تصنیف المقالات احدث المقالات المقالات العشوایئة المقالات الاکثرُ مشاهدة
■ مقالات (٥٧)
أزمة المحْدثين بين الافراط في التصنع والتفريط بالمصطلح
أسباب نزول القرآن، أهميتها وطرقها وحجيتها ومصادرها
باب (من لم يرو عن الأئمة عليهم السلام) فيرجال الشيخ الطوسي
البلاغات من أساليب الأداء للحديث الشريف في التراث الإسلاميّ
البناء على القبور
تأبين الإمام الخمينيّ قدس سرّه
تأبين السيد الخوئيّ قدس سرّه
التأثير المتبادل بين القرآن والحديث في مجال التأكيد والتحديد
تحملُ الحديث بالإجازة، واجبٌ مُلح في العصر الحاضر
تدوين السنّة أم تزييف الشريعة؟ في النقد العلمي
التسميات طليعة المؤلّفات في الحضارة الاسلامية موضوعها، ومنهج تأليفها وفهرستها
تتميم النظر في التقديم لمقتضب الاثر
الثقلان ودورهما في دعم السُنّة
جراب النورة بين اللغة والاصطلاح
حجّية الحديث المُعَنْعَن، وما يُثار حوله شبهةٌ في قبال البديهة
الحشوية نشأةً وتاريخاً (القسم الأول)
السنّة النبوية الشريفة وموقف الحكّام منها تدوينا وكتابة ونقلاً وتداولاً
الشيخ الطوسيّ وتراثه الحديثيّ
الحشوية أراء وملتزمات (القسم الثاني )
صِيَغ الأداء والتحمّل: تاريخها، ضرورتها، فوائدها، اختصاراتها
ضرورة تطويع الممارسات للانتهال من معين الحديث الشريف
ضرورة النقد العلمي في مجال تحقيق التراث
العبث بالتراث بين عمالة العلمنة ونفاق الاسلمة
علم الأئمة عليهم السلام بالغيب، والاعتراض عليه بالإلقاء في التهكلة، والإجابات عنه عبر التاريخ
علوم الحديث بين سعة الآفاق و محدوديّة الأعمال
عناوين الأبواب وتراجمها في التراث الإسلامي :حجّيتها، أغراضها مصادرها،ودلالاتها
فرق الشيعة أو مقالات الإمامية ؟ للنوبختي أم للأشعري؟
فوات فهرس الفهارس والأثبات، بذكر بعض ما للإمامية من الإجازات، في الفهرسة
التقية في الثقافة الاسلامية
الكرامات
الكنية، حقيقتها وميزاتها، وأثرها في الحضارة والعلوم الإسلامية، في علوم العربية، الأدب
لماذا الإمام عليه السلام
مجددو المذهب وسماتهم البارزة
المصطلح الرجالي>أسند عنه< ما هو وما هي قيمته الرجالية؟
مقال حول الصحيفة السجّادية
مقدمة (لوامع الأنوار)
مقدمة (المقنع في الإمامة)
مقولة جسم لا كالأجسام، بين موقف هشام بن الحكم ومواقف سائر أهل الكلام
من أدب الدعاء في الاسلام ضبطه عند الأداء والتحمل وتنزيهه من اللحن والتحريف ودعوة الى إحيائه وتحقيق كتبه
موقف أهل الكتاب من الحق بين الإلتزام والتصرفات المريبة
النكت الخفية في النادرة الشريفيّة
همزية البوصيريّ والتراث الذي دار حولها

التقية في الثقافة الاسلامية

«التَقِيّة» موضوعٌ يُبحثُ عنه في الفقه الإسلاميّ، باعتبارها تصرُّفاً يجبُ على كلّ مكلَّف معرفةُ حكمه الشرعيّ.

ومدلولها اللغويّ، هو: الوقايةُ والتحفّظُ عن المكروه، والابتعادُ عن الخطر والضرر، والحَذَرُ عمّا يُسيءُ إلى الشخص أو الشخصيّة; ولو معنويّاً، كالإهانة والذلّة، أو ما يؤثّرُ على المجتمع بالتوتُّر ، أو التخاصُم والنزاع، أو الفُرقة والشقاق .

وقد عرّفها فقهاءُ المسلمين بتعاريف تتّفقُ على الجوهر والأركان الأساسيّة المطلوب توفُّرها في تحقّق واقعها، وإنْ لم تجمع الشروط المطلوبة للتعريف حسب عُلماء المنطق والفلسفة، لكونها تُعنى بشرح مدلول اللفظ وتحديد المراد فقهيّاً، فقط.

فعرّفها الإمامُ الشيخُ المفيد (المتوفّى413هـ) بـ «كتمان الحقّ، وستر الاعتقاد، ومُكاتمة الُمخالفين، وترك مُظاهرتهم بما يعقبُ ضرراً في الدين أو الدنيا»(1).

وقال السرخسيّ الحنفيّ (المتوفّى490هـ): «التَقِيّة»» أنْ يَقِيَ نفسه من العقوبة، بما يُظْهِره وإنْ كان يُضْمِرُ خِلافه»(2).

وقال الإمامُ الشهيدُ الأوّل العامليّ (المقتول786هـ): ««التَقِيّة» مُجاملة الناس بما يَعرِفون، وترك ما يُنْكِرون، حَذَراً من غوائلهم»(3).

وقال الحافظُ ابن حجر العسقلانيّ الشافعي (المتوفّى852هـ): «التَقِيّة»الحذرُ

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ تصحيح الإعتقاد (ص66).

2 ـ المبسوط في الفقيه الحنفي (24/45).

3 ـ القواعد والفوائد: للشهيد (2/155).

ــ[2]ــ

من إظهار ما في النفس ـ من معتَقَد وغيره ـ للغير»(1).

وقال الشيخ الأنصاريّ (المتوفّى1281هـ): «التحفّظُ عن ضرر الغير بموافقته، في قول أو فعل مُخالف للحقّ»(2).

وقال رشيد رضا المصريّ الشامي السلفي (المتوفّى1354هـ): «ما يقال أو يفعل مخالفاً للحقّ، لأجل توقّي الضرر»(3).

وقد احتوت تعاريفها على العناصر الضرورية، وهي:

1 ـ وُجودُ الضرر، أو ما يُحذَرُ منه، أو ما يُهدّدُ الأمن والراحة والكرامة.

2 ـ كتمانُ ما في النفس عن الحقّ، وإظهار الخلاف.

3 ـ تعميمُ موردها للقول والفعل، والعقيدة والعمل.

4 ـ وإطلاق التعاريف يشملُ الضرر المادّي والمعنويّ، في المال، والجسم، والعِرْض، والشخصيّة.

5 ـ وبما أنّ الضرر الموجّه إلى أصل الدين أو جماعة المسلمين، أهمّ ممّا يُوجّه إلى الأشخاص منهم، فإنّ الحذر من مثل ذلك الضرر، واجتنابه، أهمُّ وألْزَمُ.

* * *

 

والدليل على تشريع «التَقِيّة» من القرآن الكريم آياتٌ عدّةٌ: منها قوله تعالى:(لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَـفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَ لِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِى شَىْء إِلاَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـلـةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُو وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ  )(4).

