ارسال السریع للأسئلة
تحدیث: ١٤٤٠/١٢/١٩ السیرة الذاتیة کتب مقالات الصور دروس محاضرات أسئلة أخبار التواصل معنا
فهرست کتاب‌‌ لیست کتاب‌ها
■ دليل الكتاب
■ تقديم
■ المقدمة
■ القسم الأول: جواز التدوين منذ عهد الرسالة , وأدلة المبيحين
■ تمهيد :ما هو الأصل في حكم التدوين ?
■ الفصل الأو ? : عرف العقلاء والتدوين
■ الكتابة أمر حضاري
■ الكتابة في القرآن
■ الكتابة في السنة ? الأثر
■ القرآن والكتابة
■ السنة والكتابة
■ الفصل الثاني : السنة النبوي ? والتدوين
■ السنة التقريرية
■ السنة الفعلية
■ صحيفة النبي صلى الله عليه وآله التي كانت عند علي عليه السلام
■ كتاب علي عليه السلام
■ كتاب فاطمة عليها السلام
■ ما كتبه النبي صلى الله عليه وآله إلى عماله
■ وأخيرا
■ السنة القولية
■ ما ورد بلفظ الأمر بالكتابة والتقييد
■ ما فيه الإذ ? بالكتابة والتقييد
■ ما ورد فيه لفظ الكتابة وتصاريفها
■ ما ذكر فيه شيء من أدوات الكتابة
■ تعليق على الفصل الثاني
■ الفصل الثالث : إجماع أهل البيت عليهم السلام على التدوين.
■ حجية إجماع أهل البيت عليهم السلام
■ ما ورد عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام
■ في مجال التصنيف
■ كتاب في علوم القرآن
■ كتاب السنن والأحكام
■ عهد الأشتر
■ التعليقة النحوية
■ في مجال الروايات والآثار
■ ما ورد عن الإمام الحسن السبط عليه السلام
■ ما ورد عن الإمام الحسين السبط عليه السلام
■ ما ورد عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين السجاد عليه السلام
■ ما ورد عن الإمام محمد بن علي الباقر عليه السلام
■ في الأقوال
■ في المؤلفات
■ ما ورد عن الشهيد زيد عليه السلام
■ ما ورد عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام
■ في الأحاديث
■ في المؤلفات
■ ما ورد عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام
■ ما ورد عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام
■ ما ورد عن الإمام محمد بن علي الجواد عليه السلام
■ ما ورد عن الإمام علي بن محمد الهادي عليه السلام
■ ما ورد عن الإمام الحسن بن علي العسكري عليه السلام
■ ما ورد عن الإمام المهدي الحج ? المنتظر عليه السلام
■ تعليق على الفصل الثالث
■ الفصل الرابع : سيرة المسلمين على التدوين
■ تمهيد
■ العهد الأو ل : عهد الصحابة
■ العهد الثاني عهد التابعين
■ خاتمة القسم الأول : خلاصة واستنتاج
■ القسم الثاني : مع المانعين للتدوين وتوجيهاتهم للمنع
■ تمهيد : متى بدأ منع التدوين
■ الفصل الأو ? : المنع الشرعي عن كتابة الحديث
■ أحاديث أبي سعيد الخدري
■ أحاديث أبي هريرة
■ أحاديث زيد بن ثابت
■ المناقشات العامة في الأحاديث المرفوعة الناهية
■ الجمع بين أحاديث الإباحة والمنع
■ أن النهي عام والإذن خاص
■ أن الإذن ناسخ للنهي
■ أن النهي خاص والإذن عام
■ رأينا في الجمع
■ الفصل الثاني : الخوف من اختلاط الحديث بالقرآن:
■ المناقشات في هذا:أن نسبة الخوف من ذلك إلى الشارع غير مقبولة
■ لماذا كتب القرآن مع أنه معجزه
■ بقية المناقشات في هذا التبرير
■ الفصل الثالث : التخوف من ترك القرآن والاشتغال بغيره
■ المناقشة في هذا التبرير
■ الاشتغال بالحديث ليس مؤديا إلى ترك القرآن
■ ليس الصحابة متهمين بترك القرآن
■ المؤدي إلى ترك القرآن هو المناقض له
■ أحاديث التهو ? الذي حذر عنه الرسول
■ السنة الشريفة لا تعارض القرآن بل هي امتداد له
■ الفصل بين السنة والقرآن ضلال
■ الأصل في الحكم بضلال الفاصل بينها هو الرسول
■ أحاديث الأريكة من دلائل النبو ه
■ معنى الأريكة ? دلالة أحاديثها
■ دفاع الخطابي وتأويله لأحاديث الأريكة
