تصنیف المقالات احدث المقالات المقالات العشوایئة المقالات الاکثرُ مشاهدة
■ مقالات
أزمة المحْدثين بين الافراط في التصنع والتفريط بالمصطلح
أسباب نزول القرآن، أهميتها وطرقها وحجيتها ومصادرها
باب (من لم يرو عن الأئمة عليهم السلام) فيرجال الشيخ الطوسي
البلاغات من أساليب الأداء للحديث الشريف في التراث الإسلاميّ
البناء على القبور
تأبين الإمام الخمينيّ قدس سرّه
تأبين السيد الخوئيّ قدس سرّه
التأثير المتبادل بين القرآن والحديث في مجال التأكيد والتحديد
تحملُ الحديث بالإجازة، واجبٌ مُلح في العصر الحاضر
تدوين السنّة أم تزييف الشريعة؟ في النقد العلمي
التسميات طليعة المؤلّفات في الحضارة الاسلامية موضوعها، ومنهج تأليفها وفهرستها
تتميم النظر في التقديم لمقتضب الاثر
الثقلان ودورهما في دعم السُنّة
جراب النورة بين اللغة والاصطلاح
حجّية الحديث المُعَنْعَن، وما يُثار حوله شبهةٌ في قبال البديهة
الحشوية نشأةً وتاريخاً (القسم الأول)
السنّة النبوية الشريفة وموقف الحكّام منها تدوينا وكتابة ونقلاً وتداولاً
الشيخ الطوسيّ وتراثه الحديثيّ
الحشوية أراء وملتزمات (القسم الثاني )
صِيَغ الأداء والتحمّل: تاريخها، ضرورتها، فوائدها، اختصاراتها
ضرورة تطويع الممارسات للانتهال من معين الحديث الشريف
ضرورة النقد العلمي في مجال تحقيق التراث
العبث بالتراث بين عمالة العلمنة ونفاق الاسلمة
علم الأئمة عليهم السلام بالغيب، والاعتراض عليه بالإلقاء في التهكلة، والإجابات عنه عبر التاريخ
علوم الحديث بين سعة الآفاق و محدوديّة الأعمال
عناوين الأبواب وتراجمها في التراث الإسلامي :حجّيتها، أغراضها مصادرها،ودلالاتها
فرق الشيعة أو مقالات الإمامية ؟ للنوبختي أم للأشعري؟
فوات فهرس الفهارس والأثبات، بذكر بعض ما للإمامية من الإجازات، في الفهرسة
التقية في الثقافة الاسلامية
الكرامات
الكنية، حقيقتها وميزاتها، وأثرها في الحضارة والعلوم الإسلامية، في علوم العربية، الأدب
لماذا الإمام عليه السلام
مجددو المذهب وسماتهم البارزة
المصطلح الرجالي>أسند عنه< ما هو وما هي قيمته الرجالية؟
مقال حول الصحيفة السجّادية
مقدمة (لوامع الأنوار)
مقدمة (المقنع في الإمامة)
مقولة جسم لا كالأجسام، بين موقف هشام بن الحكم ومواقف سائر أهل الكلام
من أدب الدعاء في الاسلام ضبطه عند الأداء والتحمل وتنزيهه من اللحن والتحريف ودعوة الى إحيائه وتحقيق كتبه
موقف أهل الكتاب من الحق بين الإلتزام والتصرفات المريبة
النكت الخفية في النادرة الشريفيّة
همزية البوصيريّ والتراث الذي دار حولها

موقف أهل الكتاب من الحق بين الإلتزام والتصرفات المريبة

موقف أهل الكتاب من الحقّ بين الالتزام، والتصرّفات المريبة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، أدلّة متتاليةً على الخير، وهادية إلى سبل الجنان، وأرسل الرسل مبشّرين ومنذرين، هداةً إلى سبل الجنان، وأرسل الرسل سيّما سيّد الأنبياء وخاتمهم رسول الله محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، الذي جاء بالقرآن معجزةً خالدة، مصدّقاً لما بين يديه من الآيات، وبعث بشريعة الإسلام رسالةً رائدةً لجميع الرسالات. وأفضل السلام والصلاة على الأئمّة السادة الهداة، الذين يدعون إلى الحقّ وبه يعملون.

ص3 وبعد، فإنّ الشرق مهد الحضارات البشريّة القديمة، قد اختارته السماء مهبطاً لنبوّاته الكبرى المتتالية: اليهوديّة، والمسيحيّة، والإسلام، فالأديان الإلهيّة، والتاليم السماويّة كلّها استقرّت فيه، وفي الشرق الأوسط بخاصة.

فاليهوديّة، الديانة التي جاء بها موسى الكليم (عليه السلام) هبطت في مصر، والمسيحيّة التي جاء بها عيسى (عليه السلام) هبطت في فلسطين، والإسلام الذي جاء به محمّد المصطفى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، هبط في مكّة. وإذا كانت الديانات كلّها سماويّةً إلهيّةً، جاء بها الأنبياء والمرسلون من قبل الله، فهي لا تتناقض فيما بينها في شيء، ولا تتعارض عند شيء من اُصولها أو تعاليمها، فإنّ الدين كلّه لله(1). ولقد جاء الإسلام ـ آخر الديانات الكبرى السماوية ـ مصدّقاً لما مع أهل تلك الديانتين(2) وجاء القرآن مصدّقاً لما بين يديه من التوراة والإنجيل(3). ولم يقف الإسلام من الديانات السابقة ورسلها وكتبها إلاّ الهامش (1) سورة الأنفال8، الآية: 39. (2) راجع المعجم المفهرس مادة (صدق) ص406. (3) سورة آل عمران3، الآية: 5.

ص4 موقف التصديق، والاحترام، والتبجيل، وقد أكّد على هذه الحقيقة في القرآن مكرّراً، منها في قوله تعالى: (آمن الرسول بما اُنزل إليه من ربّه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا نفرّق بين أحد من رسله، وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربّنا وإليك المصير)(4). الكلمة السَواء: فإذا كان للأديان أصل مشترك واحد، فحريّ بها أن تتآلف على هذا الأصل، كما دعا إلى ذلك القرآن بقوله تعالى:(قل ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألاّ نعبد إلاّ الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتّخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله)(5) وعلى هذا الأساس المشترك بين الأديان، ينبغي لها أن تتّحد ضدّ الكفر بالله، والشرك والوثنيّة، التي لا تزال ـ حتّى عصرنا الحاضر ـ تملأ مساحات من الكرة الأرضيّة، وتستولي على عقول جماعات من البشر. فإن كان المتديّنون بأديان السماء يعتنقون الحقّ، ويريدون له العزّة والانتشار، فهاهي الأرض الفسيحة، وهي لا تزال مليئةالهامش (4) سورة البقرة2، الآية: 285. (5) سورة آل عمران3 الآية: 64.

