنّا نطمئنّ من ذلكَ بأمرين :

الأوّل : دلالة تلكَ الأحاديث ، على مايدلُّ عليه العنوان ، حتّى لو خفيت تلكَ الدلالة علينا ، لما وقعَ في النصّ من التحريف أو التصحيف أو السقط .

وأنّ دلالة العنوان حاكمة على أصالة عدم هذهِ الطوارىء ، ذلكَ الأصل العقلائي المعتمد عندَ الشكّ في النصوص ، فإنّ دلالة العنوان ـ وبعد مامرّ من الاقتضاء العقلائي ـ تعتبر كالنصّ المعارض للأصل المذكور .

الثاني : تحديد المدلول اللغويّ لما جاء في النصوص الداخلية في العنوان ، عندَ الاختلاف ، باعتبار أنّ المؤلّفين كانوا من أهل العلم والعارفين باللغة ، معَ اُنسهم بالفقه والحديث ولغتهما ، فيكون مااستفادوه ووضعوه في العنوان ، أقوى في الحجّية من قول اللغوي ، باعتباره من أهل الخبرة ، وأولى بالالتزام ، لأنّه من باب تعارض العُرف الخاص للعُرف العامّ ، ولا ريب في تقديم الأوّل .

ومن هُنا فإنّ ضرورة العناوين ، وخصوصاً في علم الحديث وتراثه الخالد ، واضحة ، وهي ممّا دعانا إلى التصدّي لجمع العناوين والمقارنة بينها وتحديدها وقمنا بتقديم هذهِ الدراسة من أجل الإعلان عنها .

مضافاً إلى ماسيأتي من الفوائد والأغراض المترتّبة عليها .

ثانياً : فوئدها والأغراض من وضعها

وبما أنّ أساس فكرة العناوين تابعة لفكرة «قسمة العلم والكتاب» كما شرحنا ، فانّ الفوائد المتوخّاة من «القسمة» منظورة في العناوين طبعاً ، مضافاً إلى الأغراض الاُخرى التي يُتابعها العلماء والمؤلّفون من وضعها ، وهي :

1 ـ التسهيل على الطالب :

وقد فصّل عن هذا الغرض المحدِّث الأقدم أبو القاسم ابن قولويه القمّي ( ت / 367 ) في كتابه الخالد «كامل الزيارات» بقوله :«وفصّلتُه أبواباً، كلّ باب منه يدلُّ على معنىً، لم اُخرج فيهِ حديثاً يدلُّ على غير معناه ; فيختلف على الناظر فيهِ
والقاريء لهُ، ولا يعلم مايطلب؟ وأنّى؟ وكيف؟ كما فعل غيرنا من المصنّفين ! إذ جعلوا الباب بغير ماضمّنوه ، فأخرجوا في الباب أحاديث لا تدلُّ على معنى الباب ، حتّى ربما لم يكن في الباب حديث يدلُّ على معنىً بيِّن من الأحاديث التي لا تليق بترجمة الباب ولا على شيء منه .

والذي أردتُ بذلكَ : التسهيل على مَنْ أراد حديثاً منه قصد الباب الذي يريد الحديث فيهِ ، فيجده .

ولئلاّ يملّ النظر فيهِ ، والقارىء لهُ ، والمستمع لقراءته(5) .

2 ـ وقوله :«ولئلاّ يملّ . . .» فيه غرض أكثر من التسهيل ، كما لا يخفى ، ولعلّه يقصد غرضاً آخر ، كُنّآ قد حدّدناهُ بما يلي :

إنّ العناوين والتراجم للفصول والأبواب تؤدّي إلى تقطيع الكتاب إلى أقسام وقطع صغيرة بالنسبة إلى حجم الكتاب ، ومتمايزة بعضها عن البعض الآخر بما يخصّ كلاًّ منها .

وبذلكَ يتمكّن الطالب من تجزئة الموضوع عقلياً وتنظيمه فكرياً ، وتهيئته للتناول والضبط والتقييد والجمع على الخاطر ، ولذلك يطلب أن يكون التقطيع للأبواب على أساس منهجيّ كما سيأتي في الضوابط ، يوصل الطالب إلى النتيجة من أقرب الطُرق .

3 ـ ومن فوائد العناوين : دلالتها على مافهمه المؤلّف(6) :

قال الدكتور عتر : إنّ وضع الأبواب وعناوينها يكلّف صاحب الكتاب مجهوداً ذهنيّاً ، وتفكيراً عميقاً ، لذلكَ كانت دراسة تراجم أيّ كتاب عملاً هامّاً ، لابدّ منه لمن يريد دراسة الكتاب ويشرح طريقته وفقهه ، فإنّ العناوين والتراجم ليستْ دليلاً على ذوق المؤلّف فحسب ، بل على فهمه وفقهه ، وعلى اختياره في المسألة التي تضمّنها الحديث ، كما قالوا :«فقه البخاري في تراجمه»(7) .

4 ـ وأهمّ الفوائد المتوخّاة من العناوين :

هو الاستدلال بها على فقه الحديث ودلالته ، اعتماداً على ماسبق من أدلّة حجّيّتها ، خاصةً عندما يتعرّض النصّ للتشويه ، أو تخفى القرائن التي تحوطه وتقترن بهِ من مقالية أو حالية ، فتؤدّي إلى خفاء مدلوله ومراده ، أو عندما يُبتلى بما يعارضه فيؤدّي إلى التشويش على معناه .

ثالثاً : شروطها الأساسيّة وضوابطها :

أهم ضوابط العناوين :

1 ـ جمع المتّحدات في جهة معيّنة :

فالباحث عن موضوع معيّن ، يجمع مايرتبط بهِ ، وان اختلفت أحكامه ، والباحث عن حكم معيّن يجمع مايرتبط بهِ من الموضوعات المتعدّدة .

وهذا من قبيل أهداف علم «الأشباه والنظائر» في الفنون .

2 ـ المطابقة معَ المعنون :

وهو مقتضى الحكمة التي عليها عرف العقلاء ، والتي عبّر عنها أهل المنطق بـ «القسمة» وقد مرّ أيضاً كلام ابن قولويه في ذلكَ .

وقال السيِّد البروجردي في التعريف بمنهج كتابه العظيم :«جامع أحاديث الشيعة» مانصّه :« رعاية ارتباط الأحاديث الواردة في كلّ باب ، ومناسبتها ، واستقصائها مهما أمكن ، بحيث لا يُورد في الباب ماليس بمربوط ، ولا يسقط عنه ماهو المرتبط »(8) .

أقول  : والاستقصاء ، فضلٌ ، لكن إيراد ماليس بمربوط هو المضرّ المنافي
لوضع العنوان وأصل فرضه .

3 ـ ومن ضوابطها : الوضوح :

قال الدكتور عتر : يضع المؤلّفون العناوين لمسائل كتبهم للدلالة على مضمونها وموضوعها ، وتوجيه ذهن القارىء إليهامن أوّل الأمر ، فالأصل في العناوين والتراجم أن تكون مطابقتها لمضمون الباب ظاهرةً واضحةً ، لا تحتاج إلى قدح زناد الفكرة(9) .

4 ـ ومن ضوابطها : المنهجيّة :

إنّ وضعَ الأبواب والعناوين ، لما كانت تهدف إلى التسهيل على الطالب فلابدّ أنْ توضع على طريقة توصله إلى المطلوب من أقرب الطرق وبأيسر الوسائل ، ومن الواضح أنّ تكديسها من دون رعاية خاصّة لا يؤدّي إلى ذلكَ بشكل كامل ، والمقترح أن توضع الأبواب بعناوينها على منهج منطقي ، بأنْ تعنون للمقدمات ، ثمّ للصغريات ، ثمّ للكبريات ، حتى تصل إلى عناوين النتائج ، فإنّ هذا يُيَسِّر على الطالب أمر ضبط العناوين ، وبالتالي ضبط الكتاب كلّه على الخاطر ، وكما يُسهّل لهُ أمر مراجعة الكتاب وأخذ المراد منه .

وقد عرف بين أهل العلم عندنا أنّ من أسباب رواج كتاب «وسائل الشيعة» للحرّ العاملي ، كمصدر لأحاديث الأحكام هو أنّ كتبه وأبوابه مرتّبة على ترتيب كتاب «شرائع الإسلام» للمحقّق الحلي ، وهو كتاب دراسيّ يتداوله الطالب والعلماء في مناهج المدارس العلمية ، فهم ضابطون لكتبه وترتيب المسائل فيهِ ، فلما
كان وضع أبواب الوسائل على ترتيبه ، سهل على المراجعين أمر تحصيل الحديث فيه(10) مع جمعه لغير الكتب الأربعة من مصادر الحديث .

وإلاّ، فانّ الوافي للفيض الكاشانيّ ، أقوى من الوسائل فنّيّاً ، وأضبط نصّاً .
ولكنه مع ذلك خاصّ بالكتب الأربعة .

5 ـ وأخيراً : فقد جاء حول ضوابط العناوين :

ماذكره السمهوديّ ، قال : لا بأس بكتابة الأبواب والتراجم والفصول بالحمرة ، فإنّه أظهر في البيان ، وفي فواصل الكلام .

فإنْ لم يكن ماذكرناهُ من الأبواب والفصول والتراجم بالحمرة ، أتى بما يميّزه عن غيره من تغليظ القلم ، وطول المشق واتّحاده في السطر ، ونحو ذلك ، ليسهل الوقوف عليهِ عندَ قصده .

وينبغي أن يفصل بين كلّ كلامين بدائرة أوترجمة أوقلم غليظ،ولايوصل الكتابة كلّها، على طريقةواحدة، لمافيهِ من عسر استخراج المقصود ، وتضييع الزمان فيهِ(11).

أقول : تمييز العناوين ، عن المتون والنصوص، أمر ضروريّ ، ولقد أحدث الخلط بين العنوان وبين النصّ ، ارتباكاً ، وأدّى إلى الإدراج في الحديث ، كما سيأتي بيانه ، في الأمثلة التي انتخبناها في هذهِ الدراسة .

 

رابعاً : أنواع العناوين وأقسامها :

قال ابن حجر العسقلاني : لنذكر ضابطاً يشتمل على بيان أنواع التراجم فيهِ :

1 ـ أن تكون الترجمة دالة بالمطابقة لما ورد في مضمونها ، وإنمّا فائدتها الإعلام بما وردَ في ذلكَ الباب ، من غير اعتبار لمقدار تلكَ الفائدة .

2 ـ وقد تكون الترجمة بلفظ لهُ ، أو بعضه ، أو بمعناه :

وهذا في الغالب يأتي من ذلكَ مايكون في لفظ الترجمة احتمال لأكثر من معنى واحد ، فيعيّن أحد الاحتمالين بما يذكر تحتها من الحديث .

3 ـ وقد يوجد الاحتمال في الحديث، والتعيين في الترجمة :

والترجمة هنا بيانٌ لتأويل ذلك الحديث نائبة مناب قول الفقيه مثلاً : المراد بهذا الحديث العامّ الخصوص ، أو بهذا الحديث الخاص العموم ، إشعاراً بالقياس لوجود العلّة الجامعة ;

أو : إنّ ذلكَ الخاصّ المراد بهِ ماهو أعمّ مما يدلّ على ظاهره بطريق الأعلى والأدنى ;

ويأتي في المطلق والمقيّد نظير ماذكرناهُ في الخاصّ والعام ، وكذا في شرح المشكل ، وتفسير الغامض ، وتأويل الظاهر ، وتفصيل المجمل(12) .

وقال الدكتور عتر : لدى التأمل نستطيع تنويع الترجمة إلى ثلاثة طرق ، وثلاثة أقسام من التراجم ، هي :

أوّلاً : طريقة الترجمة الظاهرة :

وهي التي تطابق ماوردفي مضمونهامطابقةً واضحة ، دون حاجة للفكر والنظر.

ثانياً : التراجم الاستنباطية :

وهي التي تدرك مطابقتها لمضمون الباب بوجه من البحث والتفكير القريب أو البعيد .

ثالثاً : التراجم المرسلة :

وهي التي اكتفى فيها بلفظ «باب» ولم يعنون بشيء يدلُّ على المضمون ، بل تركَ ذلكَ العنوان(13) .

أقول : من المعلوم أنّ هذهِ التنويعات ، إنمّا هي اعتبارية ، تتبع ماينظر إليهِ المتكلّم ، فبالإمكان مثلاً تنويع التراجم إلى قصيرة وطويلة ، وإلى مايقصد بها التعقيب على الغير ، كما ذكره الدهلوي في شرح تراجم البخاري من أنّ :أكثر ذلكَ
تعقيبات وتنكيات على عبد الرزاق وابن أبي شيبة في تراجم «مصنّفيهما» ومثل هذا لا ينتفع بهِ إلاّ مَنْ مارس الكتابين واطّلع على مافيهما(14) .

 

خامساً : مصادر العناوين والتراجم :

إنّ أهم مصدر يمكن الاستفادة منه لبلورة البحث عن «العناوين والتراجم» هي كتب التراث ، وبالأخص ماألّفه القدماء ، الذين كانوا يهدفون من التأليف تخليد العلم ، ولذلكَ كانوا يتحلّون بالإخلاص والصدق ، إلى ماكانوا عليهِ من الورع الذي يحجزهم عن التزوير والدسّ في كتب العلم ، وخاصةً المحدّثون الذين تولّوا حفظ كيان أكبر مصدر للمعرفة الإسلامية ، ألا وهو الحديث الشريف .

فإنّ التراث الحديثي العظيم ، وماخلّده فيهِ مؤلّفوه العظام من عناوين الأبواب ، يعتبر كنزاً ثميناً ومادةً خصبة للدراسة حولها .

وكذلكَ من جاء بعدهم من العلماء ، أصحاب الجوامع الحديثية ـ كالأصول الأربعة ـ فإنّهم إنمّا جمعوا أحاديث كتبهم من المؤلّفات التي سبقت ، كالاُصول الأربعمائة ـ فوزّعوها حسب الموضوعات العقائدية ، والأخلاقية ، والأحكام الفقهية وأبوابها المتعدّدة ، وأثبتوا تحتَ عناوينها ماتلقوه من المشايخ وماأثبتوه في الأجزاء والاُصول والكتب .

ولا ريب أنّهم وزّعوا الموادّ على أساس علميّ ، وحسب منهج مدروس وكما وجدوه في تلكَ الاُصول ، أو تلّقوه من مشايخ العلم . . .

ويمكن بالمقارنة بين العناوين المثبتة في الاُصول ، والموجودة في الكتب الجوامع ، من الوقوف على مزيد من المعلومات حول الموضوع ، وهذا ماتصدّينا لهُ ، واستفدنا منه في بحثنا هذا .

سادساً : شؤون اُخرى :

1 ـ قد تحذف الترجمة من موضع ، ولا يوجد عنوان للكتاب أو الباب ، وقد يصرّح النساخ بأنّه محذوف ، وقد مرّ تسميتها  : التراجم المرسلة .

كما جاء في كتاب الجعفريّات مانصّه عند الانتهاء من كتاب الدعاء :«أوّل كتاب غير مترجم»(15) .

وكذلكَ وقع في الكافي الشريف ، في مواضع عديدة(16) ووقعَ مثل ذلكَ فيأمّهات الكتب ، كالبخاري ، كما سيجيء الحديث عنه مفصّلاً .

والسبب المناسب لمثل هذا التصرّف هو الخلل في النسخ المنقول منها ، كما هو المذكور في حقّ البخاريّ الذي وجّهوا تصرّفه ذاكَ بأنّه لم يخرج كتابه إلى التبييض .

وإلاّ ، فلا يتصوّر في حقّ أي مؤلّف ـ فضلاً عن اُولئكَ العظام ـ أن يلجأوا إلى ذلكَ التصرف المنافي لأصل فكرة التبويب وأغراضها التي عرفناها .

ومااحتمل من كون السبب وراء ذلكَ هو عدم احتواء الأبواب تلكَ على أحاديث كثيرة ، فأغلبها لا يضمّ سوى حديث واحد أو حديثين .

وبالتالي تكون الأحكام الشرعية الواردة فيها غير متنوّعة وهي غالباً ماتكون ذات حكم واحد ، مما يصلح أن يكون هذا الحكم أو الحكمين أو الثلاثة في بعض الأحيان ، عنواناً للباب نفسه أو هذا بطبيعة الحال لا يستدعي استنباط العنوان ، مادام ظاهراً من الحديث نفسه(17) .

فهو احتمال منقوض طرداً وعكساً :

فأوّلاً: ما أكثر الأبواب المحتوية على ثلاثة أحاديث ومادون، ممّا قد عنونه الكليني(رحمه الله)؟

ونقتصر هنا على ماجاء فيه حديث واحد من العناوين ، وفي الاُصول فقط :

«باب حقّ العالم»(18) .

«باب صفات الذات»(19) .

«باب المعاني التي تحت أسماء الله وأسماء المخلوقين»(20) .

«باب اختلاف الحجة على عباده»(21) .

«باب في تسمية من رآهُ (عليه السلام)»(22) .

«باب النهي عن الإشراف على قبر النبيّ (صلى الله عليه وآله)»(23) .

«باب كيف أجابوا وهم ذرّ؟»(24) .

«باب إذا أراد الله عزّ وجلّ أن يخلق المؤمن»(25) .