■ دفاع الذهبي وتأويله لأحاديث الأريكة
■ قول حسبنا كتاب الله مأثور عن من؟
■ الدعوة إلى نبذ السنة في نظر القدماء و المعاصرين
■ الفصل الرابع : الاستغناء بالحفظ عن التدوين
■ المناقشات في ذلك
■ ١ - أن ذلك لا يدل على حرمة الكتابة
■ ٢ - أن الحفظ ليس من الواجبات فلا يعلق عليه أمر واجب
■ ٣ - الكتابة لا تنافي الحفظ بل تؤيده وتؤكده
■ ٤ - الاعتماد على مجرد الحفظ يؤدي إلى الأوهام
■ بعض المقارنات بين الحفظ ? الكتابة
■ هل الحفظ أعظم فائدة من الكتابة ?
■ الفصل الخامس : عدم معرفة المحدثين للكتابة
■ المناقشة في هذا التبرير
■ ١ - الكتابة أصبحت في الإسلام واسعة الانتشار
■ ٢ - أن ذلك لم يمنع عن الكتابة , كما لم يمنع عن كتابة القرآن
■ ٣ - انهم لم يمتنعوا بل مُنعوا
■ الفرق بين القرآن ? السنة في أمر التدوين
■ الفصل السادس : القول الفصل في سبب المنع
■ المنع لم يكن إلا رأيا للصحابة
■ المصلحة المهمة في نظر المانعين وشروطها
■ رواية ابن مسعود الدالة على المصلحة
■ الأحاديث الممنوعة هي غير أحاديث الفرائض والسنن
■ التدبير السياسي ضد أهل البيت عليهم السلام
■ المصلحة هي إخفاء الأحاديث على فضل أهل البيت
■ لزوم منع رواية الحديث أيضا
■ الملحق الأول : المنع عن رواية الحديث
■ أبو بكر يمنع الحديث رواية ونقلا
■ دفاع الذهبي عن أبي بكر, ورد ?
■ عمر و رواية الحديث
■ ١ - يمنع وفد الكوفة
■ ٢ - يمنع صحابة كبارا
■ ٣ - يمنع عام ? الناس
■ ٤- يهد ? الصحابة على الحديث ? ينهاهم
■ ٥ - يحبس الصحابة كيلا يرووا عن رسول الله
■ توجيهات العام ? لإقدام عمر على المنع وخاصة حبس الصحابة
■ ١ - توجيه الخطيب البغدادي : بالاحتياط للدين
■ ٢ - توجيه ابن حزم بر ? الحديث سندا ودلالة
■ ٣ - توجيه ابن عبد البر
■ ٤ - توجيه ابن عساكر بالتشديد لئلا يتجاسر أحد على رواية ما لم يتحقق
■ ٥ - توجيه ابن قتيبة : بالإقلال لئلا يتسع الناس في الرواية
■ بعض المعاصرين يجعل الإقلال من قوانين الرواية
■ محمد عجاج الخطيب يعارض روايات الحبس
■ الهدف من منع الرواية هو الهدف من منع التدوين
■ منع الحديث سنة للحكام
■ عثمان بمنع رواية الحديث
■ معاوية يمنع الحديث
■ رسالة معاوية إلى عم اله بمنع الحديث ووضعه
■ المسموح من الحديث في عهد معاوية هو المسموح في عهد عمر, ? الممنوع فيهما واحد
■ التوجيه المقبول للمنع
■ الملحق الثاني : آثار منع التدوين
■ ١ - اختفاء جملة من الحديث
■ نوعية الحديث الذي اختفى
■ ٢ - وضع الحديث
■ إهمال أثر المنع في أسباب الوضع عند المعاصرين
■ نوعية الحديث الموضوع
■ من هم الوضاعون
■ ٣ – اختلاف الحديث والتشكيك فيه
■ الاختلاف المذكور لا يؤدي إلى سقوط الحديث عن الحجية
■ نقل الحديث بالمعنى
■ نقل الحديث بالمعنى ليس مضر
■ محمود أبو رية يضل ? في هذا المجال
■ البلاغة لا تنكر في كلام الرسول
■ نقل الحديث بالمعنى وشروطه عند المحدثين
■ عدم التدوين ? حجية الحديث
■ بقية الردود على أبي رية
■ اختلاف الحديث بنظر الشيعة الامامية
■ من جعل الاختلاف سببا لعدم التدوين
■ ٤ - اتهام الدين الإسلامي بالتخلف
■ الرد عليه
■ ٥ - ? ? عاد أهل البيت عليهم السلام عن الساحة وابتعاد الناس عن أهل البيت عليهم السلام
■ هذا من أسوأ آثار منع الحديث تدوينا ورواية
■ إن هذا هو التدبير السياسي المنشود من المنع
■ نماذج من الروايات المضر ? للسلطات
■ ٦- ابعاد المسلمين عن أهل البيت عليهم السلام
■ التعدي على أهل البيت إلى حد القتل والسبي
■ ترك أهل البيت عليهم السلام في مجال الأحكام والالتزام بغيرهم , وهذا من أخطر الآثار والأضرار المترتبة على منع الحديث
■ اتهامهم لشيعة أهل البيت ورواة أحاديث الممنوعة