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ فتح الباري في شرح البخاري (12/214).

2 ـ رسالة «التَقِيّة»، للأنصاري (ص37).

3 ـ تفسير المنار (3/280).

4 ـ الآية (28) سورة آل عمران (3)

ــ[3]ــ

فكلمة «تُقاةً» هي بمعنى «التَقِيّة» بل قرأ كثيرٌ من القّراء: (إِلاَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تَقِـيَّـةً)(1).

وقد نزلت الآية في مكّة، في جماعة من المسلمين عذّبهم المشركون على التَبَرُّؤ من الإسلام، وإعلان الكفر والشرك، فقاومَ بعضهم حتّى قُتِلوا مثل ياسر وسُميّة والدي عمّار، وأظهر بعضُهم الموافقة للكفّار; تخلّصاً من عذابهم وشرّهم، فتحرّجوا من ذلك; فنزلت الآية في ترخيص ذلك لهم، منهم عمّار بن ياسر وصهيب الرومي وجبر مولى الحضرمي(2).

فدلّت الآيةُ على أنّ من أُلْجِىءَ إلى المخالفة، فاتّقى من المشركين، وأظهرَ ما يُريدون من الكُفر، فلابأس عليه.

ومثلها قوله تعالى: (مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنم بَعْدِ إِيمَـنِهِى إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُو مُطْمَــِنُّم بِالاِْيمَـنِ)(3).

فالاستثناء في الآيتين يقتضي أنّ الإنسان المُلْجأ إلى «التَقِيّة» بالإكراه والتهديد، لابأس عليه، فلا يُحكم بكفره، بل هو معذورٌ، ويُحكم بإيمانه حسب ما استقرّ في قلبه.

* * *

 

ولأنّ «التَقِيّة» مشروطة بموارد الضرر والإكراه فهي تدخل ـ فنيّاً ـ في قواعد عامّة فقهيّة مستدلّ عليها في أبواب الفقه الإسلاميّ، مثل قاعدة:

«لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ في الإسلام».

و «الضروراتُ تُبيحُ المحظُورات».

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ لاحظ النشر في القراءات العشر (3/5) وتفسير القرطبي: الجامع لأحكام القرآن(4/57).

2 ـ راجع ذيل آية آل عمران 28 من تفاسير القرآن.

3 ـ الآية (106) سورة النحل (16).

ــ[4]ــ

و «يجوزُ في الضرورة ما لايجوز في غيرها».

و هي ممّا دلّت عليها آياتُ الكتاب، كقوله تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَىِّ )(1)

و(مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَج وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُو عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  )(2)و (يُرِيدُاللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)(3)

و(لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ)(4).

وكذلك أدلّة السنّة الشريفة، مثل حديث الرفع المشهور بين الاُمّة، وهو قول الرسول (صلى الله عليه وآله): «رُفع عن أُمّتي ما لايعلمون، وما أُكرهوا عليه، وما اضطروا إليه ...»(5) وهو من الأحاديث المشهورة، ممّا اتّفق على روايته المسلمون أجمعون.

* * *

 

وأمّا أدلّة «التَقِيّة» من السنّة:

فقد دلّت على تشريعها أحاديثُ متضافرةٌ، متّفقٌ على روايتها بين المسلمين، منها: قول الرسول (صلى الله عليه وآله) لعمّار بن ياسر ـ في حديث آية «التَقِيّة» ـ : «... إنْ عادوا لك

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ الآية (256) سورة البقرة(2).

2 ـ الآية(6) سورة المائدة(5).

3 ـ الآية (185) سورة البقرة(2).

4 ـ الآية (286) سورة البقرة(2).

5 ـ أثبته السيوطي في الدرر المنتثرة (ص8) وانظر وسائل الشيعة (15/269) من كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس، باب65، تسلسل (20769) وكنز العمال الهندي (4/233) الحديث10307.

ــ[5]ــ

فَعُدْ لهم بما قلتَ»(1).

وقال (صلى الله عليه وآله): «لا يؤمُّ فاجرٌ مؤمناً إلاّ أنْ يقهره بسلطانه، أو يخافُ سوطه، أو سيفه»(2).

ولذا انعقد إجماع فقهاء المذاهب الإسلاميّة على مشروعيّة «التَقِيّة»: وجرى على ذلك عمل المسلمين خَلَفاً عن سَلَف، بدءاً بالصحابة الكرام الذين واجهوا الأذى والضغط والتهديد من السلاطين والاُمراء والولاة، فدفعوا عن أنفسهم ذلك باللجوء إلى «التَقِيّة» مثل موقف جابر بن عبدالله الأنصاري، من البيعة لمعاوية بن أبي سفيان ـ عند ما أكرهه بُسْرُ بن أرطأة قائد جيش معاوية إلى المدينة ـ فبايع جابرٌ بأمر من أُمّ سلمة أُمّ المؤمنين رضي الله عنها، مع التصريح في الحديث بأنّها «بيعةُ ضلالة»(3).

وصرّح ابن مسعود بقوله: «ما من كلام يدرأُ عنّي سوطين من سلطان، إلاّ كنتُ مُتكلّماً به»(4).

رواه ابن حزم الظاهريّ، وأضاف: «ولا يعرف له من الصحابة رضي الله عنهم مخالف»(5).

وكذلك التابعون:

فهذا مسروق بن الأجدع (المتوفّى64هـ) رأى معاوية قد بَعَثَ بتماثيل من صفر لتُباعَ بالهند، فقال: «والله، لو أنّي أعلم أنّه يقتلني لغَرَّقْتُها، ولكنّي أخافُ أنْ يعذّبني

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ بحار الأنوار (72/412) وجامع الطبري في تفسير القرآن (14/122) وتفسير الرازي (20/121).

2 ـ سنن ابن ماجه (1/343) وكشف الأستار، للهيثيمي (4/112) ح3323.

3 ـ تاريخ اليعقوبي (2/147) وانظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (2/9 ـ 10).

4 ـ المدوّنة الكبرى، للإمام مالك (2/29).

5 ـ المحلّى لابن حزم (8/339) رقم 1409.

ــ[6]ــ

فيفتنني.

والله، لا أدري؟ أي الرجلين معاوية: رجل قد زُيِّنَ له سوءُ عمله؟ أو رجل يئس من الآخرة فهو يتمتّعُ في الدنيا؟(1).

والزهريّ، محمّد بن مسلم بن شهاب (المتوفّى124هـ) أَسْنَدَ حديثاً إلى جندع الصحابيّ، جاء فيه: سمعتُ النبي(صلى الله عليه وآله) يقول: «من كذبَ عَلَيَّ مُتعمِّداً فليتّبوّأْ مقعدَهُ من النار» وسمعتُه ـ وإلاّ صُمّتا ـ يقولُ ، وقد انصرف من حجّة الوداع، فلمّا نزل غدير خُمٍّ قامَ بينَ الناس خطيباً، وأَخَذَ بيد عَلِيٍّ، قال: «من كنتُ مولاهُ فهذا عَلِيٌّ وليُّه، اللهمَّ والِ مَنْ والاهُ وعادِ مَنْ عاداهُ».