«باب السبق إلى الإيمان»(26) .

«باب صفة الإيمان»(27) وهذا العنوان الأخير ذو الحديث الواحد ، مسبوقبباب ذي حديث واحد ولكنه بلا عنوان! .

معَ أنّا لم نجد في الاُصول من الأبواب غير المعنونة سوى خمسة ، احتوى منها على حديث واحد : هذا الباب ، وباب آخر، وسائرها يحتوي على حديثين ، وثلاثة ، وقسم يحتوي على أربعة أحاديث فما فوق حتى الستة(28) .

وثانياً : إنّ وضع العنوان للباب لا يرتبط بالكثرة والقلة لما تحته من الأحاديث . وإنمّا هو تواضع منطقي للتوصّل إلى الأغراض المنشودة والتي عرفناها ولا دخل لعدد الأحاديث ، ولا لقصر المطالب وطولها في ذلكَ .

وثالثاً : إنّ الهدف من العنوان هو أن يكون جامعاً للأحكام المؤتلفة
والمتّحدة ، ومهما كانت الأحكام في الأحاديث متنوّعة ، كان ذلكَ موجباً لتعدّد العناوين ، لتقريب الطالب إلى محتواها، فكيف يتوقّع العنوان الواحد للأحكام المتنوّعة؟

معَ أنّ صلاحية الحكم لكونه عنواناً ، هو المطلوب الأتمّ لواضعي العناوين ، فكيف يجعل سبباً لتركها؟

وكما قلنا ، فإنّ السبب المناسب لعدم وجود العناوين في تلكَ الأبواب ، هو التشويش في النسخ المنقولة ، لا غير .

2 ـ قد عرفنا أنّ المؤلفّين اهتموا بالعناوين ، ووضعوها على الأبواب ، ولذا جُعلتْ العناوين أدلة على فقه المؤلّفين ، وهذا هو اللازم .

فإذا عنون أحد لباب ، ولم يورد تحته مايرتبط بهِ ، كان نقصاً واضحاً في عمله ونقضاً للمقصود من وضع العناوين والالتزام بها :

وقد عرفنا أنّ من أهم أغراض وضع العناوين هو جمع المتّحدات في مكان واحد.

وقد اعترض بعدم مراعاة هذا الجانب مؤلّف «وسائل الشيعة» قال السيِّد البروجرديّ :«إنّه قد فرّق بين ماينبغي أن يجمع ، وجمعَ بين ماينبغي أن يفرّق ،
وكثيراً ماأورد الأحاديث في غير بابها ، ووضعها في غير مواضعها »(29) .

وقد التفت الشيخ الحرّ العاملي نفسه إلى بعض هذا ، فقال : اعلم إنّه
قديتّفق تخالف بين 
«العنوان» والأحاديث ، في العموم ، ويكون وجههُ
ملاحظة أحاديث اُخر ، أو الاعتماد على فهم بقيّة المقصود من أحاديث الباب ، وغير ذلكَ .

فإن لم يظهر وجهه ، ينبغي أن يكون العملُ بالأحاديث ، دون العنوان(30).

والذي يظهر بالتأمّل أنّ الحر إنمّا تصدّى لذكر مدارك ماأورده المحقق الحلّي في كتاب «شرائع الإسلام» من المسائل الشرعية ، فوضع لكلّ حكم باباً ، وعنونه بنفس ذلكَ الحكم ، وحاول إيراد الحديث الذي يدلّ عليهِ ويفي بحكمه ، من دون توجيه غرضه إلى استيعاب الأدلة في مكان واحد ، وإنمّا تصدّى لتكميل هذا النقصّ بقوله :«تقدم مايدلّ عليهِ ، ويأتي مايدلّ عليهِ» .

ومهما يكن ، فإنّ عمل الشيخ الحرّ في تبويب الوسائل ، لهُ وجهة نظر
شخصيّة ، وغير مبتن على ضوابط 
«وضع العناوين» ولم يكن وافياً بأغراضها ، كما ذكره السيِّد البروجردّي ، الذي حاول استدراك ذلكَ بعمله العظيم «جامع أحاديث الشيعة» .

3 ـ قد تعرّض العامّة لموضوع التراجم ، في مابحثوه عن كتاب الصحيح للبخاري ، وألّفوا لذلكَ المؤلّفات ، وأطالوا الكلام الحاوي لكثير من المبالغات ، وقد أفردنا لجمع شتات ذلكَ ملحقّاً لبحثنا هذا .

سابعاً : دلالاتها وآثارها

وسوف نتابع ذلكَ من خلال التراث في علوم ثلاثة :

الأوّل في التراث الحديثي :

معَ الكافي الشريف :

يعتبر الكافي أكبر جامع حديثي ضمّ ذخائر التراث الحديثي المكنوز من عصور الأئمة الأطهار (عليهم السلام) في بداية القرن الرابع الهجري ، فجمع ماتفرّق في الاُصول الأربعمائة التي اعتمدتها الطائفة ، فجاء منظماً على الكتب ثمّ الأبواب .

وخلَدَ بفضل الله، ليكفي للوصول إلى الأهداف السامية التي تتبعها، وترشد إليها.

وقد تميّزَ الكافي بحسن الترتيب ، إلاّ أنّ مهمتنا تنصبُّ على إبراز الجوانب الخاصة بهذا الكتاب الشريف في مجال التبويب والعنونة، ضمن نماذج معيّنة، فنقول:

عنوان الخمس :

من المتعارف لدى الفقهاء منذ القدم إفراد باب للخمس على حِدَة ، وأقدم مابأيدينا كتاب (الفقه) للشلمغاني(31) فقد عنونَ لباب (49) باسم «باب الغنائم والخمس»(32) وذكره في أواخر الفقه ، ثمّ الصدوق عنون في المقنع ضمن أبواب الزكاة لباب الخمس(33) وعنون كذلكَ في الهداية ، ضمن أبواب الزكاة لباب الخمس(34) وكذلكَ الشيخ الطوسي في الخلاف(35) وفي المبسوط جعله فصلاً من كتاب الزكاة(36) .

ولكن الفقهاء المتأخّرين أفردوا للخمس كتاباً مستقلاً بأبوابه ومسائله الخاصة ، واتفقوا على وضعه بعد كتاب الزكاة مباشرة لما بينهما من المناسبة موضوعاً وشروطاً وتداخلاً في بعض الأحكام ومتعلّقاتها .

وبالنسبة إلى الصدوق في الهداية قد تلحظ المناسبة في ذكر باب الخمس في الزكاة لأنه عنون لباب الخمس، بعد باب عنونه بـ «باب من يُعطى ومن لا يُعطى من الزكاة» وقال فيهِ : وقد فضّل الله بني هاشم بتحريم الزكاة عليهم ، فأمّا اليوم فإنّها تحلّ لهم ، لأنّهم قد منعوا الخمس(37) .

وهذهِ المسألة وطّدت لذكر الخمس وأحكامه ، وهي مناسبة ظريفة .

وكذلكَ الشيخ الطوسي في المبسوط ، فإنه ذكر قبل فصل الخمس ، فصلاً عنوانه «فصل في حكم أراضي الزكاة وغيرها» . وذكر في الضرب الرابع من أقسامها: أرض انجلى عنها أهلها ، وكانت مواتاً لغير مالك . . . فإنّها كلّها للإمام خاصة . . . 

وقال في آخره : وكلّ موضع أوجبنا فيهِ العشر أو نصف العشر من أقسام الأرضين ، إذا أخرجَ الإنسان مؤونته ومؤونة عياله لسنة ، وجب في مابقي بعدَ ذلكَ الخمس لأهله(38) .

ثمّ ذكر فصل الخمس، والمناسبة هنا واضحة أيضاً .

ولم تختلف كتب الحديث عن كتب الفقه في ذلكَ : فالصدوق في كتاب الفقيه ذكر «باب الخمس» في أبواب الزكاة(39) والطوسي في التهذيب ذكر «باب الخمس والغنائم» في كتاب الزكاة الباب (35)(40) وعنون الباب (36) الذي يليه بـ (باب تمييز أهل الخمس ومستحقّه ممن ذكر الله في القرآن) كما عنون الباب (15) في
الزكاة بـ 
(باب مايحلّ لبني هاشم ويحرم من الزكاة) .

ومن المعلوم أنّ الشيخ في تهذيب الأحكام يتبع أثر شيخه الإمام المفيد ، لكون كتابه التهذيب شرحاً استدلالياً على كتاب المقنعة للمفيد(41) .

ومعَ هذا الالتزام العملي للمحدّثين والفقهاء في إدراج (الخمس) في (الزكاة) أو إلحاقه بها ، إلاّ أنّ الشيخ الكليني لم يعنون لكتاب الخمس ، في أبواب الفقه إطلاقاً ، فلا نجد في أجزاء الكتب الفقهية ذكراً للخمس وأبوابه .

وإنمّا ذكر «الخمس وأحاديثه» في أجزاء الاُصول ، وفي «كتاب الحجّة» بالذات، فعقد في كتاب الحجة، باباًبعنوان«الفيءوالأنفال وتفسير الخمس وحدوده ومايجب فيهِ»أورد فيهِ (28) حديثاً ، وقدّم لها بمقدمة جامعة لاُصول الخمس وأحكامه وشيء من تأريخه منذ عصر الرسالة ، وهذهِ المقدّمة مما يختصّ بهِ هذا الباب، إلى قليل من الأبواب الاُخرى ، مما يدلُّ على رعاية خاصّة من الكليني له.

ولم نجد في أبواب الزكاة ، ولا أبواب الصدقة ، المذكورة بعدها ذكراً للخمس وشؤونه .

فما هي الدلالة المفروضة في عمل الكليني ؟

أتصوّر أنّ هناك دلالتين مهمّتين لإيراد الكليني ما يتعلّق بالخمس في خصوص كتاب الحجّة ، من الاُصول ، وعدم إيراده في كتاب الزكاة والصدقة من الفروع ، وهما :

أولاً : دلالة عقيدية :

حيث أنّ الولاية على الخلق تكويناً وتشريعاً ، هي لله تعالى ، وقد جعلها للرسول ولاُولي الأمر واختصهم بها دون الخلق ، كما اختصهم بخصائص منها (الخمس) حيث قال عزّ وجلّ في كتابه : }واعلموا أنمّا غنمتم من شيء فأنّ لله خمسه وللرسول ولذي القُربى{ سورة الأنفال الآية 40.

وقال: }ماأفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى{.

حيث فسَرّ (ذي القربى) في الآيتين بالأئمة (عليهم السلام) .

فاختصاص الخمس بالأئمة (عليهم السلام) هو من آثار ولايتهم على الاُمّة المنصوص عليها من الله في كتابه ومن الرسول في حديثه .

فوضع (الخمس) في «كتاب الحجّة» أليق وأعمق دلالة ، من كونه في «كتاب الزكاة» من الفروع .

ثانياً : دلالة عملية :

إنّ من حقوق الإمام (عليه السلام) على الاُمّة هو تأمين مصارفه الماليّة ، لما لهُ وعليهِ من احتياجات ماديّة لابدّ أن تؤمّن من جهة مّا في الدولة الإسلامية ، وقد قنّنَ الله تعالى قانون (الخمس) ليومّن بهِ الإمام (عليه السلام) فلا يكون بحاجة إلى غيره ، حتى يسدّ الخلل الماديّ الذي لابدّ منه في إدارة اُمور الإمام (عليه السلام) وشؤونه .

وقد ترتّب على هذا أنّ الرسول والأئمة (عليهم السلام) وهم أولياء الاُمّة ورعاتها وقادتها ، أنّهم كانوا مرتفعين عن أية حاجة مادية إلى أحد، ولذا كانوا ـ على طول الخط ـ مستقلّين ، لا تأخذهم في قول الحق والإقدام على العمل له ، لومة لائم ، ولا بحاجة إلى معتد وظالم .

وكما كان الخمس أساساً للدعم المادّي لتأمين (آل الرسول) من أن تمدّ أعينهم وأيديهم إلى الآخرين ، ويدخل بذلكَ سوء أو نقص على الرسول (صلى الله عليه وآله)باعتبارهم محسوبين عليهِ نسبياً ، أو أن يُستغَلّوا مادّياً فيما يدخل بهِ وهن أو إهانة على الدين ، معَ مافي تخصيصهم بذلك من التصريح بتنزيههم عن الحاجة إلى أموال الناس وصدقاتهم التي عُبّر عنها بالأوساخ .

وقد أصبح (الخمس) بعد عصر ظهور الأئمة (عليهم السلام) سنداً قويماً لدعم الحركة الإمامية واستمرارها ، باعتبار إيداع (الولاية) إلى الفقهاء العظام ، الذين نصبهم الإمام الغائب (عجل الله فرجه) نوّاباً عامّين عنه ، في رعاية الاُمّة .

هذا مانتصوّره وجهاً لفصل الكليني لبحث (الخمس) عن الفروع ، وإيداعه لهُ في الاُصول .

 

2 ـ باب الغناء والميسر :

عملان من أسباب الكسب المحرّم للمال ، التي صرّحَ الفقهاء بتحريمها ، والمناسب لذكرهما هو كتاب المكاسب ، المعبّر عنه بالمتاجر ، باعتبارهما أدوات للكسب ، وطرقاً لتحصيل المال.

وهذا هو دأب المتأخرين من الفقهاء والمحدّثين ، وكذلكَ صنع الخمر وعمله وبيعه والاكتساب بما يرتبط بهِ من نقل وحفظ ، فإنّه معنون في كتاب المكاسب ، أو أبواب التجارة ، عندَ المتأخرين(42) .

لكّن القدماء اختلفوا في ذلكَ :

فالشلمغاني في الفقه المنسوب(43) والصدوق في المقنع(44) ذكرا الخمر في أبواب الحدود.

والشيخ الكليني عنون لما يتعلّق بالخمر من الأبواب في كتاب الأشربة«أبواب الأنبذة»(45) ومثله الطوسي في المبسوط(46).

لكن الشيخ الكليني تميّز بذكره «باب الغناء» في كتاب الأشربة(47) بعد مايتعلّقبالخمر مباشرة ، وكذا «باب النرد والشطرنج»(48) بعده .

وتبعه في إلحاق الغناء بالخمر في الذكر : الشيخ الصدوق حيث عطف الغناء على الخمر في عنوان «باب شرب الخمر والغناء ومايجب في ذلكَ من الحدّ والحكم» ثمّ ذكر مايرتبط بالخمر ، وختمها بما يتعلّق بالغناء ، ولكنه ذكر ذلكَ بعد أبواب من الحدود ، وأتبعه بـ «باب الملاهي»(49) .

وسبقهما في الفقه المنسوب ، حيث عنون «لباب شرب الخمر والغناء» ثمّ «لباب اللعب بالشطرنج والنرد والقمار والضرب بالصوالج وغيره»(50) أثناء «أبواب الحدود».

والمشترك بين هؤلاء ، مما يهمّنا : أمران :

1 ـ ذكر الغناء معَ الخمر ، واتباعهما بالقمار والميسر .

2 ـ ذكر الغناء والميسر معَ الخمر في كتاب الأشربة عندَ الكليني والطوسي .

والوجه في الأوّل : يظهر من التأمل في مضامين الأبواب عندهم ، فإنّهم استدلوا على حرمة الخمر بالآيات القرآنية الكريمة ، وقد وردَ فيها إطلاق «الرجس»على الخمر والميسر في آية واحدة ، وهي: }إنمّا الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عملِ الشيطان فاجتنبوه{.   سورة المائدة5 الآية 90

وقد شاركَ الميسرُ الخمر في هذا الدليل ، واتّحدا في موضوعه وهو (الرجس)وحكمه وهو (الاجتناب) .

وأمّا الغناء : فمن أدلّة تحريمه قوله تعالى: }فاجتنبوا الرجسَ من الأوثان
واجتنبوا قولَ الزور
{ سورة الحجّ 20 الآية 30 ،

حيث فسّر (قول الزور) بالغناء(51)

فقد اشتركَ الغناء معَ الخمر في حكم (الاجتناب) .

ومن هنا يظهر الوجه في الثاني :

حيث أنّ الخمر من الأشربة، وأنسب مورد لذكره هو ذلكَ الكتاب ، وأحكامه الكثيرة تدور على ذاته ، لا خصوص عمله وبيعه حتى يذكر في كتاب المتاجر ، وكذلكَ أتبعوه بذكر الغناء والميسر .

ونقول : قد يقال : إنّ الوجه في إلحاق الغناء بالخمر في التبويب والعنونة ، هو أنّ الغناء المجرّد ـ وهو الصوت المطرب ـ لا دليل على حرمته ، وإنمّا المحرّم هو المجتمع معَ محرّمات اُخرى ، كالمعتاد في مجالس اللهو والطرب ، في أندية أهل الفسوق والفجور ، حيث تدار الخمور ، ويدخل الرجال على النساء ، ويطربون على أصوات الغناء ، فالمنهيّ عنه خصوص هذا ، من الصوت المطرب، ولذا قرنوا الغناء بالخمر في التبويب .

وهذا ـ في الواقع ـ تضييق للمراد من الغناء في العرف الشرعي والحكم بتحريمه ، فلو تمّ هذا ، لكان ذلكَ التوجيه وجيهاً . وسيأتي مزيد بيان له.

