تصنیف المقالات احدث المقالات المقالات العشوایئة المقالات الاکثرُ مشاهدة
■ مقالات (٥٧)
أزمة المحْدثين بين الافراط في التصنع والتفريط بالمصطلح
أسباب نزول القرآن، أهميتها وطرقها وحجيتها ومصادرها
باب (من لم يرو عن الأئمة عليهم السلام) فيرجال الشيخ الطوسي
البلاغات من أساليب الأداء للحديث الشريف في التراث الإسلاميّ
البناء على القبور
تأبين الإمام الخمينيّ قدس سرّه
تأبين السيد الخوئيّ قدس سرّه
التأثير المتبادل بين القرآن والحديث في مجال التأكيد والتحديد
تحملُ الحديث بالإجازة، واجبٌ مُلح في العصر الحاضر
تدوين السنّة أم تزييف الشريعة؟ في النقد العلمي
التسميات طليعة المؤلّفات في الحضارة الاسلامية موضوعها، ومنهج تأليفها وفهرستها
تتميم النظر في التقديم لمقتضب الاثر
الثقلان ودورهما في دعم السُنّة
جراب النورة بين اللغة والاصطلاح
حجّية الحديث المُعَنْعَن، وما يُثار حوله شبهةٌ في قبال البديهة
الحشوية نشأةً وتاريخاً (القسم الأول)
السنّة النبوية الشريفة وموقف الحكّام منها تدوينا وكتابة ونقلاً وتداولاً
الشيخ الطوسيّ وتراثه الحديثيّ
الحشوية أراء وملتزمات (القسم الثاني )
صِيَغ الأداء والتحمّل: تاريخها، ضرورتها، فوائدها، اختصاراتها
ضرورة تطويع الممارسات للانتهال من معين الحديث الشريف
ضرورة النقد العلمي في مجال تحقيق التراث
العبث بالتراث بين عمالة العلمنة ونفاق الاسلمة
علم الأئمة عليهم السلام بالغيب، والاعتراض عليه بالإلقاء في التهكلة، والإجابات عنه عبر التاريخ
علوم الحديث بين سعة الآفاق و محدوديّة الأعمال
عناوين الأبواب وتراجمها في التراث الإسلامي :حجّيتها، أغراضها مصادرها،ودلالاتها
فرق الشيعة أو مقالات الإمامية ؟ للنوبختي أم للأشعري؟
فوات فهرس الفهارس والأثبات، بذكر بعض ما للإمامية من الإجازات، في الفهرسة
التقية في الثقافة الاسلامية
الكرامات
الكنية، حقيقتها وميزاتها، وأثرها في الحضارة والعلوم الإسلامية، في علوم العربية، الأدب
لماذا الإمام عليه السلام
مجددو المذهب وسماتهم البارزة
المصطلح الرجالي>أسند عنه< ما هو وما هي قيمته الرجالية؟
مقال حول الصحيفة السجّادية
مقدمة (لوامع الأنوار)
مقدمة (المقنع في الإمامة)
مقولة جسم لا كالأجسام، بين موقف هشام بن الحكم ومواقف سائر أهل الكلام
من أدب الدعاء في الاسلام ضبطه عند الأداء والتحمل وتنزيهه من اللحن والتحريف ودعوة الى إحيائه وتحقيق كتبه
موقف أهل الكتاب من الحق بين الإلتزام والتصرفات المريبة
النكت الخفية في النادرة الشريفيّة
همزية البوصيريّ والتراث الذي دار حولها

مقولة جسم لا كالأجسام، بين موقف هشام بن الحكم ومواقف سائر أهل الكلام،

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ربّ العالمين و الصلاة و السلام التامّين على سيّد الأنبياء و المرسلين ، محمّد الصادق الأمين ، الصادق بالوحي المبين ، و على خلفائه الأئمّة المعصومين ، الامناء على الدنيا و الدين . و بعد : فقد تعرّض للحقّ ـ المتمثل في الإسلام ، منذ نشأته ، و الناس حديثو عهد بأصوله ـ أعداء ألّداء ، تحيّنوا كلّ فرصة للكيد له ، و النيل منه . لكنّهم أخفقوا ، و لم ينالوا مناهم ، فلم يصمدوا لصلابته ، فباءوا بالفشل ، و انهزموا خاسرين . و لمّا أعيتهم أساليب القمع و الفتك ، لجأوا إلى الاتهام ، و كيل الإفك ، و تزوير الباطل ، و تحريف الحقيقة ، بهدف تشويه وجه الحقّ ، و تعكير صفائه ، و إطفاء نوره ، و بهائه . لكن لم تنطل أكاذيبهم على أهل الحقّ و طالبيه ، و لم تحجب شبهاتهم ساطع ضوئه ، و صادق برهانه ، فخابوا ، و انقلبوا خاسئين . و لمّا يئس الأعداء الحاقدون من المساس بأصول الدين و أسس عقائده ،

عمدوا إلى أعمدته و قواعده ، و هم رجاله و مناصروه ، فخاضوا فيهم قتلاً و إبادة ، حتى استنفدوا أساليب الغيلة و الغدر ، فاعجزتهم عن إخضاع أولئك الأساطين ، فلجأوا إلى أسلوب بثّ الدعاية ، و كيل التهم ، لتشويه سمعة أبطال الإسلام و صناديده ، و هدفهم أن يجعلوا الإسلام غريباً لا ناصر له . فملأوا الدنيا بما لاكته ألسنة السوء من الباطل ، و ما لفظته أبواق الزور من البهتان الزائل . و قد فشلوا أمام وعد الله ببقاء جذوة الحقّ و قّادةً ، حيث قال : ( يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم و يأبى الله إلاّ أن يتمّ نوره و لو كره الكافرون ) ( سروة التوبة (9) الآية (32) و قال : (إنا نحن نزّلنا الذكر و إنّا له لحافظون ) ( سورة الحجر (15) الآية (9) ) . و لمّا يئسوا من أن يصيبوا الحقّ و أعلامة بسوء ، انكفأوا على الباطل ، و انضووا إلى المنافقين بتكديس المدائح المفتعلة لهم ، و وضع الفضائل و اختلاقها فيهم ، و ترويج باطلهم ، و تحسين قبائحهم ، و الستر على فضائحهم ، و التطبيل لهم ، و التزمير للغطهم ، سعياً في ضرب الحقّ ، و إخفاء شعاعه ، و إظهار الباطل ، و دجله ، و خداعه . أخرج أبن الجوزيّ ، عن طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل ، قال : سألت أبي : ما تقول في عليّ و معاوية ؟ فأطرق ، ثمّ قال : إعلم أنّ عليّاً كان كثير الأعداء ، ففتّش أعداؤه له عيباً فلم يجدوا ، فعمدوا إلى رج قد حاربه فأطروه ، كيداً منهم لعليّ . فأشار بذلك إلى ما اختلقوه لمعاوية من الفضائل ممّا لا أصل له (1) . و قال ابن قتيبة : أهملوا من ذكره ( يعني الإمام عليّاً عليه السلام ) أو روى حديثاً من فضائل ، حتى تحامى كثير من المحدّثين أن يتحدّثوا بها ، و عنوا بجمع فضائل

الهامش (1) ذكره ابن حجر في فتح الباري 7 / 83 ، و ذكره الهيتمي في الصواعق

ــ[2]ــ

المحرقة : 76 قال : أخرج السلفي في « الطيّوريّات » .

................ص9..............

عمرو بن العاص و معاوية ، كأنّهم لا يريدونهما بذلك و إنّما يريدونه (2) . و ابتلي الحقّ ـ ثانية ، و هو متمثّل في التشيّع بأولئك الأعداء ، مقنّعين باسم السلف و السنّة ، حيث تصدّوا له بالمنابذة و المعارضة ، فواجهتهم أدلّته القاطعة و حججه الصارمة الناصعة . و لمّا تعرفضوا لأئمّة الحق من آل محمّد ، خلفاء الرسول من عترته الطاهرة ، أعجزتهم قوة أولئك السادة العلماء بالحقّ ، و صلابة اولئك الأوتاد العرفاء بالله ، و إخلاصهم في التفاني من أجله ، بما لم يثنهم عن ذلك ، حتى الاغتيال و القتل الذريع ، و السجن و الهتك الفظيع ، بل ظلّوا صامدين ، مصرّين على قول الحقّ و فعل الصدق ، رغم كلّ أساليب العدوان و أقاويل البهتان التي استعملها الأعداء ضدّهم . و لقد اضطرّ أعداء الحقّ للخضوع أمام عظمتهم ، و الاعتراف لهم بكلف كرامة : يقول ابن حجر الهيتمي ـ و هو يتحدّث عن ( حديث الثقلين ) المحتوي على قول النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم في القرآن و أهل البيت ـ : « لا تقدموهما فتهلكوا ، و لا تقصروا عنهما فتهلكوا ، و لا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم » (3) . قال : في قوله صلّى الله عليه و آله و سلّم دليل على أن من تأهّل منهم للمراتب العليّة و الوظائف الدينيّة كان مقدّماً على غيره (4) . و يقول الذهبيّ ـ في ترجمة الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن عليه السلام ـ : محمّد ، هذا ، هو الذي يزعمون أنّه « الخلف الحجة » و أنّه « صاحب الزمان » و أنّه حيّ لا يموت حتى يخرج ، فيملأ الارض عدلاً و قسطاً ، كما ملئت ظلماً و جوراً .

الهامش (2) الاختلاف في اللفظ : 48 . (3) أنظر : مصادر حديث الثقلين ، بألفاظه المختلفة في مقال « أهل البيت في المكتبة العربية » المنشور في مجلّة ( تراثنا ) العدد (15) السنة الرابْه ، 1409 / ص 84 . (4) الصواعق المحرقة لابن حجر : 136 .

................ص10..............

فمولانا عليّ من الخلفاء الراشدين ! ... نحبّه أشدّ الحبّ ! و ابناه الحسن و الحسين ، فسبطا رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم ، و سيّدا شباب أهل الجنّة ، لو استخلفا لكانا أهلاً لذلك !؟ و زين العابدين كبير القدر ، من سادة العلماء العاملين ، يصلح للإمامة ! و كذلك ابنه أبو جعفر الباقر سيّد ، إمام ، فقيه ، يصلح للخلافة ! و كذا ولده جعفر الصادق كبير الشأن ، من أئمّة العلم ، كان أولى بالأمر من أبي جعفر المنصور . و كان و لده موسى كبير القدر ، جيّد العلم ، أولى بالخلافة من هارون ... (5) . ولئن اضطرّهم الأمر للاعتراف ـ هكذا ـ بالحقّ ، و الحقّ مرّ على أذواق غير أهله ، فبدلاً من أن يبحثوا عن الطرق التي توصلهم إلى هؤلاء الأئمّة السادة القادة ، قرناء الكتاب ، و أمناء الشرع ، فبدلاً من ذلك انثالوا على كلّ ما يمتّ إليهم بصلة ، فانهمكوا بإنكاره و تكذيبه ، و على أصحابهم و أوليائهم فتعقّبوهم بالمطارة و

ــ[3]ــ

التنكيل و التهديد ، و على رواة حديثهم فرموهم بالقدح و التجريح . فلم يبخلوا ـ لا درّ درّهم ـ بتهمة أن يلصقوها بكبار شيعة أهل البيت ، أولئك الّذين وضعوا ثقتهم عند هؤلاء الأئمة عليهم السلام ، و انصاعوا للحقّ المتمثّل في آرائهم . و نظرة عجلى ، في الميزان للذهبي و اللسان لابن حجر ، تكشف أبعاداً من التجاوز الذي جاء على أتباع أئمّة أهل البيت عليهم السلام ، في هذه المجالات ! و لقد استهدفوا من ذلك نفس الهدف الذي كان لأعداء الحقّ المتمثّل في الإسلام ـ أولاً ـ و بنفس الأساليب التي انتهجها أولئك ، يحاولون إخلاء ساحة الحق من أنصاره الصادقين ، و تشويه ناصع الحقّ بإلصاق كلّ تهمة ، و تلطيخ سمعة أهله بأيّة صورة ، ظلماً ، و عدواناً ، و زوراً ، وبهتاناً .

الهامش (5) سير أعلام النبلاء 13 / 121 ، و انظر : كلمة حول الرؤية ـ للسيد شرف الدين ـ : 42 .

................ص11..............

فهذا « هشام بن الحكم » الذي التزم بهدي أهل البيت عليهم السلام و هو « شاب » (6) « أول ما اختطّت لحيته » (7) و « غلام ، أول ما اختطّ عارضاه » (8) ، فتمسّك بالحقّ الذي هم عليه ، و استضاء بنور علومهم ، و كان من أنصار الإسلام ، و حمل مشعل الحقّ في ذلك العصر المظلم ، المدلهمّ ، الموبوء بالتيّارات الإلحاديّة ، و الآراء المستجدّة على ساحة الفكر و العقيدة ، فكان ـ لما يتمتع به من نبوغ فائق ، و عقليّة مقتدرة ـ نبراساً منيراً ، يتهافت حواليه شغب المشكّكين في الإسلام القويم ، و تندحر به شبه المنحرفين عن صراط أهل البيت عليهم السلام المستقيم . و لعظمة هشام ، وسموّ مقامه في الحقّ ، و عمق أثره في دحر الباطل ، و قف أعداء أهل البيت منه موقفاً عدائياً صارخاً ، و سعوا لتشويه سمعته ، و إبعاده عن الساحة ، و إفقاد جبهة الحقّ لمثل هذا العنصر النصير ، لما له من دور في الذبّ عن حياضه ، وردّ كيد المبطلين إلى نحورهم ، لما يتمتّع به من قوّة على المناظرة و تفنيد شبهات المنحرفين ، و الاعتراض على باطلهم بما يعجزون عن مقاومته ، و يوقفهم على صراح الحقّ بحيث يكلّون عن تجاوزه و تخطّيه . و لقد أفرطوا في كيل التهم ، بأشكال مختلفة ، و في مجالات عديدة ، لهذا الرجل العظيم . و ركّزوا ـ بالخصوص ـ على اتّهامه في « التوحيد » باعتقاد التجسيم للبارئ تعالى شأنه ، فصوّروا منه « رأساً » في هذا المعتقد الباطل ، و نسبوا إليه خرافات تأباها عقول المبتدئين في العلم ، فضلاً عن مثل هشام الذي « كان حاذقاً في صناعة الكلام » و « فتق الكلام في الإمامة ، و هذّب المذهب بالنظر » (9) و « له غور في الأصول »

الهامش (6) الاحتجاج على أهل اللجاج : 367 . و أنظر : اختيار معرفة الرجال : 271 . (7) الاحتجاج على أهل اللجاج : 365 . (8) الفصول المختارة : 28 ، و انظر : معالم العلماء ـ لابن شهرآشوب ـ : 128 . (9) الفهرست ـ للنديم ـ : 223 .

................ص12..............

ــ[4]ــ

و « لا يغفل عن إلزاماته » (10) . مع ما يظهر على تلك التهم من التناقض الواضح ، و التهافت المفضوح ! و محور ما نقلوه عنه في هذه التهمة أنّه كان يقول : إنّ البارئ تعالى شأنه « جسم لا كالأجسام » . و مع أنّ هذه المقولة لا تدلّ على ما يرومون إلصاقه بهشام من الاعتقاد بالتجسيم ، فإنّ أكثرهم اعتمد ما قاله الخصوم في نقلهم عن هشام ، و استند إلى تلك التهم في ترويج الدعايات المضلّلة ضدّ هذا العالم العظيم . و العجب أن نجد في المتطاولين على هشام كثيراً من المنتسبين إلى السلف و المنتمين إلى السنّة ، ممن يذهب إلى إثبات الأعضاء للبارئ جلّ شأنّه ، بعنوان أنّ الأعضاء « صفات خبرية » له تعالى ، مع التزامهم بإمكان رؤيته ، و مع ذلك يلهثون ، ليخدشوا كرامة هشام بهذه التهمة ! و لم يقنع الأعداء باتّهام هشام ، حتى اختلقوا مذهباً و هميّاً باسم « الهشاميّة » نسبوه إليه ، و ذكروا فيه كلّ خرافة ، و كفر ، و تناقض ، و باطل ! و الأغرب أنّ تعوليهم في جميع ما تناقلوه ، على ما ذكره خصوم هشام فيه ، و كلّ واحد من يقصع بجرّة سابقه ، حتى تكاثروا ، و ألهاهم التكاثر عن رؤية الحقّ و درك الحقيقة (11) . و رأيت بعض الكتّاب من المعاصرين قد استسلم لتلك الشائعات ، منصاعاً لما استهدفته تلك التهم من الأغراض الفاسدة ، فنقل ما لفّقه أولئك السابقون من الأكاذيب ، و عنون لفرقة باسم « الهشامية » في فرق الشيعة .

الهامش (10) الملل و النحل ـ للشهرستاني / 185 . (11) إقرأ عن هذا التكاثر ، ما كتبه الأستاذ القدير المحامي توفيق الفكيكي رحمه الله في مقال « مع الدكتور كامل ... » في مجلة « الإيمان » النجفية ، العدد 5 ـ 6 ، السنة الأولى ، ص 8 ـ 399 . و في العزم أن نكتب عمّا جناه مؤلّفو كتاب المقالات و الفرق في شأن هشام ، و تفنيد مزاعمهم المفتراة عليه ، و فّقنا الله لإنجازه ، إنّه هو الموفّق للخير و المعين عليه .

................ص13..............

غافلاً عن أنّ مصادرنا ـ على الإطلاق خالية عن ذكر فرقة بهذا الاسم ! و الخصوم و الأعداء ـ على رغم تكاثرهم ـ لم يعتمدوا فيما نسبوه إلى هشام من آراء و عقائد ، و أفكار ، و أدّلة ، و شواهد ، و حجج ، على مصدر شيعيّ أبداً ، و لو على واحد ! و لقد حزّ في نفسي كلّ هذا الحيث ! فصمّمت على كتابة هذا البحث ، لعلّي اسهم به في إسفار الحقيقة عن و جهها ، أو أنفض عنه غبار الزمان ، و عجاج العدوان ، و الله المستعان . و كتب السيّد محمد رضا الحسيني الجلالي في 20 / جمادى الثانية / 1410 هـ

................ص14..............

مع المقولة : مصدرها و مدلولها لقد تعدّدت الفرق التي عدّ هشام بن الحكم منها . الأكثرون بأنّه من « الشيعة الإماميّة » باعتباره واحداً من كبار المتكلّمين وفق هذا المذهب ، بل من المنظّرين لعقائده ، و من رواة حديثه ، و من حملة فقهه ، و

ــ[5]ــ

الخصوصم ينبزونه بأنّه « رافضيّ » على هذا الأساس ، نجد من عدّه في « الغلاة » و « المجبّرة » (12) و « الجهميّة » (13) و « المشبّهة » (14) و « الحلوليّة » (15) و « الدهريّة » (16) و « الديصانية الثنوية » (17) إلاّ أنّ ما أكّد عليه أكثر خصومه هو كونه من « المجسّمة » (18) . و قد نسبوا إليه ـ في مجال التجسيم ـ اموراً واضحة البطلان ، حتّى أنّ بعضهم نسب إليه تجويز « المحال الذي لا يتردّد في بطلانه ذو عقل » (19) . و نقلوا عن النظام قوله : إنّ هشاماً قال في التشبيه ـ في سنة واحدة ـ خمسة أقاويل (20) . و لوضوح بطلان هذه الدعاوى ، حيث أنّ هشاماً أرفع شأناً من أن يوصم بمثل هذه الترّهات ، و هو المتصدّي لمناظرة كبار علماء القوم ، فإنّا نرجئ التعقيب عليها و على أمثالها ا لى مجال آخر . و على كلّ ، فإنّ التجسيم أصبح السمة المشهورة التي تذكر مع هشام ،

الهامش (12) تأويل مختلف الحديث : 48 ، و الأنساب ـ للسمعاني ـ : ظ 590 ، و لسان الميزان 6 / 194 ، و الملل و النحل 1 / 185 . (13) هامش الفهرست ـ للنديم ـ : 224 . (14) الملل و النحل / 184 ، و الأنساب ـ للسمعاني ـ : ظ 590 . (15) تاريخ الفرق الإسلامية ـ للغرابي ـ : 302 . (16) التنبيه و الردّ ـ للملطي ـ : 24 . (17) الانتصار ـ للخيّاط ـ : 40 ـ 41 . (18) مقالات الإسلاميين ـ للأشعري ـ 1 / 257 ، و لسان الميزان 6 / 196 ، و لهج بهذه التهمة أكثر المتأخّرين ! (19) لسان الميزان 6 / 194 . (20) مقالات الإسلاميين 1 / 104 ، و انظر : تلبس إبليس ـ لابن الجوزي ـ : 83 .

................ص15..............

و يحاول خصومه إلصاقها به ، أو اتّهامه بها ، و لقد عبّروا عن هذه التهمة بعبارات تقشعرّ منها جلود المؤمنين الموحّدين !! و قد اتّفقوا في النقل عنه أنّه قال : البارئ جلّ ذكره « جسم لا كالأجسام » و كأنّهم لخّصوا التهمة في هذه الجملة ، و جعلوها دليلاً على ما ادّعوه عليه من التجسيم ! و لذلك ، فإنّا نركّز البحث عنها هنا ، تحت العناوين التالية :

................ص16..............

1 ـ مصدر المقولة : نقلت هذه المقولة عن هشام ، في مصادر عديدة لمؤلّفين قدماء : 1 ـ الرجال ، للكشّي ; فقد ذكر بسنده عن عبد الملك بن هشام الحنّاط ، قال : زعم هشام بن الحكم : إن الله « شي لا كالأشياء » و إنّ الأشياء بائنة عنه ، و هو بائن عن الأشياء . و زعم : إنّ إثبات « الشيء » أن يقال : « جسم » فهو « جسم لا كالأجسام » « شيء لا كالأشياء » : ثابت موجود ، غير مفقود ، و لا معدوم ، خارج عن الحدّين : حد الإبطال ، و حدّ التشبيه (21) . 2 ـ الكافي ، للكليني ; فقد روى بسنده عن الحسن بن عبد الرحمن الحمّاني ، قال : قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام : إنّ هشام بن الحكم زعم : أنّ الله « جسم ، ليس كمثله شيء » (22) . فإنّ مؤدّي « ليس كمثله شيء » هو نفس مؤدّي « لا كالأجسام » من

ــ[6]ــ

دون أدنى تفاوت ، و سيأتي توضيح هذه الجهة . 3 ـ و قال الشيخ المفيد : لم يكن في سلفنا من تديّن بالتشبيه من طريق المعنى ، و إنّما خالف هشام و أصحابه جماعة أصحاب أبي عبد الله عليه السلام بقوله في « الجسم » فزعم : انّ الله تعالى « جسم لا كالأجسام » (23) . 4 ـ و قال السيد الشريف المرتضى : فأمّا ما رمي به هشام بن الحكم من المقول بالتجسيم ، فالظاهر من الحكاية عنه القول بـ « جسم لا كالأجسام » (24) . و بهذا يثبت صدور هذه المقولة من هشام ، لأنّ كبار أعلام الطائفة نقلوها عنه

الهامش (21) اختيار معرفة الرجال : 284 الفقرة 503 . (22) الكافي ، كتاب التوحيد ، باب 11 ج 1 ص 82 ح 7 . رواه الصدوق في التوحيد ، باب 6 ، ح 8 ، ص 100 . (23) الحكايات : 131 ، الفصول المختارة : 285 . (24) الشافي ـ للسيد المرتضى ـ : 12 .

................ص17..............

و قد نقلها علماء سائر الطوائف ، كما يلي : 5 ـ قال أبو الحسن الأشعريّ ـ صاحب المذهب ـ حكي عنه ( أي : عن هشام ) أنّه قال : هو « جسم لا كالأجسام » و معنى ذلك : أنّه شيء موجود (25) . و في موضع آخر ، عند ذكر الاختلاف في التجسيم ، عدّ الفرقة الأولى : « الهشامية » و نقل عن هشام أنّه قال : هو « جسم لا كالأجسام » . ثمّ عنون للفرقة الثانية بقوله : يزعمون أنّ ربّهم « ليس بصورة ، و لا كالأجسام » ، و إنّما يذهبون في قولهم : « إنّه جسم » إلى : « أنّه موجود » و لا يثبتون البارئ ذا أجزاء مؤتلفة ، و أبعاض متلاصقة (26) . فالملاحظة : أنّ ما نسبه إلى الفرقة الثانية لا يختلف عمّا تحتويه المقولة التي نقلها عن هشام في ذكر الفرقة الاولى ، و لا عمّا نقله عنه في الموضع السابق ، و إنّما هو هو بعينه ، بلا أدنى تفاوت ، عدا التقديم و التأخير ، و بعض التوضيح . 6 ـ و ابن أبي الحديد المعتزليّ ـ بعد أن نقل أنواع التهم الموجّهة إلى هشام ـ قال : و أصحابه من الشيعة يدفعون ـ اليوم ـ هذه الحكايات عنه ، و يزعمون : أنّه لم يزد على قوله : إنّه« جسم لا كالأجسام » و أنّه إنّما أراد بإطلاق هذا اللفظ عليه : إثباته (27) ، و قد نسبت هذه المقولة إلى آخرين غير هشام : 7 ـ قال ابن أبي الحديد : و أمّا من قال : إنّه « جسم لا كالأجسام » على معنى أنه بخلاف « العرض » الذي يستحيل أن يتوهّم منه فعل ، و نفوا عنه معنى الجسميّة ، و إنّما أطلقوا هذه اللفظة لمعنى : أنّه « شيء لا كالأجسام » و « ذات لا كالذوات » . فأمرهم سهل ، لأنّ خلافهم في العبارة ; و هم : عليّ بن منصور ، و السكّاك ، و يونس بن عبد الرحمن ، و الفضل بن شاذان .

الهامش (25) مقالات إسلاميّين 1 / 257 . (26) مقالات إسلاميّين 1 / 104 . (27) شرح نهج البلاغة 3 / 224 و 228 .

................ص18..............

و كلّ هؤلاء من قدماء رجال الشيعة (28) . و نسبت المقولة إلى أشخاص ينتمون

ــ[7]ــ

إلى فرق أخرى : 8 ـ قال ابن أبي الحديد ـ بعد ذكر ما نقلنا عنه ـ : و قال قال بهذا القول « ابن كرّام » و أصحابه (29) . و نسبت إلى داود الحواري (30) . 9 ـ قال الشهرستاني ـ في « مشبّهة الحسويّة » نقلاً عن الكعبيّ ، عن داود الحواري ـ رئيس « الحواريّة » أنّه يقول : إنّ الله سبحانه « جسم » و لحم ، و دم ، و له جوارح و أعضاء ... و هو مع هذا « ليس جسماً كالأجسام » و لا لحماً كاللحوم ... و كذلك جميع صفاته . و هو سبحانه لا يشبه شيئاً من المخلوقات ، و لا يشبهه شيء (31) . و مع قطع النظر عن التناقض بين صدر هذا النقل و ذيله ، فإنّه يدلّ على وجود المقولة « جسم لا كالأجسام » في ما نقل عن داود . و نقلت المقولة ، بالمعنى ، منسوبة إلى قائلين لها : 10 ـ ذكر الأشعريّ في اختلافهم في البارئ تعالى هل هو في مكان أو لا ؟ فقال : و قال قائلون : هو « جسم خارج من جميع صفات الأجسام »ليس بطويل ، ولا عريض ، و لا عميق ، و لا يوصف بلون ، و لا بطعم ، و لا مجسّة ، ولا شيء من صفات الأجسام (32) . و حكيت المقولة عن غير المعتزلة :

الهامش (28) شرح نهج البلاغة 3 / 228 . (29) شرح نهج البلاغة 3 / 228 . (30) لقد اختلفت المصادر في إيراد هذا اللقب ، و قد ورد « الحواري » في بعض المواضع ، و « الجواربي » أو « الجواري » في مواضع أخرى ، و الخوارزمي مواضع ثالثة ، فليلاحظ . (31) الملل و النحل 1 / 105 ، و انظر : تاريخ الفرق الإسلامية ـ للغرابي ـ : 300 ـ 301 .

................ص19..............