قال الراوي للزهري: ألا تحدّثُ هذا بالشام؟ وأنت تسمعُ مِلأَ أُذنيك سَبَّ عَلِيٍّ؟!

فقال الزهريّ: والله إنّ عندي من فضائل عَلِيٍّ ما لو تحدّثتُ لقُتِلتُ(2).

* * *

وقبل هذا، وبعده:

فالعقلُ السليمُ يحتّمُ على الإنسان الابتعاد عن الخطر، والاجتناب عن الضرر، وبما أنّ تكليفاً مثل هذا لا يصدرُ من المشرّع الحكيم، الذي أتى بالأحكام إلاّ لمصالح العباد، ولا يريد الحرج والعُسر بهم، فالمفروض عقلاً هو تخلّيه عن التكليف المؤدّي إلى ذلك.

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ المبسوط للسرخسي الحنفي (24/46).

ويلاحظ في الحديث أمران:

1 ـ أنّ التماثيل ـ وهي أصنام ـ إنّما كانت تُعبد في الهند من دون الله تعالى ـ ولا تزال ـ !؟

2 ـ أنّ معاوية لم يكن بحاجة إلى أثمانها ؟! لتوفّر الأموال الطائلة عنده من بيت مال المسلمين ؟! 3 ـ فلماذا لم يحاول إبادتها، بل كان يرسلها للبيع؟!

2 ـ اُسد الغابة لابن الأثير الجزري (1/308).

ــ[7]ــ

كما أنّ الأمر إذا دارَ بينَ الأهمّ والمُهمّ، فإنّ التضحية بالأهون في سبيل تحصيل الأهمّ من بديهيات العقل، ومسلّمات العقلاء في شؤونهم الخاصّة.

وإذا كان مثل هذا في الشؤون الاجتماعية العامّة، والهامّة من أُمور الدين، أو ما يرتبط بجماعة المسلمين، فإنّ تقديم الأهمّ يكون أكثر ضرورةً ، وأوضح دلالة وأكثر قناعة.

والمشرّع الحكيم لم يتجاوز هذه الحقائق بل أقرّها في نصوصه التي شرّع فيها «التَقِيّة»، وقد قدّمنا بعضها، واستدلّ بها فقهاءُ الإسلام، أجمعون ، واستنبطوا منها ركائز «التَقِيّة» وشرائطها، وجدّدوا أهدافها ومصالحها، وطبّقوها على مواردها المختلفة، في العقيدة والشريعة.

 

* * *

 

أهدافها ومصالحها:

يمكن أن نستخلص من أدلّة «التَقِيّة»، أنّها تدور على الأهداف التالية، لنتحقّق بها المصالح العظيمة:

1 ـ تحديد «التَقِيّة» بموارد الإكراه والضرر، الموجَّهين إلى الأشخاص، حتّى في الكرامة والشخصية، كالإهانة والتذليل، فهي مشرّعة لحماية المسلم وحفظ كرامته وصيانة شخصيّته أن تُصاب بأذىً، أو يوجّه إليها سوءٌ. فإذا كانت الشريعة الإسلاميّة، قد شرّعت لنفع الإنسان، فلابدّ أن لايصيبه من جرّاء أيّ حكم إسلامي ضررٌ شخصيٌّ.

2 ـ وإذا كانت العناية الإلهيّة بالفرد إلى ذلك الحدّ، فإنّ عنايته بالجماعة الإسلاميّة لابدّ أن تكون بشكل أشدّ، فتكون المحافظة على المجتمع الإسلاميّ ككلّ، وصيانته ـ من التمزّق والتشتّت والانفلات والضياع ـ من الأهداف السامية

ــ[8]ــ

للتشريع. فإنّ الحفاظ على المجموعة أهمُّ وأولى وآكد.

3 ـ وإذا كان الدين، هو أهمّ الأغراض لأصل الخلق والتشريع; فإنّ في«التَقِيّة» تحكيماً للدين عقيدةً وشريعةً، حيثُ تدلّ على رفع الإكراه والعسر والحرج، وأنّ الدين يُسرٌ وصلاحٌ وأمنٌ، وأحكامه مصونةٌ من القسوة والشدّة والعنت.

فإذا كانت أحكام الشريعة والعقيدة ـ وبعدَ ثُبوتها وتقرّرها وإنجازها على الأرض ـ ترتفعُ عن المسلم عند أدنى ضرورة أو خطورة، أو تهديد، أو حتّى مجرد التخوّف من شيء منهاأ

فكيف يمكن اتّهام مثل هذا الدن، بالقسوة والعنت؟!

وكيف يمكن اتّهام الإسلام بقيامه بالسيف، واتّهام أهله بالارهاب؟

ففي تشريع «التَقِيّة» دعوةٌ سليمةٌ هادئةٌ إلى الله ودينه. إنّ «التَقِيّة»، وبهذه المُواصفات.

ومع هذه الأهداف والمصالح أصبحت «التَقِيّة» محلّ اهتمام الفقهاء من المذاهب الإسلاميّة كافّةً، فقد عقدوا لها كتباً وأبواباً وفصولا فقهيّة شرحوا فيها ما يرتبط بها من المسائل والأحكام الفرعيّة(1).

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ فمن الفقه المالكي:

مالك بن أنس ـ إمام المذهب ـ في المدوّنة الكبرى (3/29) كتاب الأيمان بالطلاق، في طلاق المكره.

والفقه الحنفي:المبسوط للسرخسي (ج24) كتاب الإكراه.

والفقه الشافعي: الاُم، للإمام الشافعي (6/155) والمجموع شرح المهذّب، للنووي (18/93 و391).

والفقه الحنبلي: المغني، لابن قدامة المقدسي (8/260 و262) و (10/97 و154 و155).

والفقه الزيدي: البحر الزخار لابن المرتضى (6/98 ـ 100) وحدائق الأزهار للمهدي، مع السيّل الجرّار، للشوكاني (4/264 ـ 266).

والفقه الظاهري: المحلّى لابن حزم (8/330 ـ 336).

والفقه الأباظي: المعتبر للكدمي (1/212 ـ 216).

وشرح كتاب النيل للثميني واُطيفيش (4/360).

وأمّا الإماميّة فقد ألّفوا في ذلك الكتب والرسائل الكثيرة وسيأتي ذكر مصادرهم.

هذا، عَدِّ عن كتب التفسير في ذيل آيات «التَقِيّة» كآية آل عمران 28، والنحل 106، وكتب التاريخ والتراجم والرجال، ممّا استند إلى بعضها في هذا البحث، ولاحظ للتوسّع كتاب: واقع «التَقِيّة» للسيّد ثامر هاشم حبيب العميدي، وفّقه الله.

ــ[9]ــ

ومع هذا فقد جُوبه تشريع «التَقِيّة» بمعارضة من قبل مجموعة من الناس، تدعمهم السلطات والحكّام.