■ موقف المسلمين اليوم من أهل البيت وفضائلهم
■ صفات أتباع أهل البيت عليهم السلام والتزاماتهم
■ خاتمة القسم الثاني : خلاصة واستنتاج
■ تلخيص القسم الثاني
■ موقفنا من مسألة التدوين
■ موقف أمير المؤمنين عليه السلام
■ موقف أبي ذر
■ موقف أبن عباس
■ موقف علقمه
■ حصيلة الكتاب
■ الفهارس العامة
  1. الوهابيّون والبيوت المرفوعة للشيخ محمّد عليّ السنقريّ الحائريّ
  2. وصول الأخيار إلى أصول الأخبار
  3. الوسيلة العذراء للشاعر عبد الحسين شكر (ت هجري.)
  4. همزيّة التميميّ صالح بن درويش الكاظمي (ت 1261هجري.)
  5. النكت في مقدمات الاصول، في تعريف المصطلحات الكلامية
  6. نثر اللآليْ للطبرسيّ (ت 548 هجري.)
  7. مقدّمتان توثيقيتان للسيد المرعشيّ والسيد المشكاة
  8. مسند الحِبَريّ
  9. مختصر رسالة في أحوال الأخبار
  10. الكلمات المائة للجاحظ (ت 250 هجري. )
  11. فصل الخطاب في ردّ محمّد بن عبد الوهّاب النجديّ
  12. عروض البلاء على الأولياء
  13. عجالة المعرفة في اُصول الدين
  14. شفاء السقام بزيارة خير الأنام عليه السلام
  15. الرعاية في شرح البداية في علم الدراية
  16. الدرة الفاخرة في دراية الحديث
  17. الرسالة الرحمانيّة حول كتابة كلمة (الرحمن)
  18. رسالة الحقوق
  19. رسالة ابي غالب الزراري إلى ابن ابنه في ذكر آل أعين
  20. الرجال لابن الغضائري
  21. دفع الشبه عن الرسول والرسالة
  22. الخلاصة في علم الكلام
  23. خاتمة وسائل الشيعة
  24. الحكايات، في الفرق بين المعتزلة والشيعة
  25. الحقوق لمولانا زيد الشهيد عليه السلام
  26. تفسير الحِبَري أو ما نزل من القرآن في علي أمير المؤمنين عليه السلام تفسير بالحديث المأثور
  27. تسمية من قُتِل مع الحسين عليه السلام من ولده واخوته وشيعته
  28. تثبيت الإمامة لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام
  29. تاريخ أهل البيت عليهم السلام
  30. البداية في علم الدراية
  31. الباقيات الصالحات في أصول الدين الإسلامي عاى المذهب الإمامي
  32. إنجاح المطالب في الفوز بالمآرب
  33. الإمامة والتبصرة من الحَيْرة
  34. أسماء السور القرآنيّة، في مقطوعتين رائعتين في مدح النبيّ صلى الله عليه وآله
  35. الأُرجوزة اللطيفة في علوم البلاغة
  36. الأحاديث المقلوبة و جواباتها
  37. الإجازة الشاملة للسيّدة الفاضلة من الشيخ أبي المجد الأصفهاني للعلويّة الأمينيّة الهاشميّة
  38. آداب المتعلّمين
  39. نقد الحديث بين الاجتهاد والتقليد
  40. نظرات في تراث الشيخ المفيد
  41. المنهج الرجاليّ والعمل الرائد في (الموسوعة الرجالية لسيّد الطائفة آية الله العظمى البروجرديّ 1292 ـ 1380هجري)
  42. المنتقى النفيس من درر القواميس
  43. معجم أحاديث البسملة
  44. الموت أياتهاجاديثه احكامه
  45. القافية والرويّ في الشعر العربيّ
  46. ديوان الإجازات المنظومة
  47. دفاع عن القرآن الكريم
  48. حول نهضة الحسين عليه السلام
  49. الحسين عليه السلام سماته وسيرته
  50. جهاد الإمام السجّاد علي بن الحسين عليه السلام
  51. ثبت الأسانيد العوالي بطرق محمد رضا الحسيني الجلالي
  52. تدوين السنة الشريفة
  53. تحقيق النصوص يبن صعوبة المهمة وخطورة الهفوات، في النقد العلمي
  54. إيقاظُ الوَسْنان بالملاحظات على (فتح المنّان في مقدّمة لسان الميزان)
  55. أنا ـ ترجمة ذاتية للإمام أمير المؤمنين عليه السلام طبقاً للنصوص الموثوقة
  56. الأجوبة السديدة على أسئلة السيّدة الرشيدة
  57. الأجوبة الجلالية على الاسئلة الحلوانية
  58. أبو الحسن العُريضي، علي بن جعفر الصادق عليه السلام ترجمة حياته، ونشاطه العلميّ