11 ـ قال صاحب كتاب « فضيحة المعتزلة » أيّما أشنع ؟ القول بأنّ الله « جسم لا يشبه الأجسام » في معانيها ، و لا في أنفسها ، غير متناه القدرة ، و لا محدود العلم ، لا يلحقه نقص ، و لا يدخله تغيير ، و لا تستحيل منه الأفعال ، لا يزال قادراً عليها ؟ أم القول ... (33) . و جاءت المقولة غير منسوبة : 12 ـ فيما ذكره الدوّاني على العقائد العضدية ، قال : و منهم ـ أي : من المشبّهة ـ من تستّر بالبلكفة ، فقال : هو « جسم لا كالأجسام » و له حيّز لا كالأحياز ، و نسبته إلى حيّزه ليست كنسبة الإجسام إلى أحيازها ، و هكذا « ينفي جميع خواصّ الجسم » عنه ، حتى لا يبقى إلاّ اسم « الجسم » . و هؤلاء لا يكفّرون ، بخلاف المصرّحين بالجسميّة (34) . 13 ـ فيما ذكره القاضي عبد الجبّار المعتزلي من إبطال المعتزلة لقول من زعم : أنّ الله تعالى « جسم لا كالأجسام » قياساً على القول بأنّه تعالى « شيء لا كالأشياء » (35) . و لكن سنذكر أنّ مقولة « جسم لا كالأجسام » هي عند هشام بمعنى « شيء لا كالأشياء » و تساويها في المعنى ، فالدليل عليهما ـ عند هشام ـ واحد . و على هذا فيمكن أن تعتبر مصادر « شيء لا كالأشياء » مكملّة لمصادر مقولة « جسم لا كالأجسام » . و من الغريب أنّ البغداديّ ـ صاحب « الفرق بين الفرق » ـ لم ينقل هذه المقولة عن هشام ، مع نقله جملة من أشنع ما نسب إليه في بعض مصادرها السابقة ! و أظن أنّه إنّما عمد إلى ترك ذكر هذه المقولة ، لأنّها تحتوي على ما

ــ[8]ــ

ينسف كلّ تلك الأكاذيب المفتعلة ، و الأباطيل المنسوبة إلى هشام ، كما سيتّضح في هذا البحث ، بعون الله .

................ص20..............

2 ـ مصطلح هشام في كلمة « جسم » : « الجسم » في العرف اللغويّ يدلّ على تجمع الشيء ، و تكتّله في الوجود الخارجي (36) . و هذا بالطبيعة يقتضي و جود الأبعاد من الطول و العرض و العمق في ما يطلق عليه هذا اللفظ . و يراد منه في العرف العامّ : مجموعة البدن ـ لإنسان أو يحوان ـ متكوّنة من أعضاء و جوارح . و بعد أن دخلت الفلسفة الأجنبيّة بلاد الإسلام ، و ترجمت ، و استغلّها أعداء الدين لإحداث البلابل في أفكار المؤمنين ، و فصلهم عن معين الإسلام الصافي الذي كان يتمثّل آنذاك في أهل البيت عليهم السلام ، استحدث لكلمة « الجسم » تفسير فلسفيّ هو : ما شغل حيّزاً و مكاناً . و قد اختلفت كلمات المتكلّمين في معنى « الجسم » اختلافاً كبيراً حيث يطلقونه في كتبهم ، و تجري على ألسنتهم . قال ابن رشيد : الكرّاميّة زعموا : أن معنى « الجسم » هو أنّه « قائم بنفسه » (37) . و الأشاعرة ذهبوا إلى أنّ « الجسم » : ما كان مؤلّفاً . و رأي المعتزلة : أنّ « الجسم » ما كان طويلاً ، عريضاً ، عميقاً . و هذا هو رأي المجسّمة أيضاً (38) . و قد اصطلح هشام بن الحكم و تلامذته في « الجسم » معنى خاصاً . قال السيّد الخوئي ـ معقفباً على مقولة « جسم ، ليس كمثله شيء » ـ : إنّ نفي

الهامش (36) معجم مقاييس اللّغة ـ لابن فارس ـ 1 / 457 . (37) ديوان الأصول : 595 ، و لوامع البيّنات ـ للرازي ـ : 359 . (38) ديوان الأصول : 595 .

................ص21..............

المماثلة يدل على أنّه لا يريد من كلمة « الجسم » معناها المفهوم ، و إلاّ : لم يصحّ نفي المماثلة ، بل يريد معنى آخر غير ذلك (39) . فما هو ذلك المعنى المصطلح ؟ و هل يصحّ لهشام أن يصطلح لنفسه معنى يخالف العرف ؟ و ما هو الدليل على صحّة هذا التصرّف ؟ و لا بدّ ـ قبل الدخول في هذه المباحث ـ من التذكير بأنّ معرفة مصطلح كلّ مذهب ، ضروري جدّاً لفهم مقاصده ، و إمكان معارضته ، لأنّ أساس ذلك المذهب إنّما يدور على محور مصطلحاته ، و لا يصحّ ـ في عرف العلماء ـ أن يحاسب أحد إلاّ على ما أظهره من مراده على مصطلحه ، كما لا يجوز لأحد أن يحاسب الآخرين على أساس ما اتّخذه هو مصطلحاً لنفسه ، بخلاف الآخرين . و قديماً قيل : « لا مشاحّة في الاصطلاح » . أمّا صحّة الاصطلاح الخاصف ، فيمكن معرفتها من خلال ما يلي : 1 ـ قال القاضي عبد الجبّار المعتزليّ : قال شيوخنا : لو أنّ أهل اللغة بدا لهم في العربيّة على الوجه الذي تواضعوا عليه ، و غيّروه حتى يجعلوا « قديماً » مكان « محدث » و « عالماً » مكان « جاهل » و « طويلاً » مكان « قصير » كان لا يمنع (40) . 2 ـ و قال : قال شيوخنا : لو تواضع قوم على تسمية كلّ موجود : « جوهراً » أو « جسماً » على

ــ[9]ــ

تسمية « القائم بنفسه » بذلك ، لحسن منهم وصف القديم تعالى بأنّه « جسم إلاّ أن يحصل نهي سمعي عن ذلك (41) . أقول : أمّا مسألة النهي الشرعي ، فلا مدخل لها في صحّة التواضع و عدمها . و سيأتي البحث عن توقيفيّة أسماء الله تعالى ، في نهاية البحث .

الهامش 39) معجم رجال الحديث 19 / 358 . (40) المغني ـ لعبد الجبّار ـ 5 / 172 . (41) المغني ـ لعبد الجبار ـ 5 / 173 .

................ص22..............

و أمّا الفرد أو الجماعة الّذين يصحّ منهم الإصطلاح و التواضع الخاصّ ، فهم في عبارة القاضي الاولى « أهل اللغة » و ليس المراد بهم علماء اللغة ، اللغويّون الّذين تخصّصوا بمعرفتهم بها بالدراسة و البحث كعلم من المعلوم ، بل المراد بهم أهل اللسان الّذين نشأوا عليها و نطقوا بها كلغة لهم ، و منهم انطلقت مفرداتها ، و اخذت تراكبيها ، و تألّفت قواميسها ، فقد كان لهؤلاء الحقّ في أن يضعوا ـ من البداية ـ لكلّ معنى لفظاً يدلّ عليه ، ينتخبونه على حسب سلائقهم و ما يقارن الوضع من الأمور ، باعتبار أنّهم آباء اللغة و أولياؤها ، و لو كانوا يضعون الأسماء على غير ما يعرف اليوم لها من المعاني ، لما كان ممتنعاً . أمّا بعد ما حصل من التواضع ، و ما تّم إثباته في متن اللغة ، فليس لأحد من التخصّصين بلعم اللغة تغييره عمّا وضع عليه ، و تبديله عمّا ثبت سماعه منهم أو قياسه عنهم . و عبارة القاضي الثانية : تنظر إلى أهل الاختصاص بالعلوم ، و لم يذكر الخصوصيّات المشترط توفّرها في القائم بوضع الاصطلاح الخاصّ . و الذي أراه أنّ ذلك مشروط بأمرين : الأوّل : أن لا يكون التواضع الجديد على نقيض المغنى اللغويّ ، و لا معارضاً له بالتباين . فلو اشتركا في بعض الأفراد ، أو ارتبطا بعلقة مجازية ، صحّ التواضع على غير المعنى اللغويّ ، و من هنا يعلم : أنّ كون القائم بالوضع الجديد عارفاً بلغة التواضع ، ليحقق هذا الشرط ، هو أمر أساسيّ كما لا يخفى . الثاني أن يكون التواضع الجديد مبتنياً على دليل منطقي ، قابل للتصور ، بأن لا يكون منافياً لضرورة العقل ، أو قضية وجدانية . قال الشيخ محمد عبده ـ في توفيقيّة أسماء الله ـ : الألفاظ التي لا تفهم إلاّ الكمال ، و لا تشوب ظاهرها شائبة النقص ، فيجوز إطلاقها على الله تعالى ، بلا حرج . و أضاف : و لكلّ قوم أن يصطلحوا في ذلك على ما شاءوا ، كيف ؟ و لنا أن

................ص23..............

نستدلّ على إثبات صفات كماليّة للواجب تعالى ، ثمّ نعبّر عنها بمشتقّ ؟ (42) . و من هنا ، فإنّ لهشام بن الحكم الحقّ في أن يصطلح معنى خاصّاً لكلمة « جسم » فيطلقها ، إذا توفّر فيه الشرطان ، و لا يمنع منه إلاّ موضع « توقيفيّة أسماء الله تعالى » . التي سنتحدّث عنها في نهاية البحث ، أمّا هنا فيجب أن نعرف « مصطلح هشام » ثمّ « الدليل على اختياره لهذا المصطلح » . أما مصطلحه : فقد ذكروا : أنّ «

ــ[10]ــ

الشيء » عنده لا يكون إلاّ « جسماً » (43) و نقلوا عنه : أنّه زعم أنّ إثبات « الشيء » أن يقال : « جسم » (44) . و قال فرقة من المعتزلة : لا « شيء » إلاّ « جسم » (45) . و قال الأشعري ـ في الاختلاف في الدقيق ، و « الجسم » ـ : 9 ـ هشام بن الحكم ، و كان يقول : أريد بقولي : « جسم » أنّه « موجود » و أنّه « شيء » و أنّه « قائم بنفسه » (46) . هكذا جمع الأشعري بين هذه التفسيرات الثلاثة ، في مصطلح هشام في « الجسم » ، و ظاهر ذلك أنّها كلّها متساوية ، و تعطي مفهوماً و اخحداً . و قد عرفت أنّ « الشيء » و « الجسم » واحد عند هشام ، كما نسب الأشعري ذلك إلى المشبّهة (47) .

الهامش (42) الشيخ محمد عبده بين الفلاسفة و المتكلّمين : 604 . (43) الفرق بين الفرق : 67 . (44) اختيار معرفة الرجال : 284 رقم 503 . (45) مقالات الإسلاميّين 1 / 245 . (46) مقالات الإسلاميّين 2 / 6 ، و طبعة ريتر : 304 . (47) مقالات الإسلاميّين 2 / 180 .

................ص24..............

و أمّا تفسير « الجسم » بـ « القائم بنفسه » : فقد ذكره عبد الجبّار ، فقال : و أمّا أن يكون ( التجسيم ) عن طريق العبارة ، يجوز أن يقول : إنّ الله تعالى « جسم » ليس بطويل ، و لا عريض ، و لا عميق و « لا يجوز عليه ما يجوز على الأجسام » من الصعود ، و الهبوط ، و الحركة ، و السكون ، و الانتقال من مكان إلى مكان ، و لكن اسميّه « جسماً » لأنّه « قائم بنفسه » (48) . و نسبه الشهرستانّي إلى الكرّاميّة ، فقال : أطلق أكثرهم لفظ « الجسم » عليه تعالى ، و المقاربون منهم قالوا : نعني بكونه « جسماً » أنّه « قائم بذاته » و هذا هو « الجسم » عندهم (49) . و قال الشهرستاني ـ أيضاً ـ : و قد اجتهد محمّد بن الهيصم في إرمام مقالة أبي عبد الله ( ابن كرفام ) في كلّ مسألة ، حتى ردّها من المحال إلى نوع يفهم فيما بين العقلاء ، مثل « التجسيم » فإنّه قال : أراد بـ « الجسم » : « القائم بالذات » (50) . و أمّا تفسير « الجسم » بـ « الموجود » : فقد نسبه الأشعري ـ في موضع ـ إلى هاشم ، فقال : زعم هشام بن الحكم أنّ معنى « موجود » في البارئ تعالى أنّه « جسم » لأنّه « موجود » : « شيء » (51) . و نسب إلى قوم : انّ معنى « الجسم » .... هو « الشيء الموجود » و أنّ البارئ لمّا كان « شيئاً موجوداً » كان « جسماً »(52) . و ذكر الجويني ما نصّه : معنى « الجسم » : « الموجود » و أنّ المعنى بقولنا : إن الله

الهامش (48) شرح الأصول الخمسة : 218 . (49) الملل و النحل 1 / 109 ، و لوامع البيّنات ـ للرازي ـ : 359 . (50) الملل و النحل 1 / 112 . (51) مقالات الإسلاميّين 2 / 182 . (52) الشامل في أصول الدين : 166 ـ طبعة ريتر ـ الاسكندرية ، و انظر : مذاهب الإسلاميّين 1 / 72 .

................ص25..............

« جسم » : أنّه « موجود » (53) . و نقل الأيجيّ هذا التفسير عن بعض الكرّاميّة ، و

ــ[11]ــ

نقل التفسير السابق عن آخرين منهم ، فقال : ذهب بعض الجهّال إلى أنّه « جسم » فالكرّاميّة قالوا : هو « جسم » أي « موجود » و قوم قالوا : هو « جسم »أي « قائم بنفسه » (45 . و هذكا نجد التفاسير الثلاثة « للجسم » قد جمعها الأشعريّ في عبارة واحدة و نسبها إلى هشام ، و كأنّها بمعنى واحد : الشيء ، و الموجود ، و القائم بنفسه . هذا ، و من ناحية أخرى نجدهم يفسّرون كلّ واحد من هذه الثلاثة بالمعنى الآخر : قال ابن حزم ـ في معنى قولنا « شيء » ـ : إنّه « الموجود » ثم قال : إن قالوا : هو « الموجود » صاروا إلى الحقّ (55) . و قال الأشعري ـ في معنى : أنّه تعالى « شيء » ـ : قال قائلون : معنى أنّ الله « شيء » : معنى أنّه « موجود » و هذا مذهب من قال : لا « شيء » إلاّ « موجود » (56) . و قال الرازيّ : من قال : المعدوم ليس بشيء ، قال : الموجود شيء ، فهما لفظان مترادفان ، فإذا كان « موجوداً » كان « شيئاً » (57) . و ذكر ـ في معنى : أنّه « موجود » أقوالاً ، منها : 4 ـ « موجود »بمعنى : أنّه « شيء » . 5 ـ « موجود » بمعنى : أنّه « قائم بنفسه » (58) . و احتمل القاضي عبد الجبّار ـ في معنى « قائم بنفسه » : 1 ـ أنّه « موجود » .

الهامش (53) مقالات الإسلاميّين 1 / 124 . (54) المواقف ـ بشرح السيّد الشريف ـ : 473 . (55) الفصل 5 / 43 . (56) مقالات الإسلاميّين 2 / 180 . (57) لوامع البيّنات ـ للرازي ـ : 357 . (58) مقالات الإسلاميّين 2 / 185 .

................ص26..............

2 ـ أو « موجود باق » . 3 ـ أو « لا يحتاج و جوده إلى محل و مكان » (59) . و قضيّة قياس المساواة أن يقال : إنّ المعاني الثلاثة : الشيء ، الموجود القائم بنفسه ، هي بمعنى « الجسم » كما نسب إلى هشام أولاً . و الحقّ أنّ مصداقها ـ على مصطلح هشام ، واحد ، و إن اختلف مفهوم كلّ عن الآخر ، و إنّما الاختلاف بالاعتبارات الداخلية : فباعتبار صحّة الخبر عنه ، و تعلّق العلم به و إثباته ، يسمّى « شيئاً » . و باعتبار تحقّقه ، و اتّصافه بالوجود ، يسمّى « موجوداً » . و باعتبار استقلاله في التحقّق ، يسمّى « قائماً بنفسه » . و قد اعترف تلامذة هشام بهذا المصطلح ، و أنّ إطلاق « الجسم » على البارئ سبحانه بمعنى « الشيء » . قال ابن أبي الحديد : و أمّا من قال : إنّه « جسم لا كالأجسام » على معنى أنّه بخلاف « العرض » الذي يستحيل أن يتوهّم منه فعل ، و نفوا عنه معنى الجسمية ، و إنّما أطلقوا هذه اللفظه لمعنى أنّه « شيء لا كالأشياء » فأمرهم سهل ، لأنّ خلافهم في العبارة ، و هم علي بن منصور ، و السكّاك ، و يونس بن عبد الرحمن ، و الفضل بن شاذان ، و كلّ هؤلاء من قدماء رجال الشيعة (0) . و من المعقول ـ في العادة ـ أن يمثّل التلامذة آراء أساتذهم (61) . فهشام قد اصطلح للجسم معنى خاصاً هو « الشيء » . و أمّا مناسبة هذا المعنى ، للمعنى المفهوم لغة : فلأنّ المعنى اللغويّ ـ كما مرّ ـ هو : تجمّع الشيء و تكتّله في الخارج ، و هذا يحتوي على طرفين : الأول : أن يكون ذا أجزاء متكتّلة ، الثاني : أن يكون متحقّقاً في

ــ[12]ــ

الهامش (59) المغني ـ لعبد الجبّار ـ 4 / 180 . (60) شرح نهج البلاغة 3 / 228 . (61) هشام بن الحكم ـ لنعمة ـ : 69 .

................ص27..............

الخارج ، فما كان ذا أجزاء و تحقّق في الخارج ، اشترك مع معنى الجسم اللغوي في كلا الأمرين . و إن لم يكن مادّة ، و ليس له أجزاء ، و إنّما له تحقّق في الخارج ، فهو « شيء » بحقيقة الشيئية ، و هي التحقّق والثبوت في الخارج ، و اشتراكه في هذا مع « الجسم » يصحّح إطلاق « الجسم » عليه في عبارة المقولة ، و لا يحتاج إلى مادّة ، و لا تحيّز ، و لا غير ذلك من خواصّ الأجسام : و قد اعترض الشيخ الصدوق على هذا التواضع ، فقال : إن لم يرجع منه ( أي من إطلاق « الجسم » على البارئ) إلاّ على التسمية فقط ، كان واضعاً للاسم في غير موضعه ، و كان كمن سمّى الله عز وجلّ إنساناً ، و لحماً ، و دماً ، ثم لم يثبت معناها ، و جعل خلافه إيانا على الاسم ، دون المعنى (62) . أقول : و حاصل اعتراضه في أمرين : 1 ـ في أنّ هذا من باب وضع اللفظ في غير موضعه . فإن كان مراده أنّه استعمال للّفظ في غير ما وضع له ، فلم يرد به المعنى الحقيقي ، فهذا مع وضوح ، ليس مخالفاً ، إذا كان استعمالاً مجازياً على أساس علقة مجازية ، كما شرحنا ، لصحّة المجاز بالوضع العامّ . و ليست فيه مخالفة لأصل عقلائيّ معلوم ، و لا معارضة فيه لفرع شرعيّ مستدلّ عليه ، كما ذكر السيّد الشريف المرتضى ، حيث قال : فأمّا ما رمي به هشام بن الحكم من القول بالتجسيم ، فالظاهر من الحكاية عنه القول بـ « جسم لا كالأجسام » و لا خلاف في أن هذا القول ليس بتشبيه ، و لا ناقض لأصل ، و لا معترض على فرع (63) و ليس محرّماً على أحد أن يصطلح لنفسه لفظاً يضعه على معنى خاصّ في نظره .

الهامش (62) التوحيد ـ للصدوق ـ : 300 رقم 6 . (63) الشافي ـ للمرتضى ـ : 12 .

................ص28..............

نعم ، بما أنّ الموضوع يتعلّق بأسماء الله تعالى فهو يرتبط بمسألة توقيفية هذه الأسماء و ذلك خارج عن المخالفة الوضعية ، و سيأتي الحديث عن تلك المسألة . 2 ـ في تمثيله بما ذكر من الألفاظ ، و استهجان إطلاقها على البارئ . فالفرق بين تلك الألفاظ و بين لفظ « الجسم » واضح ، حيث إنّ تلك الألفاظ لا تطلق بحقيقتها على الله كما هو واضح ، و ليس لها معنى مجازيّ قابل للإطلاق عليه تعالى ، يستحسنه الطبع ، فإطلاقها عليه تعالى مستهجن لما في معانيها الحقيقية من الحقارة و السقوط . مع أنّه يعترض عليه بإطلاق كلمة « شيء » التي وضع هشام لفظ « الجسم » بمعناها ، و سيأتي الكلام فيها . و القاضي عبد الجبّار ذكر من أطلق اسم « الجسم » عن طريق العبارة و قال : أسمّيه « جسماً » لأنّه « قائم بنفسه » . فاعترض عليه بقوله : فإن كان خلافه من هذا الوجه ، فالكلام عليه ما ذكرناه من

ــ[13]ــ

أنّ الجسم إنّما يكون طويلاً ، عريضاً ، عميقاً فلا يوصف به القديم تعالى (64) . أقول : و هذا خروج عن منهج المعارضة العلميّة ، لأنّه خروج عن مصطلح المعارض ، و قد ذكرنا سابقاً أنّ المناقشة لا بدّ أن تبتني على المصطلح الخاصّ الذي قصده المعارض ، و لا يجوز محاسبة أحد على ما لم يصطلحه و لم يتواضع عليه ، فلا « مشاحّة في الاصطلاح » . إلاّ أن يكون اعتراضه على أصل الاصطلاح ، و قد اثبتنا عدم مخالفته لشيء كما سيأتي ذكر الدليل عليه .

الهامش (64) شرح الأصول الخمسة : 218 .

................ص29..............

3 ـ أصل هذه المقولة إنّ هذه المقولة تبتني أساساً على القول بأنّ البارئ تعالى « شيء » و هشام زعم أنّ إثبات « الشيء » أن يقال : « جسم » . و على ذلك تكون مقولة « جسم لا كالأجسام » مأخوذة من « شيء لا كالأشياء » و بمعناها . و أقدم نصّ شيعيّ احتوى على المقولة نقلاً عن هشام تضمّن التسوية بينهما : عن عبد الملك بن هشام الحنّاط : قلت لأبي الحسن الرضا عليه السلام : زعم هشام بن الحكم : أنّ الله « شيء لا كالأشياء » و أنّها بائنة عنه ، و هو بائن عن الأشياء ، و زعم أنّ إثبات « الشيء » أن يقال : « جسم » فهو « جسم لا كالاجسام » : « شيء لا كالأشياء » ثابت موجود (65) .

و كذلك ابن أبي الحديد فرض إطلاق هذه المقولة : « جسم لا كالأجسام » لمعنى أنّه « شيء لا كالأشياء » (66) . و من قال بالتساوي بين « شيء » و « جسم » و أجاز إطلاق « شيء » على البارئ تعالى ، يقول : إنّه تعالى « شيء لا كالأشياء » فلا بدّ أن يقول بمقولة « جسم لا كالأجسام » من جهة المعنى ، و إن تعبّد بالتوقيف فهو ممنوع من جهته لا من جهة المعنى ، و ذلك أمر آخر . أمّا إطلاق اسم « الشيء » على البارئ تعالى فقد عنون المتكلّمون له ، و اختلفوا فيه على مقالتين : فقال جهم ، و بعض الزيديّة : إنّ البارئ تعالى لا يقال له « شيء » لأنّ الشيء هو المخلوق الذي له مثل (67) .

الهامش (65) اختيار معرفة الرجال : 284 رقم 503 . (66) شرح نهج البلاغة 3 / 228 . (67) مقالات إسلاميّين 1 / 328 .

................ص30..............

و أورد الرازي احتجاج جهم على مقالته بالقرآن ، و المعقول : أمّا القرآن ، فآيتان : الاولى : قوله تعالى ( الله خالق كلّ شيء ) ( سورة الرعد (13) الآية (16) ) . فلو كان تعالى يسمّى بلفظ « الشيء » لزم بحكم هذا الظاهر كونه خالقاً لنفسه ، و هو محال . الثانية : قوله تعالى : ( ليس كمثله شيء ) ( سورة الشورى (42) الآية (11) ) . و مثل مثله هو « هو » فلمّا ذكر أن ( ليس كمثله شيء ) لزم أن لا يكون هو مسمّى باسم « شيء » . و قول من قال : « الكاف زائدة » باطل ، لأنّ هذا ذكر : هذا الكاف خطأ و فاسد ، فمعلوم أنّ هذا لا يليق بكلام الله تعالى . و أمّا المعقول : فهو :

ــ[14]ــ

أنّ أسماء الله تعالى دالّة على صفات الكمال و نعوت الجلال ، و قال : ( و لله الأسماء الحسنى فادعوه بها ) ( سورة الأعراف (7) الآية (180) ) . و أسم « الشيء » لا يفيد كمالاً ، و لا جلالة و لا معنى من المعاني الحسنة ، فشت أنّ كلّ ما كان من أسماء الله تعالى وجب أن يفيد حسناً ، و لفظ « شيء » لا يفيد حسناً ، فوجب أن لا يكون الله تعالى (68) . و لم يحاول الرازيّ الإجابة على كلام جهم هذا ، فلنذكر ـ نحن ـ ما يبدو لنا فيه من المغالطة و الفساد :

الهامش (68) لوامع البيّنات ، المطبوع باسم « شرح أسماء الله الحسنى » للرازي : 7 ـ 358 .

................ص31..............

أما عن احتجاجه بالآية الأولى : فجوابه : أنّ ذلك الخطاب لا يشمل المتكلفم به و هو الله تعالى شأنه ، لأنّ مادّة « الخلق » الواردة فيه تقتضي انصراف مؤدّاه إلى ما سواه جلّ ذكره ، و هذا كما لو قال أحد : « من لبس ردائي عاقبته » حيث أنّه لا يشمل المتكلفم نفسه ، لفرض أنّ الرداء هو له ، و الغرض من إيراد هذا القول منع الأغيار من التصرّف في الرداء . فكذلك الآية الكريمة إنّما سيقت للدلالة على قدرة الله على ما سواه ، و استيلائه على كلّ شيء ممّا عداه ، لأنّه خالق كلّ شيء ، فهي منصرفة عنه هو جلّ جلاله : و يدلّ على هذا المعنى ، ما روي عن الإمام أبي جعفر محمد الباقر ، و الإمام أبي عبد الله جعفر الصادق عليهما السلام ، قال : كلّ ما وقع عليه اسم « شيء » ـ ما خلا الله عزّ وجلّ ـ فهو مخلوق ، و ( الله خالق كلّ شيء )تبارك الذي ( ليس كمثله شيء ) (69) . و الجواب عن احتجاجه بالآية الثانية : إنّ زيادة الحروف ليس من باب الخطأ ، و لا فساد فيه ، بل « إنّما زيدت لتوكيد نفي المثل ، لأنّ زيادة الحرف بمنزلة إعادة الجملة ثانياً، قاله ابن جنّي » (70) . فالزيادة اسلوب عربيّ ، يؤدّي دوراً بلاغيّاً رائعاً هو الأليق بكلامه تعالى . و أمّا الجواب عن احتجاجه الذي سمّاه معقولاً ، فمن وجهين : الأوّل : أنّ المراد بالتسمية ، ليس هو تعيين الاسم الخاصّ عليه تعالى ، بل المراد إطلاق اللفظ عليه ، و بهذا يختلف عن الأسماء الحسنى ، فلا يسري حكمها عليه ،

الهامش (69) التوحيد ـ للصدوق ـ : 105 ـ 106 . ب 7 ، ح 3 و 4 و 5 . (70) مغني اللبيب ـ لأبن هشام ـ : 238 .

................ص32..............

فالله ، بما أنّه موجود ثابت ، فكما يطلق على كلف ثابت أنّه « شيء » فهو ـ تعالى ـ كذلك . الثاني : أنّ الأسماء الحسنى ، تلك ، المذكورة لله تعالى ، تدلّ على ما فيها من المعاني الحسنة ، باعتبار أنّها أوصاف ، و أمّا ما يدلّ منها على مجرّد الذات الربوبيّة فلا دليل على دلالته على ذلك إلاّ من جهة إضافته إليه جلّ ذكره . و إطلاق « شيء » على فرض وروده من قبيل الثاني . و قد ورد إطلاق اسم « الشيء » على البارئ تعالى : 1 ـ فقد سئل الإمام الصادق عليه السلام عن ، ما هو

ــ[15]ــ

؟ فقال : هو « شيء بخلاف الأشياء » أرجع بقولي « شيء » إلى إثبات معنى ، و أنّه « شيء » بحقيقة الشيئيّة ، غير أنّه لا جسم ، و لا صورة (71) . 2 ـ و سئل الإمام الجواد عليه السلام : أيجوز أن يقال : إنّ الله عزّ وجلّ « شيء »؟ قال : نعم ، يخرجه عن الحدّين : حدّ التعطيل ، و حدّ التشبيه (71) . و قد استدلّ الرازيّ عليه با:ور من القرآن ، و اللغة ، و الإجماع : أما القرآن :فقوله : ( قل أيّ شيء أكبر شهادة قل الله ) ( سورة الأنعام (6) الآية (19) ) . و قوله تعالى : ( كلّ شيء هالك إلاّ و جهه ) ( سورة القصص (28) الآية (88) ) . قال : المراد بوجهه : ذاته ، فقد استثنى ذاته من لفظ « الشيء » و الاستثناء خلاف الجنس خلاف الأصل . و أمّا اللغة : فهي أنّ من قال : المعدوم ليس بشيء ، قال : الموجود هو « الشيء » فهما لفظان مترادفان ، فإذا كان « موجوداً » كان « شيئاً » .