ص5 بعبادة الأوثان، وعبادة الحيوانات، وعبادة ما سوى الله من الأنداد الحيّة وحتّى الجماد. والأديان الإلهيّة، لا ريب في أنّها تستبعد الشرّ والرذيلة والسقوط في مهاوي الفساد والفحشاء، وهي متّفقة على ذلك. فإذا كانت الأديان مؤتلفةً متّحدة في العمل في سبيل رسالاتها، فهذه جاهليّة القرن العشرين قد استهوت جماعات من الشباب، وأصبحت الرذيلة معبودةً ومستحسنةً، وغدا الفساد والفحشاء ديناً، والجريمة حنكة وتدبيراً، والظلم سياسة وإدارة، فلو ارتبطت أديان السماء بالتعاليم الإلهيّة التي هي هدى ونور، لاتّفقت على «كلمة سَواء» وقاومت كلّ ضلال وشرّ، ولعملت سويّة في مسير سعادة البشر، ولوقفت صفّاً واحداً في مقابل القوى التي تريد اجتثاث الدين ومعارضة كلّ ما هو سماويّ وإلهي. لكنّ المؤسف: إنّ الذي حصل منذ بزوغ شمس الإسلام على هذه الأرض كان بعكس التوقّعات المذكورة، وحتى يومنا الحاضر، فإنّ أهل الديانات السابقة ـ المسيحيّة، اليهوديّة ـ اتّخذوا من الإسلام مواقف غير منصفة، مواقف اللجاج والعناد والطائفيّة المقيتة.

ص6 فبالرغم من أنّ الإسلام لم يهمل جانب «سماويّة» تلك الأديان، وميّزهم بالخطاب، والدعوة إلى «كلمة سواء»

ــ[2]ــ

وإلى اتّباع الحقّ، والتحاكم إلى الأهدى الذي جاء من الله حتّ يتّبع(6). كما لم يهمل سماويّة الديانتين في التعامل، حيث منح أهل الكتاب فرصة البقاء على دياناتهم بشروط الذمّة، التي هي شروط وقائية ضمن معاهدة تضمن لهم حقوق المواطنة الكاملة، عندما يريدون التعايش على أرض الدولة الإسلاميّة، ليتمتّعوا بحقوق الأمن والصيانة، والحراسة، والواجبات المدنيّة كافّة(7). بينما الإسلام لم يسمح للمشركين وعبدة الأوثان والأصنام ممّن لم يتّصلوا بديانة سماوية، بالبقاء على عقائدهم، وسعى بكلّ الأشكال في توعيتهم وتوجيههم وإقناعهم، أو القضاء على وجودهم في حالة التمادي بالجهل والعناد فيه. فبالرغم من كلّ ذلك، نجد في المقابل أنّه لم يكن أهل الكتاب يتعاملون مع هذه الأخلاق السامية إلاّ بالضدّ والمعاكسة! التصرّفات المريبة: فقد بدأوا يتحاملون على الإسلام ويشنّون الحروب ضدّه، الهامش (6) اُنظر: سورة القصص 28، الآية: 49. (7) إقرأ عن الذمّة وشروطها كتاب «حقوق أقلّيتها» تأليف: عميد زنجاني.

ص7 ويثيرون المشركين على المؤمنين، ويستهينون بما جاء في القرآن من المعارف الحقّة. بدلا من أن يعتزّوا بقدرة الإسلام على نسف أبنية الشرك واجتثاث اُصول الصنميّة والوثنيّة، وقلب الجزيرة العربية من بؤرة للجاهلية وفسادها وشركها، إلى مدارس للعدل والتوحيد والخلق الإلهي السامي. فبدلا من ذلك، نجد أهل الكتاب لا يقدّرون شيئاً من هذه الإنجازات وتلك المواقف. وقد نبّه القرآن الكريم إلى الاستغراب من هذه التصرّفات المريبة التي قام بها أهل الكتاب تجاه الحقّ، فقال تعالى: (ألم تر إلى الذين اُوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا)(8). فهم ـ عناداً للحقّ ـ يؤمنون بالجبت والطاغوت وقد اُمروا أن يكفروا به. وهم ـ عناداً للمؤمنين ـ يعاضدون الكفّار ويناصروهم ـ مع رفضهم لكلّ ما هو سماوي ـ ويعلنون بأنّهم ـ أي الكفّار ـ أهدى من المؤمنين، وأصوب طريقة. الهامش (8) سورة النساء8، الآية: 51.

ص8 فهم ـ إذن ـ لم يؤتوا إلاّ نصيباً ـ جزئيّاً ـ من الكتاب، وكفروا بالباقي، وإلاّ فإن كانوا قد اُوتوا الكتاب كلّه، واستوعبوه إيماناً وفهماً لما تردّوا هكذا في مثل هذه المزالق الشيطانية الخطيرة!؟ ولما قاموا بهذه التصرّفات المريبة؟! ولما عمدوا إلى هذا الالتواء وهذه الازدواجيّة؟! فلماذا يحادّون من يؤمن بالله، ويوادّون من يكفر بالله؟! التاريخ يُعيد نفسه: وإذا صحّت مقولة: إنّ التاريخ يعيد نفسه، فقد أعاد أهل الكتاب من الديانتين ـ في عصرنا الحاضر ـ الكرّة ثانية، حيث عمدوا إلى مناصرة كلّ الحركات الضالّة الكافرة، والدعوات الباطلة الهدّامة، التي تتناقض مع كلّ ما هو سماوي، من عقيدة أو شريعة أو أخلاق، وحتّى الأعراف البشريّة المقبولة; فناصروها ضدّ الإسلام وعقائده وشرائعه وأخلاقه، وضدّ المسلمين وأعرافهم، وإن كانت تلك الحركات والدعوات تتنافى مع المسيحيّة نفسها واليهودية ذاتها! على طريقة: «اقتلوني ومالكاً»! فالمسيحيّة كانت وراء أكثر الحركات القوميّة العلمانيّة، التي استهدفت الإسلام وقواعده واُصوله وفروعه. واليهودية كانت وراء كلّ المنظّمات والأحزاب الملحدة،