ويبدو أنّ «التَقِيّة» ـ وبأهدافها السامية ـ أصبحت سدّاً منيعاً أمام الذين يريدون السوء بهذا الدين وأهله، فكانوا يُحاولون جرّ أصحاب الدين وحماة العقيدة وحاملي الشريعة إلى المواجهات الدمويّة حتّى يُبادوا، أو يحجر عليهم، ويتخلّص أصحاب الحكم والسطوة من معارضتهم، لكنّ «التَقِيّة»التي كان المؤمنون يستخدمونها، صانتهم من الوقوع في شباك السلطة ودسائسها، فيبقى المؤمنون يستمرّون في الدفاع عن الحقّ، وينشرون الحقيقة والوعي، فيظلّون شوكةً في أعين الحكّام وشجىً في حُلُوق العابثين.

 

* * *

الشبهات المثارة ضدّ التقيّة:

ولقد كان لوعّاظ السلاطين، وللعملاء الأميريين من علماء السوء، الدور البليغ في إثارة الشُبُهات في وجه «التَقِيّة» وتقبيح سُمعة الذين يلتزمون بها من المؤمنين، .هي من قبيل ما يلي:

ــ[10]ــ

الشبهة (1) التقية هي النفاق والكذب:

وأقدم شبهة اُثيرت ضدّ «التَقِيّة» أنّها «نِفاقٌ» لأنّ الشخص عندها: يُضمرُ في قلبه خلافَ ما يُظْهر على لسانه أو عمله، فيتظاهرُ بما لايعتقد، فهذا هو النفاق والكذب.

قال ابن تيمية الحرّاني: «التَقِيّة» ليست بأنْ أكذبَ وأقول بلساني ما ليس في قلبي، فإنّ هذا نفاقٌ، ولكن أفعل ما أقدر عليه، فالمؤمن إذا كان بين الكفّار والفجّار لم يكن عليه أن يجاهدهم بيده مع عجزه، ولكن إن أمكنه بلسانه، وإلاّ فبقلبه، مع أنّه لا يكذب ويقول بلسانه ما ليس في قلبه، إمّا أن يُظهر دينه، وإمّا أن يكتمه ... وكتمان الدين شيء، وإظهار الدين الباطل شيء، فهذا لم يُبِحْهُ الله قطّ، إلاّ لمن أُكره بحيث أُبيح له النطقُ بكلمةِ الكفر فيعذرُهُ اللهُ، والمنافق والكذّاب لايُعذر بحال(1).

وقد كان المنافقون يستفزّون الصحابيّ الجليل حُذيفة بن الَيمَان (رضي الله عنه)الذي كان عنده أسماء المنافقين، ولكنّه كان يُخفيها رعايةً لمصلحة الإسلام العامّة بعد النبي(صلى الله عليه وآله).

وحيث أنّ المنافقين اختفوا تحت الرؤوس الكبيرة، وتسلّلوا إلى المناصب العُليا في الدولة الإسلاميّة، فلذا لم يَجْرِ لهم ذِكْرٌلائح، ولم يُعْثَرْ لهم على أَثَر واضح، وإنّما راحوا يعملون وراءَ الكواليس، فكانُوا يهابُون حُذيفة; لعلمه بهم، ويخشون أن يَجهرَ بأسمائهم، وهو المقبول القول عند المسلمين، فلذلك كانوا يُحيطونه بكلّ وسيلة لمعرفة ماإذا كان يُدلي بما يفضحهم؟ حتّى يرموه بالسهام التي رَمَوا بها سعدَ بن عبادة وهي سهام الجنّ، ويتخلّصوا منه.

و لكنّ حذيفة كان ذكيّاً مؤمناً، يكتمُ أمرهم، ويتّقيهم، فكانوا يستفزّونه ليُخرجوا ما يكتمُ في قلبه، فاتّهموه بالنِفاق.

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ منهاج السنّة (3/260) وعنه القفاري في اُصول مذهب الشيعة (2/819).

ــ[11]ــ

فقيل لحذيفة: إنّك مُنافِقٌ؟

فقال (رحمه الله): أشتري ديني بعضَه ببعض(1).

وقال السرخسي: وقد كان بعضُ الناس يأبى ذلك «أي التَقِيّة» ويقول: «إنّه من النفاق»!

والصحيح أنّ ذلك جائز(2).

 

والجواب عنها:

 

1ً ـ أنّ قوله تعالى: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُو مُطْمَــِنُّ بِالاِْيمَـنِ)صريح الدلالة على أنّ ما يكتمه المؤمنُ في قلبه وهو الإيمان هو خلافُ ما يُظهرُهُ بلسانه مُكرَهاً عليه، وهذا هو الذي عمله عمّارٌ وجماعتُه. وهذا بخلاف النفاق فهو أنْ يُظهر الإيمانَ وهو كافر في قلبه.

فابنُ تيمية لم يعرف معنى النفاق، فما ذكره ابن تيمية ـ وسمّاه نفاقاً لم يُبْحهُ الله قطّ ـ هو بعينه الذي قد أباحه الله في القرآن، كما صرّح ابن تيميّة نفسه في نهاية كلامه.

وهذا الذي يسمّيه المسلمون «تقيّة» ويسمّيه ابن تيمية «نفاقاً».

2ً ـ أنّ هذا العمل، قد قامت عليه الأدلّة المعتبرة في الشريعة الإسلامية، من الكتاب والسنّة والإجماع والعقل، وقد أطبق فقهاء الأمّة على العمل بالتقيّة مدى القرون منذ عصر النبوّة وحتّى يومنا هذا. فمهما سمّي فهو عمل مشروع، وتحريمه واتّهامه بالنفاق اتّهام للاُمّة الإسلاميّة بكاملها، واتّهامها كذلك باطل، فيكون شبهةً

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ المبسوط للسرخسي (24/46).

2 ـ المبسوط للسرخسي (24/45).

ــ[12]ــ

واضحة في مقابلة بديهة «التَقِيّة».

 

الشبهة (2) ـ ضياع الحقّ وكتمانه:

نسب إلى أحمد بن حنبل (المتوفّى241هـ) أنّه سئل: إذا عرضتَ على السيف تجيب؟ قال: لا: إذا أجاب العالمُ تقيّةً، والجاهلُ يجهل، فمتى يتبيّن الحقّ؟(1).

 

والجواب:

1ً ـ أنّ الله الذي شرّع «التَقِيّة»، هو الذي وَعَدَ بإظهار الدين، فقال تعالى:(هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُو بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُوعَلَى الدِّينِ كُلِّهِى وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ )(2).

مع أنّ الرسول وأهل بيته والصحابة، وعلماء الأُمّة لم ينحصروا في عدد، ولم ينحسروا عن المواقع، حتّى يتمكّن الظالمون من كتمان الحقّ كلّه.

2ً ـ أنّ من أهداف «التَقِيّة» هو المحافظة على حاملي الحقّ حتّى يبثّوه وينشروه في مواقع الفُرص التي تسنحُ، وقد أوجبَ عليهم ذلك، وحاشاهم أن يقصّروافي أدائه.