وقد أوردَ الكليني (رحمه الله) في «باب الغناء» حديثاً نصّه : عن جهم بن حميد ، قال : قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) : أنّى كنت؟ فظننتُ أنه قد عرفَ الموضع ، فقلتُ : جعلتُ
فداك ، إنِّي كنتُ مررتُ بفلان ، فاحتبسني ، فدخلتُ إلى داره ، ونظرتُ إلى جواريه ، فقال لي : ذلكَ مجلسٌ لا ينظر الله عزّ وجلّ إلى أهله ، أمِنتَ الله عزّ وجلّ على أهلكَ ومالكَ؟!(52) .

وهذا الحديث ليس فيه ذكر الغناء ظاهراً ، وقد سبّبَ ذلكَ إلى أن يعلّق الحرّ العاملي عليهِ بما نصّه : هذا لا تصريحَ فيهِ بالغناء ، لكنْ فهم الكليني منهُ ذلكَ فأورده في باب الغناء ، وقرينته أنه لا وجه للتهديد لولاه ، لأنّ النظر إلى الجواري بإذن سيِّدهنّ جائز ، وقد أذن للراوي(53) .

أقول : معَ أنّ هذا من الحرّ استدلال بالعنوان على دلالة الحديث ، عندَ الكليني على الأقل ، إلاّ أنّ فيما ذكره الحرّ اشكالاً حيث إنّ الحديث نصٌّ على مايحرم من الغناء لأنّ قول الإمام (عليه السلام)«ذلك مجلسٌ . . .» لا يرادُ بهِ مجلس السكنى في الدار ، فإنّه لا محذور فيهِ بنفسه ، ولا مجلس النظر ، لأنّ حرمة النظر لا ترتبط بمجلس أو موقف ، وإنمّا اسم «المجلس» متعارف إطلاقه على «مجالس اللهو والطرب التي لا تنفك عن الغناء معَ حضور الجواري المغنيات» .

ويمكن استفادة هذا المصطلح للمجلس من أحاديث اُخر ذكرها الكليني نفسه في «باب الغناء» .

منها حديث أبي عبد الله (عليه السلام) : الغناء : مجلسٌ لا ينظر الله إلى أهله(54) .

فقد أطلقَ الغناء على المجلس وهو مكان ، باعتبار اختصاصه بهِ ولزومه له ، لا بعنوان المكان كظرف ، وإنما لكونه مصطلحاً معروفاً بهِ .

ويقرّب ذلكَ قول أبي عبد الله (عليه السلام) :«بيتُ الغناء لا تؤمن فيهِ الفجيعة ولا تجاب فيه الدعوة، ولا يدخله الملك»(55) .

وسُئِلَ (عليه السلام) عن الغناء؟ فقال : لا تدخلوا بيوتاً ، الله معرض عن أهلها(56) .

بناءً على أنّ المراد بالبيت هو الموضع مطلقاً ، إطلاقاً للخاص على العام ، فيرادف المجلس .

ولما ورد في الحديث المبحوث عنه قوله : «ذلكَ مجلس . . .» كان الحديث نصّاً في الغناء ، والتهديد عليهِ .

فلم يكن وضع الكليني لهذا الحديث في «باب الغناء» مجرّد اجتهاد منه ، كما تصوّره الحرّ العاملي .

وليس المراد ممّا ذكرنا هو تحريم خصوص الغناء الواقع في المجلس فقط، كما قد يوهمه الكلام، وإنمّا المراد تحديد الغناء المحرّم بما من شأنه أن يُتلى في تلكَ المجالس، ويختصّ بها، حتّى لو اُلقي خارجها، فالغناء بوقوعه في المجالس الخاصّة، تعنون بالغناء المحرّم، فيحرم مطلقاً حتّى لو سمعَ خارج المجالس، ومن مكان بعيد، أو على آلة جامدة كالاُسطوانة والمذياع والتلفاز .

وقد جاء تحريم الاستماع إلى الغناء، حتّى لو لم يحضر السامع، بل ولم يقصد الحضور، بل لمجرّد إطالة الجلوس في بيت الخلاء من أجل الاستماع!

جاء ذلكَ في حديث مسعدة بن زياد، قال : كنت عندَ أبي عبد الله (عليه السلام)فقال لهُ رجلٌ : بأبي أنتَ واُمّي، إنني أدخل كنيفاً لي، ولي جيران عندهم جوار يتغنّين ويضربن بالعود، فربما أطلت الجلوس استماعاً منّي لهنّ؟ فقال: لا تفعل، فقال الرجل : والله ماآتيهنّ إنمّا هو سماع أسمعه باُذني! فقال : لله أنتَ أما سمعت الله عزّ وجلّ يقول : }إنّ السمع والبصر والفؤاد كلّ اُولئك كان عنه مسؤولاً{ [سورة الإسراء / 38 ] . . . قم فاغتسل وسلْ مابدا لكَ، فإنّك كنتَ مقيماً في أمر عظيم، ماكان أسوء حالك لو مُتّ على ذلكَ، احمد الله، وسله التوبة من كلّ مايكره، فإنّه لا يكره إلاّ كلَّ قبيح، والقبيح دعهُ لأهله، فإنّ لكلٍّ أهلاً(57).

3 ـ عنوان «الجار»

عنون الكليني في كتاب الجهاد «لباب إعطاء الأمان» وأورد فيهِ الحديث الخامس ، ونصّه : عن أبي عبد الله ، عن أبيهِ (عليهما السلام) قال : قرأتُ في كتاب لعلي (عليه السلام) : أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) كتب كتاباً بين المهاجرين والأنصار ومن لحقَ بهم من أهل يثرب :
أنّ كلّ غازية غزت بما يعقب بعضها بعضاً بالمعروف والقسط بين المسلمين ، فإنّه لا يجوز حربٌ(58) إلاّ بإذن أهلها .

وإنّ الجار كالنفس غير مضارّ ولا آثم .

وحرمة الجار على الجار كحرمة اُمّه وأبيهِ .

لا يُسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلاّ على عدل وسواء(59) .

وأورده الطوسي في كتاب الجهاد :«باب إعطاء الأمان» باختلاف يسير(60) .

وظاهرهما ، بقرينة كتاب الجهاد ، وعنوان الباب : أنّ المراد بالجار ، هو الذي يستجير ويستأمن في حال الحرب ، ويستسلم للمسلمين ، وهو المذكور في قوله تعالى : }وإن أحدٌ من المشركين استجاركَ فأجره{ .

إلاّ انّ الشيخين ـ كليهما ـ أوردا قطعة من الحديث في موضع آخر :

فالكليني أورده في كتاب المعيشة (باب الضرار) الحديث الأوّل : عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : إنّ الجار كالنفس غير مضارّ ولا آثم(61) .

ولاريب أنّ مافي هذا الباب من الأحاديث إنمّا تبحث عن إضرار الجار للجيران الذين يسكنون في جواره ، بقرينة سائر ماسبقه ولحقه من الأبواب ، وهو واضح .

وأورده الشيخ الطوسي ، في كتاب التجارات ، في الباب (10) المعنون«باب بيع الماء والمنع منه والكلأ والمراعي وحريم الحقوق وغير ذلكَ» الحديث(35)(62) .

وهو كذلكَ بقرينة ماقبله ومابعده من الأحاديث ، كما أنّ إثبات الباب في كتاب التجارة يؤنس بأنّ المراد بالجار هو صاحب الدار المجاورة .

وربما يُشكل بأنّ إيراد الحديث الثاني الموقوف على الصادق (عليه السلام) في باب جار الدار ، يُنافي وضع الحديث بكامله ـ وفيهِ نصّ الحديث الثاني ـ في باب الحرب .

والظاهر عدم التنافي :

لأنّ الحديث الأوّل يحتوي على جملتين :

1 ـ أنّ الجار كالنفس غير مضارّ ولا آثم .

2 ـ حرمة الجار على الجار كحرمة اُمّه .

والجملة الثانية ترتبط بجوار الحرب ، لعنوان الباب ومناسبة كتاب الجهاد .

أمّا الاُولى فهي لا ترتبط إلاّ بجوار الدار ، بقرينة قوله :«غير مضارّ ولا آثم» لأنّ جار الدار هو المتوقّع منه الإضرار ، ولذلكَ وردت أحاديث نفي الضرار في حقّه ، وأثبت الكليني هذا الحديث في ذلكَ الباب لمدلول هذهِ الجملة بالذات .

ولابدّ أن تكون هذهِ الجملة الاُولى مرتبطةً بجوار الدار ، لأنّ المذكور في كتاب النبي (صلى الله عليه وآله) إنمّا هم المهاجرون والأنصار ، ومن لحقَ بهم، ومن المعلوم أنّ الجوار الذي كانَ بينهم إنمّا كان جوار دار ، لا جوار حرب .

وماجعلَ الشيخان هذهِ الرواية المشتملة على الجملة الاُولى في كتب وأبواب تناسب جوار الدار ، إلاّ لدلالتها المذكورة .

ثمّ إنّ الكليني أورد رواية كتاب علي (عليه السلام) في اُصول الكافي ، في كتاب العشرة ،
في 
«باب حقّ الجوار» مشتملاً على الجملتين ، إلى قوله «كحرمة اُمّه»(63) .

وهذا منه دليل واضح على أنّ الرواية مشتملة على الحكمين ، حقّ الجار جار الدار ، وحقّ الجار جار الحرب ، حيث أورده تارةً في كتاب العشرة ، وهو المناسب للأوّل ، ثمّ في كتاب الجهاد وهو المناسب للثاني .

4 ـ تزويج الزُرْق

أثبت الكليني في كتاب النكاح «باب مايستدلّ بهِ من المرأة على المحمدة» الحديث (6) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : تزوّجوا الزُرْق ، فإنّ فيهنّ الُيمن(64) ;

ونقله الصدوق إلاّ أنه قال : . . . فإنّ لهنّ البركة(65) .

ونقلها الحرّ في الوسائل في كتاب النكاح ، في أبواب مقدماته وآدابه باب (20) وعنون لهُ «استحباب البيضاء والزرقاء»(66) وقد أثبت الفيض هذا الحديث في «باب مايحمد من صفات النساء» من أبواب النكاح، نقلا عن الكافي وقال في بيانه : يحتمل أن يكون «الزُرق» تصحيف «للرزق» فيكون هذا الحديث بعينه مامرّ في آخر «باب التزويج يزيد في الرزق»(67) .

وغرضه بذلكَ الباب المرقم عنده برقم (4) فقد أورد آخر حديث فيهِ عن الفقيه، قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): تزوّجوا لِلرزقِ فإنّ لهنّ البركة(68).

أقول : الموجود في مطبوعتي الفقيه الحديثتين: «تزوّجوا الزرق»(69) .

وكذا مانقلهُ الحرّ عنه في الوسائل .

إلاّ أنّه قد أفادني سماحة السيّد الجهرمي أنّ في المطبوعة الحجريّة في طهران من الفقيه: «تزوّجوا لِلرزقِ فإنّ لهنّ بركة» وكذا في المخطوطة النفيسة التي يمتلكها السيد، وعليها علامات المقابلة والتصحيح .

وذكر صديقناالشيخ إبراهيم الأنصاري ترجيحاًلهذاالاحتمال حاصله:أنّ الزواج قدذكر من أسباب الرزق في الآية الكريمة: }إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله{.

وبدلالة ماوردَ من أنّ الأهل والعيال موجبان لزيادته كقوله (عليه السلام) : اتّخذوا الأهل فإنّه أرزق لكم(70) وقوله(عليه السلام) : الرزق معَ النساء والعيال ، وقد أورده الكليني في باب «أنّ التزويج يزيد في الرزق»(71) .

أقول : وهذا التفات ظريف ، إلاّ أنّ الكليني عقد هذا الباب ولم يورد الحديث الذي نبحث عنه فيه ، وإنما أخّره عنه وأثبته في «باب مايستدلُّ بهِ من المرأة على المحمدة» مما يدلُّ على التفاته إلى كلا المعنيين .

مضافاً إلى أنّ مراسيل الصدوق تنتهي أكثرها إلى مسانيد الكليني ، كما هو المحقّق لمن تابع أحاديث الكتابين .

معَ أنّ الرواية على نسخة «للرزق» فيها : أنّ ضمير «لهنّ» يبقى بلا مَرْجِع مذكور في الكلام .

والمناسب لتبويب الفقيه هو نسخة «الزُرْق» فإنّه رتّب الأبواب ترتيباً حسب منهج منطقي ، كما يلي :

99 ـ باب النكاح وأصله .

100 ـ باب وجوه النكاح .

101 ـ باب فضل التزويج .

102 ـ باب فضل المتزوّج على العزب .

103 ـ باب حبّ النساء .

104 ـ باب كثرة الخير في النساء .

105 ـ باب في من تركَ التزويج مخافة الفقر .

106 ـ باب من تزوّج لله ولصلة الرحم .

107 ـ باب أفضل النساء .

108 ـ باب أصناف النساء .

109 ـ باب بركة المرأة وشؤمها .

110 ـ باب مايستحب ويحمد من أخلاق النساء وصفاتهنّ .

111 ـ باب المذموم من أخلاق النساء ، وصفاتهنّ .

إلى آخر الأبواب .

فالباب (109) الذي أوردَ فيهِ الحديث (الزرق) إنما هو يرتبط بالصفات الخارجيّة من جسدية وخَلقية ، ويتلوه الباب (110) الباحث عن أخلاقها الحسنة ، ثمّ المذمومة .

و(للرزق) تناسب البابين (104) و (105) لا الباب (109)!

ومهما يكن فإنّ ماعمله الكليني من وضع الحديث في الباب المذكور ، نصّ على أنّ الحديث هو «الزُرق» ومافي نسخة الفقيه «للرزق» ظاهر لأنّه مبنيّ على الاحتمال ، ولا يشكّ في أنّ نصّ الكليني مقدّم على ظاهر الفقيه .

فاحتمال أن يكون(للرزق)في نسخة الفقيه مصحّـفاًعن(الزرق)أولى من العكس الذي احتمله الفيض وكأنّه رجّحه ، إذ لم يذكر لنسخة الفقيه احتمالاً آخر فلاحظ.

فإنّ إهمال الفيض لاحتمال (الزُرق) في مانقله عن الفقيه، معارضٌ بإثبات الحرّ (الزُرْق) نقلاً عن الفقيه، كما هو الموجود في النسختين المطبوعتين منه، بل اقتصار الحرّ وكذلكَ المجلسي (رحمه الله) في البحار على نسخة (الزُرق) .

وعلى تقدير انحصار نسخة الفقيه بإثبات «للزرق» كما يظهر من الوافي، فالفقيه والكافي متعارضان، ولا ريب أنّ الكافي أرجح على ماهو المعروف من أنّه «الأشرف والأوثق والأتمّ والأجمع» كما اعترف بهِ الفيض(72) في الوافي (1 / 5) .

وفي تراث العامة :

 

1 ـ حديث الثقلين

عنون البزّار في زوائده، في كتاب علامات النبوّة لترجمة«باب مناقب أهل البيت» وأورد فيهِ حديث الثقلين المتواتر الإسناد ولفظه عنده: «...كتاب الله ونسبي...»(73).

ونقله السيوطي في كتابه «إحياء الميت بفضائل أهل البيت» في الحديث رقم (22) عن البزّار ، لكنّ نسخ كتاب السيوطي مختلفة ، هكذا:

ففي نسخة بلفظ «كتاب الله ونسبتي»(74) .

ولكنّ في طبعة مصريّة حديثة ، بلفظ :«كتاب الله وسنّتي»(75) ! من دونتعليق ، أو إشارة إلى اختلاف النسخ .

ومن الواضح أنّ هذا اللفظ لا يناسب عنوان الباب الذي عقده البزّار «باب مناقب أهل البيت» لعدم وجود ذِكْر لهم فيهِ لو كان اللفظ «وسنّتي» وكذلكَ لا يُناسب عنوان كتاب السيوطي «إحياء الميت بفضائل أهل البيت»!

ولو توجّه محقّق الكتاب إلى أحد العنوانين أو كليهما لالتفتَ إلى الخطأ الذي وقعَ في نسخته .

ولكنّ التحريف المتعمّد الذي اُحدث في حديث الثقلين من «كتاب الله وعترتي»إلى «كتاب الله وسنّتي» هو الذي غطّى على ذلكَ !

وقد تحدّثنا عن حديث الثقلين بلفظ «كتاب الله وسنّتي» بتفصيل واف ، وأثبتنا فيهِ عدم صحة شيء من طرقه ، وأنّه لم يثبت في مصدر موثوق ، ولا أصل معتبر ، في كتابنا الكبير «تدوين السنة الشريفة»(76) .

 

2 ـ زيارة قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله)

عنون الحافظ ابن السكن المصري في كتابه «السنن الصحاح» لباب «ثواب منْ زار قبر النبيّ (صلى الله عليه وآله)» وأورد فيهِ حديثاً مفرداً هو مارواهُ ابن عمر بلفظ «مَنْ جاءني زائراً لم تنزعه حاجة إلاّ زيارتي ، كان حقّاً عليَّ أن أكون لهُ شفيعاً يوم القيامة »(77) .