الهامش (71) التوحيد ـ للصدوق ـ : 104 ، ب 7 ، ح 2 . (72) التوحيد ـ للصدوق ـ : 104 ب 7 ح 1 ، و ص 107 ح 7 .

................ص33..............

و من قال : المعدوم شيء ، قال : الشيء : ما يصحّ أن يعلم و يخبر (73) عنه ، فكان « الموجود » أخصّ من « الشيء » و إن صدق الخاصّ صدق العامّ ، فثبت أنّه تعالى مسمّى بالشيء (74) . و أمفا الإجماع : فالأولى أن يقال : أجمع الناس ـ قبل ظهور جهم ـ على كونه تعالى مسمّى بهذا الاسم « الشيء »و الإجماع حجّة (75) . و قال الأشعري : قال المسلمون ـ كلفهم ت إنّ البارئ « شيء لا كالأشياء » و قال الناشئ : إن البارئ « شيء » موجود في الحقيقة ، و إنّ البارئ « غير الأشياء » و الأشياء غيره في الحقيقة (77) . و قال عبد الله بن كلاّب : إنّه تعالى موجود لا بوجود ، و « شيء » لا بمعنى له كان شيئاً (78) . و زعم الكعبي في ( مقالاته ) : إن المعتزلة اجتمعت على أنّ الله عزّ و جلّ « شيء لا كالأشياء » (79) . و قال أبو الحسين الصالحي ـ من المعتزلة ـ في صفات الله معنى قولي : « إنّ الله عالم لا كالعلماء » و « قادر لا كالقادرين » و « حي لا كالأحياء » إنّه : « شيء لا كالأشياء » . و كان يقول : إنّ معنى « شيء لا كالأشياء » معنى « عالم لا كالعلماء » (80) .

الهامش (73) كذا الصواب ، وكان في المصدر : « يعبر » و لا معنى له ، لاحظ التعريفات للجرجاني : 57 و انظر : الحكايات : 122 و 144 . (74) لوامع البيّنات ـ للرازي ـ : 357 . (75) لوامع البيّنات ـ للرازي ـ : 358 . (76) مقالات الإسلاميّين : 1 / 238 . (77) مقالات الإسلاميّين :1 / 240 . (78) مقالات الإسلاميّين : 1 / 230 . (79) مقالات الإسلاميّين : 2 / 180 ـ 181 ، و الفرق بين الفرق : 115 ، و مذاهب الإسلاميّين 1 / 50 . (80) مقالات الإسلاميّين : 1 / 228 .

................ص34..............

و قال بعضهم : لا اقول : العلم شيء ، و لا اقول : الصفات أشياء ، لأنّي إذا قلت :

ــ[16]ــ

البارئ « شيء » بصفاته ، استغنيت عن أن أقول : صفاته أشياء (81) . و قال ابن حزم الظاهريّ : إن قالوا لنا : إنّكم تقولون : إنّ الله عزّ و جلّ « شيء لا كالأشياء » ؟ قلنا : .... لفظة « شي » النصّ جاء بها ، و البرهان أوجبها (82) . و قال الرازي : « الموجود » و « الشيء » هما من صفات الله الذاتية ، المراد منها الألقاب الدالّة على الذات (83) . و قد استدلّ الجبّائي على ذلك : بأنّ الشيء : سمة لكلّ معلوم ، و لكلّ ما أمكن ذكره و الإخبار عنه ، فلمّا كان الله عزّ و جلّ معلوماً ، يمكن ذكره و الإخبار عنه ، و جب أنّه « شيء »(84) . و هشام أخذ مقولة « شيء لا كالأشياء » من كلام الإمام الصادق عليه السلام الذي نقلناه ، حيث أجاب من سأله عن الله تعالى : ما هو ؟ فقال : هو« شيء بخلاف الأشياء » . فإن هشاماً هو راوي ذلك الحديث عن الصادق عليه السلام (85) . و إذا صحّ إطلاق « الشيء » على الله جلّ ذكره ، فهو حسب اصطلاح هشام لا يكون إلاّ « جسماً » (86) كما مرف مفصّلاً . و إذا ثبت أنّ الله « شيء لا كالأشياء » فهو عند هشام ، و من قال بمصطلحه : « جسم لا كالأجسام » .

الهامش (81) مقالات الإسلاميّين 1 / 231 . (82) الفصل 2 / 118 ـ 119 . (83) لوامع البيّنات ـ للرازي ـ : 47 . (84) مقالات الإسلاميّين 2 / 181 . (85) التوحيد ـ للصدوق ـ : 104 ، ب 7 ، ح 2 . (86) الفرق بين الفرق : 67 .

................ص35..............

و لقد جهد المعتزلة الفصل بين المقولتين و الحكم بعدم الملازمة بينهما : قال القاضي عبد الجبّار : فإن قيل : أليس عندكم أنّه تعالى : « شيء لا كالأشياء » و قادر لا كالقادرين ، و عالم لا كالعالمين ، فهلاّ جاز أن يكون « جسماً لا كالأجسام » ؟ قيل له : إنّ « الشي » اسم يقع على ما يصحّ أن يعلم و يخبر عنه ، و يتناول المتماثل و المختلف و المتضادّ ، لهذا يقال في السواد و البياض : أنّهما « شيئان » متضادّان ، فإذا قلنا : إنّه تعالى « شيء لا كالأشياء » فلا يتناقض كلامنا ، لأنّا لم نثبت بأوّل كلامنا ما نفيناه بآخره ، و كذا إذا قلنا : إنّه تعالى قادر لا كالقادرين ، و عالم لا كالعالمين ، فالمراد به أنّه قادر لذاته ، و عالم لذاته ، و غيره قادر لمعنى ، و عالم لمعنى . و ليس كذلك ما ذكرتموه ، لأنّ الجسم هو : ما يكون طويلاً عريضاً عميقاً ، فإذا قلتم : إنّه « جسم » فقد أثبتّم له الطول و العرض و العمق ، ثم إذا قلتم : « لا كالأجسام » فكأنّكم قلتم : ليس بطويل و لا عريض و لا عميق ، فقد نفيتم آخراً ما أثبتّموه أولاً ، و هذا هو حدّ المناقضة ، ففارق أحدهما الآخر (87) . و قد ذكر الدكتور محمد عبد الهادي أبو ريده مثل هذا الكلام بعينه ، و أضاف : و إذا كان قد قام الدليل على أنّه ليس « جسماً » فلا يصحّ القول : إنّه « جسم لا كاالاجسام » لأنّ حكم الأجسام واحد (88) . و الجواب : إنّ « الجسم » عند هشام و في مصطلحه ، و عند من يطلق مقولة « جسم لا كالأجسام » على البارئ تعالى ، هو بمعنى « الشيء » و ليس بمعنى « ما له الطول و العرض و العمق » كما فرضه المعتزلة حتى

ــ[17]ــ

يرد عليه ما ذكروه ، فكلامهم هذا كلّه خروج عن مصطلح هشام . و إذا كان « الجسم » بمعنى « الشيء » فكما يصحّ إطلاق مقولة : « شيء لا

الهامش (87) شرح الأصول الخمسة : 221 . (88) في التوحيد ، تكملة ديوان الأصول : 596 .

................ص36..............

كالأشياء » على البارئ باعتبار أنّ حقيقة الشيئية مشتركة بين البارئ و سائر الأشياء ، و إنّما يمتاز البارئ عنها بخاصّية وجودية لا توجد فيها ، فهو تعالى « شيء » بخلافها ، و لا تشبهه و لا يشبهها ، فمن جهة إثبات الشيئية له ، خرج عن حدّ التعطيل ، و من جهة نفي المثيل له تعالى خرج عن حدّ التشبيه ، فثبت له تعالى التنزيه الكامل ، من دون تعارض بين صدر المقولة و ذيلها . فكذلك مقولة « جسم لا كالأجسام » على مصطلح هشام ، فإنّ الجسمية ـ بمعنى إثبات الشيئية بحقيقتها ـ ثابتة للبارئ تعالى ، مشتركة بينه و بين غيره من الأجسام ، فإثباتها له يخرجه عن حدّ التعطيل ، و نفي المماثلة بينه و بين الأجسام ، يخرجه عن حدّ التشبيه ، و هو التنزيه الكامل ، من دون معارض بين صدر المقولة و ذيلها . فظهر أنّ ما ذكروه غير وارد على هشام ، إذ أنّهم أوردوا ذلك على مصطلحهم في الجسم ، و هو : ما له الطول و العرض و العمق ، لا على مصطلحه في « الجسم » و هو : « الشيء » و هذا منهم خروج عن أبسط مناهج البحث و الجدل الصحيح . و أمّا قولهم : و إذا كان قد قام الدليل على أنّه ـ تعالى ـ ليس جسماً ، فواضح أنّه مصادرة على المطلوب ، إذ أنّ هذا هو محلف البحث و النزاع فكيف يؤخذ شرطاً تترتّب عليه النتيجة التي ذكروها . ثمّ إنّ الأدلّة التي أقامها المتكلّمون على نفي الجسميّة عن البارئ تعالى ، كلّها مبتنية على أنّ المراد بالجسم هو ذو الأبعاد ، و قد ذكروها في كتبهم . و لهذا ، لا يرد شيء منها على المقولة ، بل نصّ كثير منهم على أنّ المقولة على مصطلح هشام لا تدلّ على التجسيم المعنوي ، و ليس فيه مخالفة لأصل ، و لا اعتراض على فرع ، سوى مسألة توقيفية الأسماء التي سنفصّل ذكرها في نهاية البحث .

................ص37..............

4 ـ دليل هشام على اختيار هذا المصطلح نقل استدلال هشام على اصطلاحه في الجسم ، في رواية يونس بن ظبيان ، قال : دخلت على أبي عبد الله عليه السلام ، فقلت له : إنّ هشام بن الحكم يقول قولاً عظيماً ! إلاّ أنّي أختصر لك منه أحرفاً : يزعم أنّ الله « جسم » لأنّ الأشياء شيئان : جسم ، و فعل الجسم ، فلا يجوز أن يكون الصانع بمعنى الفعل ، و يجوز أن يكون بمعنى الفاعل (89) . و مراده : أنّ الموجودات على قسمين : إمّا اعراض ، و قد عبّر عنها هشام بكلمة « الفعل » و هو ما لا يستقلّ في و جوده ، بل يحتاج إلى محلّ يعرض عليه أو يصدر منه . و إمّا ذوات ، و قد عبّر عنه بكلمة « الجسم » و هو ما يستقلّ في وجوده . و البارىء جلّ

ــ[18]ــ

ذكره ، لا يكون إلاّ من الموجودات المستقلّة بالوجود ، و بما أنّ الأعراض لا ستمّى عند هشام « أشياء » و الذوات عنده هي الأشياء ، و قد عرفنا من مصطلحه أنّ الشيء عنده يسمّى بالجسم . و البارئ ليس عرضاً ، بل ذات ، و يسمّى « شيئاً » فإذن يطلق عليه اسم « جسم » ! هذا ما نفهمه من استدلال هشام في هذه الرواية ، و هو الذي فهمه تلامذة هشام ، و قد نقله ابن أبي الحديد عنهم ، فقالوا : إنّه « جسم لا كالأجسام » على معنى أنّه بخلاف العرض الذي يستحيل أن يتوهّم منه فعل ، و نفوا عنه « معنى الجسميّة » (90) . فنفي معنى الجمسيّة ، يدلّ على أنّ المراد بقولهم « جسم » مجرّد الاسم ، و إذا انتفى عنه معنى الجسميّة ، و هي التكتّل الخارجيّ المقتضي للأبعاد ، كان « الجسم » في

الهامشس (89) التوحيد ـ للصدوق ـ 99 ، ب 6 ، ح 7 ; و الحكايات ـ للمفيد ـ 132 . (90) شرح نهج البلاغة 3 / 228 .

................ص38..............

مقابل العرض ، و بمعنى الذات المتقوّمة بنفسها ، و هذا في مصطلح هشام هو « الشيء » المرادف لكلمة « الجسم » . و هذه الفكرة معروفة عن هشام ، بكل مقدّماتها : فكان يقول : إنّ الأفعال صفات الفاعلين ، و معان لهم ، و ليست بأشياء و لا أجسام (91) لأنّ الشيء عنده لا يكون إلاّ جسماً (92) . فهشام لا يرى العرض « شيئاً » بل يرى ما يقابله « شيئاً » و « الشيء » عنده هو « الجسم » و البارئ لا يكون عرضاً ، بل هو ذات ، فهو « جسم » أي شيء » مستقل الوجود . و كذلك كان هشام يرى أنّ « الحركة » ليس « جسماً » لأنّها « فعل » و « الفعل » عرض ليس بشيء . ذكر ذلك في مناظرته لأبي الهذيل العلاّف الذي كان يرى الحركة « جسماً » (93) و قد نقل القاضي عبد الجبّار شبهة للقائلين بالتجسيم ، و هي أنّهم قالوا : المعقول : إمّا الجسم ، و إمّا العرض ، و القديم تعالى يستحيل أن يكون عرضاً ، فيجب أن يكون جسماً (94) فنجد في هذا الاستدلال نفس العناصر التي وجدناها في الاستدلال المنقول عن هشام ، فقد جعل فيه « الجسم » مقابل « العرض » و كان في استدلال هشام مقابل « الفعل » . و الفعل ، و العرض ، مشتركان في أنّهما ليس لهما وجود مستقلّ بل الفعل نوع من العرض ، و الذي يقابلهما هو الموجود الذي له استقلال في التحقّق و الوجود ، و هو

الهامش (91) مقالات الإسلاميّين 1 / 113 ، و الفرق بين الفرق : 67 . (92) الفرق بين الفرق : 67 . (93) مروج الذهب 5 / 20 رقم 2917 . (94) شرح الأصول الخمسة : 225 .

................ص39..............

المسمى بـ « الذات » و بـ « الشيء » و في اصطلاح هشام بـ « الجسم » . و حيث أنّ القديم تعالى ليس عرضاً و ليس فعلاً ، بل هو موجود مستقلّ في الوجود ، قائم بذاته ، و بنفسه ، و لا يحتاج في وجوده إلى محلّ يقوم به أو فيه ، و هو « شيء »

ــ[19]ــ

فهو مرادف ـ عند هشام ـ لكلمة « جسم » . و ليس مفاد ذلك التجسيم المعنوي الذي يدّعيه « المجسّمة » بل هو إطلاق للفظ « الجسم » بمعنى « الشيء » و ليس مفاد ذلك التجسيم المعنوي الذي يدّعيه « المجسّمة » بل هو إطلاق للفظ « الجسم » بمعنى « الشيء » و لا محذور فيه سوى موضوع توقيفية أسماء الله تعالى ، و سيجيء . و من هنا نعرف أنّ القاضي قد حرّف هذا الاستدلال ، و صوّره استدلالاً على التجسيم المعنويّ ، باعتباره الجسم المفروض في الاستدلال مقابلاً للعرض ، قسماً من الجوهر ، فلهذا فرض في جوابه عنه وجود قسم ثالث ليس بجسم و لا عرض ، و أنّه هو ذات معلوم أو يمكن اعتقاده ، و هو القديم تعالى (95) . لكنّ المقابلة المفروضة في الاستدلال بين العرض و الجسم ، توحي أنّ المراد بالجسم هو ما يستقلّ في الوجود و إلاّ لم تصحّ المقابلة ، كما لا يصحّ الحصر ، فكيف يصحّ الاستدلال ، و كيف يفرض غفلة المستدلّ عن ذلك ؟ مع فرط وضوحه ؟ و ليس له وجه صحّة إلاّ ما ذكرنا ، و حاصله : أنّ المعقول ـ و المراد به ما يمكن فرضه موجوداً ـ إمّا أن يكون مستقلاً بنفسه في الوجود ، أو يكون غير مستقل ، و الأول هو الذات ، و يسمّيه المستدل « جسماً » و الثاني هو العرض ، و البارئ تعالى لا يكون عرضاً ، فهو « الجسم » . و المراد بالعرض عند هشام هو « المعنى » و هو لا يراه « شيئاً » كما عرفت (96) . لأنّ العرض هو ما يعرض غيره في الوجود ، و لا يجب لبثه كلبث الأجسام (97) .

الهامش (95) شرح الاصول الخمسة : 225 . (96) اللمع ـ للأشعري ـ : 3 ـ 34 . (97) مذاهب الإسلاميّين 1 / 417 .

................ص40..............

و هذه الحقيقة قد استدلّ عليها القاضي نفسه ، في بيان استحالة كون البارئ تعالى « عرضاً » (98) . و ظهر أنّ مراد هشام من « فعل الجسم » في استدلاله هو العرض ، المقابل للجوهر ، في اصطلاح الفلاسفة . و القاضي عبد الجبّار استعمل كلمة « فعل الجسم » بمعنى آخر ، و استعمله في الاستدلال على أنّ الله تعالى لا يجوز أن يكون جسماً ، و قد فسّره أبو رشيد بأنّ المقصود من « فعل الجسم » : إحداثه و اختراعه (99) . و هذا تفسير للعفل بمعناه اللغوي ، و إضفاته إلى مفعوله ، كما أنّ مراده بالجسم هو المعنى المتداول ، و على هذا فلا يرتبط باستدلال هشام و لا مصطلحه في كلتا الكلمتين : « الجسم » و « فعل الجسم » . و قد التزم بنفس استدلال هشام من علماء عصرنا الشيخ محمّد عبده المصريّ ، فقال : إن اريد من « الجوهر »القائم بذاته ، و من « العرض » القائم بغيره ، لكان البارئ « جوهراً » و صفاته« عرضاً » . و لا منع إلاّ من جهة الإطلاق الشرعيّ ، حينئذ (100) . فإنّ جعله « الجوهر » ـ المفسّر بالذات ـ في مقابل « العرض » هو مثل مقابلة « الجسم » بمعنى الشيء القائم بالذات في مقابل « العرض » في كلام هشام . و هذا أيضاً يبتني على اصطلاح خاصّ في معنى « الجوهر » كما أنّ ذاك كان مبتنياً على

ــ[20]ــ

اصطلاح خاصّ في معنى « الجسم » . و إلاّ فالجوهر بمعنى ما له ماهيّة ، لا يمكن إطلاقه على البارئ جلّ ذكره . و هشام بقوله « جسم » و إطلاقه على الباقر تعالى ، لا يثبت أية مادّة له تعالى ، و لا أنّه ماهيفة ، بل ـ كما ذكرنا ـ أراد بهذه اللفظة التعبير عن كونه تعالى « شيئاً » بحقيقة

الهامش (98) شرح الاصول الخمسة : 231 . (99) انظر الاستدلال و توضيحه في : ديوان الأصول : 597 . (100) الشيخ محمد عبده : 531 .

................ص41..............

الشيئيّة ، و هو « الموجود » و « القائم بنفسه » فلا يصحّ عند التعبير عنه تعالى بالجوهر . و يشهد لذلك أنّ هشاماً كان ممّن ينكر الجوهر الفرد . قال الأشعري ـ و هو يتحدّث عمّن يزعم ـ : أنّ الجزء يتجزّأ أبداً ، و لا جزء إلاّ و له جزء ، و ليس لذلك آخر إلاّ من جهة المساحة ، و أنّ لمساحة الجسم آخراً ، و ليس لأجزائه آخر من باب التجزّؤ ، و القائل بهذا القول هشام بن الحكم و غيره (101) . فكلّ جوهر ـ عند هشام ـ لا بدّ أن يكون متألّفاً من أكثر من جزء ، و كلّ متألّف متحيّز ، و كلّ متحيّز لا بدّ أن يكون يمينه غير يساره ، و قدّامه غير خلفه ، و كلّ ما يتميّز أحد جانبيه عن الآخر ، فهو منقسم ، و كلّ منقسم فليس بـ « أحد » (102) . و الله جلّ ذكره يقول : ( قل هو الله أحد ) ( سورة التوحيد (112) الآية (1) ) . و كما أنّ صدر المقولة « جسم لا كالأجسام » يثبت وجود البارئ تعالى ، فهو إخراج له عن حدّ التعطيل ، فكذلك ذيلها ينفي عنه تبارك ذكره كلّ شبه للأجسام ، و مماثلة بينه و بينها ، فهو إخراج له تعالى عن حدّ التشبيه ، كما تدلّ عليه الآية الكريمة : ( ليس كمثله شيء ) . فهذه الآية نفت عن وجوده تعالى المماثلة لغيره من الأشياء . و ممّا يدلّ على أنّ قوله في ذيل المقول : « .. لا كالأجسام » هو بمعنى ( ليس كمثله شيء ) هو وجود هذه الآية مكان ذلك الذيل في مورد نقل كلام هشام ، في حديث الحمّاني : إنّ هشام بن الحكم زعم أن الله « جسم ليس كمثله شيء »(103) . و هذا الذيل ضروريّ لتكميل التنزيه ، كما عرفت ، و لذلك قال ابن حزم : لو أتانا نصّ بتسميته تعالى « جسماً » لوجب علينا القول بذلك و كنّا حينئذ نقول : إنّه « لا كالأجسام » (104) .

الهامش (101) مقالات الإسلاميّين 1 / 124 . (102) اللوامع الإلهية ـ للفاضل المقداد ـ : 87 ، و انظر : الفصل ـ لابن حزم ـ 5 / 66 . (103) التوحيد ـ للصدوق ـ : 100 ، ب 6 ، ح 8 . (104) الفصل 2 / 118 ـ 119 .

................ص42..............

5 ـ المقولة لا تدلّ على الجسم قد ثبت أن المقولة حسب مصطلح هشام لا تدلّ على عقيدة التجسيم ، بل تدلّ على التنزيه الكامل عن حدّي التعطيل و التشبيه ، و غاية ما تدلّ عليه أنّ هشاماً كان يطلق اسم « الجسم » على البارئ تعالى ، و غرضه إثبات وجوده ، و أنّه « شيء » « قائم بنفسه » و ليس « عرضاً » . نعم تبقى

ــ[21]ــ

المقولة مخالفة لمسألة توفيقيّة أسماء الله تعالى ، و ذاك أمر آخر سيأتي ذكره في نهاية البحث . و قد صرّح المحقّقون من العلماء بعدم دلالة هذه المقولة على اعتقاد التجسيم : 1 ـ منهم الشيخ المفيد رحمه الله ، فقد ذكر ما نصّه : لم يكن في سلفنا من تديّن بالتشبيه من طريق المعنى ، و إنّما خالف هشام و أصحابه جماعة أصحاب أبي عبد الله عليه السلام بقوله في « الجسم » فزعم أنّ الله « جسم لا كالأجسام » (105) . فنفيه التشبيه من طريق المعنى ، يشمل هشاماً و غيره ممّن اتهموا بذلك ، و التشبيه من طريق المعنى هو التجسيم الحقيقي ، و يقابله تنزيه البارئ تعالى عن كونه جسماً كالأجسام ، أمّا التجسيم الذي قال به هشام فهو « التجسيم اللفظي » ومن جهة العبارة ، و المراد به إطلاق اسم « الجسم » فقط عليه تعالى . و قد يستفاد ذلك من تعبير الشيخ المفيد : إنّ هشاماً خالف « باقول في الجسم » لا إنّه خالف « في القول بالجسم » فقط عليه تعالى . و قد يستفاد ذلك من تعبير الشيخ المفيد : إنّ هشاماً خالف « بالقول في الجسم » لا إنّه خالف « في القول بالجسم » الذي هو مذهب المجسّم . و الحاصل أنّ المفيد ينسب هذه العبارة إلى هشام قولاً قاله في « الجسم » و اصطلاحاً خاصاً به في تفسير الجسم ، أطلقه بذلك على البارئ ، مخالفاً لجميع الطائفة في هذا ، لا أنّه قال بالجسم . و إلاّ لكان كلام المفيد متناقضاً صدراً و ذيلاً .

الهامش (105) الحكايات : 131 .

................ص43..............

و يؤيّد ما ذكرلناه أنّ المفيد قال في مقام آخر : كان هشام بن الحكم شيعيّاً ، و إن خالف الشيعة ـ كافّة ـ في أسماء الله تعالى (106) حيث يحصر مخالفة شام في موضوع الأسماء ، و المعروف هو خلافه في « الجسم » هل يسمى به البارئ أو لا ؟ 2 ـ و قال الشريف المرتضى : فالظاهر من الحكاية عنه القول بـ « جسم لا كالأجسام » و لا خلاف في أنّ هذا القول ليس بتشبيه ، و لا ناقض لأصل ، و لا معترض على فرع ، و أنّه غلط في عبارة ، يرجع في إثباتها و نفيها إلى اللغة (107) . و واضح أنّ الشريف جعل المقولة من باب إطلاق لفظ « جسم » على البارئ باعتبار تفسيره بغير ما هو في اللغة ، و جعل المسألة لغوية ، و هذا كاف في إخراج البحث فيها عن علم الكلام . مضافاً إلى أنّ نفي كونها تشبيهاً ، أو ناقضة لأصل ، يدلّ بوضوح على عدم كونها دالّة على اعتقاد التجسيم ، و إلاّ كانت مناقضة لأصل التوحيد . 3 ـ و قال القاضي الأيجيّ ، و السيّد الشريف ، في المواقف ، و شرحه : ( إنّه تعالى ليس بـ « جسم » ) و هو مذهب أهل الحقّ ( و ذهب بعض الجهّال إلى أنّه « جسم » ) ثم اختلفوا : ( فالكرّاميّة ) أي بعضهم ( قالوا : هو « جسم » أي : موجود ) . ( و قوم ) آخرون منهم ( قالوا : هو « جسم » أي : قائم بنفسه . فلا نزاع معهم ) على التفسيرين ( إلاّ في التسمية ) أي إطلاق لفظ « الجسم » عليه (108) . 4 ـ و قال ابن أبي الحديد : من قال : إنّه « جسم لا كالأجسام » على

ــ[22]ــ

معنى أنّه بخلاف « العرض » الذي يستحيل أن يتوهّم منه فعل و نفوا عنه « معنى الجسميّة » و إنّما أطلقوا هذه اللفظة لمعنى أنّه « شيء لا كالأشياء » و « ذات لا كالذوات » فأمرهم

الهامش (106) أوائل المقالات : 43 ، طبع النجف ، و ص 37 ، طبع تبريز . (107) الشافي ـ للشريف المرتضى ـ : 12 . (108) شرح المواقف ـ للسيد الشريف ـ : 473 ، وما بين الأقواس هو عبارة المواقف .

................ص44..............

سهل ، لأنّ خلافهم في العبارة . و المتعصّبون لهشام بن الحكم من الشيعة في وقتنا هذا يزعمون أنّه لم يقل بالتجسيم المعنويّ ، و إنّما قال : إنّه « جسم لا كالأجسام » بالمعنى الذي ذكرناه (109) . و كلامه واضح في إنّ المقولة اطلق فيها اسم « الجسم » على البارئ على أنّه بمعنى « شيء » لا بمعنى ذي الأبعاد ، حتى يكون تجسيماً معنوياً . لكن نسبة هذا التفسير للمقولة إلى خصوص الشيعة في و قته غير صحيح ; لأنّ هذا التفسير قد نسب إلى تلامذة هشام من قدماء الشيعة ، و قد سبق أن قلنا : إنّ تلامذة الرجل لا يبعد أن يكونوا معبّرين عن رأي أستاذهم ، و خاصّة إذا لاحظنا اتّفاقهم على ذلك . 2 ـ أنّ هذا التفسير لمقولة هشام مبتن على مصطلح هشام ، و قد مشقى نقله عن جمع من العلماء الّذين ذكروا آراء هشام ، فلا معنى لجعله قولاً للشيعة في عصره فقط ! 5 ـ و قال الدوّاني ـ في شرحه على العقائد العضديّة ـ : و من المشبّهة من تستّر « بالبلكفة » فقال : هو « جسم لا كالأجسام »و له حيّز لا كالأحياز ، و نسبته إلى حيّزه ليست كنسبة الأجسام إلى حيّزها ، و هكذا ينفي جميع خواصّ الجسم منه ، حتى لا يبقى إلاّ إسم « الجسم » . و هؤلاء لا يكفّرون (110) . أقول : فقد صرّح في النهاية بأنّ المراد من « الجسم » هو مجرّد الاسم ، لا المعنى ، و صرّح بعدم كفر قائلي المقولة ، و لو كانت دالّة على التجسيم المعنوي ، لكانوا كفرة بلا خلاف . لكنّه قد أدخل في كلامه ما لا يطابق هذا التصريح .