ص9 ووراء كلّ دعوة إلى التفسّخ والاستهتار والفجور. وقد استفحل هذا الداء النفسي الوبيل في المسيحيّة لما انقلبت إلى صليبيّة حاقدة، وفي اليهودية لمّا انقلبت إلى صهيونيّة مقيتة. أمّا الصليبيّة فقد ابتعدت عن كلّ المعاني الروحانيّة، ولكّ الأدلّة والمدارك العقليّة، وكلّ الأبعاد والوجهات الإنسانيّة، واستهدفت مجرّد تنصير الناس، لغرض تحكيم سيطرة الصليب على البلاد والعباد، ذلك الغرض الذي كان وراءه الملوك والاُمراء بعيداً عن كلّ هدف رسالي إلهيّ وإلى حدّ شنّ الحروب الطاحنة! ولقد تفنّن دعاة التنصير في أساليب الدعوة إلى النصرانيّة والتبشير بالمسيح، فنظّموا إرساليات وأسّسوا دوائر، وبذلوا جهوداً جبّارة، وشكّلوا جيوشاً جرّارة من القساوسة والرهبان والراهبات، مرتدين أزياء القدس الفضفاضة وبمستويات مختلفة، وبخبرات ومهن متعدّدة. وياحبذا لو اقتصروا على ما يسمّون أنفسهم

ــ[3]ــ

وينتمون إليه من التبشير بالمسيح، وهداية الناس للإيمان، وتعليم الجهلة، وتربية الشعوب على التحضّر والسلام. لكنّهم، وبعد أن سقطوا في أوكار الدول الحاكمة على بلدانهم وأصبحوا آلات بأيدي الساسة الظالمين والطامعين، كان المستفيد الأكبر من جهودهم وفعاليّاتهم أجهزة الاستخبارات في تلك

ص10 الدول، وكانوا ـ باسم الدين، وعلى حساب الكنيسة وقدسها ـ مطايا للعمل في المنظّمات الجاسوسية، ورغم قناعاتهم بأعمالهم الدينيّة، ورغم قلوبهم الطيّبة! ورغم نواياهم الطاهرة! أصبحوا عيوناً وجواسيس للحكومات الظالمة المستهترة بقيم السماء والأرض. فكانت الدول الاستعمارية تنفّذ مخطّطاتها من خلال منظّمات التبشير وإرساليّاته. أفهل يُعقل أن تكون الكنيسة ورعاتها غافلين عن كلّ هذا الذي كان يجري تحت آذانها، ومن خلال أزيائها، وتحت عباءة دعاتها؟! أم إنّهم ـ كما هو واضح ـ كانوا على علم تامّ ومعرفة بما يجري، وقد اعتبروه فرصةً لأداء مهمّاتهم الدينيّة، لأنّه يفتح لهم طريق التبشير، وإن كانت تمرّر من خلاله أغراض الساسة الظالمين وأهداف الحكّام المجرمين؟! فهم ـ إذن ـ شركاء في الجريمة العالمية التي تحلّ بالعالم غير المسيحي، وحتّى المجتمع المسيحي!(9). الهامش (9) إقرأ كتاب «التبشير والاستعمار» للخالدي، وفرّوخ.

ص11 الاستشراق والخيانة: وقد استغلّت الدول الاستعمارية، أجهزة التبشير للنفوذ في الديار الإسلامية، لتمرير مؤامراتهم ومخطّطاتهم الجهنّميّة، وحكّامها برآء من المسيح ودينه، بل من كلّ انتماء ديني أو روحي. كما استخدمت الاستشراق بصبغته العلميّة، ذريعة اُخرى للتوغّل في أعماق البلدان وأهلها وكشف أسرار حياتهم النفسيّة والمعيشيّة، وكنوزهم العلميّة، بل الاستشراق أخطر من أجهزة التبشير، حيث إنّ المستشرقين حاولوا التغلغل في عقول المثقّفين وأدمغة العلماء وخاصة الشباب من السذّج، ومن خلال الجامعات الحديثة التي كانوا يملكون أزمّتها، وسوف يملكها اُولئك الشباب، ويملك خرّيجوها أزمّة اُمور بلدانهم. فبدأوا يملأون أدمغتهم بالمعلومات المقلوبة، والمشوّهة، وتزوير الأكاديب وتطليتها على التلامذة، خدمة لأغراض أسيادهم، والتي على رأسها زعزعة ثقة أولاد المسلمين بدينهم وتراثهم وحضارتهم وتاريخهم ومفكّريهم، ومن أجل إبعاد أنظارهم عن التفكير في ما يصلح حالهم وشأنهم، ومستقبلهم. ومن أساليبهم توجيه جهود الشباب الجامعي إلى العلوم الأدبية والتاريخيّة والعقليّة والفنيّة، مع بنائها على اُسس بعيدة عن أرض الواقع، بل مبتنية على فروض ونظريّات هزيلة ضعيفة

ص12 لا تستند إلى علم أو يقين، وأهمّ ما يقصد منها تضييع الوقت والجهد، لئلاّ يشتغل الطلاّب بما تحتاجه بلدانهم وشعوبهم من علوم تؤدّي بهم إلى التقدّم والازدهار من التكنولوجيا الحديثة، والتقنية الصناعية، والتكنيك العلمي، الذي به تقدّمت الحضارة الغربيّة الحديثة(10). ولقد كشف الاستعمار عن هذه الأهداف الخبيثة، عندما أعلن عن منع تصدير التكنولوجيا الحديثة إلى البلدان الإسلامية، وإلى جامعاتها، بل هم يقفون أمام تطوّر هذه البلدان معما كلّف الأمر وغلا الثمن، وإذا ما حصّلت واحدة منها على شيء بشكل أو بآخر، ولو بالتبعيّة والعبودية، فإنّ الدول الاستعمارية يحاولون ـ بحجّة أو باُخرى، أو بلا حجّة أصلا ـ تحطيم ذلك، ولو بالهجوم العسكري كما حصل بالنسبة إلى العراق والكويت! وأمّا أولادنا الذين نبعثهم إلى الغرب المسيحيّ ـ في الدول الاُوربيّة ـ للدراسة في جامعاتها، فإنّهم يواجهون معاملةً ملتويةً حسب سياساتها المتفاوتة، ولكنّها متّفقة على نقطة واحدة، وهي: عدم السماح لأولادنا بالحصول على أسرار المهن العلميّة بيُسر وسهولة، إلاّ إذا تأكّدوا من أنّ الواحد منهم لا يحمل في رأسه هوىالهامش (10) إقرأ «الحلول المستوردة» للقرضاوي، الجزء الأوّل; و «حصوننا مهدّدة من داخلها» لمحمّد محمّد حسين.