العهد الأو ل : عهد الصحابة

العهد الأوّل : عهد الصحابة :

لم يتّخذ إجراء المنع عن التدوين , بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلاّ بعد فترة طويلة , حتى أنّ أبا بكر أقدم _ في تلك الفترة المتّصلة بوفاة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم _ على تدوين الحديث .

ولمّا بدا له أنْ يمنع التدوين _ فبدأ بإبادة تلك الأحاديث التي جمعها, وكانت تبلغ الخمسمائة حديث _ لم يقدّم تبريراً لعمله ذلك إلاّ خشيته أنْ يكون قد كتب ما حدّثه رجلٌ قد وثق به ولم يكن كما حدثه (2) !

ومع أنهذا التبرير , لا يوجب منع غيره _ ممن حفظ الحديث وأجاد حفظه _ من التدوين :فإنّا لم نجد من وافق أبا بكر في إقدامه ذلك , في فترة حكمه , فلم ينقل حديث المنع عن غيره من الصحابة في تلك الفترة .

ونرى في عدم استناد أبي بكر في منعه التدوين إلى حرمة ذلك في الشرع , ولا إلى عدم جوازه في عهد الرسول , دليلاً على عدم وجود منع سابق .

الهامش:

(1) علوم الحديث لصبحي الصالح (?33) .

(2) تذكرة الحفاظ , للذهبي (1/ 5) .

========================?203

وتدور الأمور , حتى عهد عمر , فنجده هو الآخر يقدم في بداية عصره على كتابة السنن , فيريد أنْ يكتبها ثم يتردّد , فيستشير الصحابة في ذلك , فأشار عليه كافّتهم بالكتابة (1) .