الهامش (109) شرح نهج البلاغة 3 / 228 . (110) الشيخ محمد عبده : 532 .

................ص45..............

1 ـ قوله : « و له حيفز لا كالأحياز ، و نسبته إلى حيّزه ليست كنسبة الأجسام إلى حيّزها » . و هذه إضافة منه نسبها إلى أصحاب المقولة ، و لم نجد مضافة إلى المقول في شيء من مصادرها مطلقاً ، و هي غلط تنافي تفسيرهم للمقولة ، و ذلك : لأنّ مرادهم بالجسم ـ كما صرّح به الدوّاني أخيراً ـ هو مجرّد الاسم ، و معناه ـ كما مرّ مفصلاً ـ هو : الشيء ، و قد نفوا بقولهم « لا كالأجسام » كلّ خواصّ الجسم ـ كما اعترف به الدّواني أيضاً ـ فما معنى قوله « و له حيّز » و من أين نسب إليهم إثبات الحيّز ، إن كانوا قد نفوا عنه كلّ خواصّ الأجسام ؟ أليس الحيّز من خواصّها المنفيّة ؟ فلو كان يقول ـ نقلاً عنهم ـ : إنّه « جسم لا كالأجسام » ليس له

ــ[23]ــ

حيّز و لا أبعاد و هكذا ينفي جميع خواصّ الأجسام حتى لا يبقى إلاّ مجرّد اسم « الجسم » لكان تفسيراً جيّداً للمقولة حسب تفسيرهم . و الحاصل أنّ قوله : « و له حيّز ... » يناقض تصريحه بكون المقولة تجسيماً لفظياً و عدم كفر قائليها . 2 ـ قوله : « من تستّر بالبلكفة » . و هذه الكلمة مصدر جعلي من قولهم : « بلا كيف » و قد استعمل السلفيّون من العامّة ذلك ، حيث اثبتوا لله ـ جلّ و علا ـ أعضاء ، كاليد ، و الرجل ، و العين ، و سائر الجوارح و هكذا الاستواء ، و النزول ، و ما أشبه . و خروجاً عن تشبيهه تعالى بالخلق ، قالوا : إنّ هذه الأعضاء هي « صفات » خبرية لله تعالى شأنه . و إذا سئلوا عن حقيقة هذه الصفات ؟ قالوا ـ مثلاً ـ : لله يد بلا كيف . و قد اشتهر عنهم قولهم : الاستواء معلوم ، و الكيف مجهول ، و الإيمان به واجب و السؤال عنه بدعة (111) .

الهامش (111) الملل و النحل 1 / 93 . و لنا بحث طويل معهم في هذه المصطلحات ، و موقف حاسم في عقائدهم هذه ، و فقّنا الله لنشره .

................ص46..............

« فالبلكفة » من مصطلحات الصفاتيّة ، و قد أصبحت عقيدة الأشاعرة من بعدهم ، و صار مذهباً لأهل السنّة ، و انتقلت سمة الصفاتيّة إلى الأشعرية (112) . فقد تهرّبوا من الإجابة بتكميمهم الأفواه ، و تستّروا عن التشبيه الذي تدلّ عليه أسماء الأعضاء بادّعائهم « اللاّ كيف » و لذلك قال الشاعر فيهم :

قد شبّهوه بخلقه و تخوّفوا خوف الورى فتستّروا بالبلكفه

لكنّ الدوّاني غالط ، و اعتبر قول القائل : « لا كالأجسام » بلكفة ، مع أنّ المنفي في هذه المقولة ليس هو الكيف ، و إنّما المنفيّ صريحاً هو التشبيه ، و مع ذلك فالدّواني يعتبر المقولة « تشبيهاً » . فما أوضح هذا التهافت ؟! و إذا كان لفظ « جسم » بمعنى « شيء » دلّت المقولة على ما تدلّ عليه الآية الكريمة : ( ليس كمثله شيء ) ( سورة الشورى (42) الآية (11) ) ـ كما سبق أن شرحناه ـ فهل يعتبر الدوّاني هذا ـ أيضاً ـ بلكفة ؟! 6 ـ و صرّح ابن حزم بأنّ المقولة لا مانع فيها إلاّ من جهة توقيفية الأسماء ، فقال : و من قال : إنّ الله تعالى « جسم لا كالأجسام » فليس مشبّها (113) لكنّه ألحد (114) فقال : و من قال : إنّ الله تعالى « جسم لا كالأجسام » فليس مشبّهاً (113) لكنّه ألحد (114) في أسماء الله تعالى : إذ سمّاه عزّ و جلّ بما لم يسمّ به نفسه (115) . و قال : إن قالوا لنا : إنّكم تقولون : إنّ الله عزّ و جلّ حيّ لا كالأحياء و عليم لا كالعلماء ، و قادر لا كالقادرين ، و « شيء لا كالأشياء » فلم منعتم القول بأنّه « جسم لا كالأجسام » ؟

الهامش (112) الملل و النحل 1 / 93 و قبلها . (113) في المصدر : « مشتبها » و هو غلط كما لا يخفى . (114) الإلحاد في الشيء : إدخال ما ليس منه فيه . (115) الفصل 2 / 120 .

................ص47..............

ــ[24]ــ

قيل هم ـ و بالله التوفيق ـ : لو لا النصّ الوارد بتسميته تعالى بأنّه حيّ ، و قدير ، و عليم ، ما سمّيناه بشيء من ذلك ، لكنّ الوقوف عند النصّ فرض ، و لم يأت نصّ بتسميته تعالى « جسماً » و لا قام البرهان بتسميته « جسماً » بل البرهان مانع من تسميته بذلك تعالى . و لو أتانا نصّ بتسميته تعالى « جسماً » لو جب علينا القول بذلك ، و كنّا ـ حينئذ ـ نقول : إنّه « ... لا كالأجسام »(116) . و هذا صريح في أنّ المانع من إطلاق لفظ « جسم » هو التوقيف ، لعدم و روده في النصّ ، و أنه لو أطلق لزم إضافة ذيل المقولة عليه . و أمّا قوله : بل البرهان مانع من تسميته بذلك تعالى ، فليس بصحيح : أولاً : لو كان هناك مانع غير التوقيف ، لما صحّ إطلاقه عليه تعالى بمجرفد ورود النصّ به ، كما فرض هو . و ثانياً : إنّ البرهان لا دخل له في أمر الألفاظ و التسميات ، لأنّ ذلك من شؤون اللغة و الوضع ، لا البرهان و العقل ، كما سيأتي توضيحه في مسألة توقيفيّة الأسماء ، إن شاء الله . ثم إنّا لم نقف على برهان عقلي على عدم صحّة إطلاق أسم « الجسم » عليه تعالى ! نعم ، قد تمّ البرهان على نفي التجسيم عنه تبارك و تعالى ، و أين هذا من التجسيم اللفظيّ !؟ و الحاصل : أنّ المقولة لا تدلّ على التجسيم ، بل تدلّ على التنزيه عن حدّ التعطيل ، و عن حدّ التشبيه ، فإطلاق النفي في قوله « لا كالأجسام » صريح في نفي كلّ أشكال التماثل و المشابهة بين البارئ تعالى و بين الخلق ، و هذا بنفسه قرينة على صرف معنى « الجسم » عن المفهوم اللغويّ و العرفّي ، إلى مصطلح هشام ، و إرادة « الموجود » أو « الشيء » أو « القائم بالذات » فلا تكون المقوله إلاّ تعبيراً عن إثبات وجود البارئ

الهامش (116) الفصل 2 / 118 ـ 119 .

................ص48..............

و نفي كلّ تشبيه بخلقه عنه . و قد احتوى أقدم نصّ نقل فيه كلام هشام هذا ، على أنّه زعم : أنّ إثبت « الشيء » أن يقال : « جسم » فهو « جسم لا كالأجسام » :« شيء لا كالأشياء » . ثم أضاف : ثابت ، موجود ، غير مفقود ، و لا معدوم ، خارج عن الحدّين : حدّ الإبطال ، و حدّ التشبيه (117) . و هذا هو الغاية في البعد عن اعتقاد التجسيم ، و نهاية التمسّك بالتنزيه . و قد ورد في الحديث نفي القول بالتجسيم عن هشام ، فيما رواه علي بن إبراهيم القمي ، قال : حدّثني أبي ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن علي بن موسى الرضا عليه السلام ، قال : قال : يا أحمد ، ما الخلاف بينكم ، و بين أصحاب هشام بن الحكم في التوحيد ؟ فقلت : جعلت فداك ، قلنا نحن بـ « الصورة » للحديث الذي روي أنّ رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم رأى ربّه صورة شاب . و قال هاشم بن الحكم بـ « النفي للجسم » . فقال : يا أحمد ، إنّ رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم لمّا اسري به إلى السماء ، و بلغ عند سدرة المنتهى ، خرق له في الحجب مثل سمّ الابرة ، فرأى من نور العظمة ما شاء الله أن يرى ، و أوردتم ـ أنتم ـ التشبيه !؟ دع هذا ، يا أحمد ، لا ينفتح عليك ،

ــ[25]ــ

هذا أمرٌ عظيم (118) . ثمّ نفي التجسيم ، و عدم إرادة المعنى اللغوي من كلمة « الجسم » بل اعتباره ـ على اصطلاح هشام ـ بمعنى « الشيء » و « الموجود » مع تكميله بنفي التشبيه في قوله « ... لا كالأجسام » يقتضي نفي « الصورة » عن البارئ ، لوضوح أن « الصورة » من لوازم الأجسام ، و قد نفاه بقوله « لا كالأجسام » .

الهامش (117) اختيار معرفة الرجال : 284 رقم 503 . (118) تفسير القمي 1 / 20 .

................ص49..............

كما أنّ الإمام الرضا عليه السلام جعل كلام هشام و من تبعه في مقابل التشبيه في الرواية التي احتوت على مقولته ، و هي أول نصّ شيعي جاءت فيه ، و إليك نصّها : قال عبد الملك بن هشام الحنّاط : قلت للرضا عليه السلام : زعم هشام بن سالم : أنّ الله عزّ و جلّ صورة ، و أنّ آدم خلق على مثال الربّ . و زعم يونس مولى آل يقطين ، و هشام بن الحكم : أنّ الله «شيء لا كالأشياء » ، و أنّ الأشياء بائنة منه ، و هو بائن عن الأشياء ، و زعما : أنّ إثبات « الشيء » أن يقال « جسم » فهو « جسم لا كالأجسام » : « شيء لا كالأشياء » ثابت ، موجود ، غير مفقود ، و لا معدوم ، خارج عن الحدّين : حدّ الإبطال و حدّ التشبيه . فبأيّ القولين أقول ؟! فقال عليه السلام : أراد هذا الإثبات . و هذا شبّه ربفه تعالى بمخلوق ، قال تعالى الله الذي ليس له شبيه ، و لا عدل ، و لا مثل و لا نظير ، و لا هو في صفة المخلوقين . لا تقل بمثل ما قال هشام بن سالم . و قل ما قال مولى آل يقطين و صاحبه (119) . و كلام الإمام الرضا عليه السلام ـ مضافاً إلى توضيحه مراد هشام ، و تقريره لهذا المراد ـ يدلّ على بعد معتقد هشام عن كلّ تشبيه ، و منافاته لما قاله هشام بن سالم . و قد ذكر المفهرسون أنّ لهشام بن الحكم كتاب « الردّ على هشام بن سالم » (120) كا أنّ مقابلة هشام ، للبزنطي القائل بالصورة ـ في رواية القمّي ـ تدلّ بوضوح على أنّ هشاماً كان لا يقوم « بالصورة » .

الهامش (119) اختيار معرفة الرجال : 285 رقم 503 . (120) لاحظ : رجال النجاشي : 433 رقم 1164 و الفهرست للطوسي : 204 رقم 782 ، و الفهرست ـ للنديم ـ : 224 .

................ص50..............

و كذلك « الرؤية » فإنّها داخلة في خواصّ الأجسام ، التي نفاها هشام بقوله : « ... لا كالأجسام » . و قد صرّح هشام بأنّ « الرؤية » من لوازم « الجسميّة » في مناظرته لأبي الهذيل العلاّف ، فقال له : إذا زعمت : أنّ الحركة ترى ، فلم لا زعمت أنّها تلمس ؟ قال العلاّف : لأنّها ليست بجسم ، فيلمس ، لأنّ اللمس إنّما يقع على الأجسام ! قال هشام : فقل « إنّها لا ترى » لأنّ الرؤية إنّما تقع على الأجسام (121) . فإذا نفى هشام خواصّ الأجسام عن البارئ بقوله : « ... لا

ــ[26]ــ

كالأجسام » فهو ينفي رؤية البارئ تعالى قطعاً . و لذا لم ينقل عنه القول بالرؤية إلاّ ما حكاه بعض خصومه من المعتزلة . قال الشيخ المفيد : فأمّا نفي الرؤية عن الله عزّ و جلّ بالأبصار ، فعليه إجماع الفقهاء و المتكلّمين من العصابة كافّة ، إلاّ ما حكي عن هشام في خلافه (122) . و الذي حكي هذا القول الشاذّ هو القاضي عبد الجبّار ، فقال : و أمّا هشام بن الحكم و غيره من المجسّمة فإنّهم يجوّزون أن يرى في الحقيقة و يلمس (123) . مع أنّا عرفنا مصطلح هشام في « الجسم » و أنّه أطلقه على معنى « الشيء » و« الموجود » و « القائم بنفسه » و نفى عنه خواصّ الأجسام بقوله « لا كالأجسام » و علمنا أنّ ذلك يقتضي نفي هشام لـ « الصورة » و « الرؤية » و القاضي ـ نفسه ـ اعترف بأنّ معاني « الشيء » و « الموجود » و « و القائم بنفسه » لا تؤدّي إلى « التجسيم » و لا تلازم القول بـ « الرؤية » (124) . و قد اعترف القاضي ـ أيضاً ـ بأنّه : لا أحد يدعي أنّه يرى الله سبحانه إلاّ

الهامش (121) مروج الذهب 5 / 12 رقم 2917 . (122) الفصول المختارة 2 / 121 ، و أوائل المقالات : 59 . (123) المغني 4 / 139 . (124) المغني 4 / 180 .

................ص51..............

من يعتقد « جسماً » « مصوّراً بصورة مخصوصة » و يعتقد أنّه يحلّ في الأجسام (125) . فإذا وجدنا هشاماً ينفي حقيقة الجسم ، و ينفي الصورة ، و ينفي كلّ لوازم الأجسام ، فكيف ينسب القاضي إليه القول بالرؤية التي هي من أظهر خواصّ الأجسام ، و ألزم لوازم القول باعتقاد التجسيم ؟! و من الغريب أنّ بعض الكتّاب غفل عن كلّ ما ذكرناه من الحقيقة ، فنقل كلام المفيد في نفي القول بالرؤية عن الطائفة كافة إلاّ ما حكي عن هشام ، و قال : فإن صحّت الحكاية و النسبة (!) فهي نتيجة لقوله : إنّ الخالق « جسم لا كالأجسام » لأنّ القول بكونه « جسماً » يفضي إلى القول بجواز الرؤية . لكنّ هذه الحكاية لم تثبت بطريق مقبول (162) . و قد عرفت بأنّ هشاماً لم يرد بكلمة « الجسم » ما هو المفهوم الظاهر منه ، حتى يكون مفضياً إلى الرؤية ، بل أراد « الشيء » و « الموجود » و هذا باعتراف القاضي عبد الجبّار ـ صاحب الحكاية و النسبة ـ لا يقتضي القول بالرؤية . و قد صدر هذا من الكتاب نتيجة عدم وقوفه على مصطلح هشام ، و عدم تدقيقه في أبعاد هذا المصطلح ، و لنا لقاء معه في القسم الآتي من هذا البحث . ثمف إنّ جميع ما أورده المحقّقون من الفلاسفة و المتكلّمين من البراهين و الأدلّه على نفي التجسيم عن الله تبارك و تعالى مبتن على نفي التأليف و التركيب و التحيّز و الحاجة و الجزء ، و ما أشبه ذلك ، عن وجود البارئ جلّ و عزّ ، لأنّ جميع ما ذكر هو من سمات الممكنات ، و الله تعالى واجب الوجود . و من الواضح أنّ شيئاً من ذلك لا يرتبط بمسألة اللفظ و إطلاق كلمة « جسم » بمعنى « الشيء » عليه تعالى . و أمّا مسألة توقيفية أسمائه تعالى ، فهذا أمر آخر ، سيأتي التفصيل فيه ، بعون الله .

ــ[27]ــ

الهامش (125) المغني 4 / 99 . (126) هشام بن الحكم استاذ القرن الثاني ـ لعبد الله نعمة ـ : 148 .

................ص52..............

6 ـ مواقف الكلاميّين من المقولة : لقد عرفنا خلال عرضنا لمصطلح هشام مواقف العلماء الناقلين لذلك من المقولة ، و رأينا هنا أن نستعرض تلك المواقف في نظرة سريعة : أمّا الأشاعرة : فقد صرّح رئيس مذهبهم أبو الحسن الأشعري بأنّ هشاماً قال : هو « جسم لا كالأجسام » و معنى ذلك : أنّه « شيء موجود »(127) . و هذا واضح في تفسيره المصطلح بما لا يدلّ على التجسيم المعنويّ ، فإنّ من يعبّر عن الله تعالى بأنّه « شيء موجود » لم يذكر بكلامه هذا إلاّ إثبات و جود الله تعالى ، دون أن يعبّر عن كون الله تعالى له صفة الجسميّة أو غيرها ، فكذلك المقولة التي تدلّ على معنى « شيء موجود »كما فسّرها الأشعريّ . مضافاً إلى أنّ ذيل المقولة يدلّ على نفي تشبيهه بالأجسام كلفها ، فهو أصرح ، في عدم التجسيم المعنويّ . و قد صرّح الأشعري في مورد آخر بأنّ الذي يقول في البارئ : « جسم » بمعنى أنّه « موجود » : لا يثبت البارئ ذا أجزاء مؤتلفة ، و لا أبعاض متلاصقة (128) . فهذا ـ على مصطلح هشام ـ صريح في نفي المعنى اللغوي للجسم الدالّ على الأبعاد و الأجزاء و تألّفها في الوجود . و أصرح من ذلك قوله : و قال قائلون : هو « جسم خارج من جميع صفات الأجسام » ليس بطويل ، و لا عريض ، و لا عميق ، و لا يوصف بلون ، و لا طعم ، و لا مجسّة ، و لا شيء من صفات الأجسام ، و أنّه ليس في الأجسام و لا على العرش (129) ...

الهامش (127) مقالات الإسلاميّين 1 / 257 . (128) مقالات الإسلاميّين 1 / 104 . (129) مقالات الإسلاميّين 1 / 260 .

................ص53..............

و هذا النصّ ، و إن لم يفسّر فيه الجسم بما اصطلح عليه هشام ، إلاّ أن قوله : « خارج من جميع صفات الأجسام » إلى آخر العبارة ، لازم لذلك ، بل هذا هو توضيح لذيل المقولة : « ... لا كالأجسام » كما هو واضح ممّا تقدّم ذكره مكرّراً . و مع هذا ، فالأشعريّ ينسب إلى هشام القول بأنّ ربّه في مكان دون مكان ، تعالى الله عن ذلك ، وكذلك ينسب إليه أقاويل تنافي هذه المقولة منافاة ظاهرة ، و يضيف على مقولته أقبح ما يقال في هذا المجال ، ممّا لا يخفى على عاقل ، فكيف يخفى ذلك على الأشعري المتغافل !؟ هذا ، و قد اعترف كبار الأشارة ، المتقدّمون و المتأخّرون ، بعدم دلالة المقولة على التجسيم ، كما نقلناه عن الأيجي ، و الجويني ، و الدوّاني ، و الرازي ، و عبده . و أمّا الظاهريّة : فقد عرفنا من أشهر شخصيّة علميّة فيهم ، و هو ابن حزم الظاهريّ تصريحه بأنّ : من قال : « جسم لا كالأجسام » فليس مشبّهاً ، لكنه ألحد في أسماء الله تعالى ، إذ سمّاه عزّ و جلّ بما لم يسمّ به نفسه (130) . مع أنّه يوافق على مقولة « شيء لا كالأشياء » (131) . و

ــ[28]ــ

قد عرفنا أنّ مقولة « جسم لا كالأجسام » هي مرادفة لمقولة « شيء لا كالأشياء » و بمعناها على مصطلح هشام في « الجسم » . و أمّا المعتزلة : فقد أبدوا معارضة شديدة للمقولة ، باعتبارهم أكثر الناس عداءً لهشام و لما ينسب إليه من آراء . و ذلك لأنّه الرجل القوي الذي كان يقف في وجههم و هم في أوج قدرتهم

الهامش (130) الفصل 2 / 120 . (131) الفصل 2 / 8 ـ 119 .

................ص54..............

و عزّتهم ، « فكان الشخصيّة القويّة الذي ناظرهم و ناظروه » (132) و هو الوحيد الذي اضطرّ الخصوم للاعتراف له بأنّه « صاحب غور في الأصول » (133) و بلغ من القوّة بحيث قالوا في حقّه : « لا يجوز أن يغفل عن إلزاماته على المعتزلة ، فإنّ الرجل وراء ما يلزم به على الخصم » (134) . و قد ذكر الشهرستاني أنّ هذه المقولة إنّما أوردها هشام في إلزام أبي الهذيل العلاّف بالذات ، و هو من كبار المعتزلة المعاصرين لهشام ، و له معه مناظرات عديدة . و المعتزلة مع إجماعهم على مقولة « شي لا كالأشياء » (135) و مع أنّ بعضهم وافق على كبرى « لا شيء إلاّ و هو جسم » (136) ، إلاّ أنّهم أغفلوا مصطلح هشام ، و عارضوا المقولة ، و غالطوا في حملها على غير مصطلح هشام ، و قد أوضحنا سابقاً مواقع المغالطة في كلماتهم (137) . لكن الجبّائي ـ وهو من كبارهم ـ كان يزعم : أنّ العقل إذا دلّ على أنّ البارئ « عالم » فواجب أن نسمّيه « عالماً » و إن لم يسمّ نفسه بذلك ، إذا دلّ العقل على المعنى ، و كذلك سائر الأسماء (138) . فهو على هذا ملزم بالموافقة على المقولة ، على مصطلح هشام ، و لكن لم أجد تصريحاً له بذلك . لكنّ واحداً من المعتزلة صرّح بالحقّ في شأن المقولة ، و هو ابن أبي الحديد ، الذي صرّح بأنّ المقولة « جسم لا كالأجسام » إذ كانت على معنى : أنّ الله تعالى

الهامش (132) ضحى الإسلام ـ لأحمد أمين ـ 3 / 268 . (133) الملل و النحل 1 / 185 . (134) الملل و النحل 1 / 185 . (135) مقالات الإسلاميّين 2 / 180 ، و انظر موضع التعليقة رقم 79 . (136) مقالات الإسلاميّين 1 / 245 . (137) راجع ( ص39) من هذا البحث . (138 مقالات الإسلاميّين 2 / 185 ، و انظر : مذاهب الإسلاميّين 1 / 500 .

................ص55..............

بخلاف العرض الذي يستحيل منه الفعل ، فهو نفي لمعنى الجسميّة ، و إنّما أطلقوا هذه اللفظة لمعنى أنّه « شيء لا كالأشياء » و أمرهم سهل ، لأنّه خلاف في العبارة (139) هذه مواقف عمدة المذاهب الإسلامية التي لها رأي في المباحث الكلامية ، من الّذين يخالفون هشاماً في المعتقد ، و خاصة في المذهب ، و كما رأينا فإنّهم تّفقون على عدم نافاة مقولة هشام للحقّ ، و لا اعتراض لهم على المقولة من حيث المعنى . لكنّهم بالرغم من ذلك نسبا إلى هشام أنواعاً من التهم البشعة ، و الخرافات المنافية لأبسط القواعد العقلية ، سعياً في تشويه سمعته بين المسلمين

ــ[29]ــ

الموحّدين ، و تضييعاً لأثره في الفكر و العقيدة ، و إخفاء لعظمته في تاريخ العلم و الثقافة الإسلامية في عصروها المبكّرة . و من هنا نعرف السبب في إغفال البغدادي صاحب « الفرق بين الفرق » لهذه المقولة عند ذكره لآراء هشام الكلامية ، فلم يذكرها مطلقاً ، مع شهرتها عن هشام ، بينما أبدى حقداً و بغضاً في جمع كلّ خرافة و باطل و كذب ، و نسبة ذلك إلى هذا الفكّر الموحّد !

الهامش (139) شرح نهج البلاغة 3 / 228 .

................ص56..............

7 ـ موقف الشيعة من المقولة : أمّا الشيعة ، أتباع مذهب هشام ، فقد عرفنا اتّفاقهم قدماء و متأخرفين على أنّ المقولة لا تدلّ على التجسيم المعنويّ ، و إنّما أريد من كلمة « الجسم » معنى آخر ، غير مدلوله اللغويّ المتفاهم ، و قد أوضحنا أنّ المعنى الآخر قد اصطلح عليه هشام و أصحابه و تلاميذه ، و أرادوا من كلمة « الجسم » معنى « الشيء » و « الموجود » . و قد صرّح الشيخ المفيد ، و السيد المرتضى ، بأنّ هشاماً لم يخالف في مقولته « جسم لا كالأجسام » التوحيد ، و لا يرد عليه إلاّ إطلاق لفظ « الجسم » على البارئ تعالى و إن كان بمعنى « الشيء » (140) . و قد ذكر ابن أبي الحديد : أنّ هذا المعنى هو الذي التزمه من قدماء الشيعة : علّي بن منصور ، و السكّاك ، و يونس بن عبد الرحمن ، و الفضل بن شاذان (141) . و كذلك صرّح كثير من علماء الطائفة ، و آخرهم سيّدنا الاستاذ ، الذي قال في كتاب رجاله بعدم إرادة هشام من كلمة « الجسم » معناها المفهوم ، بل أراد معنى آخر (142) و لكنّ الذي يحزّ في النفس أن يتعرّض للموضوع من لم يأخذ له اهبته اللازمة ، ممّن ينتمون إلى طائفة هشام ، فغرّتهم كثرة الأقاويل التي اختلقها كتاب الفرق و المقالات ، و مؤرّخو المذاهب و القضايا الاعتقاديّة ، و ملأوا بها الصحائف ، فلم تفسح لهؤلاء مجالاً للتأمّل في الموضوع بدقّة و عمق ، من خلال مصادرنا المأمونة لتمييز الصحيح من الفاسد ، أولاً ، و التوصّل إلى الحقّ الذي أراده هشام ، ثانياً ، فوقع هؤلاء في الفخاخ التي نصبها أولئك الحاقدون ، و ما سطّروه في صحائفهم السوداء ضدّ هشام . و أكثر ما نجد تناقل كتّاب العصر لما لفّقه الخصوم عن معتقدات هشام ، ممّا

الهامش (140) الحكايات : 131 ، و أوائل المقالات : 43 ، و الشافي ـ للمرتضى ـ : 12 . (141) شرح نهج البلاغة 3 / 228 . (142) معجم رجال الحديث 19 / 358 .

................ص57..............

ينافي أبسط قواعد الإيمان و الإسلام . و ناقل الكفر و إن لم يكن كافراً ـ كما يقال ـ إلاّ أن تمريرها بالنقل ، من دون تعرّض لها بالنقد أو تزييف نقاط الضعف ، أو تبيين أوجه المغالطة فيها ، جريمة لا تغتفر ، فضلاً عن أن يبدي المؤلّف رأياً يعارض الحقّ ، و ينسبه إلى هشام ! أو يتناقل تلكم الأكاذيب من دون نسبتها إلى

ــ[30]ــ

مختلقيها ، و كأنّ الناقل يفرضها من مسلّمات التاريخ أو العلم ! فبما يعتذر من يعدّ في المذاهب مذهباً باسم « الهشاميّة » ينسب إليه الغلوّ و التشبيه ؟! مع العلم بأنّ مؤلّفي الفرق و مؤرخّي المذاهب من الشيعة لم يذكروا فرقة بهذا الإسلام أصلاً ، فضلاً عن ينسبوا إليها تلكم التهم ؟! و لو نقل ذلك عن مصادر المخالفين لهشام في المذهب ، لكفانا مؤونة هذه الكلمة المؤلمة ! أمّا هشام ، فلن تؤثّر في عضمته هذه التصرّفات ، و لم تخفت نور الحقّ الذي التزم به كثرة التشويش عليه ، سواء من فعل الخصوم الحاقدين ، أو من نقل أبناء طائفته الغافلين أو المتساهلين . و لقد رأيت من واجبي الدينيّ و العلميّ أن استعرض ما جاء في كتاب « هشام ابن الحكم استاذ القرن الثاني في الكلام و المناظرة » ممّا وجدته مخالفاً لما ثبت عن هشام من آراء ، و ما توصّلت إليه من حقائق . و مع أنّ مؤلّف هذا الكتاب كان متنبّهاً إلى خطورة الموضع ، و صعوبة البحث فيه ، إذ يقول : مع اعترافي بأنّ ذلك محاولة نموذجيّة قد لا تبلغ من العمق و الشمول ما لا يطلبه حديث رجل كهشام ، و لا يتّسع كثيراً للإيضاح ، ذلك لأنّه لم يحظ بعناية المترجمين (143) .