3ً ـ إنّ هذا اجتهادٌ في مقابل النصّ الذي شرّع «التَقِيّة» بشهادة جميع الفقهاء والمفسّرين، وقد سمعتَ عمل الصحابة وأقوالهم. فنحنُ نربؤُ بالإمام أحمد أن ينسب إليه مثلُ ذلك القول الباطل، الذي لم يعمل به هو، بل أجاب بأدون من ذلك.

4ً ـ إنّ المفروض في ذلك القول، هو انحصار طريق الحقّ وبيانه بما فيه«التَقِيّة» فلو كان الأمر المجبَر عليه من مهمّات الدين، لم تكن «التَقِيّة»مشروعة فيه،

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ نقله أحمد شاكر في تعليقه على دائرة المعارف الإسلامية (5/419).

2 ـ الآية (33)سورة التوبة (9).

ــ[13]ــ

بل يجب على المؤمن التضحيةُ في سبيل تحقيق الحقّ، كما أقدمَ القرّاء والعلماء والأنصار والأئمّة بالتضحيات الكبرى في تاريخ المسلمين، فكانت وقعة كربلاء الرهيبة، ووقعةُ الحرّة السوداء في المدينة، ووقعة الجماجم وعين الوردة الحمراء في الكوفة، ووقعة فخّ الفجيعة في الحرم المكّي، وغيرها من أيّام العرب في الإسلام .

 

الشبهة (3) إنّ «التَقِيّة» خاصّة بالعقائد، دون فروع العمل.

فباعتبار أنّ تشريع «التَقِيّة» في القرآن، في قصّة عمّار، كان في مسألة إظهار الكفر والقلب مطمئنٌ بالإيمان، فهو خاصٌّ به، لا يتجاوزه إلى شؤون العمل والعبادة الفرعيّة.

 

والجواب:

1ًـ إنّ «التَقِيّة» إذا جازت في أمر الكفر والإيمان، من أُصول الدين، فجوازها في فروعه أوضح، بالأولويّة القطعية، لأنّ جواز الأهمّ يستلزم جواز المهمّ.

2 ـ إنّ ملاك الجواز، والمبيح شرعاً للتقيّة في مسألة الإيمان والكفر، هو «الإكراه» فهو يقتضي وجود تشريع «التَقِيّة» في كلّ مورد كان فيه «الإكراهُ» من دون فرق بين أصل وفرع، كما أفتى بذلك الفقهاء أجمع.

 

الشبهة (4) «التَقِيّة» خاصّه بالتظاهر باللسان دون العمل:

ورد في الحديث عن ابن عبّاس أنّه قال: ««التَقِيّة» باللسان، من حُمل على أمر يتكلّمُ به وهو لله معصيةٌ، فتكلّمَ مخافةً على نفسه، وقلبُه مطمئنٌ بالإيمان، فلاإثم عليه، إنّ «التَقِيّة» باللسان»(1).

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ تفسير الطبري (الجامع) (2/229).

ــ[14]ــ

 

والجواب:

إنّ العلماء ـ الفقهاء والمفسّرين ـ أجمعوا على تشريع «التَقِيّة» في اللسان وفي العمل، وليس ما ذكره ابن عبّاس إلاّ مورداً واحداً للتقيّة، ومثالاً خاصّاً لها، وإلاّ فالأدلّة والأقوال مطلقةٌ تشملُ غير اللسان أيضاً، تبعاً لما هو المكرَهُ عليه، وقد صرّحوا بشموله للزنا وشرب الخمر وغيرهما من الكبائر. فراجع كتب التفسير ذيل آية «التَقِيّة» في سورة آل عمران وسورة النحل، وما عنونه الفقهاء في كتب الإكراه ومبحث «التَقِيّة».

 

الشبهة (5) إنّ «التَقِيّة» تثبيطٌ عن الجهاد المقاومة:

قال القفاري: و «التَقِيّة» في دين الإسلام، دين الجهاد والدعوة، لا تمثّل نهجاً عامّاً في سلوك المسلم، ولا سمةً من سمات المجتمع الإسلامي، بل هي ـ غالباً ـ حالةٌ فرديّةٌ مؤقّتةٌ مقرونةٌ بالاضطرار، مرتبطةٌ بالعجز عن الهجرة، وتزولُ بزوال حالة الإكراه(1).

ويظنّ بعض الثوريّين المتحمّسين للحركة الإسلاميّة الحديثة أنّ «التَقِيّة»من أدوات التأخّر والتخلّف، وأداة لتشجيع الكفّار والفسقة من الرؤساء والاُمراء والملوك المتحكّمين على البلاد الإسلاميّة وشعوبها، فهم يُعارضونها ويجعلونها علامةَ الخنوع والتذلّل والضعف والخوف.

 

والجواب:

إنّ الدينَ الإسلامي، هو دين التعبُّد لأنّ تشريعه إلهيّ، والمؤمن يجبُ عليه أن

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ اُصول مذهب الشيعة للقفاري (ص808).

ــ[15]ــ

يأخذ بما شرّع الله من عُسر ويُسر، فكما أنّ الجهاد والدفاع والدعوة تشريعٌ، فالتقيّة أيضاً تشريع يجب أن يؤخذ ويعمل به ، ولكلّ تشريع مداهُ ومدارهُ وملاكهُ وشروطهُ، وقد أوضحنا مدى «التَقِيّة» وملاكها وشروطها، ومنها: أن لا يمسّ كيان الدين وأساسيّاته، ولا كيان المجتمع ووحدته، ولذا قد استثني من «التَقِيّة» أُمور مثل هذه، ومثل الدم، فإذا بلغت «التَقِيّة» أن يُراق دمُ مسلم بريء، فهي حرامولا تقيّةَ، كما صرّح الفقهاء.

والجهاد والدعوة واجبانِ في موضعهما وبشرائطهما المقرّرة في الفقه الإسلامي، ومنها: أن تكونا بالحكمة وبأهداف مقرّرة أيضاً، ولو خالفها المسلم كان تهوّراً وإلقاءً لنفسه في التهلكة، فحمايةُ الدين والجهاد في سبيله من المصالح العامّة التي لاتُرفعُ اليدُ عنها، لا بتقيّة ولا بغيرها، ولا يجوزُ التخلّفُ عنها لا للفرد ولا للمجتمع، بل هو واجبٌ عامٌّ على الجميع.

ثمّ إنّ الفقهاء قد قرّروا موارد تكون «التَقِيّة» فيها «رُخصة» يجوز للفرد تجاوزُها وله تحمّلُ التهديد والمكروه، وتكونُ في موارد أُخرى عزيمةً، لا يجوزُ له تركُها، ومواردُ لا يجوزُ الالتزام بها فتحرُمُ. فهي في ما يمسُّ الفرد من المكروه الخاصّ، مرخّصةٌ، يجوزُ له أن يلتزمَ بها; لأنّ الله أجاز ذلك له، فيدفعُ بها عن نفسه الأذى والمكروه. ولكن إذا مسّ الضررُ والمكروه المتوعّد عليه جماعةَ المسلمين وكيانَ المجتمع الإسلاميّ، فالتقيّة على الفرد المؤمن واجبةٌ، حفاظاً على الجماعة، وحمايةً للمجتمع، و لا يجوزُ له التهوّرُ والتخلّي عن مبدأ «التَقِيّة» ولو بعنوان الجهاد والدعوة، فإذا كان عمل الفرد مؤدّياً إلى تشتّت المسلمين أو كشف عوراتهم للعدوّ المتربّص أو فضح الجماعة وفشل مخطّطاتهم، أو يؤدّي إلى عذاب الكلّ دون فرد واحد، فلايجوز له التهوّرُ وتوريط الكلّ وتفشيل الخطط باسم «الدعوة» و «العمل» و «الجهاد» وغير ذلك من العناوين الإسلاميّة الشريفة.