ص13 العودة إلى الوطن، فيمكّن من بعض التكنولوجيا الخفيفة ـ إن صحّ التعبير ـ والخبرات في علوم كالطبّ والهندسة المدنية والبيطرة! أمّا علوم الذرّة والكمبيوتر والأجهزة المعقّدة، والتكنولوجيا الدقيقة، فلا طريق لأحدهم إليها. ثمّ إنّ الإغراءات تترى على أن يستوطن الأذكياء منهم في الغرب ليخدموا تلك البلدان وشعوبها ويذوبوا في

ــ[4]ــ

مجتمعاتها، ولا يميلوا للعودة إلى بلادهم التي ملأها الاستعمار بالفجائع السياسيّة المؤدّية إلى الاضطراب في الحياة الاجتماعية والمعيشيّة، و... وأمّا من لا يطمئنّون إليه، أو يجدون فيه ميلا إلى وطنه وخدمة شعبه، فيطرد من تحصيل العلوم، بأشكال مختلفة، ويورّط بأكثر من مشكل، حتّى يلتهي، وينصرف ... زيف دعاوي الغرب: وهذا الغرب المدّعي للمسيحيّة، ورغم دعواه الحرّية الفكريّة، ودعواه الديمقراطيّة، ودعواه التمدّن والحضارة، ودعواه حماية حقوق البشر، ودعواه الثقافة، ودعواه حبّ السلام، ودعواه مساعدة الشعوب ...!! مع كلّ هذه الدعاوي الطويلة العريضة، فإنّا نجده يعامل الفتيات المسلمات في مؤسساته التعليميّة بكلّ قساوة ووحشيّة من

ص14 أجل الحجاب الذي يرتدينه، ويجبرهنّ على خلع الحجاب، أو يفصلن عن الدراسة! وهاهم الغربيّون المدّعون للمسيحيّة يتدخّلون في شؤون البلدان الاُخرى، وخاصةً الإسلامية بالعدوان: فهم يحاربون كلّ حركة إصلاحية تريد النشوء في هذه البلدان، ويتصدّون لها، ويحاولون وأدها في مهدها، كما شاهدناه في تصدّيهم للجمهورية الإسلامية في إيران، حيث فرضوا عليها الحصار الاقتصادي علناً، وشنّوا عليها حرباً إعلامية شعواء، إلى جنب دفع عميلهم في العراق لشنّ الحرب الطاحنة، وتزويدهم له بشتّى الأسلحة المدمّرة، والأجهزة المتطوّرة، كلّ ذلك حقداً منهم على الإسلام، والدولة التي قامت باسمه. وهاهم، يتصدّون للحركة الإسلامية في الجزائر، بكلّ وقاحة وصلافة، متجاوزين كلّ دعاواهم بالديمقراطية والحريّة ... وهم الذين يشجّعون بالدعم المالي والسياسي، بل العسكري الخفيّ والمعلن، كلّ الحكومات الفاسدة في ضرب شعوبها وكبتهم، بل يزودّون تلك الدول بالخبرات اللازمة لقمع الشعوب واضطهادهم، كما يجري في السعودية والعراق ومصر ... لأنّ شعوب هذه البلدان مسلمون; في حين أنّهم يتصرّفون مع البلدان الاُخرى التي شعوبها مسيحيّون، بعكس ذلك!

ص15 ومن أبشع جرائمهم أنّهم يفرضون على الدول الإسلامية وحكوماتها رجالا ممّن ينتمون للغرب المسيحي بالولاء، أو من عناصر غربيّة المولد، ومسيحيّة الأصل، من الممرّنين على لغة المسلمين وأعرافهم، فيتسلّلون إلى حصوننا، ويتسنّمون أعلى الرتب، بعد أن تسمّوا بأسماء المسلمين، فيتسلّطون على بلاد المسلمين ويكيلون لها ولهم العذاب كيلا، ويصبّون عليهم العذاب صبّاً، ويفرضون عليهم كلّ قانون مذلٍّ، ومنهج خائن، وأخلاق تتنافى وأعرافهم، وشريعة دينهم ... وهم في زيّ المسلمين، وثوب الوطنيّة، ودعاة القوميّة، وعلى أيدي هؤلاء الجناة، الغربيّي الولاء أو الانتماء; يقوم الغرب بفرض ما يريد ويوحي، حتّى قتل المفكّرين من أبناء الإسلام، والعلماء الأعلام، والمصلحين، بتهمة المعارضة ..! والغرب المسيحي الذي يملك زمام المنظّمات العالمية، يسكت بحجّة عدم التدخّل في الشؤون الداخلية لتلك البلاد!!! لكنّهم إذا ضربت مصالحهم أو تهدّدت بالخطر، فإنّهم يتدخّلون علناً، كما حدث بالنسبة إلى لبنان والعراق وباناما و... العداء السافر: والأنكى والأزرى!! أنّهم وإن كانوا ـ في بداية هذا القرن المشؤوم ـ يتدخّلون بنصب عملائهم تحت الأغطية ومن وراء

ص16 الأقنعة، ويحيكون المؤامرات والدسائس ضدّ الإسلام والمسلمين في ظلمات الأقبية، وأوكار السفارات، وفي المؤتمرات المغلقة ... فإنّهم أصبحوا في هذه الأيّام ـ وفي نهايات القرن ـ يلعبون على المكشوف، فقد سقطت الأقنعة، وظهروا على الساحة وفي الميدان، وبالأسماء النابية القبيحة(11) متحدّين بذلك شعور المسلمين! وهاهم الغربيّون ـ المدّعون للمسيحيّة ـ يناصرون علانيةً وبلا حياء أعداء المسلمين في كلّ المناطق التي يكون بين المسلمين وغيرهم نزاع، بقطع النظر عن جنسية المعارضين أو دينهم، فهم مع الهندوس ضدّ المسلمين في الهند، ومع الوثنيّين الأفريقيّين ضدّ المسلمين، ومع الأرمن ضدّ المسلمين في لبنان، ومع الشيوعيّين ضدّ المسلمين في يوغسلافيا، ومع العلمانيّين الملحدين ضدّ المسلمين في تركيا، ومع الملحدين العرب ضدّ المسلمين في الدول العربية. وهذه اُوربا ـ كلّها ـ في حربها الثقافية الشرسة ضدّ الإسلام والمسلمين ومقدّساتهم، فقد ظهرت مكشّرةً