الهامش (143) هشام بن الحكم : 8 ـ 9 .

................ص58..............

و مع ما يعهد من :ولّفه من معرفة و حسن نيّة و جهد علمي ، لكنّه ـ مع هذا كلّه ـ وقع للأسف في شباك الأخطبوط المعادي لهشام ! و نحن نذكر هنا ما يرتبط بمبحث التجسيم فقط ! في انتخاب المصادر : فهو ينقل عن مصادر متأخّرة جدّاً ما نقلوه عن مصادر قديمة ، من دون أن يتابع القضايا ، و يراجعها في مصادرها الأصليّة . فمثلاً : يعتبر المؤلّف هشاماً تلميذاً لأبي شاكر الديصاني ، و قد ذكر مستنداً لهذا الاعتبار ، و هو أربعة نصوص ، أحدها منقول عن البرقيّ ، و الثاني في رواية عن الإمام الرضا عليه السلام ، ثم الثالث عن ابن الخيّاط المعتزليّ ، و الرابع عن ابن تيميّة الحرّاني ، ثم قال : و بعد هذا ، فإنّ جميع النصوص المذكورة متّفقة على أنّ هشاماً كان على صلة تامّة بهذا الديصانيّ ، و علاقة وثيقة به (144) . أقول : و ليس شيء من هذه النصوص الأربعة حجّة على ما يريد المؤلّف إثباته ، فالنصّان : الثالث و الرابع ، هما كلمتان لرجلين من ألدّ خصوم الشيعة ، و ممّن شنّعوا على هشام بالخصوص ، و ممّن لم يتّقوا الله في نسبة ما هوت نفوسهم إلى هشام و أتباع أهل البيت عليهم السلام ، و يشهد بذلك كتابهما « الانتصار » للخياط ، و « المنهاج » لابن تيميّة ! ثم متى صارت أقوال الخصوم حجّة في حقّ خصومهم ؟! و كيف صار اتّفاق هذين الرجلين دليلاً على اتّهام هشام ؟! (145) . و أمّا النصّ الأول : فقد نقله المؤلّف عن المامقاني في تنقيح المقال 3 / 295 . و قد نقله المامقاني عن ابن داود الرجالّي الحلّي ، و لمّا راجعت « الرجال » لابن داود وجدته ناقلاً له عن البرقيّ ، فراجعت رجال البرقيّ ، فوجدت فيه : و في كتاب سعد :

ــ[31]ــ

الهامش (144) هشام بن الحكم : 48 ـ 49 . (145) انظر ما ذكره القاسمي في كتاب « تاريخ الجهمية و المعتزلة » ص 30 و ما بعدها ، حول التساهل في نقل الآراء و المذاهب ، و ما يجب أن يعتمد في ذلك .

................ص59..............

له كتاب ، و كان من غلمان أبي شاكر الزنديق ، جسمي ، رؤييّ . و قد علّق محقّق الكتاب على هذه العبارة بأنّ في نسخة تصحيفاً (146) . و لم يميّز في كتاب البرقيّ أنّ قوله : « و كان من غلمان ... إلى آخره » منقول عن سعد ، أو هو من كلام البرقيّ نفسه ؟ فإن كان منقولاً عن سعد ، فمن هو « سعد » هذا ؟ فإن كان هو سعد بن عبد الله الأشعريّ القميّ ! الذي له كتاب « رجال الشيعة » (147) فهو في كتابه الآخر المسمّى بـ « المقالات و الفرق » لم يذكر عن هشام شيئاً ، إلاّ أنّه عدّه في من ذكرهم من « وجوه أصحاب جعفر بن محمد ، و أهل العلم منهم و الفقه و النظر ، و هم الّذين قالوا بإمامة موسى بن جعفر عند وفاة أبيه » (148) . ثم إنّ ابن داود الذي نقل عن البرقيّ تلك العبارة ، ناقش مضمونها في القسمين من رجاله : فقال في القسم الثاني : هشام بن الحكم : لا مراء في جلالته ، لكنّ البرقيّ نقل فيه غمزاً ، لمجرّد كونه من تلاميذ أبي شاكر الزنديق ، و لا اعتبار بذلك (149) . و قال في القسم الأوّل ـ بعد نقل عبارة البرقيّ المذكورة ـ : مع أنّي لا أستثبت ما قاله البرقيّ قدحاً فيه ، لأنّ حال عقيدته معلوم ، و ثناء الأصحاب عليه متواتر ، و كونه تلميذ الزنديق لا يستلزم اتّباعه في ذلك ، فإنّ الحكمة تؤخذ حيث وجدت (150) . ثم إنّ المامقاني ـ بعد أن نقل ذلك ـ ذكر في دفع ذلك أمرين : 1 ـ أنّ رجال البرقيّ ، الموجود عنده ، خال عن ذكر تلمذة هشام لأبي شاكر ، أولاً . 2 ـ أنّه قد ورد في أخبار كثيرة مناظرته لأبي شاكر ، و احتجاجه عليه في

الهامش (146) رجال البرقي : 35 . (147) لاحظ : رجال النجاشي : ... ، و الفهرست ـ للطوسي ـ . (148) المقالات و الفرق ـ لسعد ـ : 88 رقم 168 . (149) رجال ابن داود القسم الثاني ـ : 60 . (150) رجال ابن داود ـ القسم الأول ـ : 200 رقم 1674 .

................ص60..............

التوحيد ، على وجه يعلم عدم كونه تلميذاً له ، ثانياً (151) . و الحقّ أنّ المامقاني قد تبرّأ من مضمون تلك العبارة . و المؤلّف ، كيف يصرف النظر عن كلّ هذه المناقشات ، و ينقل تلك العبارة ، و يعتبرها نصفاً دالاًّ على ما يريد إثباته من تلمّذ هشام للديصانّي ؟! و أمّا النصّ الثاني ، فهي رواية عن الإمام الرضا عليه السلام ، نقلها عن المامقاني أيضاً (152) . لكنّ المامقاني نقل الراوية تلك عن الكشّي ، و هي موجودة في رجاله (153) . و قد ذكر المامقاني : أنّ الرواية قاصرة سنداً . بالنظر إلى أنّ في السند : « عن بعض أصحابنا » و هم لا يعتبرون بمثله . هذا ، مع أنّ النصّ الموجود في رجال الكشّي هو : ... من غلمان هشام ، و هشام من غلمان

ــ[32]ــ

أبي شاكر .. و ليس في الرواية : « ... هشام بن الحكم » و هكذا نقله المامقاني . و لكنّ المؤلّف أضاف كلمة « بن الحكم » على متن الرواية ، من دون إشارة إلى عدم وجودها في المصدر ، و لا في مصدر المصدر ! هذه قيمة النصوص التي اعتمد عليها المؤلّف في دعواه الخاطئة ، أي كون هشام تلميذاً للديصاني ، و مع هذا يسلّم للدعوى ، و يبني على هذه النصوص بناء مهزوزاً ، هنا و في ما يلي من صفحات كتابه ، و يستنج آراء خاطئة ينسبها إلى هشام و يقول بملء فيه : إنّ هذه الآراء وصلت إلى هشام ، من أثر الفكر الرواقي ، من طريق أبي شاكر الديصاني ! و يقول : بل من الجائز أن تكون نزعته « الحسيّة » « الماديّة » هي أصداء للنزعة الرواقيّة ، انعكست في تفكيره بواسطة الديصانيّة (154) .

الهامش (151) تنقيح المقال 3 / 295 . (152) يلاحظ أنّه أرجع إلى تنقيح المقال 3 / 295 بينما الرواية مذكورة في ص 299 من المصدر . (153) اختيار معرفة الرجال : 278 رقم 497 . (154) هشام بن الحكم ... : 50 ـ 51 .

................ص61..............

و هذا كلّه مبني على و هم خاطئ ، مصدره تلك النصوص التي عرفنا عدم حجّيّتها ، و عدم قابليتها لإثبات تلك الدعوى ! و بنفس الأسلوب يدّعي أنّ هشاماً اعتنق مذهب جهم بن صفوان ، و يستند إلى نصوص ، لا تخلو من مناقشات ، و لكنّ المؤلّف لم يلاحظ فيها شيئاً ، و يقول : فهشام ، إذن ، من دعاة الجمهيّة ، ناظر على طريقتها ، متحمّساً لها (155) . و يستند أخيراً إلى الشبه الموجود بين بعض آراء هشام و بين آراء الجهميّة ، التي ذكرها مؤلّفو كتب الفرق ، و يقول : من البعيد أن يكون ذلك عفواً و اتّفاقاً (156) . و لا بدّ أن نسأله هنا : بماذا يفسّر الاختلاف بين هشام و بين جهم في آرائه الأخرى ؟! هل يعتبرها عفواً أو اتّفاقاً ؟! مع أنّ الموارد التي ادّعى موافقة هشام لجهم فيها ، و التي تمثّل بها كشاهد على دعواه ، ليس الأمر فيها كما زعم ، بل هناك مخالفة بين رأييهما لم يدقّق فيه المؤلّف ، فقد أدّعى ـ نقلاً عن مقالات الإسلاميّين ، للأشعريّ ، ص 108 ـ أنّ هشاماً نسب إليه القول : « بأنّ الله لا يجوز أن يعلم الشيء قبل خلقه ، و أنّ الأشياء لا تعلم قبل كونها ... » ثم يقول : و هذا الرأي نفسه للجهم (157) . أقول : هب أنّ هشاماً يوافق الجهم إلى هذا الحدّ ، لكن هل تنتهي المسألة إلى هنا ؟ كلاّ ، بل ، إنّ هشاماً يخالف جهماً في نهاية المسألة نفسها : فجهم يدّعي فيها : « أنّ علم الله محدث ، هو أحدثه ، فعلم به ، و أنّه غير الله » (158) . لكنّ هشاماً يقول : إنّ الله يعلم الأشياء بعلم ، و أنّ العلم صفة له ، ليست هي هو ، و لا غيره ، و لا بعضه ، و لا يجوز (159) أن يقال في العلم : « إنّه محدث أو قديم » لأنّه

الهامش (155) هشام بن الحكم ... : 51 . (156) هشام بن الحكم ... : 51 . (157) هشام بن الحكم ... : 1 ـ 52 . (158) مقالات لإسلاميّين 2 / 164 . (159) و ذكره في المصدر ـ أيضاً ـ في 1 / 108 بلفظ « فيجوز أن يقال : العلم

ــ[33]ــ

محدث أو قديم ، لأنّه صفة ، و الصفة لا توصف ... » . و قد طبعها المحقّق الألمانيّ ( هـ ، ريتر ) : « فيجوز » بالنصب ، كي يكون منصوباً بأنّ مقدّرة جواباً للنفي في « ليست ... » و معناه : فلا يجوز ، كما جاء في الموضع التالي من المصدر . لكنّ المحقّق المصريّ ( عبد الحميد ) طبعها : « فيجوز » فناقض معنى الجملة السابقة ، و معارضاً للموضع الآخر الذي صرّح فيه بقوله « لا يجوز » كما أثبتنا في المتن ، فلاحظ .

................ص62..............

صفة ، و الصفة عند هشام لا توصف (160) . و من الواضح أنّ من خالف أحداً في جزء دعواه ، سواء في جزء الصغرى ، أو جزء الكبرى ، فهو مخالف له في النتيجة ! فكيف تخفى هذه البديهيّة على المؤلّف . و الغريب أنّه جعل نفس هذا الأمر الذي اختلف فيه هشام و الجهم مثالاً آخر لما يدّعيه من توافقهما في الرأي ! و بعد أن نقل كلام هشام في العلم ، و تصريحه بأنّه « لا يقال فيه محدث و لا قديم » يقول : و نجد في هذا شبهاً بقول الجهم حين يستدلّ على ذلك فيقول : « إذا ثبت حدوث العلم فليس يخلو : إمّا أن يحدث في ذاته تعالى ، و ... » (161) . فانظر ـ بالله عليك ـ كيف يكون الشبه بين من ينفي الحدوث و القدم ، و بين من يفرض الحدوث و يتكلّم على أساسه ؟! و الأغرب أنّ المؤلّف لمّا ينقل قول هشام : ليس يخلو القديم من أن يكون لم يزل عالماً لنفسه ، كما قالت المعتزلة ، أو عالماً بعلم قديم ، كما قالت الزيديّة ، أو عالماً على الوجه الذي أذهب إليه (162) . يقول : و يقصد بالوجه الذي يذهب إليه : انّ العلم حادث (163) . و يقول ـ بكلّ جرأة ـ : فرأي هشام هنا مشتق من رأي جهم بكامله ! أقول : لكن عرفت أنّ القول بحدوث علم الله هو رأي جهم فقط ، و أمّا رأي

الهامش (160) مقالات الإسلاميّين 2 / 163 ، و الملل و النحل 1 / 185 . (161) هشام بن الحكم ... : 52 . (162) هشام بن الحكم ... : 128 نقلاً عن الانتصار ـ للخيّاط ـ : 108 . (163) هاشم بن الحكم ... : 128 .

................ص63..............

هاشم فهو أنّ العلم صفة ، و هي لا توصف بحدوث و لا قدم ! فهو ينكر حدوث العلم ! فكيف يجرؤ المؤلف على هذا التصريح الخطير ! لا أجد جواباً لهذا ، إلاّ أنّ أقول للمؤلف : « ما هكذا تورد يا سعد الإبل » . و لو شاء المؤلّف أن يرى بأمّ عينه اختلافات هشام و الجهم ، فليقرأ في « مقالات الإسلاميين » للأشعري : 1 ـ أنّ الجهم يزعم أنّ الحركة جسم ، و محال أن تكون غير جسم (164) . 2 ـ أن هشاماً يقول : الحركات و أمثالها ليست أشياء و لا أجساماً (165) . و هذا ما عثرنا عليه في طريق بحثنا ، و لم نتصدّ له ، و لعلّ البحث المقصود يدلّنا على الكثير جدّاً . و كيف كان ، فهذا يكفي في تفنيد مزاعم المؤلّف ، و دعواه مكرّراً أنّ هشاماً كان ديصانيّاً أو جهميّاً حتفى بنى على ذلك كثيراً من اتهاماته الصعبة ضدّ هشام . كما

ــ[34]ــ

يقول عند تعرّضه لموضع « التجسيم » في رأي هشام : فالنزعة الحسيّة بادية على شيء من آرائه ، فهو يجسّم الأعراض ، و الجوّ ، حتى الخالق تعالى و يضيف : و قد رجّحنا وصول هذه الفلسفة إلى هشام من طريق الديصانيّة ... و بخاصة أنّ هشاماً صحب أبا شاكر الديصانّي ، ولازمه حتى عدّه من غلمانه ، كما سبق (166) . و يقول بعنوان « ذاته » ـ بعد نقل الأقوال المتعارضة في نسبة التجسيم إلى هشام ـ ما نصّه : و إنّنا إذ نقف بين هذه النصوص المتضاربة ، لا يمكننا أن ننزّه هشاماً عن القول بالتجسيم (167) . ثم يستدلّ على ذلك بقوله : 1 ـ إنّ حكاية التجسيم عنه مستفيضة . 2 ـ إنّ الصدوق روى في كتابه « التوحيد » ما يشعر بذلك .

الهامش (164) مقالات الإسلاميّين 2 / 32 . (165) مقالات الإسلاميّين 1 / 113 . (166) هشام بن الحكم ... : 99 . (167) هشام بن الحكم ... : 121 .

................ص64..............

3 ـ لإنّ المفيد نسب إليه مقولة « جسم لا كالأجسام » . ثم يؤكد على أنّ هشاماً كان جهميّاً ديصانيّاً ، و يصل إلى هذه النتيجة : و على ذلك ، يمكننا أن نقول : إنّ هشاماً كان يذهب إلى أنّ الله تعالى « جسم لا كالأجسام » و ذلك قبل أن يدين بمذهب الصادق ... و لكنّه بعد ذلك رجع . و اعتبر رأيه هذا جمعاً بين الناس التجسيم إليه ، و بين النافين لتلك النسبة عنه ، و يقول : فكلا الفريقين ، المتشيّع عليه ، و المتشيّع له ، قد يكون على صواب (168) . و واضح أنّ شيئاً من أدلّته تلك لا تثبت مدّعاه ، و لا يصحّ ترتيب هذه النتيجة الخاطئة عليه : فالحكايات المستفيضة : تنحلّ إلى أكثرية اختلقتها أهواء خصوم هشام ، و اصطنعتها أغراضهم ، و صاغتها أحقادهم ، فلا قيمة إثباتية لها على التحقيق ، و لا تقاوم الجدل و البحث العلمي . و تنقسم إلى مجموعة أخرى معرّضة للاحتمالات و الترديدات ، و التفسيرات المبعدة لها عن إثبات ما يريده المؤلف . فهل يسمّى مثل هذا استفاضة ؟! و هل تكون مثل هذه الاستفاضة حجّة على شيء ؟! نعم ، هي بمجموعها تدلّ على ثبوت قضية في حقّ هشام ، بنحو المعلوم الإجمالي ، لكنّ جزئيّات هذه القضية و مفرداتها غير واحضة من خلال تلك الحكايات المستفيضة ، و القدر الثابت الصحّة منها هو أنّ هشاماً أطلق تلك المقولة : « جسم لا كالأجسام » على البارئ جلّ و علا ، و قد عرفت أنّها ـ في مصطلح هشام ـ لا تدلّ إلاّ على التنزيه المحض و التوحيد الكامل . و أمّا الروايات التي نقلها الصدوق ، فلا دلالة في شيء منها على التزام هشام بالتجسيم المادّي لله تعالى شأنه ، و إنّما احتوى قسم منها على أنّ له قولاً في « الجسم »

الهامش (168) هشام بن الحكم ... : 123 .

................ص65..............

و هذا لا يدلّ على أكثر من إطلاق اسم « الجسم » . و قسم آخر بين فيه مصطلح هشام ، أو تكرار لمقولته ، و لم نجد فيها ما يتضمّن نسبة التجسيم المادّي إلى

ــ[35]ــ

هشام (169) . و أمّا كلام المفيد ، فليس هو إلاّ نقلاً للمقولة عن هشام ، و هو مدار بحثنا هذا ، و قد عرفت أنّها لا تدلّ إلاّ على التوحيد و التنزيه ، فكيف يستدل به المؤلّف على مدّعاه ؟! و يتعرّض المؤلّف لمسألة التجسيم المنسوب إلى هشام تحت عنوان « الأعراض » و يقول : لكنّ هشاماً خالف ما هو المعروف في الأعراض ، فقد نسب إليه الشهرستاني و الأشعري و البغدادي و ابن حزم الأندلسي ; القول بأنّ الألوان و الطعوم و الرائحة أجسام (170) . و أشار في الهامش إلى مصادر عديدة ، منها : الفصل ـ لابن حزم ـ (5 / 42) ، و قد كان هذا الكتاب أمامي عند مطالعتي لهذا الكلام ، و فتحته ( في نفس الجزء ، و الصفحة) فعجبت لمّا لم أجد في هذا المكان إلاّ قول ابن حزم ـ السطر 9 ـ . قال أبو محمد : و قد اختلف الناس في المعدوم ، أهو شيء أم لا ؟ فقال أهل السنة و طوائف من المرجئة ، و الأشعرية ، و غيرهم : ليس شيئاً ، و به يقول « هشام بن عمرو الفوطي » أحد شيوخ المعتزلة . و قال سائر المعتزلة : المعدوم شيء ، فقال : عبد الرحيم بن محمد بن عثمان الخيّاط : إنّ المعدوم جسم في حال عدمه إلاّ أنّه ليس متحرّكاً و لا سكاناً و لا مخلوقاً و لا محدثاً في حال عدمه (171) . ثم نظرت في الصفحة حتى آخرها فلم أجد ذكراً لهشام بن الحكم ، ولا في صفحات سابقة و لا لاحقة عليها ! و لو سامحنا المؤلّف ، في ذكره اسم هشام بن الحكم بدل هشام بن عمرو ، فهل

الهامش (169) هشام بن الحكم ... 124 ، و سنذكر في نهاية هذا البحث أكثر تلك الروايات ونوضّح محاملها . (170) هشام بن الحكم ... : 162 . (171) الفصل 5 / 42 س 9 فما بعدها .

................ص66..............

له عذر في أنّه ذكر الحديث عن مطلب الأعراض : اللّون و الطعم ، و الرائحة ، نقلاً عن هذا المصدر ، في تلك الصفحة ، و لم نجد لها ذكراً فيها ؟! فهل اعتمد طبعة أخرى من الكتاب ؟! و هو لم يذكر فهرساً لطبعات مصادره ؟! ثم ماذا عن المصادر الأخرى ؟ و عن المطالب الأخرى ؟ و عن أرقام الصفحات و المجلّدات ؟ فهل مثل هذا الكتاب يعتمد عليه كمصدر أمين ؟! و لولا أنّ بعض المغرضين قد استند إلى ما في هذا الكتاب من آراء حول هشام ، و جعله دليلاً على نسبة التجسيم المادّي إليه !! و لولا التخوّف من أن يصبح ما جاء في الكتاب ـ من آراء خاطئة ـ شاهداً لمن تسوّل له نفس اتّهام هشام بما لا يليق من أباطيل !! لولا كلّذلك ، لما تعرّضنا لما فيه ، لبعد المدّة التي مضت على طبعه ، و لعلّ كلمتنا هذه توقف المؤلّف على ما في كتابه ، فيحاول أن ينقّحه ، ليؤدّي هدفه ـ الذي لا بدّ أن يكون خيراً ـ بأفضل ممّا كان عليه ، و يقطع الطريق على من يسيء الاستفادة منه من المغرضين . و لقد ألجأنا إلى هذا التعرّض استشهاد بعض المؤلّفين المغرضين بما جاء فيه على اتّهامه لهشام بالتجسيم المادّي متبجّحاً بأنّه لم يبق في ساحة

ــ[36]ــ

هذا الاتهام و حيداً بعد أن كان مؤلف كتاب « هشام بن الحكم ... » يذهب إلى مثل ما ذهب إليه ، و يقول بنفس مقالته . بالرغم من أنّ هذا المغرض لم يمتّ إلى العلم بصلة ، سوى إنّه تعلم على أيدي الأجانب المعادين للإسلام و الهادفين إلى إحداث البلابل بين صفوف المسلمين ، و لم يعتمد في كتاباته إلاّ على مصادر ضعيفة ، و مقدّمات سخيفة ، فبنى عليها نتائج موهومة ، تصوّر أنّها حقائق ثابتة ، مدّعياً لنفسه عناوين كالدكترة و الاستاذية و ما أشبه ، ممّا يحسبه الجاهل شيئاً ! فهذا مؤلّف كتاب « الصلة بين التشيّع و التصوّف » مع قربه من مصادر تراث

................ص67..............

الشيعة و معرفته بعلمائهم ، تراه يخبط في كتابه هذا خبط عشواء لا يهدي سبيلاً ! و في خصوص هشام بن الحكم يحاول أن يتفلسف لإثبات أقبح ما اتّهم به على طول الخطّ من أعداء التشيّع و خصومه ، ألا و هو « التجسيم المادّي » . و لئن عجز أولئك الحاقدون من إثبات هذه التهمة بصراحة واضطرّوا ـ من حيث أرادوا أو لا ـ إلى الاعتراف ببراءة هشام منها ، إلاّ أنّ هذا المغرور حاول أن يصوّر القضيّة بشكل معقول ! هين ! طبيعيّ ! وقد حاول الاستاد المحقّق المحامي المرحوم توفيق الفكيكي أن ينبّهه إلى الصواب من خلال تصويب بعض أخطائه التي لا يهمّنا منها سوى موضوع التجسيم ، إلاّ أنّه أبي إلاّ ركوب عناده و غيفه ، فلم يرعو ، بل زاد على أخطائه في كتاب « الصلة ... » خطأ أفحش ، في ردّه على الاستاذ الفكيكي فيما نشره في مجلة « الإيمان » الصادرة في النجف .

و لعلاقة ذلك بموضوع البحث رأينا التصدّي له ، فنقول : أمّا ما ذكره في ردّه على الاستاذ الفكيكي ، فهذا نصّه : إنّ هذا المتكلّم ( يعني هشام بن الحكم ) فلسف التجسيم قبل ظهور نفي الصفات عند أبي الهذيل العلاّف المعتزلي ( المتوفى 235) ( كذا ) بحيث حصل منه نظرية هي إلى التجريد أقرب ، و ذلك دون نق المعنى المادّي ، الذي يفهم من آيات التشبيه . و جاء ذلك من استغلال فكرة النور التي كانت من تراث الشيعة . فجعل هشام النور المدى الأقصى الذي يمكن تشبيه الأجسام به ، و اعتبره « جسماً لطيفاً » . ثم جعل ما ليس بمادّة ـ كالعلوم ، و الحركات ـ أجساماً . و بذلك (172) المعنى المجرّد بالكائن المجرّد في لطافة الجسم .

الهامش (172) كذا وردت هذه الكلمة في المصدر . و لعلّها تصحيف من « وبدّل » فلاحظ .

................ص68..............

و انحلّ الإشكال ، و صارت الجسميّة لله اعتباراً عقليّاً ، و أمراً ذهنيّاً ، خالصاً ، ليس إلى تلمسّه سبيل ، كما أنّ العلم و الحركات أجسام لا تلمس . وذلك لأنّ الله تعالى ـ بقول هشام ـ : « جسم لا كالأجسام » و « صورة (173) لا كالصورة » تماماً كما هو « عالم بعلم ، و علمه ذاته » الشي يستشهد بها المعتزلة ، دليلاً على

ــ[37]ــ

التجريد و التنزيه . فأيّ ضير بعد في أن يكون هشاماً مجسّماً عقليّاً ؟ يقدّم الدليل على أنّ المادّة المعنيّة إلهيّة لا تدرك بالحواس ؟ و أين الإشكال ، إذن ؟ ثم قال : يبقى شيء مهم جدّاً ، هو أنّني لم أنفرد بها الرأي في هشام ، و إن عرضت له عل عجل في رسالتي التي فرغت منها سنة (1958) فقد توصّل إليه الشيخ عبد الله نعمة بعد دراسة واستقصاء في كتاب برأسه يدور حول « هشام بن الحكم ... » طبع لبنان (1959) . ثم أخذ بنقل كلام الشيخ نعمة بطوله (174) . أقول : إنّ هذا الكتاب قد ادّعى على هشام دعاوى طويلة عريضة ، و لم يقدّم على واحد منها دليلاً أو شاهداً ، و هي : 1 ـ أنّ هشاماً أثبت نظريّته على أساس عدم نقض المعنى المادّي الذي يفهم من آيات التشبيه . 2 ـ استغلال هشام لفكرة النور ، و جعله النور المدى الأقصى الذي يمكن تشبيه الأجسام به . 3 ـ اعتبار هشام للنور جسماً لطيفاً . 4 ـ جعل هشام ما ليس مادّة ـ كالحركة و العلم ـ جسماً لطيفاً .

(173) المطبوع في المصدر : « و صوت » . (174) مجلّة « الإيمان » النجفية ، السنة الأولى ، سنة 1383 هـ ، العدد 7 ـ 8 ، ص 604 .

................ص69..............