قال الإمام السبكي : ولم يذكر ابن السكن فى هذا الباب غير هذا . . . وتبويب ابن السكن يدلُّ على أنه فهم منه أنّ المراد :«بعد الموت» أو أنّ «بعد الموت» داخل في العموم، وهو صحيح(78) .

وقد أعترضَ التيميّة وأجْراؤهم على دلالة الحديث بأنّه لم يحتو على لفظ « القبر »(79) .

لكنّ الاستدلال بعنوان الباب وفهم العلماء ذوي الألباب ، وانصراف لفظ الزيارة في مثل الحديث على «مابعد الموت» كما هو عندَ العرف العام، اُمور كافية لرد ذلكَ الاعتراض الكاسد .

 

3 ـ حديث المنع عن الكتابة

في كتابنا «تدوين السنة الشريفة» خصّصنا الفصل الثالث من القسم الأوّل ، لإثبات إجماع أهل البيت : على إباحة التدوين ، بل ضرورته ، وجمعنا ماوردَ عنهم(عليهم السلام) في ذلكَ من الأقوال ومااُثر عنهم من الكتب والآثار ، وقد أكّدنا على الحقيقة المعروفة :«أنّ علياً أمير المؤمنين (عليه السلام) كان رائد التدوين » وأقواله وآثاره غير خفيّة على أحد .

لكنّ المانعين عن التدوين ، والذين حاولوا تبرير ذلكَ المنع لجأوا إلى الوضع والتزوير حتى في وجه هذهِ الحقيقة .

فقد نقلوا عنه (عليه السلام) حديثاً يدلُّ على المنع عن الاحتفاظ بالكتاب ، والأمر بمحوه ، وماإلى ذلكَ مما يوافق ذلكَ العمل السخيف الذي قام بهِ أهل البدع والتحريف .

ونصّ مانقلوه :«أعزمُ على كلّ من كان عنده كتاب! إلاّ رجعَ فمحاه! فإنمّا هلكَ الناس ، حيث اتّبعوا أحاديث علمائهم وتركوا كتاب ربهم»(80) .

وقد فنّدنا دلالة هذا الخبر على مايتوهّم من «منع كتابة الحديث» ، كما فنّدنا سنده بوجوه خمسة ، في ذلكَ الكتاب .

وأهمّ مايدلُّ على بطلانه : مخالفته لإجماع أهل البيت (عليهم السلام) على تدوين السنّة ، وبشكل مؤكّد إلى حدّ الضرورة واللزوم بل الوجوب الشرعي ، كما فصّلنا ذلكَ في الفصل الثالث من القسم الأوّل من الكتاب المذكور .

وأيضاً : مخالفته لما هو المسلّم لدى عامة المحدّثين والمؤرّخين والعلماء من أنّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) كان رائد التدوين وسيِّد القائمين بكتابة السنة والحديث الشريف .

ثمّ لم نعثر ـ إطلاقاً ـ على رواية منقولة عن أحد الأئمة الاثني عشر(عليهم السلام) ولا رواتهم ولا علماء مذهبهم تشير إلى المنع عن كتابة الحديث ، وهذا ـ أيضاً ـ دليل على بُطلان مارُبّما يوهم ذلكَ مثل مانقل عن الإمام أبي جعفر محمد الباقر (عليه السلام) ، في حديث عن خالد بن طهمان ، عنه (عليه السلام) قال :«لا تعِدَّ لهم سِفْراً ، ولا تخطّ لهم بقلم»(81) .

فالحديث وإن كان خاصّاً في مورده ، لمكان كلمة «لهم» الواضحة الدلالة على ذلك ، إلاّ أنّه يفهم منه النهي عن «إعداد السفر ـ وهو الكتاب ـ والخطّ بالقلم ـ وهي الكتابة» .

لكنه لا يرتبط بكتابة العلم والحديث الشريف ، وذلكَ :

لأنّ الراوي نفسه ـ خالد بن طهمان ـ قد روى عن الإمام الباقر (عليه السلام)«نسخة» وهي تعني ماسمعه من الإمام (عليه السلام) من أحاديث(82) مما يقتضي صرف النهي إلى غير الحديث ، على أقلّ التقادير .

ولأنّ الحديث المذكور ، إنمّا أورده ابن أبي شيبة في مارواه من الأحاديث المانعة عن «التولّي للسلطان» في كتاب، ولو اعتبرنا حقّ الأمر ، لوجدنا هذا النهي يقتضي الترغيب في كتابة الأحاديث المحتوية على الحق الذي يخالفه اُولئكَ الأمراء ، لأنّ الهدف من «النهي عن التولّي لهم» إنمّا هو تضعيف جانبهم ، ونشر الأحاديث الحقّة من أهم أسباب تضعيفهم ، والتقليل من سلطتهم وإبعاد الناس عن الالتفاف حولهم والاغترار بدنياهم .

4 ـ بين المنع عن رواية الحديث ، والاحتياط له

عقد ابن ماجة في سننه، «باب التوقّي في الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)»(83)أوردَ فيهِ ماروي عن بعض الصحابة، ومما أورده حديث قَرَظَة بن كعب عن عمر معَ وفد الكوفة ، حيث قال لهم : . . . إنّكم تقدمون على قوم للقرآن في صدورهم هزيز كهزيز المِرْجَل ، فإذا رأوكم مدّوا إليكم أعناقهم ، وقالوا :«أصحاب محمّد» فأقلوا الرواية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، ثمّ أنا شريككم(84) .

هكذا أورده ابن ماجة في باب «التوقي في الحديث . . .» وهو يعني الاحتياط للحديث والمحافظة عليه ، والرعاية له!

وقد أورده الخطيب في باب «ذكر نهي عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) عن رواية الحديث» وفي لفظه :  . . . إنّكم تأتون بلدةً لأهلها دويّ بالقرآن كدويّ النحل ، فلا تصدّوهم بالأحاديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وأنا شريككم!

قال قرظة : فما حدّثت بعده حديثاً عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) (85) .

وأوّل مايجب التذكير بهِ أنّ كلام عمر يدلُّ على ماابتكره من مقولة :«حسبنا كتاب الله».

فقد كان هو أوّل من واجه بِها رسول الله (صلى الله عليه وآله) فصدّه بذلكَ عن كتابة ماهمّ بهِ في مرض موته(86) فكان هذا الفعل من أوائل عمر!

ومن الواضح أنّ تلكَ المقولة ، تعني الاستغناء عن غير كتاب الله ، ورفض الأحاديث مطلقاً من دون استثناء .

والأحاديث التي أوردها ابن ماجة في ذلكَ الباب تحتوي على امتناع اُولئكَ الصحابة عن إيراد أي حديث ـ ولو واحداً ـ عن الرسول (صلى الله عليه وآله) ، فالمناسب للعنوان هو «تركَ الحديث عن رسول الله» لا التوقّي فيهِ والاحتياط له! وقد فهم قرظة ـ راوي الحديث ـ هذا المعنى ، حيث تركَ بعد كلام عمر : الحديث مطلقاً .

فكيف يعنون ابن ماجة للباب بـ «التوقي . . .»؟

وقد أوغل الخطيب في الالتواء لّما حاول توجيه فعل عمر ، بقوله : فعل ذلكَ عمر احتياطاً للدين ، وحسن نظر للمسلمين، لأنه خاف ان يتّكلوا على الأعمال(87) .

قال : وفي تشديد عمر ـ أيضاً ـ على الصحابة في رواياتهم : حفظٌ لحديث رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، وترهيب لمن لم يكن من الصحابة أن يُدخل في السنن ماليس منها(88) .

ومعَ إغفال الخطيب لمواقف عمر الاُخرى من الحديث ـ كتابةً وتدويناً ، وروايةً وتحديثاً ـ مما يدلُّ كلُّ واحد منها على أنّ عمر كان معارضاً لأصل الحديث
ووجوده ، وكان يدعو إلى الاكتفاء بالقرآن وحده ، حسب ماتصرّح بهِ مقولته : «حسبنا كتاب الله» بلا أدنى ريب .

فإنّ الخطيب قد خالط في توجيهه ذلكَ أشدّ الخلط :

فأوّل مايرد عليهِ أنّه «لم يكن أحدٌ أحرص على هذا الدين من نفس رسول الله(صلى الله عليه وآله) الصادع بالرسالة ، الذي صدرت منه تلكَ الأحاديث، وهو قد أمر بنشرها ، وحثّ على تبليغها ، وأمر باتّباعها.

ولو كان في الأحاديث أدنى خطر ، أو سوء ، على الدين ، لم تصدر من الرسول(صلى الله عليه وآله)» .

هذا بعض ماذكرناه في الردّ على توجيه الخطيب هذا ، معَ اُمور مهمّة اُخرى ، في كتابنا الكبير ، فليراجع(89) .

فالملاحظ أنّ العنوان الذي أثبته ابن ماجة للباب «التوقي في الحديث . . .» غلطٌ واضح ، والمناسب لهُ عنوان «المنع من الحديث . . .» .

الثاني: في التراث التفسيري

ذكر العياشي في مقدمة تفسيره عنوان :«تفسير الناسخ والمنسوخ» وأورد تحته أحاديث ، تاسعها : عن أبي عبد الرحمن السلمي :«إنّ علياً مرّ على قاض ، فقال : هل تعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال : لا ، قال : هلكتَ وأهلكتَ ، تأويل كلّ حرف من القرآن على وجوه»(90) .

ونقله عنه المحدّثون المتأخرون ، كما أثبتنا :

فذكره السيِّد الشبّر في الاُصول الأصليّة في باب «إنّ الإحاطة بجميع معاني القرآن والعلم ببواطنه وأسراره وتأويله مختصّ بالنبيّ والأئمة (عليهم السلام) ولا يجوز لأحد الخوض في المتشابه ، وفي البطون إلاّ بنص وارد منهم :»(91) .

وأورده الفيض الكاشاني في الاُصول الأصيلة في الأصل الثاني المعنون :«في أنه لا يعلم علم الكتاب والسنة ، كلّه إلاّ مَنْ يعلم الناسخ من المنسوخ ، والمحكم من المتشابه ، والتأويل من الظاهر . . .»(92) .

لكنه أضاف على السؤال الأوّل قول الإمام (عليه السلام) ثانياً :«فهل أشرفت على مراداته في أمثال القرآن؟ قال : لا» وختمها بقوله :«إذن  هلكت وأهلكت».

ولم يذكر الذيل :«تأويل كلّ حرف من القرآن على وجوه» .

وأخرجه المعلق عليهِ عن « مصباح الشريعة » المنسوب للإمام الصادق(عليه السلام) في الباب (63) وهو « باب الفتيا »(93) .

ونقله الحرّ العاملي عن العياشي في الوسائل ، في كتاب القضاء أبواب صفات القاضي ومايجوز أن يقضي به ، الباب (13) «عدم جواز استنباط الأحكام النظرية من ظواهر القرآن»(94) .

والمهم هنا : أنّ عنوان العياشي «تفسير الناسخ والمنسوخ . . .» يقتضي أن تكون الأحاديث التالية برقم (10 و 11) تحتوي على مايرتبط بالناسخ والمنسوخ ، بينما هما ، لا يرتبطان بذلكَ أصلاً ، وإنما هما يبحثان عن« الوجوه المتعدّدة في القرآن » فهذا يوجب خروجهما عن عنوان «تفسير الناسخ والمنسوخ» .

وبما أنّ قوله في ذيل الحديث التاسع :«تأويل كلّ حرف من القرآن على وجوه» لا يرتبط ـ ظاهراً ـ بالناسخ والمنسوخ ، ولذلكَ لم يرد في مانقله الفيض الكاشاني .

وكذلكَ سيأتي عدم وروده في مانقله العامة من حديث أمير المؤمنين(عليه السلام)معَ الرجل حول الناسخ والمنسوخ .

فقد حصل لنا اطمئنان من مجموع ذلك بأنّ هذهِ الجملة مدرجة في الحديث ، وأنها عنوان جديد للحديثين العاشر والحادي عشر :

وهذا مالم ينتبه لهُ الناقلون عن العياشي ، واختلطَ أمره على طابع الطبعة الحديثة ، وعلى من نقلَ عنها من المتأخرين(95) .

وقد مُني هذا الحديث ، بمشاكل عديدة لا بأس بذكرها وما يتراءى لنا من حلولها :

1 ـ الإدراج ، وقد عرفت وجهه ، ووجه الصواب لهُ .

2 ـ التصحيف ، في اسم الراوي « . . . السلمي» : ففي العياشي «أبو عبد الرحمن السلمي» وهو كذلكَ فيما نقله السيوطي وغيره من العامّة ، كما سيأتي(96) .

لكن نقله في الوسائل باسم «عبد الرحمن السلمي» وهو خطأ .

3 ـ وأمّا العتائقي ، فقد نقل : أنّ الرجل الذي تكلّم معه الإمام (عليه السلام) هو « عبد الرحمن بن دأب صاحب أبي موسى الأشعري »(97) .

ولم نجد في الرواة ولا الأعلام مسمى لهذا الإسم .

وأمّا ابن دأب ، فهي كنية مشهورة لعيسى بن يزيد ، وهو متأخّر طبقة، ووجدتُ في الكنى «ابن داية» وهي كنية مشهورة لعيسى بن ميمون الجرشي ، وهو «أبو عبد الرحمن» صاحب التفسير ترجمه المزّي في التهذيب وقال في نهايتها: روى عنه أبو داوُد في الناسخ والمنسوخ(98) .

فمن المحتمل أن يكون صاحب قصة أمير المؤمنين (عليه السلام) هو «أبو عبد الرحمن بن
داية : عيسى بن ميمون الجرشي» .

4 ـ المنقول عن كتاب «الناسخ والمنسوخ» لابن حزم الأندلسي أنّ أبا يحيى المعرّف: هو الذي مرّ بهِ علي (عليه السلام) وتكلّم معهُ حول الناسخ والمنسوخ ، وقال لهُ : هلكتَ وأهلكتَ .

فروى ابن حزم ، عن سعيد بن أبي الحسن ـ وهو البصري أخو الحسن البصري المشهور ـ انه لقي أبا يحيى المعرِّف ، فقال لهُ :«اعرفوني ، اعرفوني» ياسعيد ، إني أنا هو!

قال سعيد : ماعرفتَ أنّكَ هو؟

قال : فإني أنا هو ، مرّ بي علي (عليه السلام) ، وأنا أقضي بالكوفة فقال لي : من أنتَ؟

فقلتُ : أنا أبو يحيى .

فقال : لستَ بأبي يحيى ، ولكنّك تقول: «اعرفوني» ثمّ قال : هل علمت بالناسخ والمنسوخ؟ قلتَ : لا ، قال : هلكتَ وأهلكتَ .

[قال أبو يحيى] : فما عُدْتُ ـ بعد ذلكَ ـ أقضي على أحد .

أنافعُكَ ذلكَ ، ياسعيد(99) .

تصحيف المعرّف من المعرقَب:

كلمة (المعرّف) هي المناسبة لقوله: «اعرفوني» ولكن الظاهر أنهما مصحفان، وأنّ الكلمة هي «المَعْرقَب» من قوله :«عَرْقبوني» وذلكَ : أنّ أبا يحيى صاحب أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وشيخ سعيد بن أبي الحسن إنمّا هو «المعَرْقَب» واسمه : مصدع ، وهو «الأعرج» ترجمَ لهُ رجاليّو العامة ، وذكروا :

أنه روى عن علي والحسن والحسين : وعن عبد الله بن عباس ، وقال عمار الدُهني : كان عالماً بابن عباس ، وروى عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، وقيل : إنه
كان مولاه ، وروى عن عائشة .

وروى عنه : سعد بن أوس العدوي ، وسعيد بن أبي الحسن البصري ، وعمّار الدُهني ، وشمر بن عطيّة ، وأبو رزين الأسدي ، وهلال بن يساف .

قال أبو حاتم : مصدّع ، أبو يحيى ، الأعرج ، الأنصاري ، مولى ابن عفراء .

قال ابن حجر : إنمّا قيل لهُ «المُعَرْقَب» لأنّ الحجّاج ـ أو بشر بن مروان ـ عرضَ عليهِ سبَّ عليّ ! فأبى ، فقطعَ عُرْقوبه(100) .

قال ابن المديني : قلتُ لسفيان : في أيّ شيء عُرْقِبَ؟

قال : في التشيّع .

قال ابن المديني : وهو الذي مرّ بهِ ابن أبي طالب، وهو يقصّ، فقال تعرف الناسخ والمنسوخ؟ قال : لا .

قال : هلكتَ وأهلكتَ .

قال ابن حجر: وقدذكره الجوزجاني في«الضعفاء» فقال: زائغ جائرعن الطريق!

يريد بذلكَ مانسب إليهِ من التشيّع ، والجوزجاني مشهور بالنصب ، فلا يقدح فيهِ قوله(101) .

فقد ظهر أنّ لقب «المعرِّف» تصحيف «المعرقَب» ومنشؤه التصحيف في «اعرفوني » فإنّ صوابه «عَرْقبوني» وأنّ الإمام (عليه السلام) قد أخبره بأنه يقول ذلك ، لأنه سوف يُعرقَب في التشيّع .

 

5 ـ التصحيف في لفظ «قاض»

الوارد في العياشي ، والمنقول عنه ، هو لفظ «مرّ على قاض» فالظاهر أنّ الرجل كان قاضياً ، يقضي بين الناس ، ولذلكَ أوردَ صاحب الوسائل هذا الحديث في
كتاب القضاء . وأورده صاحب مصباح الشريعة في باب الفتيا(102) .