ــ[5]ــ

أنيابها، معلنةً عن حقدها الطائفي البشع في قضيّة المرتدّ (رشدي) الذيالهامش (11) مثل اسم «عفلق» الذي لا يخلو كتاب لغوي عربي من ذكر معناه القبيح، ومع هذا فهو يرأس حركة قوميّة! ويقود حزباً عربيّاً! يحكم العراق وغيره لفترة طويلة!!؟

ص17 تخلّى في كتابه عن كلّ قيمة إنسانية عندما ملأه بالكذب والاتّهام والدجل والتزوير والسبّ والفحش، ممّا يخرج عن أبسط قواعد الأدب والحياء والكرامة الإنسانيّة، وخُلُق التعايش والحوار البشري. ومع كلّ هذا فقد وقف الغرب المدّعي للمسيحيّة والثقافة والتمدّن من هذا الرجل الملحد، ومن كتابه الفاسد، موقف المحامي، وهبّ للدفاع عنه ومناصرته وتأييده، وصرف الأموال الطائلة للحفاظ على وجوده الشريف! وطبع كتابه المهمّ بشتّى اللغات!! ليس هذا إلاّ لأنّ الكتاب يتهجّم على مقدّسات المسلمين، وإلاّ فهؤلاء العشرات من المفكّرين العلماء يذبّحون ويقتلون في طول البلاد الإسلامية وعرضها، ولا يتحرّك في اُوروبا عرق لأجلهم!! هذا كلّه يجري أمام عين الكنيسة ورعاتها، وتحت آذانها، لكنّها تلتزم الصمت الخانق!؟ فهل بهذا تأمر الديانة المسيحيّة؟! أن يقف المتديّن النصراني من كلّ هذه الجرائم النكراء ضدّ البشرية وشرفها وكرامتها، وضدّ دين إلهيّ آخر كالإسلام، موقف اللامبالاة، إن لم يكن التشجيع والتأييد! مع أنّ الشعوب الغربيّة تتديّن بالمسيحية، والحكومات

ص18 تتظاهر باحترام الكنيسة وتدعم مواقفها، فلماذا لم يتّخذ البابا ولا غيره من دعاة النصرانيّة، موقفاً يرضي الربّ، ويرضي السيّد المسيح، في هذه القضايا؟! لكن ماذا يعمل البابا أو غيره، إذا ما أصبحت الكنيسة وكلّ أجهزة التبشير ومنظّماته آلةً طيّعة بيد السياسة الاستعمارية، بل هي نجم صغير في فلك الاستعمار الكبير، وذراع قصير في جسم اُخطبوط الهائل!! فإذا كان هذا شأن المسيحيّة وأتباعها الذين مدحهم القرآن بكونهم أقرب الناس مودّةً للذين آمنوا، وموقفها من الإسلام والمسلمين! فكيف باليهودية التي كانت منذ البداية (أشدّ الناس عداوةً للذين آمنوا)(12). اليهود الأعداء الألدّاء: ولقد بدّعت اليهودية في أساليب العداء للإسلام، وصاحب رسالته، والمؤمنين به، منذ صدر الإسلام، فتلك وساوسهم، وحروبهم، ومؤامراتهم، ضدّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، لم تنقطع حتّى رحيله إلى الملأ الأعلى. الهامش (12) سورة المائدة5، الآية: 82.

ص19 ولمّا انقلبت اليهودية إلى صهيونيّة كحركة سياسيّة معاصرة، بلغت الذروة في الجريمة والاعتداء والخروج حتّى عن اُصول الديانة اليهودية، وحتّى على موسى الكليم (عليه السلام) وتعاليمه الإلهيّة، وعلى التوراة والزبور وكلّ الكتب المقدّسة. ولقد استخدمت الصهيونية للوصول إلى مآربها زرع مفاهيم العنصرية المقيتة في قلوب المؤمنين باليهودية، وتزريقهم مفاهيم السيادة على الشعوب، وأنّهم «شعب الله المختار» وأنّ سواهم «حيوانات» خلقوا لخدمة اليهود، وأنّ الشريعة الموسوية إنّما هي لهم خاصّة، وأنّ غير اليهود عبيد لليهود، وأنّ هدف الوصول إلى السيادة على العالم يبرّر كلّ وسيلة تستخدم في هذا السبيل، فكلّ عمل يجوز لليهود أن يقوموا به في سبيل الهدف المنشود. وعند ذلك نبذ الصهاينة كلّ التعاليم الدينيّة، وجنّدوا أنفسهم في سبيل تحقيق أهداف الصهيونية العالمية، مستعملين كلّ رذيلة وخساسة وقساوة، حتّى توريط نسائهم في بؤر الفساد والفحشاء والمنكر والبغاء، وأولادهم في الشذوذ الجنسي، فهم ـ في كلّ أقطار العالم ـ أوعية الخيانة والفجور والخمور والرشوة، وأوكار الغدر والقتل والسرقة والمخدّرات. وأصابعهم ترى في كلّ عملية سطو وظلم واعتداء، وهم وراء كلّ ما هو قبيح ومستهجن ومنبوذ في كلّ الأعراف والمجتمعات

ص20 البشريّة، والديانات السماويّة والأرضيّة، والطبائع الإنسانيّة، وحتّى الحيوانيّة! اتّبعوا ـ في كلّ هذه التصرّفات المريبة ـ نصائح حكماء صهيون التي قرّروها في مؤتمراتهم، وجعلوها أساساً لحياتهم، وتشريعاً وضعيّاً لهم، بدلا من التوراة، التي جعلوها شريعة خاصّة يتعاملون بها فيما بينهم. فهم بتفريقهم بين اليهود وغير اليهود في التعامل وتطبيق الشريعة، قد خرجوا من ديانتهم السماوية الموسوية، وكفّروا بكلّ قيم التوراة، وأصبحوا أعضاء في المنظّمة