وهذا هو في نفسه دليل واضح على أنّه لم يكن في عهد الصحابة تحرّج من تدوين الحديث , ولم يجر في خلد أحد منهم المنع , وأنّهم لم يأبهوا بما بدر من أبي بكر من إجراء الإبادة للحديث .

وإلاّ , فكيف يشير كافّتهم على عمر بأن يكتب السنن ?! .

ولكن عمر لم يأخذْ بمشورة الصحابة , وإنّما طفق شهراً , متردّداً , إلى أنْ استقرّ رأيه على المنع , بحججٍ سنعرضها في القسم الثاني .

وكلّ هذا الإقدام وتلك الاستشارة , وهذه الإشارة من الصحابة , وذلك التردّد والتعلّل من عمر , يدلّ على عدم ثبوت المنع عندهم من الشرع , وإلاّ فلا معنى لكلّ ذلك .

قال الشيخ محمد محمد أبو زهو : وقد كأنهذا [ المنع ] رأياً من عمر (2) .

بل , صدر المنع من أبي بكر , وثمّ من عمر , على أنّه رأيٌ خاصٌّ لهما .

الهامش:

(1) طبقات ابن سعد (3/286 ) ?( 3 ? 1 ? 206 ) من طبعة ليدن وتقييد العلم ( ? 49 - 51 ) وجامع بيان العلم (1/64 ) .

(2) الحديث والمحد ثون , لأبي زهو ( ? 126 ) .

==============?204

ولم يكن رأي عامة الصحابة , إلاّ عدم التحرّج من الكتابة , ? إباحتهم التدوين بل لزومه , كما يفهم من إشارتهم على عمر بأنْ يكتب السنن .

وبعد أن أعرض عمر عن آراء الصحابة , وبدا له أنْ يمنع التدوين ? عمّم أوامر المنع على الأمّة , بما فيهم الصحابة , بدأ حديث المنع يتسرّب وينتشر .

وفي هذه الفترة نجد بعض الصحابة يظاهر عمر على إجراء المنع , وهم نزر قليلٌ لا يتجاوزون العقد الواحد , وقد عدّهم الخطيب البغدادي ستة أشخاص فقط في كتابه ( تقييد العلم ) وهو أجمع وأهمّ كتاب في هذا الموضوع (1) .

والملاحظ أنّ أحداً منهم لم يحتجّ بالشرع في منعه من التدوين , ولم يستندْ عند محاولة المنع إلى نصّ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم , وإنّما علّل لمنع التدوين بعلل أخرى .

قال الشيخ محمد محمد أبو زهو : إنّ امتناع بعض الصحابة عن كتابة الحديث , ومنعهم منها,لم يكن سببه نهيُ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم عن كتابة الحديث , بدليل أنّ الآثار الواردة عنهم في المنع أو الامتناع من كتابة الحديث , لم ينقل فيها التعليل بذلك , وإنّما كانوا يعلّلون بمخافة أن يشتغل الناس بها عن كتاب الله ,أو غير ذلك من الأغراض (2) .

الهامش:

(1) لاحظ دراسات في السنة النبوية للصديق (?103) .

(2) الحديث والمحدثون , لأبي زهو (?3- 234) .

=================?205

و _ فقط_ على هؤلاء المانعين من الصحابة تدور أحاديث المنع المنسوبة إلى الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم , ? إليهم _ أنفسهم _ تنسب أكثر التوجيهات والتبريرات المذكورة للمنع , كما سيأتي تفصيل ذلك في فصول القسم الثاني .

وهم بعد أبي بكر , وعمر , وعثمان : أبو موسى الأشعري , وابن مسعود , وأبو سعيد الخدري , وزيد بن ثابت .

لكن عامة الصحابة الكبار خالفوا - بشد ? - هؤلاء في منعهم التدوين , وعارضوهم قولاً وعملاً .

حتى أولئك القلّة المانعة من الصحابة نجدهم يكتبون الحديث , بعد تلك الفترة .