ومناسبة القضاء بمعرفة الناسخ والمنسوخ من القرآن قد نصّ عليها في الحديث: عن حذيفة مرفوعاً : انمّا يُفتي أحد ثلاثة : من عرفَ الناسخ والمنسوخ ، أو رجلٌ ولي سلطاناً فلا يجد ذلكَ بُدّاً ، أو متكلّف(103) .

وروى البرقي : من أفتى وهو لا يعلم الناسخ والمنسوخ ، فقد هلكَ وأهلكَ(104) .

وأوردَ الكليني ، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) :«مَنْ أفتى الناس وهو لا يعلم الناسخ والمنسوخ ، والمحكم من المتشابه ، فقد هلكَ وأهلكَ»(105) .

لكن :

أخرجَ السيوطي في تفسيره الدر المنثور ، قال : أخرجَ ابن النحّاس في « ناسخه » عن أبي البختري ، قال : دخلَ علي بن أبي طالب المسجد ، فإذا رجلٌ يخوّف! فقال : ماهذا؟ فقالوا : رجلٌ يذكّر الناس ، ولكنه يقول : أنا فلان بن فلان ، فاعرفوني ؟

فأرسلَ إليهِ ، فقال : أتعرفُ الناسخ والمنسوخ؟ فقال : لا، قال : فاخرج من مسجدنا ، ولا تذكّر فيهِ(106) .

وهذا الحديث يدلُّ ـ بوضوح ـ على أنّ الرجل لم يكن قاضيّاً ، وإنمّا كان واعظاً يذكّر ويخوّف ، وهذا شأن القصّاص الذين يقصّون الحكايات على الناس من قصص الأنبياء والاُمم السابقة ، ليعتبر الناس .

وكذلكَ وردَ في حديث أبي يحيى معَ سعيد البصري قوله لهُ في آخر الحديث : فما عدتُ ـ بعدَ ذلكَ ـ أقضي على أحد ، أنافعُكَ ذلكَ ، ياسعيد؟(107)

أقول : يظهر أنّ أبا يحيى كان بصدد نهي سعيد ، عن أمر ما ، ولم يكن سعيد قاضياً ، وإنما كان قاصّاً واعظاً من قرّاء البصرة(108)، فأراد أبو يحيى نهيه عن «القصّ» بحديث أمير المؤمنين (عليه السلام) .

وقد وردت نفس رواية السلمي ، بلفظ «يقصُّ» بالصاد المهملة ، وكذلك عدّة نصوص حول الناسخ والمنسوخ ، وفيها ألفاظ من مادة «القصّ» لا «القضاء» .

فروى السيوطي ، قال : أخرجَ أبو داوُد والنحاس : كلاهما في «الناسخ والمنسوخ» والبيهقي في سننه ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، قال : مرّ علي بن أبي طالب [برجل] يقصّ ، فقال : أعرفتَ الناسخ والمنسوخ؟ قال : لا قال : هلكتَ وأهلكتَ .

أقول : الموجود في السنن الكبرى للبيهقي بلفظ :«أتى على قاض، فقال لهُ: هل تعلم الناسخ والمنسوخ . . .(109) .

ومانقله السيوطي عنه دال على التصحيف فيه وصوابه «قاصّ».

وأخرج النحاس ، والطبراني ، عن الضحّاك بن مزاحم ، قال : مرّ ابن عبّاس بقاصّ يقصّ ، فركله برجله ، وقال : أتدري ماالناسخ والمنسوخ؟ قال : لا ، قال : هلكتَ وأهلكتَ(110) .

ونقل حديث ابن عباس عن الطبراني في الكبير .

وأخرجَ مسلم عن علي(111) (عليه السلام) : أنّه مرّ على قاصّ يقصّ فقال : أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال : لا، فقال (عليه السلام) : هلكت وأهلكت .

وأخرجَ مثله عن ابن عبّاس(112) .

وقد نقل ابن العتائقي رواية السلمي بلفظ : أخرجَ ، فلا تقصّنّ في مسجدنا هذا(113).

أقول : ولا ريب أنّ حديث علي أمير المؤمنين (عليه السلام) معَ الرجل قضيّته واحدة ، وبما أنّ الرجل ـ ولا سيّما لو كان هو أبا يحيى المعرقب ـ لم يذكر بالقضاء ، وبقرينة ماذكرنا من حديثه عن الوعظ والقصّ ، وماجاء في النقول الاُخرى بألفاظ من مادة «القصّ»

فإنّ الذي نرجّحه هو كون الصواب في حديث العيّاشي :«مرّ على قاصٍّ» .

ويترتب على ذلكَ ، عدم ارتباطه بباب القضاء .

وقد تحصّل من بحثنا عن هذا الحديث اُمور :

1 ـ كون الحديث التاسع المذكور في العياشي ، مدرجاً ، أدرجَ فيهِ عنوان الباب لما يليه وهو «تأويل كلّ حرف من القرآن على وجوه» .

فيكون الحديثان العاشر والحادي عشر داخلين في باب بهذا العنوان .

2 ـ تصحيح اسم الراوي للحديث ، وهو : أبو عبد الرحمن السلمي ، واسمه عبدالله بن حبيب ، القاريء المعروف بالرواية عن علي (عليه السلام) .

3 ـ تصحيح لقب الرَجُل الذي خاطبه الإمام فهو «المعرقَب» مصدع أبو يحيى ، لا المعرّف ، وكلمة «اعرفوني» صوابها : عرقبوني» .

4 ـ تصحيح كلمة «قاض» فصوابها «قاصّ» .

وكذلكَ الموارد الكثيرة في متون الأحاديث ، التي وردت الكلمات فيها من مادة « القضاء » بينما صوابها من مادة «القصّ» مثل  : «يقضي» و «أقضي» و «قاض» وصوابها  : يقصّ  ، وأقصّ  ، وقاصّ  .

الثالث في التراث الفقهي

تظهر آثار عناوين الأبواب بشكل متميّز في علم الفقه ، لأنّ العناوين تُستقى من المداليل وتتناسب معها ، فالعنوان هو روح المحتوى والدليل عليه ، والموصل إليهِ ، كما هو مقتضى مدلوله اللغوي .

والفقيه إنمّا يتعامل معَ المحتوى والمتن ـ خُصوصاً في الحديث الشريف ـ ليستفيد منه في مجال الأحكام .

وبما أنّ العنونة والترجمة لابدّ أن تبتني علميّاً على أساس محكم ، كما
أثبتنا في مطلع البحث ، فإنّ تداول الفقهاء لهُ في كتبهم وبحوثهم يكون حجّة عليهم .

والحاصل أنّ كلّ عنوان وضع على معنون فلانتخابه وجهٌ صحيح ، وتكون دلالته مطابقة على المعنونات ، بشكل صائب ، وقد اعتنى كبار الفقهاء ، والمحققون منهم ، بهذا الجانب ، فلنقرأ معاً كلماتهم في هذا المجال :

معَ المحقق الكركي

ألّف كتابه العظيم جامع المقاصد ، شرحاً على قواعد الأحكام للإمام العلاّمة الحلّي ، فكان لما أورده فيهِ من تحقيقات عميقة فائقة أثراً في تعميق البحوث الفقهية ، وفي قسم المعاملات بالخصوص ، بما خلّد للكركي لقب «المحقّق الثاني» وخلف لكلماته رنيناً لا تزال تدوّي أصداؤه في أندية العلم .

وهذا المحقق العظيم ، قد أولى للعناوين سواء في الكتب أو الفصول أو الأبواب، عنايةً فائقة ، ورتّبَ على مقتضياتها آثاراً علميّة ، وفي خصوص ما في
عمل العلاّمة الماتن ، وماأودعه في «قواعد الأحكام» من العناوين ، حيث ترتب عليها فهم عبارات الكتاب وحلّ مشكلاتها ، وفكّ غوامضها ومعضلاتها ، ودفع مايوجّه إليها من إيراد وإشكال ، وهذهِ عيّنات من ذلكَ :

قال المحقّق : قوله : «الفصل الثالث : في الكسوف ، وفيهِ مطلبان : الأوّل : الماهيّة . . .» .

المراد بالماهيّة ، ماهيّة صلاة الكسوف ، لأنّها في معنى سياقها ، لأنّ الفصل معنَونٌ بها ، فاللام قائمٌ مقام المضاف إليهِ .

فيرد عليهِ قوله بَعْدُ : «الثامن : الموجب . . .» لاستلزامه كون الموجب لصلاة الكسوف هو : كلّ واحد من المذكورات ، وهو معلوم الفساد ، فكان ينبغي أن يعنون الفصل بـ «صلاة الآيات» ليكون أشمل وأبعد من الاعتراض .

قال  : ويمكن الجواب من وجهين : وذكر في الثاني : أنّه لمّا كان الكسوف يستعمل في كلّ من احتراق القمرين ، فكانا هما الأصل في الباب ، لأنهما أكثريّان ،
ولاختصاص أكثر النصوص بهما  ، وانعقاد الإجماع على شرعيتهما ، واتفاق أصحابنا على وجوبهما ، وعدم مخالفتهما للقواعد  .

وباعتبار ضيق وقتهما عن قدر زمان الصلاة خصّهما المصنّف بالذكر في عنوان الفصل ، وعطف عليهما ـ عندَ بيان الموجب ـ غيرهما من الآيات استطراداً ، واستيفاء لبقيّة الأسباب ، وإدخالاً للسبب الأضعف في البحث عن غيره  ، تنبيهاً على تفاوتهما في الرتبة(114) .

أقول : وإذا كان مثل المحقّق الثاني يعتني بما أودعه المصنفون للكتب الفقهية من العناوين ، هكذا ، ويهتمّ لتوجيهها غاية الاهتمام ، فلابدّ أن يكون ذلكَ من أجل البناء على مقتضى الحكمة في وضع العناوين  .

وحينئذ فلابدّ أن تكون العناية بما في عناوين الأبواب في كتب الحديث أكثر ، لأنّها أهمّ  ، لكونها المعين الذي تُستقى منها الشريعة ، وكون الاعتماد عليها في
تحصيلها ، معَ قرب مؤلّفيها من عصر النصّ ، واستقائهم لما أودعوه من أصحاب الاُصول المعاصرين للأئمة والمباشرين للتلقّي منهم .

 

معَ بعض فقهاء عصرنا

ولا بأس بإيراد مثال ، لمدى خطورة الإعراض عن الاعتماد على عنوان الباب ، في البعد عن مدلول النصّ ، وفقه الحديث :

عنون الحرّ العاملي لباب «استحباب تحويل الإمام المأمومَ عن يساره إلى يمينه ، ولو في الصلاة»(115) .

وأورد فيهِ الحديث الذي أثبته الكليني ، بسنده ، قال : ذكر الحسين(116) أنه أمر من يسأله(117) : عن رجل صلّى إلى جانب رجل ، فقام عن يساره ، وهو لا يعلم ، ثمّ علم وهو في صلاته ، كيف يصنع؟

قال : يحوّله عن يمينه(118) .

وفي الفقيه : يحوّله إلى يمينه(119) .

وعبّر عنها السيِّد الفقيه بصحيح الحسين بن سعيد الأهوازي ، ونقل عنوان الوسائل للباب كما ذكرنا ، ثمّ قال :

يرد عليهِ ثانياً : أنّ الرواية أجنبيّة عن باب الجماعة بالكليّة ، إذ لم يفرض فيها : «أنّ الرجل الآخر الذي يصلّي إلى جانبه مصلٍّ أيضاً ، وهذا الذي يأتمّ بهِ
واقفٌ عن يساره .

فمن الجائز أن يكون ذلكَ الشخص واقفاً أو جالساً أو نائماً ، كيف ، وإلاّ كان الأحرى أن يُجيب الإمام(عليه السلام) بقوله : «يحوله إلى يمينه» بدل قوله : «عن يمينه»؟

إذ المفروض وقوف المأموم عن يسار الإمام ، فما معنى تحويله عن يمينه .

والذي يتحصّل لنا من مفاد الرواية : أنّها ناظرة إلى بيان حكم آخر ، وهو الاجتناب عن وقوف المصلّي في يسار شخص ، وإنْ لم يكن مصلّياً  ، ولعلّ ذلكَ مكروه ، وإلاّ فلا حرمة فيهِ قطعاً .

وبما أنّ هذا الموقف يستدعي أن يكون ذلكَ الشخص عن يمين المصلّي بطبيعة الحال، فمن هنا أجاب الإمام(عليه السلام) بقوله : «يحوله عن يمينه»حذراً عن كراهية هذا  الموقف.

فقوله : «وهو لا يعلم» أي المصلي لا يعلم بوقوفه عن يسار شخص آخر ، وهو الذي يحوّل ذلكَ الشخص بعد علمه به ، لا أنّ ذلكَ الشخص إمامٌ وهو لا يعلم بوقوف المأموم عن يساره والإمام يحوّل المأمومَ .

إذ لم يفرض شيء من ذلكَ في الرواية ، وسياقها شاهد على مااستظهرناه .

فمن المقطوع بهِ أنّ الرواية لا ارتباط لها بباب الجماعة ، أصلاً ، وإن عنون الباب صاحب الوسائل بما عرفت(120) .

أقول : قد أورد الكليني هذا الحديث في كتاب الصلاة ، في أبواب الجماعة ، وعنون لهُ «باب الرجل يخطو إلى الصفّ ، أو يقوم خلف الصفّ وحده ، أو يكون بينه وبين الإمام مالا يتخطّى» وهو الحديث العاشر في ذلكَ الباب(121)  .

وأورده الصدوق بعنوان «باب الجماعة وفضلها» وهو الحديث (84) فيه(122) .

وأورده الشيخ الطوسي في باب بعنوان «أحكام الجماعة وأقلّ الجماعة ، وصفة الإمام ومنْ يُقتدى به ومَنْ لا يُقتدى بهِ والقراءة خلفهما ، وأحكام المؤتمّين ، وغير ذلكَ من أحكامها» . وهو الحديث الثاني في الباب برقم (90)(123) .

فلو أنّ السيّد راجع الحديث في مصادره الأصلية  ، أي الكتب الأربعة مباشرة  ، ولاحظ عناوين الأبواب التي أورد المشايخ الحديث فيها ، لعلم بأنّ صاحب الوسائل لم يعنون للباب المذكور اعتباطاً  .

معَ أنّ المسألة كما في عنوان الوسائل ، معروضة في كتب الفقه ، وبحث عنها الفقهاء ، بينما على مااستظهره السيّد من «كراهية وقوف المصلي المنفرد عن يسار الشخص أمامه؟» فرع لم يطرحه أحدٌ ، ولم يعنونه ، فضلاً عن أن يحكم بالكراهة فيه فقيهٌ ، قبل السيِّد .

فما وقعَ فيهِ إنما هو نتيجة إعراضه عن ملاحظة عناوين الأبواب الحديثيّة .

وأمّا اعتراضه على مافي النصّ من قول الإمام «يحوّله عن يمينه» .

فيردّه أنّ « عن » هُنا ظرفٌ بمعنى «إلى جانب» كما صرّح بهِ أهل العربيّة ، واستعماله متداول عندهم  ، وقد أثبتها في الفقيه بلفظ : «يحوّله إلى يمينه» نقلا بالمعنى  ، وهو عين ماجعله السيِّد أحرى ، لكنّه لم يلاحظ الفقيه ، حتى يقف عليهِ ولا يقطع بخلافه .

وأمّا تفسيره للحديث بما استظهره ، من كون المصلّي لا يعلم بوقوفه عن يسار شخص آخر!

فغريبٌ ، إذ المصلّي في هذهِ الحالة هو المُقْدِمُ على الوقوف مع ذلكَ الشخص ، فلابدّ أن يراه قدّامه أو إلى جانبه ، إلاّ أن يغفل عن اليسار واليمين ، وفرض الغفلة  ، معَ بُعده ، غير عدم العلم الوارد في الحديث ، بينما الرجل المتقدّم يمكن فرض عدم علمه بائتمام الشخص الذي خلفه ، أو إلى جانبه ، لجهله أنّه يقتدي به .

وأغرب مافي كلامه «أنّ سياقها شاهدٌ على مااستظهره» حيثُ أنّ ظاهر الحديث أنّ الرجل الثاني هو الذي أقدم على الصلاة وبادر إلى الوقوف إلى يسار الآخر ، فلا يمكن أن يُقال فيهِ : «إنّه لا يعلم ثمّ علم وهو في صلاته»لأنه المبادر إلى الصلاة إلى جانب الآخر ، فهو قاصد إلى الصلاة وإلى القيام إلى جانب يسار الشخص الأوّل ، فكيف يقال له : إنّه لا يعلم؟

بل الرجل الأوّل هو الذي يمكن أنْ لا يعلم أنّ المصلي قد اقتدى بهِ ، لفرضه سابقاً ومتقدّماً ، ولم يعرف عن قصد المصلّي معه ، إلاّ بعد تنبّهه إلى اقتدائه به .

وهذا ظاهر بوضوح من الحديث ، وهو الموافق لعناوين الأبواب في الاُصول الحديثية  ، ولحكم الفقهاء في المسألة الفقهية .