ــ[6]ــ

الصهيونية السرّية التي وضعت في مقدّمة أهدافها: «تخريب العالم بجميع أديانه وحضاراته» في سبيل سعادة اليهود على الأرض(13). الصهيونيّة والمسيحيّة: وقد بدأ الصهاينة بالمسيحيّة، باعتبارها المستولية على أكبر الدول القوّية في العالم، وهم أعداؤها القدامى منذ طلعت بولادة عيسى المسيح (عليه السلام)، فهم ـ أي اليهود ـ كانوا وراء كلّ الاتّهامات ضدّ عيسى واُمّه القدّيسة، وهم كانوا وراء العراقيل التي وضعت أمام دعوته، وهم الذين طاردوه حتّى أعواد الصليب. وهاهم اليوم يعيثون بالديانة المسيحيّة فساداً بالتسلّل إلى الهامش (13) إقرأ: الخطر الصهيوني.

ص21 مناصبها العليا، وإلى عقول بابواتها، وقساوستها، والسيطرة على حكّام بلدانها وشراء ذمم مديري شؤونها، ومدبّري سياساتها، وقد تمكّنوا من التلاعب بكتب المسيحيّة المقدّسة، فمسخوا شريعتها، وزيّفوا تاريخها، حتّى أصدر البابا ـ أخيراً ـ مرسوماً يحتوي على «براءة اليهود من دم عيسى» بهدف حماية الصهيونية العالمية، مخالفاً بذلك كلّ نصوص الأناجيل وشروحها المنادية بأنّ اليهود هم الذين صلبوا المسيح!! وهذا تجاوز صريح لكلّ حقائق تاريخ المسيحيّة ومسلّماته!؟ وهاهم الصهاينة ـ اليوم يجرّون البلدان المسيحيّة إلى ما يشاءون من الحروب وويلاتها، بعد ما أنهكوها بالفساد والفحشاء! الصهيونيّة وشعوب العالم: ولقد تمادى اليهود ـ الصهاينة ـ في الغيّ لمّا عمدوا إلى هدم كلّ مكارم اُمم العالم، وتوريطهم بالمآسي والآلام، من أجل إذلال الشعوب فقط، وتحكيم سيطرة اليهود عليهم، إلى حدّ ابتداع الأديان والأحزاب والمنظّمات الملحدة، فهم ـ أي اليهود ـ يؤسّسون ديناً أو حزباً أو منظّمة ملحدة، ويروّجونها بين الشعوب، وخاصة المتديّنة بالمسيحيّة أو الإسلام، حتّى يقضوا على هاتين الديانتين الإلهيّتين! فهم كانوا وراء القاديانيّة بين أهل السنّة، ووراء البهائيّة بين

ص22 الشيعة، ووراء الوهّابية في السعودية، ووراء الشيوعيّة في العالم المسيحي. ولقد أسّس اليهود الشيوعية وحكّموها على أقوى الإمبراطوريّات المسيحيّة حينذاك ـ القياصرة ـ وعلى أغنى البلاد الإسلامية وأقواها ذلك اليوم، وهي بلاد تُركستان والقوقاز وآذربايجان، فتمّ على أيدي الشيوعيّين ـ اليهود ـ قتل الملايين من المسلمين والمسيحيّين ومصادرة أموالهم وهتك أعراضهم، فأهلكوا الحرث والنسل هناك، وفي كلّ بلد تحكّم فيه مجرمو الإلحاد الشيوعيّ. ولمّا استنفد الصهاينة مقاصدهم من الشيوعيّة، وخافوا من تنامي الوعي عند شعوب الاتّحاد السوفياتي، وخافوا من سيطرة الشعب على ما تجمّع لديها من القدرات الضخمة والأسلحة الستراتيجيّة، عمدوا إلى عملائهم وأوعزوا لهم بتفتيت تلك الدولة الكبرى، لتبقى أمريكا ـ وهي التي تديرها الأيدي اليهودية ـ وحيدة في ساحة السياسة الدولية. وتلك الاشتراكية، والوجودية في الغرب، وهذه القومية، والبعثية في الشرق، وعصابات المافيا، والمخدّرات، وأندية القمار، ونوادي الرياضة الخليعة، ودور السينما الفاسدة، وأفلام الخلاعة والجنس (السيكس) كلّ ذلك من صنائع اليهود لإفساد شعوب العالم، وتخريبه!

ص23 وحتّى المؤسّسات الثقافية واللغوية والأدبية قد نفذّوا فيها، وتسلّلوا إليها بهدف تحطيمها، وتخريب ثقافة الشعوب ولغاتها وإبادة معالم حضارتها وتفصلها عن ماضيها، وعن تاريخها وتراثها. وهذا الأخير، من أخطر وأدقّ، وأخفى ما يقوم به اليهود من مكر وجريمة ضدّ شعوب العالم وحضاراتها(14). موقف المسيحيّة من الصهيونيّة: وأمّا المسيحيّة، بكلّ أجهزتها التبشيريّة، ومنظّماتها وسعة نشاطها، فهي ترى باُمّ عينها ظلم حكوماتها ـ المسيحيّة ـ للشعوب، وإعلانها الحروب المدمّرة، وتسكت!! ويرى البابا والكاردينال وكلّ أتباعهما، والمسيحيّة كلّها، ما يقوم به الصهاينة من كيد للعالم، ومن ظلم وقتل وتهجير للشعب الفلسطيني، بمسلميه ومسيحيّيه وحتّى يهوده الشرقيّين، حيث يئنّون كلّهم تحت نير عذاب الصهاينة وعدوانهم، وبحماية أمريكا والدول المسيحيّة الغربية وكلّها. فلا يتكلّمون ولا يتكلّم البابا، ولو بكلمة دعاء! لنجاة المظلومين، وقطع أيدي الظالمين! بل قد لفّهم الصمت الخانق، كأنّهم لا يعيشون في هذه الهامش (14) إقرأ: الخطر اليهودي ـ بروتوكلات حكماء صهيون ـ لمحمّد خليفة التونسي.