إنّ استثمار هذه الأسماء، لضرب «التَقِيّة» هو من أخبث أساليب العداء

ــ[16]ــ

للشريعة والمؤمنين بها.

وأخيراً، فإنّ المتّهم بالتقية ـ وهم الشيعة الذين يقول عنهم القفاري في نفس الصفحة: «لكنّها في المذهب الشيعي تُعدُّ طبيعةً ذاتيةً في بيئة المذهب، و«التَقِيّة» عندهم حالةٌ مستمرّةٌ وسلوكٌ جماعيٌّ» ـ إنّ تاريخ هؤلاء مليءٌ بالنضال والثورة والجهاد والدعوة، فلا يمرُّ قارىءُ التاريخ بعهد ولا بأرض إلاّ ويجدُ دماءَ هؤلاء بقيادة أئمّتهم وساداتهم من أهل البيت (عليهم السلام) وأعلام من علمائهم، مبثوثةً، ومنتشرةً وقبورُهم ومشاهدُهم شواهدُ تزهرُ وتتلألأُ في مختلف بقاع الأرض، دلالات واضحةً على ما قدّموا من تضحيات وبطولات، وبراهينَ على أنّ تلك الأراضي هي للمسلمين منذُ تلك العُصُور التي ركّزَ فيها هؤلاء أعلامَ الدين والهداية من أقصى المغرب العربيّ، إلى ما وراء النهر في سمرقند وكشمير والصين.

إنّ أصحاب «التَقِيّة» همُ الذين خاضُوا تلك المعارك بإيمانهم وتديّنهم بما شرع الله، ولا تزالُ رايات الجهاد والنضال في أيديهم في عالمنا اليوم، ولهذا قد اتُّهِموا بالخُرُوج، في لغة التاريخ القديم، وهم يُتَّهَمُون بالإرهاب في لغة العصر الحديث.

أَلِمِثْلِ هؤلاء، ولِمِثْلِ تشريع «التَقِيّة»، يُقال ذلك الكلام الباطل؟ وتُوَجَّهُ هذه الشبهة المزيّفة؟

وسيأتي توضيح أكثر لهذا في الشبهة رقم (7).

 

   الشبهة (6) ـ إنّ «التَقِيّة» إنّما تختصُّ بمواجهة الكفّار، دون المسلم في الدولة الإسلامية.

قال القفاري: و«التَقِيّة» في الإسلام ـ غالباً ـ إنّما هي مع الكفّار ... قال ابن جرير الطبري: «التَقِيّة» التي ذكرها الله في هذه الآية (28 آل عمران) إنّما هي تقيّةٌ من الكفّار لا من غيرهم. ولهذا يرى بعض السلف أنّه لا تقيّةَ بعد أن أعزّ الله الإسلام، قال معاذ بن جبل ومجاهد: كانت «التَقِيّةُ» في جِدّة الإسلام قبل قُوّة

ــ[17]ــ

المسلمين، أمّا اليوم فقد أعزّ اللهُ المسلمين أن يتّقوا منهم تقاة(1).

 

الجواب:

أوّلا: ورود تلك الآية في مورد «التَقِيّة» مع الكفّار واضح، وقصّة عمّار وجماعته واضحةٌ للجميع، وإنّما الكلامُ في تعميمها حسب القواعد الفقهيّة، كما عليه علماءُ الإسلام من فُقهاء ومُفسّرين ومُحدّثين، كافّةً.

ثمّ قول بعض السلف عن اليوم الذي أعزّ الله المسلمين صحيحٌ، ولكن ماذا عن اليوم الذي ذلّ فيه الإسلام وعاد فيه غريباً كما بدأ، كما في الحديث الشريف ؟ وماذا عن غير الغالب الذي يعترفُ به القفاري؟

ثانياً: إنّ الحكم الشرعيّ للتقيّة ـ ترخيصاً ووجوباً ـ لا يختصُّ بمورد ولا بزمن ولا بالآية السابقة فقط، بل يدورُ مدارَ ملاكه وحكمته وسببه وهو الإكراه المستثنى في قوله تعالى: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُو مُطْمَــِنُّمبِالاِْيمَـنِ)فمتى ما وجد؟ وأين ما كان؟ فله حكمه.

وأمّا دلالة السنّة المطهّرة على تعميم «التَقِيّة» للمسلمين، فواضحة كذلك في نُصوصها الكثيرة، ولذلك عمّمَ الفُقهاء فتاواهم بذلك.

قال الشافعي: إنّ الحالةَ بين المسلمين، إذا شاكلت الحالةَ بين المسلمين والمشركين، حلّت «التَقِيّةُ» محاماةً على النفس(2).

وقال ابن حزم: لا فرقَ بين إكراه السُلطان أو اللصوص أو من ليس سلطاناً، كلُّ ذلك سواءٌ في ما ذكرناه(3).

فكلمة «السلطان» تعمُّ المسلم، بل تنصرفُ إليه لوجود ابن حزم في بلاد

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ اُصول مذهب الشيعة (ص806).

2 ـ نقله عنه الرازي في التفسير الكبير (8/13) ذيل آية «التَقِيّة».

3 ـ المحلّى (8/335) المسألة 1407.

ــ[18]ــ

الإسلام، وكذلك اللصوص.

وقال السرخسي: ولو أنّ لُصوصاً من المسلمين تجمّعوا وتغلّبوا على مصر وأمّروا عليهم أميراً، فأخذوا رجلا فقالوا: «لَنَقْتُلَنّك أو لَنَشربَنَّ هذا الخمرَ أو لتَأكُلَنَّ هذه الميتة، ففعلَ شيئاً من ذلك، كان عندنا في سعة، لأنّ حرمة هذه الأشياء ثابتةٌ بالشرع، والتحريم مخصوصٌ بحالة الاختيار، وقد تحقّقت الضرورةُ هُنا لخوف التلف على نفسه بسبب الإكراه، وإن لم يفعل ذلك حتّى يُقتل كان آثماً(1).

وثالثاً: إذا كان الإكراهُ من الكافر يُبيحُ الإظهار لكلمة الكُفر، فالإكراهُ من المسلم إذا جاء منه الخطرُ وتحقّق الإكراه على سائر المعاصي التي هي أهونُ من الكفر كانت إباحتها أهونَ وأسهلَ، وإذا كان تهديدُ المسلم أشدَّ وعذابُه أكبرَ من عذاب الكافر فالتقيّةُ منه أوجبُ، فإنّ الخطر من الظالم المدّعي للإسلام قد يصلُ إلي ما لا يفعله حتى الكفّار بالمسلمين، ولا ما يفعله المسلمون بالكفّار، كما صدرَ عن الحَجّاج الثَقَفيّ، وبُسر بن أرطاة ومسلم بن عقبة ـ من أمراء الأمويين ـ بأهل مكّة والمدينة، وبشيعة علي (عليه السلام)في ولاياتهم، أيّام سلطان بني أُميّة.