فكيف يُعرض السيّد عن هذا كلّه؟ ويفرض سياقها شاهداً لما استظهره؟

والحقّ أنّ ما تورطَ فيهِ السيِّد إنمّا هو نتيجة بارزة لعدم مراجعة كتب الحديث بصورة مباشرة ، ومراجعة مافي أمثال الوسائل من الجوامع المتأخرة ، فقط من جهة ، ومن عدم العناية بما وضعه القدماء في كتبهم من عناوين الأبواب ودلالاتها من جهة اُخرى .

ويكفي ماأثبتناهُ حافزاً على بذل الجهود في سبيل التراث الإسلامي ، بضبطه وتوثيقه ، والتراث الحديثيّ بشكل خاصّ ، والاعتزاز بما فيهِ من كلمات وحروف ، ونقاط ، حتّى ماكان من فعل المؤلّفين أنفسهم ، كالعناوين التي وضعوها ، فإنّ لها دلالات واضحة ، وتحتوي على قرائن تمسّ الحاجة إليها للوصول إلى «فقه الحديث» ذلك المنشود الأقصى من الحديث الشريف(124) .

 

 

 

ملحق

بحث عن تراجم البخاري؟!

 

1 ـ الاهتمام بها :

الملاحظ شدّة اهتمام العامّة بما أودعه البخاري في جامعه ، من عناوين الأبواب ، بحيث اشتهر في قول جمع من الفضلاء :«فقهُ البخاري في تراجمه»(125) .

وقد بُولغَ في ذلكَ حتى قيل : كانت صناعة التراجم خصّيصة لهذا الكتاب ، لا يُساهمه فيها كتاب غيره ، لكثرة تقنّنه فيها وعنايته بتنويع أساليبها وصيغها ، فتفرّد بكثير من المسالك لم يتطرّق إليها مَنْ بعده(126) .

وقال الإسماعيلي في (المدخل) : إنّ أحداً منهم لم يبلغ من التشدّد مبلغ أبي عبدالله [البخاري] ولا تسبّب ـ إلى استنباط المعاني ، واستخراج لطائف فقه الحديث ، وتراجم الأبواب الدالّة على ماله صلة بالحديث المرويّ فيه ـ تسبّبه(127) .

2 ـ المؤلّفات حولها :

ومن مظاهر هذا الاهتمام ، هو كثرة المؤلّفات حول خصوص ما وضعه البخاريّ من العناوين والتراجم ، وإليكَ أسماء ماوقفنا عليهِ منها :

1 ـ إبداء وجه مناسبات تراجم البخاري :

لابن رشيد ، أبي عبد الله البستي الفهري ، محمد بن عمر بن محمد ( 657 ـ 721 ) ، وهو صاحب ترجمان التراجم ، الآتي  .

2 ـ الأفاويق بتراجم البخاري والتعاليق :

للبهكلي القاضي ، عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن الضمدي ، اليماني ، الزيدي ، (1182 ـ 1248)(128) .

3 ـ الأمالي على أبواب البخاري :

للنجّار ، أبي عبدالله ، محمّد بن عثمان بن محمد التونسي المالكي (1255 ـ 1331) ذكره محمد عصام عرّار الحسني في ماألّف حول (تراجم البخاري) ولم أتحقّق ذلكَ(129) .

4 ـ بحث حول تراجم أبواب صحيح البخاري

بتفصيل في الصفحات (171 ـ 177) من كتاب (سيرة الإمام البخاري) لعبدالسلام المباركفوري (1289 ـ 1342)(130) .

5 ـ بحث عن تراجم البخاري :

للسيد محمد رضا الحسيني الجلالي هذا الذي نورده في هذا الملحق .

6 ـ ترجمان التراجم على أبواب البخاري :

لأبي عبد الله بن رشيد البستي(131) .

وقال ابن حجر : مجلّد ، يشتمل على هذا الفصل ، وصل فيهِ إلى كتاب الصيام ، ولم تمّ لكان في غاية الإفادة ، وإنّه لكثير الفائدة معَ نقصه(132) .

وقال الكتاني : أطال فيهِ النفس في إبداء مناسبات تراجم صحيح البخاري(133) .

7 ـ تراجم كتاب صحيح البخاري ومعاني ماأشكل منه :

لابن رشيق أبي العباس أحمد الأندلسي المالكي (ت 442)(134) .

8 ـ تراجم البخاري :

و9 ـ شرح تراجم بعض أبواب البخاري :

للشاه ولي الله الدهلوي ، أحمد بن عبد الرحيم الهندي (1114 ـ 1176)(135) .

والثاني مطبوع في مطبعة دائرة المعارف العثمانية ـ حيدر آباد الدكن 1323 هـ  .

10 ـ شرح تراجم البخاري :

لأبي علي بافضل ، محمد بن أحمد بن عبد الله السعدي ، الحضرمي اليمني الشافعي (840 ـ 903)(136) .

11 ـ شرح على مناسبات تراجم البخاري :

لابن المنيّر ، أبي الحسن زين الدين علي بن محمد بن منصور الاسكندري المالكي (629 ـ 295) وهو شرح على كتاب أخيه : ناصر الدين المسمّى (المتواري)

قال ابن حجر : وتكلّم على ذلكَ زين الدين . . . وأمعنَ في ذلكَ(137) .

12 ـ فكّ أغراض البخاري المبهمة في الجمع بين الحديث والترجمة :

للسجلماسي ، أبي عبد الله ، محمد بن منصور المغراوي المالكي ابن جماعة .

قال ابن حجر : وتكلّم على ذلكَ من المغاربة . . . ولم يكثر من ذلكَ ، بل جملة مافي كتابه نحو مائة ترجمة(138) .

13 ـ المتواري على تراجم البخاري :

لأحمد بن محمد بن عمر المالكي ، ابن ورد (465 ـ 540)(139) .

14 ـ المتواري على تراجم البخاري :

لأحمد بن محمد بن منصور ابن المنيّر الاسكندري (ت 683) .

قال ابن حجر : قد جمع العلامة ناصر الدين أحمد بن المنيّر خطيب الإسكندرية من ذلكَ أربعمائة ترجمة ، وتكلّم عليها(140)  .

ومن كتابه هذا نسخة في مكتبة بايزيد برقم 1115 (113 ورقة)(141) .

ونسبه بعضهم إلى أخيه زين الدين(142) ، وهو غلط .

15 ـ المتواري على تراجم البخاري :

لابن ناصر الدين الدمشقي محمد بن عبد الله بن محمد الحنبلي (777 ـ 843)(143) .

16 ـ ملّخص مناسبات تراجم البخاري لابن المنيّر :

لخصّه ابن جماعة ، محمد بن إبراهيم بن سعد الله الحموي الشافعي الدمشقي (639 ـ 733) . لخصّه من كتاب (المتواري) لابن المنيّر السابق الذكر(144)  .

ومنه نسخة بخط ابن حجر باسم «مناسبات تراجم البخاري» في مكتب الأوقاف بحلب ، الخزانة الأحمدية رقم (318) .

17 ـ مناسبات تراجم أبواب البخاري :

للبُلقيني ، أبي حفص ، سراج الدين ، عمر بن رسلان المصري الشافعي(145)  .

وقد أوردَ ملخصه ابن حجر في فصل كبير من هدي الساري(146) .

3 ـ أغراض البخاري في الترجمة :

لم يبيّن البخاري نفسه عن غرضه أو منهجه في الترجمة شيئاً ، إلاّ أنّ المهتمين بشأنه ، ذكروا اُموراً نعرضها هنا ، اعتبروها أغراضاً له ، أو فرضوها منهجاً لعمله ، وهي :

1 ـ قال الشاه ولي الله الدهلوي : أكثر ذلكَ تعقيبات وتنكيات على عبد الرزاق وابن أبي شيبة ، في تراجم «مصنّفيهما» أو شواهد لآثار يرويان عن الصحابة والتابعين في مصنّفيهما .

ومثل هذا لا ينتفع متقدماً بهِ إلاّ مَنْ مارسَ الكتابة واطّلعَ على مافيهما(147) .

قال الشيخ محي الدين : ليس مقصود البخاري الاقتصار على الأحاديث فقط ، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبواب أرادها . . . وإنمّا يفعل هذا ، لأنّه أراد الاحتجاج للمسألة التي ترجمَ لها(148) .

3 ـ أطوار تراجم البخاري :

قال ابن حجر : ثمّ ظهر لي أنّ للبخاري فيما يورده من تراجم الأبواب على أطوار :

1 ـ إن وجد حديثاً يناسب ذلكَ الباب ولو على وجه خفيّ ووافق شرطه ، أورده فيهِ بالصيغة التي جعلها مصطلحه .

2 ـ وإن لم يجد فيهِ إلاّ حديثاً لا يُوافق شرطه ، معَ صلاحيته للحجة  ، كتبه في الباب مغايراً للصيغة التي يسوق بها ماهو من شرطه .

3 ـ وإن لم يجد فيه حديثاً صحيحاً ، لا على شرطه ولا على شرط غيره ، وكان مما يُستأنس بهِ ويقدّمه قوم على القياس ، استعمل لفظ ذلكَ الحديث أو معناه ترجمةً باب ، ثمّ أورد في ذلكَ إمّا آية عن كتاب الله تشهد لهُ : أو حديثاً يؤيِّد عموم مادلّ عليهِ ذلكَ الخبر .

وعلى هذا : فالأحاديث التي فيه على ثلاثة أقسام(149) .

4 ـ منهج الترجمة عندَ البخاري :

قال ابن حجر  :

1 ـ أكثر مايفعل ذلكَ [ أي وضع الترجمة ] إذا لم يجد ماعلى شرطه في الباب ظاهر المعنى في المقصد الذي ترجمَ به ، ويستنبط الفقه منه .

2 ـ وقد يفعل ذلكَ لغرض شحذ الأذهان في إظهار مضمره ، واستخراج خبيئه .

3 ـ وكثيراًمايفعل ذلكَ ـ أي هذاالأخير ـ حيث يذكر الحديث المفسّر لذلكَ في موضع آخر ، متقدّما أو متأخّراً ، فكأنّه يحيل عليهِ ، ويومىء بالرمز والإشارة إليهِ.

4 ـ وكثيراً مايترجم بلفظ الاستفهام كقوله : «باب ، هل يكون كذا . . .»وذلكَ حين لا يتجّه لهُ الجزم بأحد الاحتمالين ، وغرضه بيان : هل يثبت ذلكَ الحكم أو لم يثبت؟

فيترجم على الحكم ، ومراده مايتفسّر ـ بعدُ ـ من إثباته ونفيه ، أو أنّه محتمل لهما ، وبما كان أحد المحتملين أظهر ، وغرضه أن يُبقي للنظر مجالاً ، ويُنبّه على أنّ هناك احتمالاً أو تعارضاً يُوجب التوقّف(150) .

أقول : كثرة هذهِ الاحتمالات ، والتردّد بينها ، تدلُّ على عدم إحراز وجه محكم لتصرفات البخاري في تراجمه ، وعدم وضوح منهج معيّن له في تحقيق الترجمة .

ولا يمكن إخفاء مافي عمله من الارتباك ، بالرغم من المغالات فيهِ وفي كتابه حتى نقل عن عدة مشايخ ـ مجهولين طبعاً! ـ يقولون : حوّل البخاري تراجم جامعه  ـ يعني بيّضها ـ بين قبر النبيّ (صلى الله عليه وآله) ومنبره ، وكان يصلّي لكلّ ترجمة ركعتين(151)!

5 ـ تراجم البخاري بين التكلّف والتعسّف :

وبالرغم من الغطاء الفضفاض من القدسية على تراجم البخاري ، فإنّه لم تبعد عنه إشارات الانتقاص ، ولم تخل صفحات الكتب عن الاعتراض عليهِ .

قال الشيخ محي الدين : يقع في كثير من أبوابه الأحاديث الكثيرة ، وفي بعضها مافيهِ حديث واحد  ، وفي بعضها مافيهِ آية من كتاب الله ، وبعضها لا شيء فيهِ ألبَتّةَ!(152)

وقد انبرى الغلاة في البخاري للدفاع عن هذا الانتقاص بوجوه تالية :

1 ـ قال محي الدين : قد ادّعى بعضهم : أنّه [ أي البخاري ] صنع ذلكَ عمداً ، وغرضه أن يبيّن أنه لم يثبت عنده حديث بشرطه في المعنى الذي ترجمَ عليهِ .

ومن ثمّة وقعَ من بعض مَنْ نسخَ الكتاب ضمّ باب لم يذكر فيهِ حديث إلى حديث لم يذكر فيهِ باب! فأشكل فهمه على الناظر فيه(153) .

وهذا التوجيه غير وجيه :

فلسائل أن يقول : إذا كان البخاري لم يثبت عنده حديث بشرطه في معنى الترجمة ، فمن أين جاء بهذه الترجمة التي تحتوي على الأحكام الشرعية؟

معَ أنّ هذا التوجيه يخالف الأبواب التي لم يترجم لها بل اقتصر فيها على كلمة «باب» فهل قصر فهمه عن مدلولها كما هو المذكور في بعض التوجيهات الآتية؟ فكيف يلائم هذا ذلكَ التفخيم والترفيع لشأن البخاري وكتابه ؟!

وأمّا ماذكره أخيراً من أمر الناسخ للكتاب ، فهو تكرار للمشكلة وتأكيد على الانتقاص ، وليس حلاّ له .

2 ـ وقد اعتقد قوم : أنّ الكتاب ترك بلا تبييض ، فوقعَ فيهِ هذا الخلط(154) .

3 ـ وبعضهم اعتقد التقصير في فهم البخاري وعلمه(155) .

ذكروا أنه لم يميّز ألفاظ الرواة ولم يحرزها على الوجه الأتمّ ، لأنه كتب كثيراً من الحديث معوّلاً على ذاكرته ، ففاته شيء من ذلكَ .

وقد أخبر عن نفسه ، قال : ربّ حديث سمعته بالبصرة ، فكتبته بالشام وربّ حديث سمعته بالشام كتبته في مصر(156) .

ويعتمد على هذا من رجّح صحيح مسلم على كتاب البخاري ، وهو رأي كبار النيسابوريين .

وقد عرّض بذلكَ الحافظ أبو علي النيسابوري حيث قال : إنّ مسلماً صنّف كتابه في بلده ، بحضور اُصوله ، في حياة كثير من مشايخه ، فكان يتحرّز في الألفاظ ، ويتحرّى في السياق ، ولا يتصدّى لما تصدّى لهُ البخاري من استنباط الأحكام ليبوّب عليها ، ولزمَ من ذلكَ تقطيعه للحديث في أبوابه(157) .

4 ـ وادّعى أبو الوليد الباجي : أنّ ذلكَ وقعَ ممن نسخَ الكتاب وضمَّ باباً لم يذكر فيهِ حديث إلى حديث لم يذكر فيهِ عنوان باب ، فأشكل(158) .

وهذهِ عبارة الباجي ـ وهو مالكي ـ في مقدمة كتابه في (أسماء رجال البخاري)  : أخبرني الحافظ أبو ذر الهروي عبد الرحيم بن أحمد ، قال : حدّثنا الحافظ إبراهيم بن أحمد أبو إسحاق المستملي ، قال : انتسختُ كتاب البخاري من أصله الذي كان عندَ صاحبه محمد بن يوسف الفربري ، فرأيت فيهِ : أشياء لم تتمّ ، وأشياء مبيّضة ، منها تراجم لم يُثبتْ بعدها شيئاً ، ومنها أحاديث لم يترجم لها ، فأضفنا بعض ذلكَ إلى بعض!!

قال أبو الوليد الباجي : ومما يدلُّ على صحة هذا القول :

أنّ رواية أبي إسحاق المستملي .

ورواية أبي محمد السرخسي .

ورواية أبي الهيثم الكشمهيني .

ورواية أبي زيد المروزي .

مختلفة : بالتقديم! والتأخير! معَ أنّهم انتسخوا عن أصل واحد!

وإنمّا ذلك ، بحسب ماقدر كلّ واحد منهم ، فيما كان في طُرّة أو رقعة مضافة ، أو أنّه عن موضع ما فأضافه!!

ويُبيّن ذلكَ : أنك تجد ترجمتين ، وأكثر من ذلكَ ، متّصلة ليس بينها أحاديث !

قال الباجي : وإنمّا أوردت هذا ، لما عُنِي به أهل بلدنا [ يعني الأندلس في المغرب ] من طلب معنىً يجمع بين الترجمة والحديث الذي يليها ، وتكلّفهممن ذلكَ من تعسّف التأويل مالا يسوغ(159) .

وقد ذكر الكرماني شارح البخاري في أوائل شرحه (الكواكب الدراري) مايدلُّ على أنّ صحيح البخاري لم يتمّ في أيام حياته ، بل كان كثير من مواضعه
بياضاً ، وكان على حواشيه ملحقات ، وعلى أوساطه قطعات استصعبوا الاهتداء إلى مواضع ربطها ، وإنمّا رتّبه عدّة من تلامذته البخاريين ، على حسب ماوصل إليهِ فهمهم(160) .

قال ابن حجر معلّقاً على كلام الباجي هذا : وهذهِ قاعدة حسنة يُفزع إليها حيث يتعسّر وجه الجمع بين الترجمة والحديث(161) .