5 ـ بدّل هشام المعنى المجرّد بالكائن المجرّد ، في لطافة الجسم . 6 ـ صارت الجسميّة اعتباراً عقليّاً خالصاً ، ليس إلى تلمّسه سبيل ، كما أنّ العلم و الحركات أجسام لا تلمس . 7 ـ لأنّ الله تعالى ـ بقول هشام ـ : « جسم لا كالأجسام » و « صورة لا كالصور » تماماً كما هو عالم بعلم و علمه ذاته ، التي يستعملها المعتزلة دليلاً على التجريد و التنزيه . 8 ـ إقامة الدليل على أنّ المادّة المعيّنة إلهيّة لا تدرك بالجواس . و إليك تفصيل مناقشتنا لهذه الدعاوى : 1 ـ إنّ هشاماً بنى نظريّته على أساس عدم نقض المعنى المادّي المفهوم من آيات التشبيه . فيه بحثان : الأول : إنّ الربط بين مقالة هشام و بين رأيه في آيات التشبيه ، و أنّ تلك الآيات و المعنى المادّي المفهوم منها كانت مؤثّرة في نظريته في التجسيم ! و هذا ما لم أجده في أيّ مصدر من المصادر التي تعرّضت لمقولة هشام ، أن ذكر فيه ارتباط نظريّة هشام برأيه في آيات التشبيه ، فلم تذكر تلك الآيات في سياق مقولته ، حتى يمكن فرض الربط بينهما . هذا من جهة . و من جهة أخرى : فإنّ مقولة هشام المحتوية على ذيل : « ... لا كالأجسام » تنفي كلّ تشبيه ـ على الإطلاق ـ بين الخالق و المخلوق ـ كما سبق أن أوضحناه مفصّلاً ـ و هذا وحده يدعو إلى الاعتقاد بأنّ هشاماً لا بدّ أن يكون من أهل تأويل تلك الآيات ، و عدم فهم المعنى المادّي منها . و قد يشير إلى هذا أيضاً عدم نقلهم خلافاً عن هشام ، للطائفة الشيعية التي تلتزم بالتأويل كما هو واضح في مقامه . الثاني : إنّ نظريّة هشام في « الجسم » مبنيّة على المعنى المادّي ، و عدم نقضه ! إنّ مصطلح هشام في « الجسم » و هو « الشيء » بحقيقة الشيئيّة التي هي « إثبات

................ص70..............

ــ[38]ــ

الذات » و « الموجود » و « المستقلّ بالنفس » كما أثبتناه مفصّلاً ، يعني : أنّ هشاماً ينزّه البارئ جلّ ذكره عن كلّ ما هيّة مادّيّة موجودة في أيّ جسم طبيعي آخر . فكيف يجوز أن ننسب إليه إدخال « المعنى المادّيّ » في نظريّته حتى على فرض « اللطافة » !؟ و في هذه النقطة بالذات ، يختلف ما قصده الكاتب عمّا ثبت عن هشام في تفسير مقولة « جسم لا كالأجسام » حيث لم نجد في كلمات الكاتب ـ كلّها ـ ذكر ولا إشارة إلى مصطلح هشام في « الجسم » ذلك الذي تناقلته كافّة المصادر ، و قرّرته و أكّدت نسبته إلى هاشم ! و من هذه النقطة يبدأ انحراف الكاتب عن التوجيه الصحيح لمقولة هشام ، كما سنثبته في النقاط التالية . 2 ـ استغلال هشام لفكرة النور ، و جعله النور المدى الأقصى الذي يمكن تشبيه الأجسام به . إنّ الكاتب لم يفسّر في كتاب « الصلة ... » ( فكرة النور ) و لكنّه في كتاب « الفكر الشيعيّ » ذكرها بقوله : إنّ حركة الغلوّ شرعت للتصوّف ( فكرة النور الإلهي ) الذي ينتقل عن طريق الأنبياء و الأئمّة من الله إلى قادتهم (175) . و أعاد نفس الجملة في حديثه عن الشلمغاني (176) . و ذكر أنّ الحلاّج وصف النور الإلهي بالشعشعاني (177) . و لم يذكر مصدراً يذكر فيه النور مرتبطاً بنظرية هشام في التجسيم ! لكنّي وجدت ذكر النور في عرض حديثهم عن هشام في المصادر التالية : قال الحميري : قال هشام بن الحكم من القطعية ـ و من قال بقوله ـ هو شيء

الهامش (175) الفكر الشيعي : 26 . (176) الفكر الشيعي : 202 نقلاً عن معجم الأدباء 1 / 235 . (177) الفكر الشيعي : 312 ، نقلاً عن الفهرست ـ للنديم ـ 190 .

................ص71..............

جسيم ، لا طويل و لا عريض ، نور من الأنوار ... (178) . و قال ابن أبي الحديد : و أصحابه من الشيعة يدفعون ـ اليوم ـ هذه الحكايات عنه ، و يزعمون أنّه لم يزد على قوله : « جسم لا كالأجسام » و أنّه إنّما أراد بإطلاقه هذه اللفظة عليه « إثباته » و صدّقوا عنه أنّه كان يطلق عليه كونه « نوراً » لقول الله سبحانه : « الله نور السموات و الأرض ، مثل نوره ... » ( سورة النور (24) الآية (35) ) (179) . و هذا بمجرّده ، لا يقتضي أن تكون هناك ـ عند هشام خاصة ـ فكرة النور ، و لا أن تكون هذه الفكرة من تراث الشيعة ، دون باقي المسلمين !! . فالفكرة ـ إن صحّ التعبير ـ موجودة في الآية القرآنية ، و « النور » اطلق على البارئ تعالى بنصّ القرآن ، و أهل السنّة و أصحاب الحديث يلتزمون بإطلاق « النور » عليه تعالى استناداً إلى نفس الآية (180) و كذلك بعض كبار المعتزلة (181) . فمن أين أصبحت هذه الفكرة شيعيّة خاصة ؟! ثم من أين جاء الكاتب بدعوى أنّ هشاماً استغلّ هذه الفكرة في سبيل نظريّته في التجسيم ؟! و إذا جاء شيء في حقّ الحلاّج و الشلمغاني و أمثالهما ، فهل يحقّ لأحد أن ينسبه إلى كلّ الشيعة ؟!

ــ[39]ــ

أهكذا يكون البحث العلميّ الموثّق ، المستند ؟! نعم ، إنّ ابن أبي الحديد نسب إلى هشام بن سالم ـ و ليس ابن الحكم ـ القول بأنّ الله « نور » على صورة الإنسان ، مع أنّه أنكر أن يكون « جسماً » (182) .

الهامش (178) الحور العين : 148 . (179) شرح نهج البلاغة 3 / 224 . (180) مقالات الإسلاميّين 1 / 260 . (181) مقالات الإسلاميّين 2 / 192 . (182) شرح نهج البلاغة 3 / 224 .

................ص71..............

جسيم ، لا طويل و لا عريض ، نور من الأنوار ... (178) . و قال ابن أبي الحديد : و أصحابه من الشيعة يدفعون ـ اليوم ـ هذه الحكايات عنه ، و يزعمون أنّه لم يزد على قوله : « جسم لا كالأجسام » و أنّه إنّما أراد بإطلاقه هذه اللفظة عليه « إثباته » و صدّقوا عنه أنّه كان يطلق عليه كونه « نوراً » لقول الله سبحانه : « الله نور السموات و الأرض ، مثل نوره ... » ( سور النور (24) الآية (35) ) (179) . و هذا بمجرّده ، لا يقتضي أن تكون هناك ـ عند هشام خاصة ـ فكرة النور ، و لا أن تكون هذه الفكرة من تراث الشيعة ، دون باقي المسلمين !! فالفكرة ـ إن صحّ التعبير ـ موجودة في الآية القرآنية ، و « النور » أطلق على البارئ تعالى بنصّ القرآن ، و أهل السنّة و أصحاب الحديث يلتزمون بإطلاق « النور » عليه تعالى استناداً إلى نفس الآية (180) و كذلك بعض كبار المعتزلة (181) . فمن أين أصبحت هذه الفكرة شيعيّة خاصة ؟! فم من أين جاء الكاتب بدعوى أنّ هشاماً استغلّ هذه الفكرة في سبيل في التجسيم ؟! و إذا جاء شيء في حقّ الحلاّج و الشلمغاني و أمثالهما ، فهل يحقّ لأحد أن ينسبه إلى كلّ الشيعة ؟! أهكذا يكون البحث العلميّ الموثّق ، المستند ؟! نعم ، إنّ ابن أبي الحديد نسب إلى هشام بن سالم ـ و ليس ابن الحكم ـ القول بأنّ الله « نور » على صورة الإنسان ، مع أنّه أنكر أن يكون « جسماً » (182) .

الهامش (178) الحور العين : 148 . (179) شرح نهج البلاغة 3 / 224 . (180) مقالات الإسلاميّين 1 / 260 . (181) مقالات الإسلاميّين 2 / 192 . (182) شرح نهج البلاغة 3 / 224 .

................ص72..............

و نسب الشهرستاني ذلك إلى محمد بن النعمان مؤمن الطاق (183) . فنسبة ما ذكره الكاتب إلى هاشم بن الحكم دعوى عريضة ، لم تذكر في أيّ مصدر . مع أنّ هذه النسبة تعني أنّ هشاماً كان بصدد تشبيه الذات الإلهيّة بالجسم النوريّ ، بينما مقولة هشام « جسم لا كالأجسام » ـ كما عرفنا ـ بصدد تنزيه البارئ ـ سبحانه ـ من كل شبه بالأجسام ، سواء الأجسام اللطيفة أو غيرها ، و نفى عنه كلّ خواصّ الأجسام من الموادّ أو الأعراض ، فنسبة الكاتب اللطافة ، أو المعنى المادّيّ ، لى هشام ينافي ذلك و يناقضه ، و يعارض ما ثبت نسبته إلى هشام . 3 ـ 5 ـ اعتبار

ــ[40]ــ

هشام للنور « جسماً لطيفاً » . و جعل هشام ما ليس مادة ـ كالعلوم و الحركات ـ أجساماً . و بدّل المعنى المجرّد بالكائن المجرّد في لطافة الجسم . إنّ نسبة هذه الأفعال : ( الاعتبار ) و ( الجعل ) و ( التبديل ) إلى هشام انفرد بها هذا الكاتب حيث لم نجد لها أثراً في المصادر المتوفّر للبحث عن هشام ، بل ما وقفنا عليه من المصادر يدلّ على ضدّ النسبة الثانية : فقد صرّحت كتب المقالات بأنّ هشاماًنفى أن تكون الحركات أجساماً : قال الأشعري : حكي عنه أنّه قال : هي ( أي أفعال الفاعلين ) معان و ليست بأشياء و لا أجسام ، و كذلك قوله في صفات الأجسام ، كالحركات ، و السكنات ، و الإرادات ، و الكراهات ، و الكلام ، و الطاعة ، و المعصية ، و الكفر و الإيمان (184) . بل الذي قال بأنّ الحركة جسم ، هم معارضو هشام و خصومه ، كجهم (185) و أقرب إلى ذلك النظام الذي قال : إنّ الصوت جسم (186) و فرقة من المعتزلة التي

الهامش (183) الملل و النحل 1 / 187 . (184) مقالات الإسلاميّين 1 / 113 ، و الفرق بين الفرق : 67 . (185) مقالات الإسلاميّين 2 / 32 . (186) مقالات الإسلاميّين 2 / 101 .

................ص73..............

زعمت : أنّ كلام الله جسم ، و أنّه مخلوق (187) و من قال منهم برؤية الأعراض (188) . و أمّا ما نسبه إلى هشام من تبديل المعنى المجرفد بالكائن المجرفد : فلم يذكر الكاتب أنّه من أين أخذه ؟ هل وجده في مصدر ؟ أو أنّه أخذه من آراء اخرى لهشام فاستنبط هذا منها ؟ كما أنّه لم يذكر وجه هذا التبديل ! فإنّ المعنى المجرّد هو موجود ذهني لا يمكن تحقّقه في الخارج ، و الكائن المجرفد هو موجود خارجي و إن كان جسماً لطيفاً ، فما معنى تبديل هذا بذاك ؟! و ما هو دليله ؟! و هكذا يسطّر الكاتب مقدمات من نسج خياله ، و ينسبها إلى هشام ، ليبني عليه رأيه المنهار ، و ينسبه ـ بكل صلافة ـ إلى هشام . 6 ـ صارت الجسميّة اعتباراً عقلياً خالصاً ، ليس إلى تلمّسه سبيل ، كما أنّ العلم و الحركات أجسام لا تلمس . إنّ الإشكال على التجسيم هو أنّ مقتضاه العرفي أن تكون للجسم أبعاد ثلاثة على الأقلّ : الطول و العرض و العمق ، أو التأليف و التركيب و التجزّؤ ، و هذا هو الجسم باصطلاح المجسّمة و المعتزلة ، على ما عرفت . و لو اعتبرت الجسميّة أمراً عقليا ، كان هذا اصطلاحاً آخر في الجسم فلا بدّ له من دليل اعتبار . و الكاتب كما أنّه لم يذكر دليلاً على هذا الاعتبار و الاصطلاح فهو لم يذكر قبل ذلك واحداً من المصادر كان قد ذكر ذلك منسوباً إلى هشام . و إذا جعل الكاتب هذه النتيجة حتميّة على أساس المقدّمات السابقة و خاصّة أنّ هشاماً يرى أنّ الحركات أجسام ، فقد عرف عدم صحّة نسبة شيء من تلك المقدّمات إلى هاشم ، خاصة هذه المقدّمة ، فإنّه خالفها بالقطع !

الهامش (187) مقالات الإسلاميّين 1 / 245 . (188) مقالات الإسلاميّين 2 /

ــ[41]ــ

46 .

................ص74..............

مضافاً إلى أنّ أساس هذا التفسير لنظريّة هشام هو أنّه يرى من ذات البارئ « مادّة معيّنة » و هو ما لم يقله هشام ، بل ينافي مقولته منافاة قاطعة ، كما سيأتي . و هذا بخلاف ما التزمناه من اصطلاح هشام في « الجسم » بمعنى « الشيء » فمضافاً إلى شهرته عنه ، و إقامته الدليل عليه ، كما سبق أن فصّلناه ، فهو بمعنى « شيء لا كالأشياء » المقولة التي التزمها كلّ المسلمين ـ عدا الشاذّين ـ و هو يعبّر عن مجرفد وجود الذات الإلهية ، منزّهاً عن كلّ خواصّ الأجسام ، فهو خارج عن حدّ التعطيل وحدّ التشبيه ، كما قلنا . 7 ـ التعليل بأنّ الله تعالى « جسم لا كالأجسام » و « صورة لا كالصور » تماماً كما هو « عالم بعلم ، و علمه ذاته » التي يستشهد بها المعتزلة دليلاً على التجريد و التنزيه ... أقول : هذا التعليل منقول عن هشام في إلزام أبي هذيل العلاّف ، كما نقله الشهرستاني ، قال : هشام بن الحكم ، صاحب غور (189) في الاصول ، لا يجوز أن يغفل عن إلزاماته على المعتزلة ، فإنّ الرجل وراء ما يلزم به على الخصم ، و دون ما يظهره من التشبيه ، و ذلك أنّه ألزم العلاّف ، فقال له : إنّك تقول : البارئ تعالى « عالم بعلم ، و علمه ذاته « فيشارك المحدثات في « أنّه عالم بعلم » و يباينها في « أنّ علمه ذاته » فيكون « عالماً لا كالعالمين » فلم لا تقول : « إنّه جسم لا كالأجسام » و « صورة لا كالصور » و له « قدر لا كالأقدار » إلى غير ذلك (190) . بيان الإلزام في هذا الكلام : أنّ أبا الهذيل التزم من بين المعتزلة ، بأن الله يعلم الأشياء بعلم هو ذاته (191) . بيان الإلزام في هذا الكلام : أنّ أبا الهذيل التزم من بين المعتزلة ، بأنّ الله يعلم الأشياء بعلم هو ذاته (191) . و لكنّ هشاماً يقول : إنّ الله يعلم الأشياء بعلم ، و علمه صفة له ، ليست هي هو ،

الهامش (189) كذا بالغين المعجمة في طبعة المصدر ، الموجودة بهامش الفصل ، لكنّ المطبوع في المصدر الذي راجعناه « عور » بالعين المهملة ، فهل هو خطأ مطبعيّ ؟! (190) الملل و النحل 1 / 185 . (191) مقالات الإسلاميّين 1 / 225 و 243 .

................ص75..............

و لا غيره ، و لا بعضه (192) . فاختلفا في أنّ علم الله عين ذاته ، كما يقول العلاّف ; أو صفة للذات ، كما يقول هشام . فإذا كان علم الله عين ذاته ، اختلف عن علم المخلوقى لأنّ علمهم صفة لهم ، فإطلاق « عالم » على البارئ يختلف عن إطلاق « عالم » على المخلوقين ، لاختلاف « العلم » بالحقيقة في الموردين ، و الحاصل أنّ كلمة « العلم » عند إطلاقها على البارئ تعالى ليست بمعنى العلم المفهوم عند المخلوقين ، بل معناه أمر آخر خاصّ بالله تعالى ، و مع هذا يصحّ إطلاق « عالم » على البارئ تعالى ، إلاّ أنّه لا بدّ أن يقال : « لا كالعالمين » حتى ينفي عنه أيّ شبه

ــ[42]ــ

بالمخلوقين في علمه و عالميّته . فإن كان هذا التغيير في معنى « العلم » و الإصطلاح على إرادة الذات منه ، كافياً لصحّة إطلاق اسم « عالم » عليه ، فليكن إطلاق « جسم » عليه تعالى كذلك ، بصرفه عن معناه اللغوي العرفي ، و إرادة أصل « الشيء » و « الموجود » منه صحيحاً ، فيقال : إنّه « جسم لا كالأجسام » . و إن لم يكن هذا التواضع كافياً ، فلا بدّ أن لا يصحّ « عالم لا كالعالمين » !! فالعلاّف إمّا أن يلتزم بكون علم الله ليس عين ذاته بل هو صفة مثل علم سائر العالمين ، فهو تنازل عن رأيه في العلم ! أو يلتزم بإطلاق « جسم لا كالأجسام » على البارئ تعالى من دون حرج ، و هذا اعتراف بصحّة مقولة هشام في الجسم ! و قد عرف من شرحنا هذا أنّ هشاماً لا يمكن أن يقيس مقولته « جسم لا كالأجسام » على قول العلاّف « عالم بعلم ، و علمه ذاته » ! و ذلك : 1 ـ أنّ هذا مخالف لرأي هشام في العلم ! 2 ـ أنّ هذا ليس فيه أي إلزام على العلاّف ، فكيف يذكره الشهرستاني

(192) مقالات الإسلاميّين 2 / 163 .

................ص76..............

بعنوان أنّه إلزام ! كما عرف من خلال حديثنا أنّ قول : « عالم بعلم ، و هو ذاته » ليس من كلام المعتزلة كلفهم بل هو من كلام العلاّف فقط ! و قد خالفه فيه هشام و جماعة من المعتزلة أيضاً . 8 ـ فأيّ ضير ـ بعد ـ في أن يكون هشام مجسّماً عقلياً ، يقدّم الدليل على أنّ « المادّة المعينة » إلهيّة ، لا تدرك بالحواسّ ؟ و أين الإشكال إذن . أقول : إن كان المراد من التجسيّم العقلي ، هو التجسيم المادّي ، لكون الذات الإلهيّة عنده مادّة معيّنة لا تدرك بالحواس ، كما هو صريح كلامه هنا ، و هو الأمر المبنيّ على المقدّمات التي ذكرها الكاتب و رتّبها للتوصّل بها إلى هذه النتيجة ! فهذا ما لم يقله هشام ، بل هذا معارض لما في مقولته من التجريد و التنزيه عن كلّ خواصّ الأجسام ، و منها « المادّة » . مع أنّ تلك المقدّمات غير تامّة ، كما سبق أن قلنا . و أمّا الضير في هذه التهمة ، فلا يتّجه منه إلى هشام أيّ سوء ، لأنّ نسبة باطل هذه التهمة إلى حقّ هشام بن الحكم كنسبة الحجر إلى البحر في قول الشاعر :

لا يضرّ البحر أمسى زاخراً أن رمى فيه غلام بحجر

و إنّما الضرر كلّه عائد إلى الكاتب و كتاباته الضحلة ، فتسلب عنهما الثقة ، و كفى ما أوردنا دليلاً على خلط الكاتب ، فلم يفهم مراد هشام ، و لا وقف على مصطلحه ! و أمّا : أين الاشكال ؟ فيقال له : إنّه كامن في عدم قدرتك على الخوض في هكذا موضوع ، حسّاس ، لم تخبره أبداً ، و لم تعرف كيف تستخدم مصادره ، و لا لك قدرة على فهم عباراتهم ، و كلماتهم ، ثم تعتمد أساساً على مصادر الأعداء و تحاول أن تنسب ما فيها إلى هشام من دون مناقشة أو تفنيد . و لو نظر هذا الرجل في مصادرنا الموثوقة ، لوجد أنّ قضيّة « التجسيم » قد انتفت

................ص77..............

فلم يبق أيّ أثر للمادّة في كلمة « الجسم » لمّا وضعت على غير معناها المفهوم ، و

ــ[43]ــ

أريد منها معنى « الشيء » فليس هناك إلاّ ذكر للربّ بلفظ « الجسم » و هذا هو المفهوم من مقولة « جسم لا كالأجسام » حسب تفسيرنا لها ، على مصطلح هشام . وأمّا مناقشة الكاتب في كتابه « الصلة بين التشيّع و التصوّف ... » فهذا نصّ عبارته : أمّا التجسيم الذي قال به هشام فلا داعي للإفاضة فيه ، و نكتفي من ذلك بأنّه قد بني على فكرة منطقية تقول : « إنّ بين معبوده ـ أي هشام ـ و بين الأجسام تشابهاً ما بوجه من الوجوه ، و لو لا ذلك لما دلّت عليه » ( الملل و النحل 1 / 208) و ينتهي إلى أنّه « لا يشبه شيئاً من المخلوقات و لا يشبهه شيء » (الملل و النحل 1 / 208) يضال إلى هذا أنّ أبا الحسن الأشعري ، لمّا ذكر تجسيم هشام ابن الحكم لله و أنّ له طولاً و عرضاً ، أردف ذلك بقوله : « على المجاز دون التحقيق » ( مقالات الإسلاميّين : 102) . و أدخل من هذا في بعد هشام بن الحكم عن التجسيم المادّي لله ما ذكره علي بن إبراهيم القمي من اختلاف هشام و أحمد بن محمد بن أبي نصر ، في كيفية رؤيته ( كذا ) النبي لله في المعراج ، فقال الآخر : نحن نقول بالصورة للحديث الذي روى أنّ رسول الله صلّى الله عليه و سلّم رأى ربّه في صورة شابّ ، و قال هشام بالنفي للجسم ... » ( تفسير علي بن إبراهيم : 19) . و قد حاول الشيعة ، قدماء و محدثين ، أن ينفوا عن هشام بن الحكم القول بالجسمية بكلّ ما اوتوا من قوّة ، غير أنّ الحجّة أعيتهم ، و من هنا اعترف الشيخ المفيد بقوله بالجسميّة ، و قرن الشيعة ذلك حكايتهم رجوع هشام عنها ، و كان ذلك غاية ما بذلوه من جهد ! (نشأة الفكرة الفلسفي في الإسلام ، للدكتور علي سامي النشّار ، ط 2 ، مصر 1964 ، ص 241 ) . و ذكر الشيخ عبد الله نعمة في هشام أنّه « في آرائه الموجودة بين

................ص78..............

أيدينا اتّجاه مادّيّ ، و نزعة حسيّة قلّما تخفي .... ثم هو يغرق في نزعته الحسّيّة حتى حكي عنه القول بأنّ الجوهر جسم رقيق ... » ( هشام ابن الحكم ، بيروت 1959 ، ص 98 ـ 99) . و كذلك فعل الدكتور محمد جواد مشكور في تحقيقه لكتاب « المقالات و الفرق » لسعد بن عبد الله الأشعري ( طهران 1963 ، ص 321) . و قد أخذ الاستاذ توفيق الفكيكي في شأن هشام بن الحكم برأي الشيخ المفيد و أصّر على نفي التجسيم عنه دون دليل واضح ( انظر نقده للطبعة الأولى من هذا الكتاب في مجلة « الإيمان » النجفية ، السنة الأولى ، العددين الخامس و السادس ، 1964 ، ص 398 ، 405 ) . و من الغريب أنّ تهمة التجسيم لم تنف عن هشام على أيدي الشيعة و إنّما فعل ذلك أهل السنّة ، فأبو الحسن الأشعريّ و ابن حزم الظاهريّ قدّما المادّة الكلامية لهذه البراءة ، و الدكتور علي سامي النشّار وضعها على أساس منطقي فلسفي مؤدّاه « أنّ الفعل لا يصحّ إلاّ من جسم ، و الله فاعل ، فوجب أنّه جسم » و أنّ « معنى الجسم أنّه موجود » و كان هشام يقول : أريد بقولي : « جسم » أنّه موجود ، و أنّه شيء ، و أنّه قائم بنفسه ( نشأة الفكر

ــ[44]ــ

الفلسفي ، ص : 241 ، 24 ، 256 ) . و يختم الدكتور النشّار ذلك بحكمه من « أنّ الجسم عند هشام بمعنى الموجود ، فكلّ موجود جسم ... » « و الله موجود ، فهو جسم ، لكنّه لا كالأجسام » (ص 246) (193) . 1 ـ قوله :فكرة منطقية تقول إنّ بين معبوده ( أي هشام ) و بين الأجسام تشابهاً ما بوجه من الوجوه ، و لو لا ذلك لما دلّت عليه . أقول : إنّ هذا الكلام نسبه الأشعري (194) و الشهرساتني (195) إلى هشام

(193) الصلة بين التشيّع و التصوّف : 143 . (194) مقالات الإسلاميّين 1 / 103 . (195) الملل و النحل 1 / 184 .

................ص79..............

ابن الحكم ، نقلاً عن ابن الراوندي . و أضاف الشهرستاني في موضع آخر إليه قوله : الأعراض لا تصلح أن تكون دلالة ( كذا ، و الصواب دالّة ) على الله تعالى ، لأنّ منها ما يثبت استدلالاً ، و ما يستدلّ به على البارئ تعالى جب أن يكون ضروريّ الوجود لا استدلالاً (196) . لكن هذه المقالة ـ بعين اللفظ ـ منقولة عن هشام بن عمرو الفوطي ، فقد ذكر الشهرستاني في فرقة « الهشامية » من المعتزلة ، ما نصّه : و من بدعه في الدلالة على البارئ تعالى قوله في الأعراض لله لا تدلّ على كونه خالقاً و لا تصلح دالات ، بل الأجسام تدلّ على كونه خالقاً (197) . و ليس هذا أول خلط لهم بين الهشامين : ابن الحكم ، و ابن عمرو الفوطي . مع أنّ نسبة هذه المقالة إلى هشام بن الحكم لا يناسب مقولته المعروفة المذيّلة يقوله « ... لا كالأجسام » حيث ينفي فيها كلّ شبه بين الخالق و المخلوق . و العجيب أنّ الكاتب يقول : « و ينتهي إلى أنّه لا يشبه شيئاً من المخلوقات ، ولا يشبهه شيء » . فكيف ينتهي القول بالشبه بينهما إلى القول بعدم الشبه ، أليس هذا « خلفاً » كما يقول المناطقة ؟! مع أنّ هذا ليس هو النهاية في رأي هشام ، بل هو يرى ذلك من البداية ، أليس هو الذي ينفي كلّ شبه بين الخالق و المخلوق في مقولته : « جسم لا كالأجسام » ! التي هي أشهر ما نقل عنه في هذا المجال ؟! 2 ـ قوله : و أدخل من هذا في بعد هشام بن الحكم عن التجسيم الماديّ لله ، ما ذكره علي بن إبراهيم القمي .... أقول : فلماذا لم يعتمد الكاتب و أمثاله على هذه الرواية لتكون أساساً واضحاً لرأي هشام في التجسيم ، فينفوا عنه التجسيم المعنوي مطلقاً ، و هو مدلول مقولته

الهامش (196) الملل و النحل 1 / 185 . (197) الملل و النحل 1 / 72 .

................ص80..............

« جسم لا كالأجسام » كما أوضحناه ؟! و الكاتب لم يهمل هذه الرواية فقط بل خالفها و نسب إلى هشام القول بأنّ « المادّة المعيّنة إلهيّة » لا تدرك بالحواسّ ، كما قلنا كلام عن مجلة « الإيمان » النجفيّة . 3 ـ قوله : و قد حاول الشيعة ـ قدماء و محدثين ـ أن ينفوا عن هشام بن الحكم القول بالجسميّة ، بكلّ ما اوتوا من قوّة ،

ــ[45]ــ

غير أنّ الحجّة أعيتهم ! أقول : إنّ الكاتب لم يحاول ـ أولاً ـ إثبات القول بالجسميّة على هشام من طريق الشيعة ، حتى تصحّ له مطالبتهم بحجّة على النفي . فإنّا لم نجد عند الشيعة نسبة التجسيم المطلق إلى هشام و أنفه قال بالجسميّة المعنوية ، حتى يحتاجوا في نفيها عنه إلى حجّة ، بل غاية ما في الأمر أنّ الخصوم ـ و خاصّة المعتزلة ـ اتّهموا هشاماً بأشكال من التجسيم ، و قد يتناقضون في ما نسبوه إليه ، و إن كان أقوى و أصرح ما نسبوه هو القول « بجسم لا كالأجسام » . و قد أجمع كافّة أهل الفرق على عدم دلالة ذلك على التجسيم المعنوي ، بل غاية ما يفيده هو التجسيم اللفظي و الاسمي ، كما فصّلناه . فمن أين جاء جزم الكتاب و أمثاله بثبوت القول بالتجسيم لهشام ، حتى يحتاج لنفيه إلى حجّة ؟! 4 ـ قوله : و من هنا اعترف الشيخ المفيد بقوله بالجسمية . أقول : هذا من موارد تحريف الكاتب و أستاذه للحقيقة ، حيث نقلوا عن الشيخ المفيد هذا الاعتراف ، بينما كلامه لا يدلّ على ذلك ، فهو في هذا الصدد يقول : و إنّما خالف هشام بن الحكم كافّة أصحاب أبي عبد الله عليه السلام بقوله في الجسم (198) . و معناه : أنّ لهشام قولاً في « الجسم » مخالفاً به الآخرين ، و هذا القول في الجسم ، هو ما اصطلحه فيه من إرادة « الشيء » منه .