 

   الشبهة (7) ـ وأحدث الشبهات وأخطرها: أنّ «التَقِيّة» من بدع الشيعة ومنفرداتهم:

فقال مؤلّفو الموسوعة العربيّة الميسرة: ««التَقِيّة»: عملٌ سرّيٌّ لحفظ الإمامة عند الشيعة»(2).

وقال القفاري في الباب الثالث: أُصولهم ومعتقداتهم (الأُخرى) التي تفرّدوا بها، وفيه ثمانية فصول: الفصل الأول: الإمامة، الفصل الثاني: عصمة الإمام، الفصل

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ المبسوط للسرخسي (24/7 ـ 48).

2 ـ الموسوعة العربية الميسرة (ص540).

ــ[19]ــ

الثالث: «التَقِيّة»، الفصل الرابع: المهدية والغيبة ...(1).

والقارىء الكريم يعرفُ ببساطة مدى ما تورّطَ فيه أصحابُ هذه الشبهة من جهل بالثقافة الإسلاميّة ومصادرها، فالتقيّةُ عملٌ إسلاميٌّ جاء به القرآن، والسنّة النبويّة، وعليه إجماعُ المسلمين وعملُهم! ولم تنفرد به الشيعةُ، بل كلّ المسلمين، ومن جميع المذاهب يلتزمونها ويُطبّقونها في حياتهم. وليست خاصّةً عند الشيعة ولا غيرهم بالإمامة، بل تجري في كلّ شيء من عقيدة أو عبادة، وغيرها ممّا يقعُ الإكراهُ عليه.

والقفاري يُضيف: « في المذهب الشيعي تُعدُّ «التَقِيّة» طبيعةً ذاتيةً في بُنية المذهب ... و«التَقِيّة» عندهم حالةٌ مستمرّةٌ وسلوكٌ جماعيٌ دائمٌ»(2).

وبما أنّ «التَقِيّة» تشريعٌ إسلاميٌّ جاء به القرآنُ والسنّةُ، وأجمعت عليها الأُمّة فهي تدخلُ في ذات الشريعة الإسلاميّة كمقولة، فما معنى عدّها في بُنية المذهب الشيعي فقط؟

وإذا كانت تشريعاً، فهي لابدَّ أن تكون باقيةً مستمرّةً إلى يوم القيامة، من حيث إنّ الشريعة الإسلاميّة هي التشريع الإلهيّ الخالد الخاتم للشرائع فحلال محمد حلالٌ إلى يوم القيامة ، وقد صرّح الحسن البصري بقوله: ««التَقِيّةُ» جائزةٌ للمؤمن إلى يوم القيامة»(3).

فلماذا يخصّصها القفاري بالشيعة؟

وهذا أيضاً دليل على الجهل بشؤون «التَقِيّة» في الإسلام.

وعندما يصطدمُ هؤلاء بالواقع المُرّ في اتّهام الشيعة، يلجأونَ إلى تعديل الموقف، فيقول الشيخ أحمد محمود شاكر ـ في تعليقه على دائرة المعارف الإسلامية ـ :

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ اُصول مذهب الشيعة للقفاري (ص651) وانظر (ص802).

2 ـ اُصول مذهب الشيعة (ص808).

3 ـ دائرة المعارف الإسلامية (5/419).

ــ[20]ــ

ما نُسِبَ إلى الشيعة الإمامية من الغُلُوّ في «التَقِيّة» فما نظنّ كلَّه صحيحاً.

وبعد أن أورد كلاماً للسيّد الشريف الرضيّ ـ قال: فهذا وغيرُه يؤيّدُ ما ذهبنا إليه من تبرئة الأئمّة من الشيعة عن عار هذه التهمة التي أُلصقت بهم(1).

ومع هذا فإنّ القفاري يقول: «أمّا سببُ هذا الغُلُوّ في أمر «التَقِيّة» فتعود إلى عدّة أُمور»(2) وبذكر أُموراً تؤكّدُ للقارىء بُعْدَهُ عن الحقّ والحقيقة، وعدم معرفته لأوليّات العلم في مختلف الموضوعات المطروحة عنده(3).

والمهمّ معرفة أمرين:

الأول: ما هو موقفُ أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)وشيعتهم من «التَقِيّة»؟

الثاني: لماذا هذا الهجوم على «التَقِيّة»؟

 

أمّا الأمر الأوّل: موقفُ أهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم من «التَقِيّة»

إنّ أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)باعتبارهم علماء بالدين وحماة له، لخلافتهم عن الرسول (صلى الله عليه وآله) فإنّهم اهتّموا بالتقيّة كواحد من أهمّ قواعد الشريعة، وقد بيّنوا معالمها وقرّروا قواعدها، وشرحوا أهدافها وميزاتها، لتسهيل الاستفادة منها للمؤمنين في الدولة الإسلاميّة، ولئلاّ تضيعَ بين جهل الجاهلين، وتزييف المغرضين الحاقدين.

ولكونهم أعرفَ بالتقيّة ميدانياً، لابتلائهم بموجِباتها وما تُلجىء إليها ويفرضها، لأنّ أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله) ـ وبالرغم من عظمتهم وقدسيّتهم وكرامتهم والوصيّة بهم لكونهم قُربى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ـ فإنّهم ابتُلُوا في هذه الأُمّة، وجُوبِهُوا بالعُدوان على طُول الخطّ:

قال المؤرّخ المصري المحقّق السيّد أحمد صقر:

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ دائرة المعارف الإسلامية (5/419).

2 ـ وقد فصّلنا الردّ على مزاعمه وخرافته في كتابنا الكبير حول «التَقِيّة».

3 ـ مقاتل الطالبيين، لأبي الفرج، المقدّمة (ص: ي ـ ك).

ــ[21]ــ

«ولا يعرفُ التاريخُ أُسرةً كأُسرة أبي طالب، بلغت الغاية من شرف الأرومة وطيب النَجار، ضَلَّ عنها حقُّها، وجاهدت في سبيل الله حقّ الجهاد، على مرّ الأعصار، ثمّ لم تظفر من جهادها المرير إلاّ بالحسرات، ولم تعقب من جهادها إلاّ العبرات، على ما فقدت من أبطال أسالوا نفوسهم في ساحة الوغى، راضيةً قلوبُهم، مطمئنةً ضمائرُهم، وصافحوا الموت في بسالة فائقة، وتلقّوه في صبر جميل يُثيرُ في النفس أفانين الإعجاب والإكبار، ويشيعُ فيها ألوانَ التقدير والإعظام.