ــ[7]ــ

ص24 الدنيا! ولكنّ إذاعاتهم وأجهزة تبشيرهم، تدعو إلى الإيمان بالسيّد المسيح! وتتحدّث عن أخلاقه وتعاليمه! فهل يرضى السيّد المسيح بكلّ هذه الاعتداءات الصارخة؟! أم أنّ السكوت عليها هو جزء من تعاليم إنجليه المقدّس؟! أو هل يرضى موسى الكليم بكلّ هذا الإجرام والعتوّ والفساد الذي يقوم به اليهود؟! أم أنّ حماية الظالمين ـ ولو بالسكوت ـ من تعاليمه في التوراة؟! أو أنّ مزامير داود احتوت على هذا؟! ولنعد إلى المسيحيّة:وبعد، فقد أساءت المسيحيّة إلى البشرية جمعاء في العصور الوسطى، عندما واجهت الشعوب بغطرسة الجبابرة، وهمجيّة الطغاة، وعندما قسرت العلماء والناس في (محاكم تفتيش العقائد) فارتكبت مآسي باسم الدين، حتّى نفر الناس من كلّ ما هو دين وديني، ووقعوا في أحضان الإلحاد(15). الهامش (15) اقرأ كتاب «أُوربا والإسلام» للدكتور عبدالحليم محمود شيخ الأزهر، و «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين» للندوي.

ص25 وأجرمت المسيحيّة ـ كذلك ـ عندما منعت شعوبها من التعرّف على الإسلام وتعاليمه الإلهيّة القيّمة، بل بدأت تشوّه سمعة الإسلام بكلّ وسيلة، فمنعت شعوبها من الالتزام بدين إلهي، بدلا من الانحراف والتورّط في الإلحاد! ولقد أجرمت بحقّ المدنيّة والحضارة البشريّة حينما هاجمت بضراوة حضارة الأندلس التي أقامها المسلمون هناك، فحرمت البشرية من الازدهار في وقت مبكّر. ولقد أخطأت المسيحيّة وانحرفت عن تعاليم السيّد المسيح (عليه السلام) لمّا استعانت بحكوماتها المجرمة والظالمة لحرب المسلمين في الحروب الصليبية وغيرها، كما جنّدت من رجالها في لباس رجال الدين، وجواسيس وعيوناً للاستعمار، ومطايا لسياسته الجهنميّة التي تبنّتها تلك الدول، فكانت المسيحيّة وجيوش التبشير وأجهزته سبلا آمنةً وسهلةً لوصول تلك الدول إلى أطماعها في الحكم والسيطرة ونهب ثروات العالم. ولقد أجرمت المسيحيّة وخالفت الشريعة، لما جنّدت نساءها وفتياتها في سبيل التبشير مستعملة أساليب الدعارة والفساد في هذا العالم، فكنّ أدوات لنقل الجراثيم وميكروبات الأمراض الجنسية كالزهري (السفليس) والإيدر، والأمراض النفسيّة الخطرة، والإدمان على الخمور والمخدّرات. وهذه هدية التبشير إلى عالم اليوم!!

ص26 ولقد أساءت المسيحيّة للفكر الإنساني، والعقل البشري لمّا استعملت أساليب غير أمينة في المناقشات والبحوث العلمية، كالاعتماد على التزوير في نقل المعلومات، والكذب والاتّهام والافتراء، وهي أساليب خاطئة ومفضوحة، أساليب تستهجنها وتستقذرها كلّ نفس طموحة إلى المعرفة والخير والحقّ والجمال، حتّى سكّان الغابات والأدغال، فضلا عن أصحاب المبادئ، والمنتمين إلى الشرائع الإلهيّة، الذين يحملون أعباء الرسالات السماوية. فكيف بمن يدّعي التبشير بالدين، وينتمي إلى السيّد المسيح النبي الصادق المخلص الزاهد؟! لكنّهم كذبوا وافتروا حتّى على أنبياء الله ورسله، ونسبوا الكذب حتّى إلى السيّد المسيح نفسه!!(16). هذا الكتاب: وهذا الكتاب الذي نقدّم له يتصدّى لبعض النماذج الخطيرة من الكذب والافتراء الذي أقدمت عليه الإرساليّات التبشيريّة في ما نشروه ضدّ الإسلام من كتب. وقبح الكذب لا يختلف فيه شعب دون آخر، أو إنسان دون الهامش (16) اُنظر كتاب «التوراة» لمصطفى محمود.

ص27 إنسان، وحتّى الفرد الانتفاعي الذي يمرّر أغراضه، ويصل إلى أهدافه، غير الكذب، هو أيضاً يحسّ بسوء صنعه وقبح عمله، ويعلم أنّه غير صحيح، فهو بالتالي يشعر بالذنب! والمرسلون من قبل الدول الاستعمارية، باسم التبشير بالمسيح، وتوسيع الاعتناق بالنصرانيّة، لم يتأبّوا من اتّباع طريقة التزوير، وركوب الكذب، لتمشية اُمورهم، وبهدف الوصول إلى أغراضهم، بإغفال البسطاء، بلا أدنى خيفة أو حياء، أو شعور بالذنب! ومهما تكن تبريراتهم لما أقدموا عليه، فإنّهم ـ بلا ريب ـ محكومون في محكمة العلم والوجدان والضمير، ومفحَمون ببرهان العقل الذي يأبى ارتكاب جريمة «الكذب» وانتهاج مسلك الكذّابين، في الكلام والكتاب، وخاصةً من الدعاة إلى الديانة الإلهيّة.

ــ[8]ــ

والنابهون من العلماء، تنبّهوا إلى ما قام به هؤلاء من التزوير في القول، والكذب والافتراء، ونبّهوا عليه، حتّى لا يغتّر أحد بمظاهرهم وظواهر ادّعاءاتهم. ومنهم المؤّلف الحجّة، الذي التزم في هذا الكتاب أن ينبّه على عملهم ذلك، ويفضح أكاذيبهم. لقد تصدّى (رحمه الله) لتلك الأكاذيب في رزانة العلماء وتحقيق المحقّقين، وباُسلوبه الرصين المتين، وبلاغته الفائقة،