الهامش (198) الحكايات : 131 .

................ص81..............

فأين هذا من القول بالجسميّة ؟! و إذا كان النشّار ـ المصري ، أستاذ الكاتب ـ إلى هذا الحدّ من الجهل باللغة العربية ، فليس له الحقّ بالتدخّل في معالجة كلمات العلماء ، فهو لا يميّز الفرق بين « القول في الجسم » و « القول بالجسم » ! 5 ـ قوله : و قرن الشيعة ذلك بحكايتهم و رجوع هشام عنها ، و كان ذلك غاية ما بذلوه من جهد . أقول : إنّ حكاية الشيعة للرجوع ليس لما توهّمه الكاتب من ثبوت اعتقاد هشام بالتجسيم ، و إنّما ذلك من جهة مخالفة هشام للحقّ في ما التزمه بالنسبة إلى اطلاق اسم الجسم على البارئ ، مع أنّه لم يرد ذلك في الشرع ، فأسماء الله تعالى توقيفية . كما سيأتي بيان ذلك في الفقرة التالية . 6 ـ قوله : و ذكر اليخ عبد الله نعمة . أقول : قد ذكرنا ملاحظاتنا على أقوال الشيخ ، في كتابه فراجع . 7 ـ قوله : و كذلك فعل الدكتور ... أقول : لم يكن هذا الدكتور بصدد التحقيق و التدقيق فيما يثبته ، بل هو يحاول جمع ما في المصادر و سردها تباعاً من دون نقد لها ، فليس ذكرها دليلاً على قبول أو ردّ . 8 ـ قوله : و قد أخذ الاستاذ توفيق الفكيكي ...أقول : يكفي في فضل الاستاذ الفكيكي رحمه الله أنّه قد نبّهك على بعض أوهامك ، و خاصّة في نسبتك إلى الشيخ المفيد الاعتراف بأنّ هشاماً قال بالجسمية ، و لكنّك أبيت التنبّه إلى أنّ المفيد لم يعترف بمثل ذلك ، و أنّه إنّما نسب إلى هشام خلافاً في التجسيم اللفظي فقط . و لولا ركوبك رأسك ، تأثّرك الواضح في ما كتبت برأي معلّميك من المستشرقين و المتغرفبين ، لكان كلام الفكيكي خير هاد لك

ــ[46]ــ

إلى أن تفكّ جفنيك عن الإطبقا ، و أن تفتحهما لترى الحقيقة المتوفّرة على مقربة منك عند علماء الشيعة في

................ص82..............

الكاظمية ، و النجف ، دون أن تمدّ يد الاستجداد إلى الغربيّين الحاقدين على الإسلام و أذنابهم من البعيدين عن التشيّع ، أو أن تتأمّل في ما كتبته المصادر باللغة العربية ، لتعرف حقيقة رأي هشام من خلالها دون أن تعتمد على واسطة رجل آخر ، و إن كان النشّار ! و لقد تقاعست عن الرجوع إلى المصادر إلى حدّ أنّك تقول : من الغريب أنّ تهمة التجسيم لم تنف عن هشام على أيدي الشيعة ، و إنّما فعل ذلك أهل السنّة ، فأبو الحسن الأشعري ، و ابن حزم الظاهري ، قدّما المادّة الكلامية لهذه البراءة ! إنّ تهمة التجسيم ، و بالصورة التي نسبتها أنت و سلفك العامّة إلى هاشم ، لم ترد في شيء من المصادر الموثوقة عند الشيعة ، حتى يكونوا بحاجة إلى نفيها ، فأنت تغالط بهذه العبارة ، و تريد أن تظهر أنّ الشيعة قد وافقوا على أصل التهمة و لكنّهم لم ينفوها ! بل تكذب على الشيخ المفيد أنّه اعترف بها ! و كأنّك قد فرغت من هذا الإثبات و أنت منتظر للنفي منهم . كلا ، فإنّ من أثبت التهمة ضدّ هشام ليس إلاّ خصومه و أعداء دينه ، ممّن لم يتّقوا الله في شيء ، و ليسوا أمناء على شيء ، بل كلماتهم متضاربة و متناقضة إلى حدّ السقوط ، و لم يثبت شيء من تلك الاتّهامات ضدّ هشام بطريق واحد من علماء الشيعة ، سوى أنّه أطلق مقولة « جسم لا كالأجسام » التي لم تدلف على ما نسب إليه ، بل دلّت على التنزيه و التوحيد . و قد اعترف جميع أهل المقالات بأنّ المقولة لا تدلّ على التجسيم المعنويّ المؤدّي إلى الكفر ، و في مقدّمتهم كبار الشيعة القدماء ، و أعاظم الشيعة المتأخرين . فهظر أنّ المادّة الكلامية لبراءة هام موجودة في مقولته ، و في اصطلاحه في « الجسم » أنّه بمعنى « الشيء » و ليس أول من قدّمها هم العامّة ، بل إنّهم هم أول من قدّم التهمة ضدّ هشام و أعلنوها عليه حرباً شعواء ، مبناها الاتّهام الباطل ، و التحريف للحقائق . و إذا وجب أن يحاسب أحد في هذا المجال ، فهم هؤلاء الّذين ملأوا صحفهم السوداء باتّهام هشام ، و ذكروا في حقّه خرافات لا يفوه بها ملّيّ فضلاً عن مسلم موحّد

................ص83..............

مثل هشام ، مع وقوفهم على مصطلح هشام في « الجسم » الذي يصلح أساساً لبراءته عن وصمة « التجسيم » . و لو كانوا يعتقدون ـ حقّاً ـ ببراءة هشام ، لما تناقلوا كلّ تلك الاتّهامات الشنيعة ، أو لتراجعوا عنها بكلمة . و العجيب أنّ الكاتب لا يحاسبهم على تصرّفاتهم المشبوهة هذه ، و يريد أن يحاسب الشيعة ـ ظلماً ـ على ما لم يقصّروا فيه ! 9 ـ قوله : و الدكتور سامي النشّار وضعها على أساس منطقي فلسفي مؤدّاه « أنّ الفعل لا يصحّ إلاّ من جسم ، و الله فاعل فوجب أنّه جسم » و أنّ معنى « الجسم » أنّه « موجود » ... إلى آخره . أقول : ليس الدكتور

ــ[47]ــ

النشّار هو الذي وضع هذا الأساس لنظريّة هشام ، بل هشام نفسه وضع هذا الأساس و استدلّ به على اصطلاحه في « الجسم » بمعنى « الشيء » و « الموجود » كما ذكرناه سابقاً مفصّلاً ، و قد تناقلته المصادر القديمة . و هذا دليل آخر على تقصير الكاتب في تتبّعه ، و خاصّة للمصادر القريبة منه ، و اعتماده الأساسي على فكر الغربيّين و أعداء التشيّع ، و إلاّ فهذا كتاب الكشّي من المصادر الأصلية ، و كذلك كتاب « التوحيد » للشيخ الصدوق ، و هو في متناول يده ، و يحتوي على أهمّ ما يرتبط بالموضوع ، فلماذا يتركه و يلجأ إلى كلمات النشّار و أمثاله . و لئن أخفى النشّار مصدره الذي استقى منه هذه الفكرة الفلسفية ، فإنّ وجود ذلك لا بدّ أن يكون مدعاة للكاتب إلى أن ينصرف عن إصراره على أن يجعل من هشام رجلاً يقول بالتجسيم للبارئ ، بمغعنى اعتبار المادّة المعيّنة إليهة ، لا تدرك بالحواسّ ، كما انتهى إليه في مجلة « الإيمان » النجفية .

................ص84..............

8 ـ موقف الأئمّة من مقولة هشام : إنّ لأئمّة أهل البيت عليهم السلام مواقف حاسمة في الدفاع عن الحقّ ، و بيان الحقيقة ، و في خصوص مجال التوحيد و التنزيه ، و قد أفصحوا عن ذلك بأقوال صريحة ، قاطعة ، محكمة ، جمعتها صحف أصحابهم ، و مؤلّفات أوليائهم ، و حفظتها صدور قوم مؤمنين ، و هم يتلونها على المنابر ، و في المجالس ، على ألسنة المبلّغين رسالات الله ، فتطمئنّ بها قلوب رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه . فهذا رسول الله سيّد الأنبياء و المرسلين صلّى الله عليه و آله و سلّم يقول ـ و هو يخاطب الّذين قالوا : إنّ الله يحلّ في هياكل رجال كانوا على هذه الصور ـ : أخطأتم الطريق و ضللتم ، أما أنتم فقد وصفتم ربّكم بصفة المخلوقات ! أو يحلّ ربّكم في شيء ، حتى يحيط به ذلك الشيء ؟! فأيّ فرق بينه ـ إذن ـ و بين سائر ما يحلّ فيه من لونه ، و طعمه ، و رائحته ، و لينه ، و خشونته ، و ثقله ، و خفّته ؟؟ و لم صار هذا المحلول فيه محدثاً ، و ذلك قديماً ، دون أن يكون ذلك محدثاً و هذا قديماً ؟! (199) . و هذا أمير المؤمنين سيّد الموحّدين الإمام علي عليه السلام قد سبق كلّ الموحّدين في التوحيد الكامل ، و التنزيه الشامل ، في خطبه و بياناته ، و المعتزلة ـ المدّعون للسبق في ذلك ـ اعترفوا بأنّ خطب الإمام عليه السلام في بيان التشبيه و إثبات العدل أكثر من أن تحصى . قال يحيى بن حمزة العلوي ـ من أئمّة الزيديّة ـ : و أعظم كلامه ما حواه كتاب « نهج البلاغة » و قد تواتر نقله عنه ، و اتّفق الكلّ على صحّته ، و قد أورد فيه من الترغيب و الترهيب ، و التخويف و التقريب ، و المواعظ و الزجر ، و خلاص التوحيد ، و صريح التنزيه ، و لطاف الحكم ، و مغاصات الأفهام ، ما يبهر القرائح ، و تحار في إتقانه العقول ، و يذهل الفهم (200) .

الهامش (199) الاحتجاج ـ للطبرسي ـ : 27 . (200) مشكاة الأنوار ـ للعلوي ـ : 5 ـ 176 .

ــ[48]ــ

................ص85..............

فمن خطبة له : أوّل الدين معرفته ، و كمال معرفته التصديق به ، و كمال تصديقه توحيده ، و كمال توحيده الإخلاص له ، و كمال الإخلاص له نفي الصفات عنه لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف ، و شهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة ، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه ، و من قرنه فقد ثنّاه ، و من ثنّاه فقد جزّأه ، و من جزّأه فقد جهله ، و من أشار إليه فقد حدّه ، و من حدّه فقد عدّه ، و من قال : فيم ؟ فقد ضمّنه ، و من قال : علام ؟ فقد أخلى منه ، كائن لا عن حدث ، موجود لا عن عدم ، مع كلّ شيء لا بمزيلة (201) . و في خطبة أخرى : الحمد لله الذي لا يموت ، و لا تنقضي عجائبه ، ... و لم تقع عليه الأوهام فتقدّره شبحاً ماثلاً ، و لم تدركه الأبصار فيكون بعد انتقاله حائلاً ... (202) . و في ثالثة : الحمد لله الذي لا تدركه الشواهد ، و لا تحويه المشاهد ، و لا تراه النواظر ، و لا تحيط به السواتر ، الدالّ على قدمه بحدوث خلقه ، و بحدوث خلقه على وجوده ، و باشتباههم على ألاّ شبه له (203) . و قال الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام : من كان ليس كمثله شيء ، و هو السميع البصير ، كان نعته لا يشبه نعت شيء فهو ذاك (204) . وقال عليه السلام : إلهي يدك قدرتك ، و التقدير على غير ما به وصفوك ، و إني بريء يا إلهي من الّذين بالتشبيه طلبوك ، ليس كمثلك شيء إليهي ، و لن يدركوك ، و ظاهر ما بهم من نعمك دليلهم عليك لو عرفوك ، و في خلقك يا إلهي مندوحة أن يتناولوك ، بل سوّوك بخلقك ، و من ثم لم يعرفوك ، و اتّخذوا بعض آياتك

(201) نهج البلاغة : 239 ـ 40 ، الخطبة 1 ، و الاحتجاج ـ للطبرسي ـ م 199 ، و انظر مشكاة الأنوار : 177 . (202) التوحيد ـ للصدوق ـ : 31 . (203) نهج البلاغة : 269 الخطبة 185 ، مشكاة الأنوار : 176 . (204) بلاغة الإمام علي بن الحسين عليهما السلام : 16 .

................ص86..............

ربّا فبذلك و صفوك ، تعاليت عمّا به المشبّهون نعتوك (205) . و قال الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام ـ في جواب من قال : ما هو ؟ ـ : هو شيء بخلاف الأشياء ، أرجع بقولي « شيء » إلى إثبات معنى ، و انّه « شيء » بحقيقة الشيئيّة ، غير أنّه : لا جسم ، و لا صورة ، و لا يحسّ ، و لا يجسّ ، و لا يدرك بالحواس الخمس ، و لا تدركه الأوهام ، و لا تنقصه الدهور ، و لا يغيّره الزمان ... هو سميع بصير ، سميع بغير جارحة ، و بصير بغير آله . و قد روى هذا الحديث : هشام بن الحكم (206) . و فيما قرفره الإمام علي بن محمد الهادي عليه السلام من الدين ، الذي عرضه عليه عبد العظيم الحسني : إنّ الله تبارك و تعالى واحد ، ليس كمثله شيء ، خارج عن الحدّين : حدّ الإبطال و حدّ التشبيه ، و إنّه ليس بجسم و لا صورة و لا عرض و لا جوهر ، بل هو مجسّم الأجسام ، و مصوّر الصور ،و خالق الأعراض و الجواهر، و ربّ كلّ شيء (207) . و قال الإمام علي بن موسى الرضا

ــ[49]ــ

عليه السلام : ... لا تضبطه العقول ، و لا تبلغه الأوهام ، و لا تدركه الابصار ، و لا يحيط به مقدار ، عجزت دونه العبارة ، و كلّت دونه الأبصار ، و ضلّ فيه تصاريف الصفات ، احتجب بغير حجاب محجوب ، و استتر بغير ستر مستور ، عرف بغير رؤية ، و وصف بغير صورة ، و نعت بغير جسم ، لا إله إلاّ الله ، الكبير المتعال (208) . و قال الإمام الصادق على السلام : ... تعالى الله عمّا يصفه الواصفون المشبّهون الله تبارك و تعالى بخلقه ، المفترون على الله ، ... فانف عن الله البطلان و التشبيه ، فلا نفي ، و لا تشبيه ، هو الله ، الثابت الموجود ، تعالى الله عمّا يصفون

الهامش (205) بلاغة الإمام علي بن الحسين عليهما السلام : 17 . (206) التوحيد ـ للصدوق ـ : 244 ـ 245 . (207) التوحيد ـ للصدوق ـ : 81 . (208) التوحيد ـ للصدوق ـ : 98 .

................ص87..............

الواصفون ... (209) . و الشيعة استهدوا بهدي أئمّتهم عليهم السلام في ذلك ، فهم يعتقدون بالتوحيد الكامل ، و التنزيه الخالص ، للخالق تعالى ، عن كلّ تجسيم أو شبه بخلقه . كما أنّهم يقولون بتوقيفيّة أسمائه تعالى ، فلا يطلقون اسماً عليه تعالى إلاّ ما ورد به الشرع المقدس . قال الصدوق رحمه الله : أسماء الله تبارك و تعالى لا تؤخذ إلاّ عنه أو عن رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم ، أو عن الأئمّة الهداة عليهم السلام (210) . و قال الشيخ المفيد : لا يجوز تسمية البارئ تعالى إلاّ بما سمّى نفسه في كتابه ، أو على لسان نبيّه صلّى الله عليه و آله و سلّم ، أو سمّاه به حججه من خلفاء نبيّه عليهم السلام ، و كذلك أقول في الصفات ، و عليه تطابقت الأخبار من آل محمّد صلّى الله عليه و آله و سلّم ، و هو مذهب جماعة من الإمامية و كثير من الزيديّة (211) . و قد خالف الجبّائي ـ من المعتزلة ـ في ذلك ، فكان يزعم أنّ العقل إذا دلّ على أنّ البارئ عالم ، فواجب أن نسمّيه عالماً، و إن لم يسمّ نفسه بذلك ، إذا دلّ على المعنى ، و كذلك في سائر الأسماء . و خالفه البغداديّون ـ من المعتزلة ـ فزعموا أنّه لا يجوز أن نسمّي الله عزّ و جلّ باسم قد دلّ على العقل على صحّة معناه إلاّ أن يسمّي نفسه بذلك (212) . و قد كانت هذه المسألة بالخصوص سبباً لانفصال أبي الحسن الأشعري عن المعتزلة ، حيث ناظر أستاذه الجبّائيّ فيها ، فقال الإشعري : إنّ طريقي في مأخذ أسماء الله الإذن الشرعيّ ، دون القياس اللغويّ (213) .

الهامش (209) التوحيد ـ للصدوق ـ : 102 ح15 . (210) التوحيد ـ للصدوق ـ : 300 رقم 6 . (211) أوائل المقالات : 58 . (212) مقالات الإسلاميّين 2 / 185 . (213) مذاهب الإسلاميّين 1 / 501 .

................ص88..............

و بهذا انضمّ الأشاعرة إلى المسلمين في توقيفية الأسماء . و قد ذكر الغزّالي في هذا الباب تفصيلاً ، و هو يتحدّث عن اسم « الجسم » و هذا نصّه : ندّعي : أنّ صانع

ــ[50]ــ

العالم ليس بجسم ، لأنّ كلّ جسم فهو متألّف من جوهرى متحيّزين ... و نحن لا نعني بالجسم إلاّ هذا . فإن سمّاه « جسماً » و لم يرد هذا المعنى ، كانت المضايقة معه بحقّ اللغة ، أو بحقّ الشرع ، لا بحقّ العقل : فإنّ العقل لا يحكم في إطلاق الألفاظ و نظم الحروف و الأصوات التي هي اصطلاحات (214) . و قال في موضع آخر : العقل عندنا لا يوجب الامتناع من إطلاق الألفاظ ، و إنّما يمنع عنه : إمّا لحقّ اللغة ، و إمّا لحقّ الشرع : أمّا حقّ اللغة : فذلك إذا ادّعى أنّه موافق لوضع اللسان ، فيبحث عنه ، فإن ادّعى واضعه له أنّه اسمه على الحقيقة ، أي واضع اللغة وضعه له فهو كاذب على اللسان ، و إن زعم أنّه استعاره ، نظراً إلى المعنى الذي به شارك المستعار منه ، فإن صلح للاستعارة لم ينكر عليه بحقّ اللغة ، و إن لم يصلح قيل له : أخطأت على اللغة ، و لا يستعظم ذلك إلاّ بقدر استعظام صنيع من يبعد في الاستعارة ، و النظر في ذلك لا يليق بمباحث المعقول . و أمّا حقّ الشرع ، و جواز ذلك و تحريمه ; فهو بحث فقهي يجب طلبه على الفقهاء ، إذ لا فرق بين البحث عن جواز إطلاق الألفاظ من غير إرادة معنى فاسد ، و بين البحث عن جواز الأفعال . و فيه رأيان : أحدهما : أن يقال : لا يطلق اسم في حقّ الله تعالى إلاّ بالإذن ، و هذا لم يرد فيه إذن .

الهامش (214) الاقتصاد ـ للغزّالي ـ 21 .

................ص89..............

و ثانيهما : أن يقال : لا يحرم إلاّ بالنهي ، و هذا لم يرد فيه نهي . فينظر : فإن كان يوهم خطأ ، فيجب الاحتراز منه ، لأنّ إيهام الخطأ في صفات الله تعالى حرام . و إن لم يوهم خطأ لم يحكم بتحريمه . فكلا الطريقين محتمل . ثم الإيهام يختلف باللغات و عادات الاستعمال ، فربّ لفظ يوهم عند قوم ، و لا يوهم عند غيره (215) . و أجمع ما رأيت بهذا الصدد ما ذكره الشيخ الشهيد ، و نقله الكفعمي ، و هذا نصّه : هنا فائدة يحسن بهذا المقام أن نسفر قناعها ، و نحدر لفاعها ، و هي : أن الأسماء التي ورد بها السمع ، و لاشيء منها يوهم نقصاً يجوز إطلاقها على الله تعالى إجماعاً . و ما عدا ذلك ، فأقسامه ثلاثة : الأول : ما لم يرد به السمع و يوهم نقصاً فيمتنع إطلاقه على الله تعالى إجماعاً ، كالعارف ، و العاقل ، و الفطن ، والذكيّ . لأنّ المعرفة قد تشعر بسبق فكرة ، و العقل هو المنع عمّا لا يليق ، و الفطنة و الذكاء يشعران بسرعة الإدراك لما غاب عن المدرك . و كذا المتواضع : لأنّه يوهم الذلّة ، و العلامة : لأنّه يوهم التأيث ، و الداري : لأنّه يوهم تقدّم الشكّ . و ما جاء في الدعاء من قول الكاظم عليه السلام ـ في دعاء يوم السبت ـ « يا من لا يعلم و لا يدري كيف هو ؟ إلاّ هو » يوهم (216) جواز هذا ، فيكون مرادفاً للعم .

الهامش (215) الاقتصاد ـ للغزّالي ـ : 20 ـ 21 . (216) كلمة « يوهم » ساقطة من نسخة المصباح ، و واردة في قواعد الشهيد .

ــ[51]ــ

................ص90..............

الثاني : ما ورد به السمع ، و لكنّ إطلاقه في غير مورده يوهم النقص ، فلا يجوز ، كأن يبقول : يا ماكر ، و يا مستهزئ ، أو يحلف به . قال الشهيد رحمه الله في قواعده : و منع بعضهم أن يقول : « اللّهمّ أمكر بفلان » و قد ورد في دعوات المصباح : اللّهم استهزئ به ول اتستهزئ بي » . الثالث : ما خلا عن الإيهام ، إلاّ أنّه لم يرد به السمع ، كالنجيّ ، و الأريحيّ . قال الشهيد رحمه الله : و الأولى التوقّف عمّا لم يثبت التسمية به ، و إن جاز أن يطلق معناه عليه (217) . إذا عرفت ذلك ، فنقول : قال الشيخ نصير الدين أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي ـ قدّس الله سرّه ـ في فصوله : كلّ اسم يليق بجلاله ، و يناسب كماله ممّا لم يرد به إذن يجوز إطلاقه عليه تعالى ، إلاّ أنّه ليس من الأدب ، لجواز أن لا يناسبه تعالى من وجه آخر (218) . قلت : فعنده يجوز أن يطلق عليه الجوهر ، لأنّ الجوهر قائم بذاته ، غير مفتقر إلى الغير ، و الله تعالى كذلك . و قال الشيخ علّي بن يوسف بن عبد الجليل في كتاب« منتهى السؤول » : لا يجوز أن يطلق على الواجب تعالى صفة لم يرد في الشرع المطهّر إطلاقها عليه ، و إن صحّ اتّصافه بها معنى ، كالجوهر ، مثلاً ، بمعنى القائم بذاته ، لجواز أن يكون في ذلك مفسدة خفيّة لا نعلمها ، فإنّه لا يكفي في إطلاق الصفة على الموصوف ثبوت معناها له ، فإنّ لفظتي : « عزّ » و « جلّ » لا يجوز إطلاقهما على النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم و إن كان عزيزاً جليلاً في قومه ، لأنّهما يختصّان بالله تعالى ، و لولا عناية الله ورأفته بعباده ، في

الهامش (217) القواعد و الفوائد 2 / 176 ـ 178 . (218) الفصول النصيرية : 17 ـ 18 .

................ص91..............

إلهام أنبيائه أسماءه ، لما جسر أحد من الخلق و لا يهمّ ، في إطلاق شيء من هذه الأسماء و الصفات عليه سبحانه . قلت : هذا القول أولى من قول صاحب « الفصول » المتقدّم آنفاً ، لأنّه إذا جاز عدم المناسبة ـ و لا ضرورة داعية إلى التسمية ـ وجب الامتناع ما لم يرد به نصّ شرعيّ من الأسماء ، و هذا معنى قول العلماء : « إنّ أسماء الله تعالى توقيفيّة » أي موقوفة على النصّ و الإذن الشرعيّ (219) . و أمّا موقف هشام من مسألة الأسماء : و بعد أن عرفنا أنّ هشاماً لم يخالف الحقّ في مسألة التوحيد و التنزيه ، و لكنّه كان له رأي خاصّ في كلمة « الجسم » حيث كان يطلقها على البارئ تعالى على معنى « شيء موجود » في مقولته : « جسم لا كالأجسام » فهي عنده بمعنى « شيء لا كالأشياء » فخلافه منحصر في إطلاق اسم « الجسم » على البارئ من دون إرادة معناه المعروف . و عرفنا ـ أيضاً ـ أنّ أعلام الشيعة و كافّة الفرق الإسلامية اعترفوا بعدم دلالة هذه المقولة على التجسيم المعنويّ لله تعالى . لكن ، بما أنّ الحقّ في الأسماء أنّها توقيفية ، فلا يجوز إطلاق أي اسم على البارئ تعالى إلاّ بتوقيف ، و ورد إذن من

ــ[52]ــ

الشرع بذلك ، و قد اتّققت كلمة المسلمين ، إلاّ من شذّ ، على ذلك كما ذكرنا . و قد تفرّد هشام من بين الطائفة بمخالفته في كلمة « الجسم » حيث اصطلح لها معنى « الشيء » فأطلقها على البارئ تعالى في مقولته . فأصبح لذلك مورداً للنقد الشديد من قبل الأئمّة عليهم السلام و العلماء ،

الهامش (219) المصباح ـ للكفعمي ـ : 8 ـ 339 .

................ص92..............

و تركّز نقدهم له على هذه النقطة بالذات ، يعني مخالفته للطائفة في إطلاق الإسلم على البارئ تعالى ، كما قال المفيد : كان هشام بن الحكم شيعيّاً و إن خالف الشيعة كافّة في أسماء الله تعالى (220) . ففي حديث محمد بن الفرج الرخجي ، قال : كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام ، أسأله عمّا قال هشام بن الحكم في « الجسم » ؟ و هشام بن سالم في « الصورة » ؟ فكتب عليه السلام : دع عنك حيرة الحيران ، و استعذ بالله من الشيطان ، ليس القول ما قال الهشامان (221) فالملاحظ أنّ المنسوب إلى هاشم في كلام الراوي هو « القول في الجسم » لا « القول بالجسم » ـ و معناه : أنّ له مقالة في لفظ « الجسم » و أنّه يعني به غير ما هو المفهوم المتعارف منه . و إلاّ ، فالذي يقول بالتجسيم الاعتقادي ، فهو يقول : إنّه جسم كالأجسام ؟ بينما هشام يقوله : أنّه لا كالأجسام . و الحاصل : أنّ الفرق واضح في الجسم ، و بين القول بالجسم ، كما أشرنا سابقاً . و يمكن استفادة التركيز على هذه الجهة ـ أي كون خلاف هشام في مسألة اللفظ ـ من قول الإمام عليه السلام : « ليس القول ما قال الهشامان » حيث جعل التركيز في النفي على القول ، فلاحظ . و يدلّ على أنّ الروايات المتهجّمة على هشام ، إنّما تنظر إلى قضيّة مخالفة هشام في الأسماء و اللفظ ، أنّها احتوت على المقولة ، ثم عقّب فيها الإمام عليه السلام بما ذكره عن التجسيم ، كما في حديث الحمّاني قال : قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام : إنّ هشام بن الحكم زعم : أنّ الله « جسم ليس كمثله شيء » عالم ،

الهامش (220) أوائل المقالات : 43 . (221) التوحيد ـ للصدوق ـ : 97 ح 2 .

................ص93..............