ولقد أَسرَفَ خُصومُ هذه الأُسرة الطاهرة في مُحاربتها، وأذاقُوها ضُرُوبَ النَكال، وصَبُّوا عليها صُنُوف العذاب، ولم يرقُبوا فيها إِلاًّ ولا ذِمّةً، ولم يرعَوْا لها حقّاً ولا حُرمةً، وأفرغُوا بأسَهم الشديدَ على النساء والأطفال والرجال، في عُنْف لا يشوبُهُ لينٌ، وقسوة لاتُمازجُها رحمةٌ، حتّى عُدّت مصائبُ أهل البيت مضربَ الأمثال في فظاعة النَكال.

ولقد فجّرت هذه القسوةُ البالغةُ ينابيعَ الرحمة والمودّة في قُلُوب الناس، وأشاعت الأسَفَ المُمِضَّ في ضمائرهم، وملأت عليهم أقطارَ نُفُوسهم شَجَناً، وصارت مصارع هؤلاء الشُهداء حديثاً يُروى، وخَبَراً يُتناقَلُ، وقَصَصاً يُقَصُّ(1).

وحتّى ملأت أخبارُ مقاتلهم صحائفَ الكتب، وملأت أنوارُ مشاهدهم جوانبَ الأرض، وهل بعد ذلك نكونُ بحاجة إلى التدليل والاستشهاد على أنّهم كانوا في تقيّة دائمة؟ ليتمكّنوا من الاستمرار في الحياة، وأداء الدور البليغ المُلقى على عواتقهم من تبليغ ما حملوه من دين وعلم إلى الأجيال.

ومع كلّ هذا فإنّ القفاري يقول: «ثمّ هل هُناك حاجةٌ للتقيّة؟ في تفسير القرآن؟ وفي القُرون المفضلة؟ ومن عالم أهل البيت في عصره؟(2).

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ مقاتل الطالبيين، لأبي الفرح، المقدّمة ص: ي ـ ك).

2 ـ اُصول مذهب الشيعة، (ص816).

ــ[22]ــ

وكأنّه لم يحدُث شيءٌ لأهل البيت (عليهم السلام)، في القرون المفضّلة لاشيء من القتل ولاالتهجير والأسر ولاالحبس في المطامير؟!.

ولقد استخدم أهلُ البيت (عليهم السلام) « التَقِيّة» وسيلةً مشروعةً وآمنةً، تُبعدُ عنهم بعضَ الأذى والمكروه، مُحاولين البقاء في الساحة الإسلامية، مُحافظين على قضايا الإسلام المصيرية، و مسائل الاُمّة الكبرى، وعلى وجودهم في مراكز العلم والتصميم، ولم يحاولوا الخروج منها إلاّ إضطراراً عندما سعى الظالمون إبعادهم عنها، تحجيماً لهم. وتمكّنوا بهذا من الإستمرار في بثّ العلم والهدى، ونشر الحقّ والمعرفة على أيدي الثقات من أصحابهم وشيعتهم الكرام. وكذلك الشيعة المتّصلون بأهل البيت (عليهم السلام)تعرّضوا لهجمات الأعداء، فلذلك كانت تعليمات الأئمّة لهم وتوصياتهم إيّاهم بالتقيّة، ملجأً وثيقاً، في ظلّها أمنوا من بعض الظلم والنكال، وتمكّنوا من بثّ الدين والحقّ.

قال الشيخ الطوسي: لم تر فرقةٌ، ولا بُلِيَ أهلُ مذهب، بما بُلِيَتْ به الشيعةُ، حتّى لا تكادُ تعرفُ زماناً سلمت فيه الشيعةُ من الخوف ولزوم «التَقِيّة»، ولا حالا عَرِيَتْ فيه من قصد السلطان وعصبته وميله وانحرافه(1).

لكلّ هذا اتّسع حديثُ أهل البيت (عليهم السلام) عن «التَقِيّة» حتّى اتّهموهم وشيعتهم بابتداعها أو المُغالاة فيها، بما عرفت بُطلانه.

فهم(عليهم السلام) عرّفوها وبيّنوا أهدافها وحدّدوا شرائطها، ومواضعها وحثّوا الشيعة على استخدامها بدقّة، وأمروهم بالُمخالطة مع الناس، والحُضُور في مجالسهم ونواديهم ورغّبوهم في الاشتراك في الجماعات، وعدم الانعزال، وهذا أمرٌ لابدّ منه، فأمروهم بالُمجاملة والمُداراة وهي «التَقِيّة» في أدقّ أهدافها وأوضح طرقها.

وفي كلّ هذا ما يفنّد مزاعم الأعداء والحاقدين باتّهام الشيعة في استخدام

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ تلخيص الشافي للطوسي (ص59).

ــ[23]ــ

«التَقِيّة» لتغطية الحقّ وكتمانه وتركه، إذْ لو كان ذلك هو الغرض للجأ الشيعة إلى الاختفاء في أقاصي البلاد والابتعاد عن المراكز والمجامع التي يوجد فيها الأعداء وسلاطين الجور، لكن المفروض عليهم من أئمّتهم هو ضدّ ذلك، حتّى يتمكّنوا من الحفاظ على الحقّ وبثّه ونشره كي لا يموت، وكي تتمّ الحجّةُ على من لا يعرفُ، ولئلاّ يخلو الجوُّ للظلمة ولا تنفرد الساحة لعُلماء السُوء، يبثّون ما يُريدون، ويمرحون بما يحبّون ويسرحون.

وأمّا الأمر الثاني: لماذا هذا الهجوم على « التَقِيّة»؟

من هنا تعرف السبب في هُجُوم عُلماء البِلاط على « التَقِيّة» فإنّ الأُمراء والسلاطين لايتمكّنون مع « التَقِيّة» من كشف المُعارضين والوقوف على أشخاصهم وأعمالهم وأهدافهم، وهو ضروري ليتمكّنوا عن القبض عليهم وإبادتهم، فلذلك روّجوا ضدّها الدعايات والشبهات وبمعونة وعّاظ السلاطين وعُلماء البِلاط.

والهدف أن تُظهر المعارضةُ نفسها: فإمّا أن يُجرُّوا إلى حرب داخلية، نتيجتها الدمار، أو إبادة النُخْبةُ المؤمنة.

ومن هنا كان الاهتمام البليغ من قبل أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) وعلماء مذهبهم بأمر « التَقِيّة» باعتبارها أمراً مبتلىً به وعملا ضروريّاً في الحياة الدينية في ظلّ حكومات الجور والظلم والجهل على مدى التأريخ.

والأميريّون ـ وهم الذين يعظّمون الأُمراء ويتّبعونهم ويبرّرون لهم كلّ عمل، إنّما هَمُّهم الوحيدُ تلبيةُ إرادات الأُمراء، وتأمين رغبغتهم وتهدئة خواطرهم، و« التَقِيّة» ـ كما عرفنا ـ من أكبر ما يُقلقهم ويزعزع راحتهم، ويُبلبل أفكارهم، ويروّع قلوبهم، لأنّ المؤمن في ظلّها يتمكّن من الوصول إلى أهدافه بكلّ سهولة ويسر، وينجو من كلّ ما نصبه الأعداء له من عُسر وعراقيل وغدر، وهو هادىء البال والخاطر، لأنّه متعبّدٌ بما شرعه الله في الكتاب والسنّة من إباحة « التَقِيّة».

ارسال الأسئلة