أقول : ومنها نعرف مدى الإفراط في الحبّ عندَ أهل المشرق من الغلاة في تقديس البخاريّ ، حتى حاول بعضهم توجيه قول البخاري :«باب» مجرّداً ، ومن دون أن يورد تحته حديثاً واحداً ، فاعتبر ذلكَ :«مما انفردَ كتابه وامتاز به»(162) .

ولم يبيّن وجه الامتياز في ذكر كلمة «باب» بلا عنوان؟

معَ أنّه خلاف أصل الحاجة إلى العنونة!؟

وبدلاً من أن يكون ذلكَ نقصاً موجباً للتوقّف والتأمّل في التفخيم المطلق ، والاعتذار عنه بأنه عمل بشريّ غير معصوم! على أكثر التقادير !

ولكن حبّ الشيء يُعْمي ويُصمّ!

بل ، بلغ الغلوّ بالبعض ـ كابن جماعة الدمشقي ـ أن جعل من أقسام التراجم ماذكره بقوله : «كون حكم الترجمة أولى من حكم نصّ الحديث»(163)؟!!

وهذا من أقبح ألوان الاجتهاد في مقابل النصّ ، حيث فيهِ الاعتداء الصارخ على حديث المعصوم (عليه السلام) ـ الصحيح بشرط البخاري ـ بكلام صادر عن غير المعصوم ، أي البخاري نفسه ، على ماهو عليهِ من الارتباك ، وإلى الله المشتكى  .

نموذج من تراجم البخاري :

ولنختم حديثنا عن تراجم البخاري بمورد صرَّحَ الأعلام بمخالفته :

عنون البخاري في كتاب الحج لباب «مُهَلّ أهل مكّة للحجّ والعمرة» وأورد فيهِ حديث ابن عبّاس : أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) ، وقّت لأهل المدينة . . . وذكر المواقيت لأهل الأقطار ، إلى أن قال : ومن كان دون ذلكَ ، فمن حيث أنشأ ، حتى أهل مكّة يهلّون من مكّة(164) .

وأورد في باب «مهلّ من كان دون المواقيت» بلفظ آخر : ومن كان دونهنّ ممنْ أهله ، حتى أهل مكّة يهلون منها(165) .

قال المحبّ الطبري : أخرجاه ـ أي البخاري ومسلم ـ ثمّ قال : بوّب البخاري«باب مُهَلّ أهل مكّة للحج والعمرة» ثمّ ذكر الحديث  .

وأضاف الطبري  : لا أعلم أحداً جعل مكّة ميقاتاً للعمرة ، في حقّ المكّي ، بل عليهِ أن يخرج من الحرم إلى أدنى الحلّ ، يدلّ عليه أمره (صلى الله عليه وآله)عائشة أنْ تخرج إلى التنعيم .

ثمّ فعل من جاور بمكة من الصحابة ، ثمّ تتابعُ التابعين وتابعيهم إلى اليوم ، وذلكَ إجماع في كلّ عصر(166) .

قال النووي : والحديث إنمّا هو في إحرام المكّي بالحجّ ، وأمّا ميقات المكّي للعمرة فأدنى الحلّ لحديث عائشة أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) أمرها في العمرة أن تخرج إلى التنعيم وتحرم بالعمرة منه(167) .

 

 

 

خاتمة

خلاصة البحث

 

وخلاصة ماقدمناه :

أوّلاً : التعريف بـ «العُنوان» و «الترجمة» وهو مايسمى عادة بـ «الباب» وتحديدها لغة واصطلاحاً :

فالعُنوان لغة : هو مايستدلّ بهِ على شيء ، ويكون مظهراً لهُ ، ومرشداً إلى المقصود منه .

وهو إصطلاحاً : مايوضع على الباب ، ليوصل إلى مغزاه .

والترجمة لغة : هي التفسير والبيان .

وهي اصطلاحاً : مايُوضع على الباب ، ليوضح محتواه .

فهما في الحقيقة ـ بمعنىً واحد ، عند أرباب التأليف والتصنيف .

ثانياً : حجيّة العناوين والتراجم :

إنمّا جاء من التزام كلّ من يتصدّى التأليف ، بوضع كلّ مجموعة من المطالب على حدة ، وهو مايسميّه علماء المنطق بـ «القسمة» من الرؤوس الثمانية ، التي يزيد توفّر الطالب عليها ، معرفة بالعلم ويسهّل عليهِ الوصول إليهِ ، واحتواءه .

فتكون حجّية العناوين ، بعد هذا الالتزام :

1 ـ من مقتضى حكمة التأليف .

2 ـ من إلزام المؤلّف بما يجب أن يلتزمه ، إذ لو أعرضَ عن ذلك وجبَ عليهِ إعلان انصرافه ، ليكون الطالب على بصيرة من الأمر .

ثالثاً : قد حدّدنا فوائد العناوين في مايلي :

1 ـ التسهيل على الطالب : بسرعة الوصول إلى مراده ، من خلال تحديد الموضوع المعيّن لكلّ باب وفصل في الكتاب .

2 ـ تنظيم المطالب في خاطر الطالب  :

3 ـ الاستدلال بذلكَ على منطقية المؤلّف ، وقوته في التأليف .

4 ـ الدلالة على فقه الحديث .

رابعاً : حدّدنا بالتتبع ، عدّة ضوابط وشروط لها :

1 ـ جمع المتحدّات في محلّ معين .

2 ـ المطابقة معَ المعنون .

3 ـ الوضوح في الدلالة والتفسير .

4 ـ المنهجيّة ، والمنطقية في الترتيب بين الأبواب .

5 ـ إعمال الذوق في تمييز العناوين عن المعنونات .

خامساً : أقسام العناوين والتراجم وأنواعها .

سادساً : شؤون اُخرى :

مثل توجيه العناوين المرسلة ، التي ذكر فيها لفظ «باب» من دون اشتمال على المحتوى .

ومثل : عدم التطابق بين العنوان والمعنون ، عندَ بعض المؤلّفين .

سابعاً : الدلالات والآثار :

وهذا أهمّ مافي البحث ، حيث حاولنا الدخول في غمار كتب التراث ، وجمع عيّنات تعدّ تطبيقات حيّة لما سبق من المواضيع المبحوث عنها .

وقد أوردنا أمثلة من التراث الحديثي ، ثمّ التراث التفسيريّ ، ثمّ التراث الفقهيّ .

وقد حاولنا التمثيل بما في التراث الإسلامي ، سواء الشيعيّ ، أو تراث العامّة ، تأكيداً على وحدة الأثر في مثل هذا الموضوع المنطقي .

إلاّ أنّا وجدنا في التراث العاميّ ، عناية زائدة بما أثبته البخاري في كتابه الصحيح من التراجم ، حتّى تعدّدت الكتب حول خصوص ذلكَ ، فأفردنا هنا«ملحقاً» يحتوي على البحث عنها .

وفي الختام ، ندعو الإخوة العلماء إلى الاهتمام بهذا الموضوع ، ليتبلور ، وتتفتح آفاقه أمام الدارسين ، وتكتمل العدّة لديهم للتعمّق في «فقه الحديث» الذي كان وراء توّجهنا إليهِ .

والله المسؤول أن يوفقنا لما فيهِ الخير

فهو نعم المولى ونعم المعين

 

وكتب

السيِّد محمد رضا الحسيني

الجلالي

الحوزة العلمية في قم المقدسة

 

 

 

فهرس المصادر والمراجع

 

1 ـ إتحاف القاري بمعرفة جهود وأعمال العلماء على صحيح البخاري . تأليف محمد عصام عرار الحسني ، طبع اليمامة دمشق ـ 1407 .

2 ـ إحياء الميّت بفضائل أهل البيت . للسيوطي ، جلال الدين (ت 911 هـ ) .

1 ـ طبع مصر ، بهامش الإتحاف للشبراوي ، 1316 هـ  .

2 ـ طبع بيروت مؤسسة الوفاء 1402 هـ  .

3 ـ طبع بيروت ، تحقيق محمد سعيد الطريحي .

4 ـ تحقيق مصطفى عبد الرحمن عطا ، دار الجيل بيروت سنة 1407 هـ  .

3 ـ الأشعثيات (المطبوع باسم : الجعفريات) طبع معَ قرب الإسناد للحميري ـ مكتبة نينوى ـ طهران .

4 ـ الاُصول الأصليّة والقواعد الشرعية  . للمحدث السيد عبد الله شبّر (ت 1242 هـ )  ، مكتبة المفيد (المحلاتي) قم 1404 هـ  .

5 ـ الاُصول الأصيلة : للمحدث الفيض الكاشاني ، دار إحياء الإحياء / قم 1412 هـ  .

6 ـ أمالي الدارقطني .

7 ـ الإمام الترمذي والموازنة بينه وبين البخاري . للدكتورنور الدين عتر الحلبي .

8 ـ الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف . للدهلوي الشاه ولي الهندي ، مراجعة عبدالفتاح أبو غُدّة .

9 ـ بحار الأنوار : للعلامة المحدّث المجلسي (ت 1110 هـ ) ، الطبعة الحديثة ـ طهران .

10 ـ تاريخ التراث العربي : لفؤاد سزگين التركي ، ترجمة فهمي أبو الفضل  ، الطبعة الاُولى ـ القاهرة 1971م .

11 ـ تدوين السنة الشريفة : للسيد محمد رضا الحسيني الجلالي (كاتب المقال) مركز الإعلام الإسلامي ـ الطبعة الثانية ـ قم المقدسة .

12 ـ تفسير العياشي : طبع المكتبة العلمية الإسلامية ـ طهران 1380 هـ  في جزئين .

13 ـ التمهيد في علوم القرآن : للشيخ محمد هادي معرفة ، الطبعة الاُولى مطبعة مهر ـ قم 1396 هـ  .

14 ـ تهذيب الأحكام : للإمام شيخ الطائفة الطوسي أبي جعفر محمد بن الحسن (ت 460 هـ ) تحقيق السيد حسن الخرسان الموسوي دار الكتب الإسلامية ـ النجف (10) أجزاء .

15 ـ تهذيب التهذيب : لابن حجر العسقلاني (ت 853 هـ ) الطبعة الاُولى دائرة المعارف العثمانية ـ حيدر آباد الهند 1325 هـ  .

16 ـ تهذيب الكمال : للمزي (ت741 هـ ) تحقيق بشار عواد ، مؤسسة الرسالة 1405 هـ  .

17 ـ جامع أحاديث الشيعة : للإمام سيد الطائفة البروجردي (ت 1380 هـ ) . الطبعة الاُولى  ـ  قم .

18 ـ الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع . للخطيب البغدادي (ت 463 هـ ) . تحقيق محمد عجاج الخطيب ـ بيروت ـ الرسالة .

19 ـ جامع المقاصد في شرح القواعد :

للمحقق الثاني الكركي (ت / 940 هـ ) . طبع مؤسسة آل البيت ـ قم 1408 هـ  .

20 ـ جواهر العقدين في فضل الشرفين :

للسمهودي ، تحقيق موسى بناي العليلي ، مطبعة العاني . بغداد 1405هـ  .

21 ـ حجيّة السنة :

للعلامة عبد الغني عبد الخالق ـ المركز الإسلامي ـ بيروت 1407هـ  .

22 ـ خاتمة وسائل الشيعة :

للحر العاملي (ت / 1104 هـ ) تحقيق السيد محمد رضا الحسيني الجلالي (كاتب البحث) طبعَ مع وسائل الشيعة (ج30) نشر مؤسسة آل البيت ـ قم(168) .

23 ـ الخلاف : لشيخ الطائفة الإمام الطوسي (ت460هـ ) . طبعة جماعة المدرسين ـ قم .

24 ـ الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور : لجلال الدين السيوطي (ت911 هـ ) . طبع مصر (6) مجلدات .

25 ـ دلائل النبوّة : للبيهقي أحمد بن الحسين (ت 458 هـ ) . تحقيق القلعجي ، دار الكتب العلمية ـ بيروت 1405 هـ  .

26 ـ ذيل تذكرة الحفاظ ، للذهبي .

27 ـ السنن : لابن ماجة القزويني (ت / 275 هـ ) . تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ، دار الفكر ـ بيروت .

28 ـ السنن الكبرى : للبيهقي أحمد بن الحسين (ت / 458 هـ ) دار الفكر ـ بيروت .

29 ـ السنن الكبرى : للسيوطي .

30 ـ شذرات الذهب : للعماد الحنبلي .

31 ـ شرح تراجم أبواب البخاري : للشاه ولي الدهلوي الهندي .

32 ـ شرح صحيح مسلم  : للنووي ، دار الكتاب العربي ـ بيروت 1407 هـ  .

33 ـ شرف أصحاب الحديث : للخطيب البغدادي (ت 463 هـ ) تحقيق الدكتور محمد سعيد خطيب أوغلي مطبعة جامعة أنقرة 1917 هـ  .

34 ـ شفاء السقام في زيارة خير الأنام : للإمام تقي الدين السبكي الشافعي (ت 756 هـ ) . الطبعة الرابعة 1419 هـ  تحقيق السيد محمد رضا الحسيني .

35 ـ الشيخ الكليني البغدادي ، وكتابه الكافي . للسيد ثامر هاشم حبيب العميدي ـ مركز الإعلام الإسلامي قم 1414 هـ  .

36 ـ الصارم المنكي على ابن السبكي : لمحمد عبد الهادي الحنبلي (ت 744 هـ ) مؤسسة الريان / بيروت 1412 هـ  .

37 ـ صحيح البخاري : محمد بن إسماعيل بن المغيرة بن بردويه ، دار الطباعة العامرة ـ تصوير دار الفكر ـ بيروت 1401 هـ  (8) أجزاء .

38 ـ صحيح مسلم : مسلم بن الحجاج النيسابوري ، دار الفكر ـ بيروت ، وطبعة صبيح القاهرة .

39 ـ الصوارم المهرقة في الردّ على الصواعق المحرقة لابن حجر العسقلاني : للسيد التستري .

40 ـ العين : للخليل بن أحمد الفراهيدي ، طبع بغداد .

41 ـ فصل القضا في الفقه المنسوب إلى الرضا(عليه السلام) : للسيد حسن الصدر الكاظمي العاملي .

42 ـ الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا(عليه السلام) . الشلمغاني : طبع المؤتمر العالمي للإمام ـ مشهد .

43 ـ فهرس الفهارس والأثبات : للكتاني ، تحقيق إحسان عباس ـ دار الغرب ـ بيروت 1406 هـ  .

44 ـ القاموس المحيط : للفيروزآبادي (4) أجزاء معَ مقدمة الشنقيطي .

45 ـ القرى لقاصد اُمّ القُرى : للمحبّ الطبري ، طبع القاهرة .

46 ـ الكافي : للإمام المحدّث الأقدم الشيخ الكليني أبي جعفر محمد بن يعقوب (ت329هـ ) تحقيق علي أكبر الغفاري طبع طهران (8) مجلدات دار الكتب الإسلامية .

47 ـ كامل الزيارات : للمحدّث ابن قولويه . تحقيق الشيخ عبد الحسين الأميني التبريزي ، المطبعة المرتضويّة ، النجف 1356 هـ  .

48 ـ كشف الأستار عن زوائد البزّار . للهيتمي (ت / 807 هـ ) تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي ، مؤسسة الرسالة 1404 هـ  .

49 ـ كنز العمال : للمتقي الهندي علي بن حسام (ت / 975 هـ ) مؤسسة الرسالة بيروت 1409هـ  .

50 ـ لسان العرب : لابن منظور الأنصاري محمد بن مكرم .

طبعة بولاق (20) جزءاً .

وطبعة دار المعارف ـ مصر (6) مجلدات .

51 ـ المبسوط : للإمام شيخ الطائفة الطوسي (ت / 460 هـ ) . نشر المكتبة المرتضوية ـ طهران 1387 هـ  .

52 ـ المحاسن : للإمام المحدّث البرقي ، تحقيق المحدّث الارموي ، دار الكتب الإسلامية طهران .

53 ـ المحدّث الفاصل بين الراوي والواعي : للرامهرمزي (ت / 360 هـ ) تحقيق محمد عجاج الخطيب . دار الفكر ـ بيروت 1391 هـ  .

54 ـ المدخل في اُصول الحديث : للحاكم النيسابوري (ت / 405 هـ ) طبع معَ المنار المنيف لابن القيّم ، دار الكتب العلمية ـ بيروت 1408 هـ  .

55 ـ مستند العروة الوثقى : تقرير دروس السيّد الخوئي ، بقلم الشيخ مرتضى البروجردي المطبعة العلمية ـ قم 1412 هـ  .

56 ـ مصباح الشريعة : المنسوب إلى الإمام الصادق (عليه السلام) ، طبع المصطفوي ـ طهران .

57 ـ المصباح المنير : للفيّومي مؤسسة دار الهجرة ـ قم 1405 هـ  .

58 ـ المصنّف في الأحاديث والآثار : لابن أبي شيبة عبد الله بن محمد الكوفي (ت235هـ ) دار الفكر ـ بيروت

59 ـ المعجم الأوسط . للطبراني ، أبي القاسم سليمان بن أحمد (ت360هـ ) .

60 ـ المعجم الكبير : للطبراني سليمان بن أحمد (ت / 360 هـ ) تحقيق حمدي السلفي دار إحياء التراث العربي ـ بيروت مكتبة ابن تيميّة ـ القاهرة .