سميع ، بصير ، قادر ، متكلّم ، ناطق ، و الكلام و القدرة و العلم تجري مجرى واحداً ، ليس شيء منها مخلوقاً . فقال : قالته الله ، أما علم أنّ الجسم محدود ، و الكلام غير المتكلّم ، معاذ الله و أبرأ إلى الله من هذا القول ، لا جسم ، و لا صورة ، و لا تحديد ، و كلّ شيء سواه مخلوق ، و إنّما تكون الأشياء بإرادته و مشيئته من غير كلام ، و لا تردّد في نفس ، و لا نطق بلسان (222) . فإنّ المقولة على مصطلح هشام لا تدلّ على التجسيم المعنويّ ، كما أثبتنا مفصّلاً ، فلا يكون كلام الإمام عليه السلام متوجّهاً إلى هذه الجهة ، بل إلى جهة المخالفة في كلامه ، و هي مشكلة إطلاقه اسم الجسم على البارئ تعالى . و كذلك رواية يونس بن ظبيان ، قال : دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقلت له : إنّ هشام بن الحكم يقول

ــ[53]ــ

قولاً عظيماً ، إلاّ أنّي أختصر لك منه أحرفاً ، يزعم : أنّ الله جسم ، لأنّ الأشياء شيئان : جسم و فعل الجسم ، فلا يجوز أن يكون الصانع بمعنى الفعل ، و يجوز أن يكون بمعنى الفاعل . فقال أبو عبد الله عليه السلام : ويله ، أما علم أنّ الجسم محدود متناه ، و الصورة محدودة متناهية ، فإذا احتمل الحدّ احتمل الزيادة و النقاصن ، و إذا احتمل الزيادة و النقصان كان مخلوقا . قال : قلت : فما أقول ؟ قال : لا جسم ، و لا صور ، و هو مجسّم الأجسام ، و مصوّر الصور ، لم يتجزّأ و لم يتناها ، و لم يتزايد ، و لم يتناقص (223) . و لكان كما يقول ، لم يكن بين الخالق و المخلوق فرق ، و لا بين المنشئ و المنشأ ، لكن هو المنشئ ، فرق بين من جسّمه و صوّره و أنشأه ، إذ كان لا يشبهه

الهامش (222) التوحيد ـ للصدوق ـ : 100 ح 8 . (223) إلى هنا أورد المفيد في الحكايات : 132 .

................ص94..............

شيء و لا يشبه شيئاً (224) . فكلام الإمام عليه السلام « و يله ... إلى آخره » بعد دليل مصطلح هشام الذي هو الأساس لمقولته ، و قد عرفنا أنّ المقولة لا تدلّ إلاّ على التجسيم اللفظي و الاسمي ، فمقصود الإمام عليه السلام الاستنكار على هشام أن يستعمل كلمة الجسم ـ و لو على مصطلحه ـ اسماً للبارئ تعالى ، مع أنّ المفهوم العرفي العامّ للكلمة هو المحدود المتناهي ! و رواية الصقر بن أبي دلف ، قال : سألت أبا الحسن ( الهادي ) علي بن محمد ابن علي بن موسى الرضا عليهم السلام عن التوحيد ، و قلت له : إنّي أقول بقول هشام ابن الحكم ؟ فغضب عليه السلام ثم قال : ما لكم و لقول هاشم ! إنّه ليس منّا من زعم أنّ الله عزّ و جلّ « جسم » و نحن منه براء في الدنيا و الآخرة . يابن أبي دلف : إنّ الجسم محدث ، و الله محدثه و مجسّمه (225) . حيث جعل المدار فيها على « قول هشام » و قد عرفنا أنّ قوله هو التجسيم الاسمي دون المعنوي . و لعلّ ما ورد في الروايات من نسبة القول بالجسم ( بنحو مطلق ) إلى هاشم ، من أثر عدم درك بعض الرواة لمقولة هشام بشكلها الدقيلق و تصوّرهم أنّه يقول بالتجسيم المنصرف إلى الحقيقي ، و عرضهم ذلك على الأئمّة عليهم السلام ، فكان ذلك يستدعي هجوم الأئمّة على ذلك ، و على المنقول عنه الذي هو هشام (226) . و كذلك يمكن حمل الروايات المتضمّنة لاختلاف الأصحاب في الجسم و الصورة ، على تنازعهم في إطلاق لفظي « الجسم » أو الصور » عليه تعالى لا القول

الهامش (224) التوحيد ـ للصدوق ـ : 99 ح 7 . (225) التوحيد ـ للصدوق ـ : 104 ح 8 . (226) التوحيد ـ للصدوق ـ : 98 ح 4 و 99 و ح 6 .

................ص95..............

بأنّه جسم أو صورة (227) . لوضوح كون هذا القول كفراً مخرجاً عن الملّة ، فكيف يمكن أن يقع في الطائفة نزاع كبير في ذلك ، و هو لم ينقل عن أحد رجال

ــ[54]ــ

الشيعة ، كما نقل عن بعضهم القول بإطلاق اسم « الجسم » . ثم إنّ رواية نقلها الكشّي ، تحدّث فيها عن مخاصمة جميع من كبار الأصحاب فيما اختلفوا فيه من التوحيد وصفة الله عزّ و جلّ ، فكتب أحدهم إلى أبي الحسن موسى الكاظم عليه السلام يحكي له مخاطبتهم و كلامهم و سيأله أن يعلّمه :ما القول الذي ينبغي أن ندين الله به من صفة الجبّار ؟ فأجابه في عرض كتابه : إنّ الله أجلّ و أعلى و أعظم من أن يبلغ كنه صفته ، فصفوه بما وصف به نفسه ، وكفّوا عمّا سوى ذلك (228) . فالظاهر من السؤال و الجواب، هو أنّ البحث و المناظرة و الخلاف الواقع بين الأصحاب إنّما كان في إطلاق الصفات على الله تعالى . و هذا القدر من تصرّف هشام ، في لفظ « جسم » و لو بالتواضع و الإصطلاح لم يكن مستساغاً من شخصية علميّة عظيمة مثل هشام ، لأنّ شخصاً مقتدراً قد تسنّم القمّة الشمّاء في علم الكلام ، و المناظرة ، و هو منسوب إلى مذهب الشيعة ، مذهب أهل البيت عليهم السلام لا بدّ أن لا يغفل عن أنّ الأعداء مترصّدون له و لأمثاله من أنصار الحقّ ، لاقتناص أيّة كلمة ، ليقيموا الدنيا ولا يقعدوها ، و يجعلوا من الحبّة قبّة ـ كما يقول المثل ـ و يغروا بنا كلابهم ، و يثيروا علينا غوغاءهم ، و يتّهموا كلّ الطائفة ، من أولها إلى آخرها ، حتى الأئمّة الأطهار سلام الله عليهم دعائم العدل و التوحيد . فكان لا بدّ لهشام أن يتأبّى من استعمال هذه الكلمة لأنّها مدعاة لاتّهامه بالتجسيم ، و مغرية للجهلة بالهجوم عليه ، و على الطائفة التي ينتمي إليها .

الهامش (227) التوحيد ـ للصدوق ـ : 100 ح9 و 101 ح 12 و 13 و 14 . (228) اختيار معرفة الرجال : 279 ـ 280 ح 500 .

................ص96..............

فمع أنّا عرفنا أنّ المقولة « جسم لا كالأجسام » ليست إلاّ دليلاً على التنزيه ، نافيه لحدّ التعطيل و حدّ التشبيه ، و بالرغم من اعتراف كافّة الفرق الإسلامية بأنّها لا تدلّ على التجسيم الحقيقي ، و إن دلّت على التجسيم اللفظي الإسلامي ، فمع كلّ هذا نجد أنّ أصحاب الفرق قد حاكوا تلك الحكايات البشعة ضدّ هشام ونسبوها إليه زوراً و بهتاناً ، و اختلقوا مذهباً و هميّاً نسبوه إليه باسم « الهاشميّة » ، إلى آاخر الترّهات التي يندى لها الجبين . فلأجل مثل هذه الغفلة من هشام ، هذه الغفلة التي سبّبت للأئمّة عليهم السلام هذه المشاكل ، و للطائفة هذه العراقيل و الاتّهامات ، مما كانت في غنى عنه ، لجأ الأئمّة عليهم السلام إلى توجيه العتاب الشديد إلى هشام و محاسبته على ذلك حساباً عسيراً ، دفعاً للاتّهامات الواردة على الشيعة . كما أنّ ما ذكره الأئمّة عليهم السلام فيه توجيه للأمّة إلى الحق في عقيدة التوحيد ، و نفي التجسيم عن ساحة عقيدتهم ، و في كثير منها توجيه بشكل أو آخر إلى أنّ فعل هشام إنّما كان مصطلحاً خاصّاً به ، و أنّ إطلاقه كلمة « الجسم » كان على خلاف رغبة الشارع و إذنه ، دون أن يكون له قول بالتجسيم الحقيقي . و مهما يكن سبب تصرّف هشام هذا ، و سبب صدور هذه المقولة منه ، فإنّ تسبيبها

ــ[55]ــ

لمشاكل على الطائفة ممّا لا يرتاب فيه ، و هي زلّة منه بلا ريب . إلاّ أنّ من الأعلام من يعتقد أنّه قد رجع حتّى عن التجسيم بالاسم . قال الشيخ المفيد : و قد روي أنّه رجع عن القول بعد ذلك (229) . و قال الكراجكي : و أمّا موالاتنا هشاماً فهي لما شاع منه و استفاض من تركه القول بالجسم الذي كان ينصره ، و رجوعه عنه ، و إقراره بخطئه فيه ، و توبته منه (230) . و قد يؤيّد هذا بما روي عن هشام بن الحكم أنّه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن أسماء الله عزّ و جلّ و اشتقاقها ؟

الهامش (229) الحكايات : 131 . (230) كنز الفوائد ـ الكراجكي ـ : 197 .

................ص97..............

فقال له : « الله » مستق من « إله » و « إله » يقتضي مألوهاً ، و الاسم غير المسمّى ، فمن عبد الاسم دون المعنى فقد كفر و لم يعبد شيئاً ، و من عبد الاسم و المعنى فقد أشرك و عبد الاثنين ، و من عبد المعنى دون الاسم فذاك « التوحيد » . أفهمت يا هشام . قال : قلت : زدني . قال : لله عزّ و جلّ تسعة و تسعون اسماً ، فلو كان الاسم هو المسمّى لكان كلّ اسم منها هو إلهاً ، و لكنّ الله عزّ و جلّ معنى يدلّ عليه بهذه الأسماء و كلّها غيره . يا هشام ، الخبز اسم للمأكول ، و الماء اسم للمشروب ، و الثوب اسم للمبلوس ، و النارس اسم للمحرق . أفهت يا هشام فهماً تدفع به عنّا و تنافر أعدائنا و الملحدين في الله و المشركين مع الله عزّ و جلّ غيره .قلت : نعم . فقال : نفعك الله به ، و ثبّتك ، يا هشام . قال هشام : فو الله ما قهرني أحد في التوحيد حينئذ حتى قمت مقامي هذا (231) . و لا يظنّ بهشام : أن يكون بعد هذا الحديث الشريف ممّن يصّر على القول في التجسيم بمصطلحه الخاصّ ، أي التجسيم اللفظي الاسمي . و كذلك دعاء الإمام عليه السلام له بالثبات ، فإنّ ذلك لا يمكن أن يكون لم يخالف النصوص و يلتزم بالتجسيم اللفظي المخالف لمسألة توقيفية الأسماء ، كما شرحناه . مضافاً إلى أنّ ما ورد في مدح هشام على لسان الأئمّة و العلماء حتى المعاصرين

الهامش (231) التوحيد ـ للصدوق ـ : 220 ح 13 .

................ص98..............

يدلّ على عظمة هشام ، و قوّته في العلم و العمل ، بما لا يصحّ معه فرض مخالفته في أمر الأسماء إلى حدّ العتاب ! فهذا المدح يكشف عن رجوعه إلى الحقّ حتى في أمر الأسماء ، ذلك الموضوع الذي أدّى إلى حزازة استنكرت على هذا المفكّر العلماق ، فبّرأ بالتوبة المنقولة ساحته عن كلّ تهمة و شبهة . و قد أفصحت نصوص مادحة له عن أكثر من ذلك : فقد قال المفيد : هشام بن الحكم كان من أكبر أصحاب أبي عبد الله جعفر ابن محمد عليه السلام ، و كان فقيهاً ، و روى حديثاً كثيراً ، و صحب أبا عبد الله عليه السلام و بعده أبا الحسن موسى عليه السلام ، و بلغ من مرتبته و علوّه عند أبي عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام ، أنّه دخل عليه بمنى ، و هو غلام ، أول ما اختطّ عارضاه ، و في مجلسه شيوخ الشيعة

ــ[56]ــ

... فرفعه على جماعتهم ، و ليس فيهم إلاّ من هو أكبر سناً منه ، فلمّا رأى أبو عبد الله عليه السلام أنّ ذلك الفعل قد كبر على أصحابه قال : هذا ناصرنا بقلبه ، و لسانه ، و يده (232) . و روى المفيد عن الصادق عليه السلام أنّه قال لهشام : مثلك من يكلّم الناس (233) . و قال المرتضى : و ممّا يدلّ على براءة هشام من هذه التهم : ... ما روي عن الإمام الصادق في قوله عليه السلام :هشام بن الحكم رائد حقّنا ، و سابق قولنا ، المؤيّد لصدقنا ، و الدامغ لباطل أعدائنا ، من تبعه و تبع أثره تبعنا ، و من خالفه ، و ألحد فيه فقد عادانا و ألحد فينا (234) . و قال ابن النديم : هشام بن الحكم ... من جلّة أصحاب أبي عبد الله جعفر ابن محمد عليه السلام ، و هو من متكلّمي الشيعة الإمامية ، و بطائنهم ، و ممّن دعا له

(232) الفصول المختار : 28 . (233) تصحيح الاعتقاد : 218 ، و الشافي ـ للمرتضى ـ : 12 . (234) الشافي ـ للمرتضى ـ : 12 ، و معالم العلماء : 128 رقم 862 .

................ص99..............

الصادق عليه السلام ، فقال : أقول لك ما قال رسول الله صلّى الله عليه و آله لحسّان ; لا تزال مؤيّداً بروح القد ما نصرتنا بلسانك » (235) . و في هذا الحديث إيماء إلى زلّة هشام في مسألة اللفظ ، التي تبرأ منها برجوعه و يدلّ على ذلك بوضوح ما قاله زميله المتكلّم العظيم علي بن إسماعيل الميثمي ـ لمّا بلغه مطاردة الخليفة هارون العبّاسي لهشام ـ : إنّا لله و إنّا إليه راجعون ، على ما يمضي من العلم إن قتل ، فلقد كان عضدنا و شيخنا ، و المنظور إليه بيننا (236) . و لئن استغلّ الأعداء بعمد ، و بعض المغفّلين من دون قصد ، ظاهر المقولة في التهجّم على هشام ، فالأمل أن نكون قد وفّقنا في هذا البحث لأن نبدي جانباً من عظمة الرجل ، و براءته من كلّ ما اتّهموه به ، بشرحنا للمقولة ، على مصطلحه . و إلى هنا نطوي نهاية البحث ، و نسأل الله التوفيق للدفاع عن الحقّ و أهله و آخر دعواهم أن الحمد لله ربّ العالمين .

الهامش (235) الفهرست ـ للنديم ـ : ـ التكملة ـ : 224 ، و انظر : الشافي ـ للمرتضى ـ : 12 . (236) اختيار معرفة الرجال : 263 رقم 477 .

................ص100..............

المصادر و المراجع 1 ـ الاحتجاج على أهل اللجاج . تأليف : أبي منصور ، أحمد بن علي بن أبي طالب ، الطبرسي (ق 6) . تحقيق السيد محمد باقر الموسوي الخرسان ، مؤسسة الأعلمي ، بيروت 1403 هـ . 2 ـ الاختلاف في اللفظ و الردّ على الجهميّة و المشبّهة . تأليف : عبد الله بن مسلم بن قتيبة الكاتب الدينوري (ت 276) . تعليق و تصحيح : الشيخ محمد زاهد الكوثري ، مكتبة القدسي ـ مصر 1349 هـ . 3 ـ اختيار معرفة الرجال ، ( المعروف برجال الكشّي ) . اختصار الشيخ الطوسي أبي جعفر ، محمد بن الحسن الطوسي (ت 460) . تحقيق الشيخ

ــ[57]ــ

حسن المصطفوي ـ مشهد 1968 . 4 ـ الاقتصاد في الاعتقاد . تأليف : الغزّالي محمد الطوسي ، الطبعة الأولى ، مكتبة الحسين / القاهرة . 5 ـ الانتصار في الردّ على « فضيحة المعتزلة » لأبن الراوندي . تأليف : أبي الحسين ، عبد الرحيم بن محمد بن عثمان الخيّاط المعتزلي . تحقيق د . نيبرج السويدي . دار قابس . دمشق 1986 . 6 ـ الأنساب . تأليف : السمعاني ، عبد الكريم بن محمد التميمي ( ت 562 ) . نشر : مرجليوث ، ليدن 1912 . اعادته مكتبة المثنى ـ بغداد . 7 ـ أوائل المقالات في المذاهب المختارات . تأليف : الشيخ المفيد أبي عبد الله ، محمد بن محمد بن النعمان البغدادي (ت 413) . تقديم : الشيخ فضل الله الزنجاني ، المطبعة الحيدرية ـ النجف 1393 . 8 ـ الإيمان . مجلّة شهرية أصدرها الشيخ موسى اليعقوبي ، في النجف ، السنة الأولى 1383 هـ . 9 ـ بلاغة الإمام علي بن الحسين عليه السلام . تأليف : الشيخ جعفر عبّاس الحائري .

................ص101..............

الطبعة الثانية ـ مطبعة كربلاء ـ كربلاء 1383 هـ . 10 ـ تاريخ الجهمية و المعتزلة . تأليف : الشيخ جمال الدين القاسمي الطبقة الثانية ، مؤسسة الرسالة ـ بيروت 1405 هـ . 11 ـ تاريخ الفرق الإسلامية . تأليف : علي مصطفى الغرابي . مطبعة محمد علي صبيح ـ القاهرة ، الطبعة الثانية 1378 هـ . 12 ـ تأويل مختلف الحديث . تأليف : عبد الله بن مسلم بن قتيبة الكاتب الدينوري (ت 276) . تحقيق : محمد زهيري النّجار ـ دار الجيل ـ بيروت 1393 هـ . 13 ـ تراثنا . مجلّة فصلية تصدر عن مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم . 14 ـ التعريفات . تأليف : السيد الشريف الجرجاني علي بن محمد ، الطبعة الأولى ، المطبعة الخيرية ـ القاهرة 1306 . 15 ـ تفسير القمي . تأليف : الشيخ علي بن إبراهيم أبي الحسن القمي . 16 ـ تكملة ديوان الأصول ، لأبن رشيد . تأليف : الدكتور محمد عبد الهادي أبو ريدة . مطبعة دار الكتب ـ القاهرة 1969 . 17 ـ تلبيس إبليس أو نقد العلم و العلماء . تأليف : عبد الرحمن أبي الفرج ابن الجوزي ( ت 597) . تصحيح : محمد منير الدمشقي . إدارة الطباعة المنيرية ـ مصر . 18 ـ التنبيه و الردّ على أهل الأهواء و البدع . تأليف : محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الملطي ( ت 377) .

................ص102..............

تقديم و تعليق : الشيخ محمد زاهد الكوثري . مكتبة المعارف ـ بيروت 1388 هـ . 19 ـ تنقيح المقال في أحوال الرجال . تأليف : الشيخ عبد الله المامقاني (ت 1351) . المطبعة المرتضوية ـ النجف 1352 . 20 ـ التوحيد . تأليف : اليخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين القمي (ت 385) . تعليق : السيد هاشم الحسيني الطهراني . مكتبة الصدوق ـ طهران 1398 . 21 ـ الحكايات . إملاء الشيخ المفيد على السيد الشريف المرتضى . تحقيق : السيد محمد رضا الحسيني

ــ[58]ــ

، نشر في مجلّة ( تراثنا ) الفصلية ـ الصادرة عن مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم العدد (17) سنة 1409 هـ . 22 ـ الحور العين . تأليف : الأمير أبي سعيد بن نشوان الحميري ( ت 573) . تحقيق : كمال مصطفى ـ أعيد طبعه في طهران 1973 . 23 ـ ديوان الاصول . تأليف : أبي رشيد ، سعيد بن محمد النيسابوري . تحقيق : د . محمد عبد الهادي أبو ريدة . مطبعة دار الكتب ـ القاهرة 1969 . 24 ـ رجال البرقي . المنسوب إلى أحمد بن أبي عبد الله البرقي ! منشورات جامعة طهران 1962 ـ طهران . 25 ـ الرجال . تأليف : الحسن بن علي بن داود ، تقي الدين الحلّي ( ت بعد 707) . تحقيق : السيد محمد صادق بحر العلوم رحمه الله . المطبعة الحيدرية ـ النجف 1392 . 26 ـ النجاشي .

................ص103..............

تأليف : أحمد بن علي بن أحمد بن العبّاس الأسدي الكوفي (ت 450) . تحقيق : السيد موسى الزنجاني . مؤسسة النشر الإسلامي ـ قم 1407 . 27 ـ سير أعلام النبلاء . للهذبي . دار الرسالة . 28 ـ الشافي . للسيد الشريف المرتضى ، علم الهدى ، علي بن الحسين الموسوي (ت 436) . طبعة الحجر ـ إيران . 29 ـ الشامل في أصول الدين . للجويني . ط . ريتر ـ الاسكندرية ـ مصر . 30 ـ شرح أسماء الله الحسنى = لوامع البيّنات ، للرازي . 31 ـ شرح الأصول الخمسة . تأليف : القاضي عبد الجبّار بن أحمد . تحقيق : د . عبد الكريم عثمان : مكتبة وهبة ـ القاهرة 1384 هـ . 32 ـ شرح المواقف . للسيد الشريف ، طبعة تركيا . 33 ـ شرح نهج البلاغة . لابن أبي الحديد المعتزلي . تحقيق : محمد أبو الفضل إبراهيم . 34 ـ الشيخ محمد عبده بين الفلاسفة و الكلاميّين . (حاشية الشيخ محمد عبده على شرح الدوّاني للعقائد العضدية ) تحقيق : د . سليمان دنيا . دار إحياء الكتب العربية ـ 1377 هـ . 35 ـ الصواعق المحرقة . تأليف : أحمد بن حجر الهيتمي المكّي (ت 974) .

................ص104..............

المطبعة الميمنية ـ مصر 1312 هـ . 36 ـ الصلة بين التشيّع و التصوّف . تأليف : د . كامل مصطفى الشيبي . الطبعة الثانية ـ دار المعارف ـ مصر 1969 . 37 ـ ضحى الإسلام . تأليف : أحمد أمين . الطبعة السابعة مكتبة النهضة المصرية ـ 1964 . 38 ـ فتح الباري شرح صحيح البخاري . تأليف : أبن حجر العسقلاني . 39 ـ الفرق بين الفرق . تأليف : عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي التميمي (ت 439) . تحقيق : محمد محيي الدين عبد الحميد ـ مكتبة محمد علي صبيح ـ القاهرة . 40 ـ الفصل في الملل و الأهواء و النحل . تأليف : علي بن حزم الأندلسي الظاهري (ت 456) . طبع مصر ، و أعادته مكتبة المثنى ـ بغداد . 41 ـ الفصول المختارة من العيون و المحاسن . اختيار السيد الشريف المرتضى . المطبعة الحيدرية ـ النجف ، و أعادته مكتبة الداوري ـ قم . 42 ـ الفصول

ــ[59]ــ

النصيرية ( فصول العقائد ) . تأليف : الخواجة نصير الدين الطوسي طبع بالمطبعة الرحمانية بمصر 1341 هـ . 43 ـ الفكر الشيعي و النزعات الصوفية . تأليف : د . كامل مصطفى الشيبي . الطبعة الأولى ـ مكتبة النهضة ـ بغداد 1386 هـ . 44 ـ الفهرست . تأليف : الشيخ الطوسي محمد بن الحسن أبي جعفر (ت 460) .

................ص105..............

صحّحه و علّق عليه : السيد محمد صادق بحر العلوم رحمه الله المطبعة الحيدرية ـ النجف : 138 هـ . 45 ـ الفهرست . تأليف : أبي الفرج محمد بن إسحاق النديم الورّاق تحقيق : رضا تجدّد ـ طهران 1391 . 46 ـ في التوحيد = ديوان الأصول لأبي رشيد . 47 ـ القواعد . تأليف : الإمام الشيخ محمد بن مكّي الشهيد الأول ( المقتول عام 786) . تحقيق : الشهيد السيد عبد الهادي الحكيم رحمه الله . منشورات مكتبة المفيد ـ قم . 48 ـ الكافي . تأليف : الشيخ أبي جعفر محمد بن يعقوب الرازي ، الشهير بالكليني (ت 329) . دار الكتب ـ طهران . 49 ـ كلمة حول الرؤية . للسيد الإمام شرف الدين العاملي (ت 1377) . مطابع النعمان / النجف 1387 هـ . 50 ـ كنز الفوائد . تأليف : الكراجكي . 51 ـ لسان الميزان . تأليف : ابن حجر العسقلاني . طبع حيدر آباد ـ الهند ، أُفست مؤسسة الأعلمي . 52 ـ اللمع . تأليف : الأشعري . 53 ـ اللوامع الإلهية في المباحث الكلامية . تأليف : جمال الدين المقداد بن عبد الله الأسدي السيّوري الحلّي (ت 826) . تحقيق : الشهيد السيّد محمد علي القاضي الطباطبائي ـ تبريز 1396 هـ .

................ص106..............

54 ـ لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى و الصفات ( طبع باسم : شرح أسماء الله الحسنى ) . تأليف : الرازي محمد بن محمد الخطيب الرازي فخر الدين ( ) . راجعه : طه عبد الرؤوف سعد ـ دار الكتاب العربي ـ بيروت 1404 . 55 ـ مذاهب الإسلاميّين . تأليف : د . عبد الرحمن بدوي . الجزء الأول ، دار العلم للملايين ـ بيروت 1971 م . 56 ـ مروج الذهب و معادن الجوهر . تأليف : أبي الحسن ، علي بن الحسين المسعودي ( ت ) . طبع بيروت في 7 أجزاء . 57 ـ مشكاة الأنوار الهادمة لقواعد الباطنية الأشرار . تأليف : الإمام يحيى بن حمزة العلوي (ت 745) . تحقيق : محمد السيد الجليند ـ دار الفكر الحديث القاهرة 1973 م . 58 ـ المصباح ( جنّة الأمان الواقيعة ) تأليف : تقي الدين إبراهيم بن علي العاملي الكفعي . الطبعة الثالثة ـ مؤسسة الأعلمي ـ بيروت 1403 هـ . 59 ـ معالم العلماء . تأليف : ابن شهر آشوب محمد بن علي المازندراني (ت 588 ) . تحقيق : السيد محمد صادق بحر العلوم ـ المطبعة الحيدرية ـ النجف 1380 هـ . 60 ـ معجم رجال الحديث . تأليف : الإمام الخوئي السيد أبو القاسم الموسوي دام ظلّه . الطبعة الأولى ـ النجف . 61 ـ معجم مقاييس اللغة . لأبن فارس . 62 ـ المغني في أبواب العدل و التوحيد . تأليف : القاضي عبد الجبار بن أحمد

ــ[60]ــ

المعتزلي الأسد آبادي (ت 415) . تحقيق : محمود محمد الخضيري ـ المؤسسة المصرية ـ 1958 م .

................ص107..............

63 ـ مغني اللبيب عن كتب الأعاريب . لابن هشام الأنصاري ، مراجعة الأفغاني . 64 ـ مقالات الإسلاميّين و اختلاف المصلّين . تأليف : الأشعري ، أبي الحسن علي بن إسماعيل (ت 324) . تصحيح : هلموت ريتر ـ الطبعة الثالثة ، دار النشر فرانز ـ بفيسبادن 1400 هـ . و تحقيق : محمد محيي الدين عبد الحميد ـ مكتبة النهضة المصرية ـ القاهرة 1369 هـ . 65 ـ الملل و النحل . تأليف : الشهرستاني محمد عبد الكريم . تحقيق : عبد العزيز محمد الوكيل . مؤسسة الحلبي و شركاه ـ القاهرة 1387 هـ . 66 ـ المواقف . للأيجي ، مع شرحه للسيد الشريف . 67 ـ نهج البلاغة ، مع كلام الإمام أمير المؤمنين عليه السلم . جمع : السيد الشريف الرضي محمد بن الحسين الموسوي (406) . تحقيق : د . صبحي الصالح ، دار الكتاب اللبناني ـ بيروت 1387 هـ . 68 ـ هشام بن الحكم استاذ القرن الثاني في الكلام و المناظرة . تأليف : الشيخ عبد الله نعمة ـ بيروت 1959 م .

ارسال الأسئلة