ص28 وأبدى حقيقةً أعمق، وهي: أنّهم قد تعدّوا في نسبة الكذب إلى المسلمين، حدود المتصوّر، بل بتجاوزهم إلى الكذب على مقدّساتهم ـ هم ـ كالتوراة والإنجيل، حيث نسبوا إلى أسفارها اعتماد الكذب وسيلةً للوصول إلى المقاصد. فهل هذا عمل صحيح في منطق أو عقل، أن ينسب إنسان إلى كتابه الذي يعتقد أنّه مقدّس، الكذب، بصراحة؟! أو هل اعتماد الكذب والالتزام به يناسب قدسيّة تلك الكتب، وصدق الرسول الذي جاء بها؟! إنّهم ـ بعملهم هذا ـ شوّهوا سمعة الدين المسيحي، ووصموا كتبه المقدّسة بوصمة الكذب المستبشعة. بل، تعدّوا على حدود الإيمان وجلال الربّ، لمّا نسبوا إليه الالتجاء إلى الكذب!! وهذا من أقبح الفساد، عند كلّ إنسان مؤمن بالله. ولقد أظهر المؤلّف الحجّة زيف كلّ هذه التصرّفات المريبة، ودافع عن قدس المسلمين وقرآنهم ورسولهم، وقدس المسيح (عليه السلام) وأنبياء الله ورسله وكتبه، وقبّح بشدّة تورّط هؤلاء الجهلة البعيدين عن التديّن حتّى بالمسيحيّة، واعتبر ما صدر منهم يقتضي التعجّب والاستغراب، ولذا سمّى كتابه هذا، بـ«أعاجيب الأكاذيب».

ص29 وحقّاً إنّها أعاجيب!! والذي يميّز اُسلوب الشيخ المؤلّف: أنّه لا يحاول التعدّي من الحدّ الأقلّ لما يلزم من ردّ المعتدي، وصدّ تجاوزه. فبالرغم من ظلم المبشّرين واعتدائهم على الإسلام ومقدّساته، فإنّ المؤلّف الحجّة اقتصر على أخذ موقف الدفاع والحماية عن مقدّسات المسلمين! بل الدفاع عن مقدّسات الديانتين المسيحيّة واليهوديّة أيضاً، من تعدّيات اُولئك المبشّرين، من دون التعدّي عليهم أو على مقدّساتهم. وهذا الموقف العظيم، هو الذي يميّز كتب الحجّة البلاغي وأعماله، ويضفي عليها قدسيّةً وجلالا وعظمة، تستوجب الاحترام والتقدير حتّى من أهل الكتاب أنفسهم. وميزة اُخرى، يمتاز بها الشيخ، وهي من خصوصيّاته المعروفة: أنّه كان أبيّاً، متنكّراً لذاته، لا يبتغي الشهرة، ولا إذاعة الصيت، ولا يتوجّه بعمله إلاّ إلى وجه الله، خدمةً للبشرية في توجيهها إلى الهدى، وإبعادها عن طرق الردى. ومن أجل ذلك، كان يستعمل الأسماء المستعارة على مؤلّفاته وكتبه، دون اسمه الصريح. وممّا لابدّ من التذكير به: أنّ مثل هذا الكتاب، إذا احتوى على شيء من ما جاء حول العهدين: «التوراة والإنجيل»

ص30 من نُقول واعتراضات، فلا يقصد ـ والعياذ بالله ـ الاستهانة بالكتب المقدّسة، ولا توهين شأن الديانات الإلهيّة الحقّة. وإنّما الغرض هو الكشف عن زيف هذه المنشورات الرائجة، وهذه النسخ المحرّفة المنسوبة إلى الأنبياء والرسل، وفضح ما فيها من افتراءات واعتداءات على الحقّ، وعلى أنبياء الله ورسله وكتبه، بل على قدس جلال الربّ، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً، وبيان ما احتوت عليه من مطالب باطلة، وأخبار مزعومة، وضلال مفضوح!! وأمّا كتب الوحيّ الإلهيّ المقدّسة، التي اُنزلت على رسله، فحاشاها من ذلك. ونحن ـ المسلمين ـ نُكِنُّ من الحرمة والتقديس لكلّ الكتب الإلهيّة ما نُكِنُّه للقرآن الكريم، ونؤمن بها كلّها، وبهم كلّهم، لا نفرّق بين شيء منها، ولا بين أحد منهم. ولدينا نصوص من «توراة موسى (عليه السلام)» و «إنجيل عيسى (عليه السلام)» و «زبور داود (عليه السلام)» تناقلته الروايات الموثوقة، والأخبار المسندة، والأحاديث المتّصلة بالطرق الصحيحة إلى الرسول وآل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، ما لو جمع وأُلّف كانت نماذج رائعةً، وآيات باهرة، ومواعظ جليلةً، ونصائح كافية، وبيانات شافيةً، وعِبَر وافيةً، تهدي إلى الرشد، وتنمّ عن قدس الربّ وجلاله، وروعة الهدى وجماله، وسموّ

ص31 المعنى وسنائه، وفضيلة الخلق وعظمته، وحلاوة الحقّ ولذّته. كتباً، جديرةً بالتأمّل والالتزام، بعيداً عن التشويه والتحريف، وعن الريب والشكّ، تدخل القلب وتستقرّ النفس بها، ويتقبّلها العقل ويطمئنّ إليها. رزقنا الله

ــ[9]ــ

التوفيق لإعدادها وتحقيقها وتقديمها إلى المجتمع المتديّن، يتزوّد منها بالسعادة والهناء. وهذا الإعداد: إعداد هذا الكتاب القيّم، وتقديمه إلى القرّاء الكرام، هو من جهود الأخ الحبيب السيّد محمّد علي الحكيم، أبي حسن، الشابّ المؤمن، الذي نذر نفسه لخدمة الحقّ على نهج أهل البيت (عليهم السلام)، بوداعة وهدوء، ومن خلال التراث الإسلامي المجيد. فقد كانت له يدٌ محمودة في نشره وإخراجه، وله مساع جميلة في عمله الجادّ في تحرير مجلّة «تراثنا» الفصليّة التي تصدّرها مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث. وأصدر قبل هذا في مجال العقيدة كتباً ثمينةً. وهاهو يستقلّ بالعمل في هذا الكتاب الذي انعكس فيه ذوقه الأنيق، ودقّته الفائقة، في حسن الاختيار، وجودة

ص32 الإخراج. حفظه الله مثالا يقتدي به شبابنا المثقّف المؤمن، على طريق الخير والإيثار، بالإخلاص وحسن النيّة. وذخر الله له جزيل الأجر، وجميل الذكر، ووفّقه للمزيد، إنّه تعالى خير موفّق ومعين، وهو وليّ التأييد.بدعاء السيّد محمّد رضا الحسينيّ

ارسال الأسئلة