61 ـ معجم المؤلّفين : لعمر رضا كحّالة ، دمشق .

62 ـ المعجم الوجيز : مجمع اللغة العربية ـ مصر .

63 ـ مقتطفات من الكتب والقراءة ، والمكتبات : الدكتور كامل العسيلي ، نشر بدعم الجامعة الأردنيّة ـ عمان 1977م .

64 ـ المقنع : للشيخ المحدّث الفقيه أبي جعفر الصدوق محمد بن علي القمي ، ابن بابويه (ت381هـ ) مؤسسة الإمام الهادي (عليه السلام) قم 1415 هـ  .

65 ـ المقنعة : للإمام الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان البغدادي (ت413 هـ ) طبعة المؤتمر العالمي لألفية المفيد ، مصنفات الشيخ المفيد (14) قم 1413 هـ  .

66 ـ من لا يحضره الفقيه : للإمام المحدّث الشيخ الصدوق (ت 318 هـ ) تحقيق السيد حسن الموسوي الخرسان ، النجف وطهران .

67 ـ موسوعة كشّاف اصطلاحات الفنون . للتهانوي تحقيق دكتور علي دحروج ، مكتبة لبنان ناشرون ، بيروت طبعة اُولى 1996م .

68 ـ الناسخ والمنسوخ : لابن حزم الأندلسي ، طبع بهامش (تفسير الجلالين) .

69 ـ الناسخ والمنسوخ : لابن العتائقي الحلي ، مطبوع .

70 ـ نيل الوطر من تراجم رجال اليمن في القرن الثالث عشر . للسيد محمد بن زيارة ، طبع عام1348 هـ  .

71 ـ الهداية : للإمام المحدّث الشيخ الصدوق ، مؤسسة الإمام الهادي (عليه السلام) ـ قم 1418 هـ  .

72 ـ هدى الساري مقدمة فتح الباري شرح البخاري : لابن حجر العسقلاني (ت852هـ ) تحقيق إبراهيم عطوة عوض شركة الحلبي ـ مصر 1383 هـ  .

73 ـ الوافي : للمحدّث الفيض الكاشاني محمد محسن (ت 1091 هـ ) .

طبعة حجرية (3) مجلدات ـ المكتبة الإسلامية ـ طهران .

74 ـ وسائل الشيعة إلى أحكام الشريعة : للمحدّث الشيخ الحرّ العاملي محمد بن الحسن (ت 1104 هـ ) مؤسسة آل البيت ـ في (30) جزءاً 1410 هـ  .

 

 

عناوين الأبواب

وتراجمها في التراث الإسلامي

حجّيتها ، أغراضها ، ضوابطها ، مصادرها ، ودلالاتها

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المصدر (ص329 ـ 330) ح23 ـ 237 .

(2) المدخل في اُصول الحديث للحاكم (ص148) .

(3) الجامع لأخلاق الراوي ، والسامع (2 / 431) فقرة 1931 ـ 1937 .

(4) موسوعة كشّاف اصطلاحات الفنون للتهانويّ (1 / 14 ـ 15) بتصرّف .

(5) كامل الزيارات ( ص 4 ) .

(6) هدي الساري لابن حجر (1 / 24 ـ 25) .

(7) الإمام الترمذي والموازنة . . . (ص273) .

(8) جامع أحاديث الشيعة المقدمة (1 / ص ش) .

(9) الإمام الترمذي والموازنة . . . (ص285) .

(10) لاحظ ماكتبناه عن الوسائل في تحقيقنا لخاتمة الوسائل (ص10 ـ 12) .

(11) جواهر العقدين (ج1 ص386 ـ 387) .

(12) هدي الساري (1 / 24) .

(13) الإمام الترمذي والموازنة . . . (ص4 ـ 275) .

(14) شرح تراجم أبواب صحيح البخاري (ص5) .

(15) الأشعثيات (ص229) .

(16) أحصاها السيد العميدي بـ (36) باباً ، لاحظ الشيخ الكليني (ص259) .

(17) الشيخ الكليني للسيد العميدي (ص259) .

(18) الكافي (1 / 37) .

(19) أيضاً (1 / 107) .

(20) أيضاً (1 / 118) .

(21) أيضاً (1 / 164) .

(22) أيضاً (1 / 329) .

(23) أيضاً (1 / 452) .

(24) الكافي (2 / 12) .

(25) أيضاً (2 / 40) .

(26) أيضاً (2 / 14) .

(27) أيضا (2 / 50) .

(28) الكافي (ج2 ص415) والإحصاءات المذكورة معتمدة على فهرس المطبوعة . وفي كتاب الصوم باب (فيهِ 4 أحاديث) ج4 ص80 وكذا في كتاب الوصايا (7 / 44) والديات (7 / 366) والشهادات (7/387) وفي كتاب الحج باب فيه (5 أحاديث) في (5/32) وباب فيهِ 6 أحاديث (4/586) وفي كتاب الأطعمة كذلك (6 / 278) وكلّها غير معنونة!!

(29) جامع أحاديث الشيعة (1 / المقدمة / ص5) .

(30) خاتمة الوسائل (ج30 ص642) .

(31) هذا هو الصواب في مؤلَفه كما حقّقه السيد حسن الصدر في (فصل القضا) والقرائن عليهِ
كثيرة .

(32) الفقه المنسوب (ص293) .

(33) المقنع ص171 ب 63 حسب ترقيمنا .

(34) الهداية (177) رقم 83 .

(35) الخلاف (2 / 116) .

(36) المبسوط (1 / 236) .

(37) الهداية (ص5 / 176) .

(38) المبسوط (1 / 236) .

(39) من لا يحضره الفقيه (2 / 31) باب 7 .

(40) تهذيب الأحكام (4 / 155) باب (35) .

(41) لاحظ كتاب المقنعة للمفيد (ص 242 ـ 243) .

(42) لاحظ الوسائل كتاب التجارة (ج17 ص316 ب 101 و 323 ب 104 و 223 ب 55) ومابعدها .

(43) الفقه المنسوب (ص279) ب 45 .

(44) المقنع (ص451) ب 5 .

(45) الكافي (6 / 392 ـ 430) .

(46) المبسوط ج8 ص57 .

(47) الكافي (6 / 431) .

(48) الكافي (6 / 435) .

(49) المقنع (ص 451) .

(50) الفقه المنسوب (2840) رقم الباب (46) .

(51) الكافي (6 / 431) باب الغناء ح1 وانظر ح6 و 13 .

(52) الكافي (6 / 434 ، ح22) .

(53) الوسائل (17 / 317) ح22645 في تعليقة من المؤلف .

(54) الكافي 6 / 433 ح16 باب الغناء .

(55) نفس المصدر والموضع ح15 .

(56) نفس المصدر ص434 ح18 .

(57) الكافي، كتاب الأشربة، باب الغناء، الحديث (10) ج6 ص432 .

(58) في التهذيب : لا يُجار حرمة .

(59) الكافي (5 / 31) ح5 .

(60) تهذيب الأحكام (6 / 140 ـ 141 ح238) .

(61) الكافي (5 / 292) باب الضرار ح(1) .

(62) تهذيب الأحكام (7 / 146) ح650 .

(63) الكافي (2 / 666) ح2 .

(64) الكافي (5 / 335) ح6 .

(65) الفقيه (3 / 245) ح1161 ، باب (109) بركة النساء وشؤمها .

(66) الوسائل ط طهران (14 / 36) ب20 ح3 ، وانظر بحار الأنوار (103 / 237) ح31 باب3 .

(67) الوافي، المجلّد 3 الجزء 12 ص14 باب 7 .

(68) الفقيه ، طبعة النجف (3 / 245) .

(69) نفس المصدر (ص12) .

(70) الفقيه (3 / 242) ح1154 .

(71) الكافي (5 / 330) ح4 من الباب المذكور .

(72) في الوافي (1/5) من الطبيعة الحديثة المحقّقة في إصفهان . و بعدما كتبتُ ما سبق رَوّدني الأخ السيّد حسن آل المجدّد بما يلي : اتّفقتْ مصادر الحديث القديمة على ضبط «الزُرق» جمع «الزرقاء» فلاحظ : جامع الأحاديث ، للرازي (ص65) ودعائم الإسلام ، للقاضي النعمان المصري (2/196) ونوادر الراوندي (ص115 ، رقم 113) .

وأورده في الجعفريات بلفظ المفرد في باب بعنوان «تزويج الزرقاء» (الأشعثيات ، ص92) ولكن النوري نقله عنه بلفظ الجمع في مستدرك الوسائل (14/118) .

ورواه العامّة بلفظ «الزُرق» :

كما نقل عن الواحدي في تفسيره الوسيط (3/115 حديث2) والديلمي في فردوس الأخبار (2/51 ، حديث 2292) وعنه الهندي في كنزالعمال (رقم 44596) .

(73) كشف الأستار عن زوائد البزّار (2 / 233) ح 2617 .

(74) في طبعة مصر على هامش : إتحاف الأشراف للشبراوي (ص247) وطبعة مؤسسة الوفاء ( ص24 ) وطبعة الطريحي (ص44) .

(75) إحياء الميت (ص39» تحقيق مصطفى عبد الرحمن عطاء دار الجيل بيروت .

(76) لاحظ الصفحات (122 ـ 124) .

(77) شفاء السقام للسُبكي (ص87 ـ 88) وأورده الطبراني في المعجم الكبير (13 ـ 291) رقم 13194 وفي الأوسط (157) ولاحظ مجمع الزوائد للهيثمي (4 / 2) ورواهُ الدارقطني في أماليه .

(78) شفاء السقام (ص89) .

(79) لاحظ الصارم المنكي (ص50) .

(80) تدوين السنة الشريفة (191) .

(81) مصنف ابن أبي شيبة (15 / 236) وانظر تدوين السنة الشريفة (ص145) .

(82) تدوين السنة الشريفة (ص155) .

(83) السنن لابن ماجة ( ج1 ـ المقدمة ـ ص12 ، الباب3 ح28 .

(84) السنن لإبن ماجة (ج1 ـ المقدمة ـ ص12 ، الباب 3 .

(85) شرف أصحاب الحديث (ص88) الحديث 192 .

(86) صحيح البخاري في مواضع (راجعها في تدوين السنة الشريفة هامش ص80 ومنها كتاب العلم (باب كتابة العلم 1 / 39) وأورده البيهقي في دلائل النبوّة (7 / 181 و 183) باب « ماجاء في همّه بأن يكتب لأصحابه كتاباً . . .» .

(87) شرف أصحاب الحديث (ص88 (89) رقم 193 .

(88) المصدر السابق (ص90 ـ 91) رقم 197.

(89) تدوين السنة الشريفة (ص439 ـ 442) .

(90) تفسير العياشي (1 / 12) ح9 .

(91) الاُصول الأصليّة (ص130) وانظر بداية الباب في (ص120) .

(92) الاُصول الأصيلة (ص21) وانظر بداية العنوان في (ص20) .

(93) نقله عن (ص42) من طبعة مصطفوي .

(94) وسائل الشيعة (27 / 202) تسلسل 33596 ح65 .

(95) لاحظ التمهيد في علوم القرآن ، للشيخ هادي معرفة (2 / 268) .

(96) السنن الكبرى للسيوطي (10 / 117) .

(97) الناسخ والمنسوخ للعتائقي .

(98) تهذيب الكمال للمزي ( 23 / 48) رقم 4666 ) .

(99) الناسخ والمنسوخ لابن حزم بهامش تفسير الجلالين (2 / 150) .

(100) العرقوب : عصب غليظ فوق العقب من الرجل ، وقطعه يوجب العرج .

(101) تهذيب التهذيب (10 / 7 ـ 158) .

(102) مصباح الشريعة (ص42) باب (63) من طبعة مصطفوي، طهران .

(103) كنز العمال (10 / 304) عن ابن عساكر .

(104) المحاسن (1 / 206) .

(105) الكافي (1 / 43) باب النهي عن القول بغير علم ، ح9 ، ولاحظ مرآة العقول (1/59) .

(106) الدر المنثور (1 / 106) .

(107) الناسخ والمنسوخ لابن حزم (2 / 150) .

(108) تهذيب التهذيب (4 / 16) .

(109) السنن الكبرى للبيهقي .

(110) الدر المنثور (1 / 106) .

(111) مجمع الزوائد (1 / 154) .

(112) حجيّة السنة لعبد الغني (ص 333) .

(113) الناسخ والمنسوخ للعتائقي .

(114) جامع المقاصد 2 / 3 ـ 464 .

(115) وسائل الشيعة ج8 ص344 ب24 ح10861 .

(116) أضاف في الوسائل : «يعني ابن سعيد» بينما الحديث رواه الشيخ في التهذيب عن الحسين بن يسار المدائني أنه سمع من يسأل الرضا(عليه السلام) .

(117) المسؤول هو الإمام الرضا (عليه السلام) كما نصّ عليهِ الطوسي في التهذيب .

(118) الكافي 3 / 387 / 10 ، وتهذيب الأحكام 3 / 26 / 90 .

(119) من لا يحضره الفقيه 1 / 258 / 1174 .

(120) مستند العروة الوثقى ج5 ـ القسم الثاني ـ ص456 .

(121) الكافي (3 / 384) الحديث العاشر ص387 .

(122) من لا يحضره الفقيه (1 / 245) الحديث رقم 1174 ص258 .

(123) تهذيب الأحكام (3 / 26) .

(124) وقد جمعنا من كتابي «الحدائق الناضرة» للفقيه المحدّث البحراني و «جواهر الكلام» للفقيه المحقّق صاحبه ، عيّنات من التعرض لعناوين الأبواب ، إلاّ أنّي أعرضت عن إيرادها هنا ، لطول البحث ، واكتفاءاً بما أوردنا كنماذج محفزّة للإخوان في العناية بهذا الشأن ، وإثارة الهمم العالية للدخول إلى غماره ، والله الموفِق وهو المستعان .

(125) هدي الساري لابن حجر (1 / 25) .

(126) الإمام الترمذي والموازنة بينه و بين البخاري ، للدكتور عتر (ص282) .

(127) هدي الساري (1 / 22) .

(128) نيل الوطر (2 / 23) .

(129) اتحاف القاري بمعرفة جهود أعمال العلماء على صحيح البخاري (ص420) ، طبع دار اليمامة دمشق 1407 هـ  .

(130) نشرته إدارة البحوث الإسلامية والدعوة والإفتاء الجامعة السلفيّة بنارس ـ الهند ط2 / 1407 ، وانظر الخطة (ص302 ـ 306) .

(131) ذيل تذكرة الحفاظ (ص356) وانظر الإمام الترمذي والموازنة (ص295) .

(132) هدي الساري (1 / 25) .

(133) فهرس الفهارس (ص444) .

(134) معجم المؤلفين ، لكحالة (1 / 222) .

(135) فهرس الفهارس (2 / 437) ومقدمة «الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف» (ص11) وهو للدهلوي ومراجعة عبد الفتاح أبو غدّة .

(136) شذرات الذهب (8 / 19) .

(137) هدي الساري (1 / 25) وانظر إتحاف القاري (ص21) .

(138) هدي الساري (ص25) .

(139) اتحاف القاري (ص93) .

(140) هدي الساري (1 / 25) .

(141) تاريخ التراث العربي ، لسزگين (1 / 1 / 338) .

(142) إتحاف القاري (ص21) .

(143) إتحاف القاري (285) .

(144) هدي الساري (1 / 25) وإتحاف القاري (    ) .

(145) هدي الساري (2 / 242) وإتحاف القاري (ص214) .

(146) هدي الساري (2 / 242 ـ 246) .

(147) شرح تراجم أبواب البخاري (ص5) .

(148) هدي الساري (1 / 19) .

(149) هدي الساري (1 / 19 ـ 20) وقد مثل للأقسام في (ص5 و 28) .

(150) هدي الساري (1 / 25) .

(151) هدي الساري (1 / 24) .

(152) هدي الساري (1 / 19) .

(153) هدي الساري (1 / 19) .

(154) هدي الساري (1 / 10) وقد هاجمه ابن حجر بشدة .

(155) شرح تراجم البخاري لابن جماعة (ق1 ب) .

(156) هدي الساري (2 / 201) تدريب الراوي (ص44) .

(157) هدي الساري (1 / 23) .

(158) هدي الساري (2 / 201) تدريب الراوي (ص44) .

(159) هدي الساري (1 / 19) .

(160) نقله السيِّد في الصوارم المهرقة (57 ـ 58) .

(161) هدي الساري (1 / 19) .

(162) الإمام الترمذي والموازنة ، للدكتور عتر (ص295) .

(163) شرح تراجم البخاري (الورق 1 ـ 2) نقله عتر في : الإمام الترمذي (ص90 ـ 91) .

(164) صحيح البخاري (2 / 165) وصحيح مسلم (4 / 6) .

(165) صحيح البخاري (2 / 166) وصحيح مسلم (4 / 5) وشرح النووي (8 / 3 ـ 84) .

(166) القِرى لقاصد امّ القرى (ص97 و 99) .

(167) شرح مسلم للندوي (8 / 4 ـ 85) .

(168) وقد طُبع الكتاب في بيروت ، من دون ذكر اسم المحقّق .

ارسال الأسئلة