يقول الدكتور الأعظمي : إنّ كلّ من نقل عنه كراهية كتابة العلم, فقد نقل عنه عكس ذلك أيضاً , ما عدا شخص أو شخصين , وقد ثبتت كتابتهم والكتابة عنهم , أو الكتابة عنهم فقط (1) .

ولا ندري , ما هو الداعي لتلك القلة , في الالتزام بأوامر عمر بالمنع

هل لأنّه وليّ أمرهم , تجب طاعته عليهم ?

لكن لماذا لم يدرك سائر الصحابة هذا الأمر؟

ولماذا لم يلتزم أحدٌ _ حتى تلك القلة من الصحابة _ بأوامر عمر بمنع التحديث والرواية عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ? ذلك الإجراء الذي اتّخذه عمر بعد منع التدوين ! كما سيأتي بيانه في نهاية القسم الثاني.

الهامش:

(1) دراسات في السنة النبوية الشريفة لصديق (?104) عن الأعظمي في دراسات في الحديث النبوي (?76).

==================?206

ومهما يكن موقف أولئك , فإنّ عامة الصحابة أشاروا على عمر بالتدوين من دون ? حرج وهذا منهم وحده دليلٌ على التزامهم بجواز الكتابة والتدوين من دون حرج (1) .

بل قاوم بعضهم المنع بشدّة , ولم ينصاعوا عملياً لتلك الأوامر إطلاقا حتى أنّ عمر حاول الالتفاف عليهم , لينقضّ على ما كتبوا من الأحاديث , فطلب منهم إحضارها عند ? , ولم يبيّنْ لهم مراده , حتى ظنّوا أنّه يريد بها خيراً , لكنه ? جمعها وأحرقها (2).

ولو علموا ذلك منه , لما أتوه بها ولأخفوها عنه .

وهذا النصُّ يدلُّ على أنّ دأب الصحابة , كان على التدوين , وبإصرار وحرص بالغين , غير منصاعين لأوامر الوالي بالمنع , حتى التجأ عمر إلى الالتفاف عليهم للقضاء على ما كتبوا!

قال الشيخ عبد الغني : فقد كان أكثرهم يبيح الكتابة , ويحتفظ بالمكتوب منها , والبعض يكتب بالفعل (3) .

كما تدل على ذلك آثار الصحابة ومخلّفاتهم المكتوبة , التي جمعوا فيها الحديث الشريف , والتي سنستعرضها في هذا المقام بتفصيل .

ومقارنة سريعة بين أسماء المانعين للتدوين , وبين أسماء المبيحين للتدوين من الصحابة , تعطينا اليقين بأنّ المانعين إنّما كانوا شذّاذاً حادوا عن الصواب في هذه المسألة , لأغراض شخصيّة خاصّة وإنّما الحقّ كان مع أولئك المبيحين .

الهامش:

(1) الحديث والمحدثون لأبي زهو ( ? 234 ) .

(2) لاحظ هذه الدراسة , القسم الثاني , التمهيد ( ? 274 ) وبعدها .

(3) حجية السنة ( ? 448 ) .

==================?207

قال أحمد محمد شاكر : وأكثر الصحابة على جواز الكتابة ,وهو القول الصحيح (1) .

فقد نقل إباحة التدوين عن : عمر ! ? عليّ عليه السلام , وأنس , وجابر , وابن عباس , وعبد الله بن عمرو , والإمام الحسن (2) .

ور وي عن : عثمان , وأبي موسى الأشعري , وسلمان , وأبي ? ? , وأبي رافع , وعلي وعبيد الله ابني أبي رافع , وسعد بن عبادة , ورافع بن خديج , وحنظلة الكاتب , وسمرة بن جندب , وواثلة بن الأسقع , وأبي هريرة , وعائشة .

وقد عرفنا أنّ الصحابة – كافّة - أشاروا على عمر بأنْ يكتب الحديث , وأنّ أكثرهم أباحوا ذلك .

وهذا يدلّ على أنّ عملية المنع , لم تكن مستندةً إلى أساس شرعي , بل إنّما كانت فلتة(3) لا أثر لها على الحديث , ولا وقع لها في حكم تدوينه وكتابته .

ومن ذلك يتّضح أنّ السيرة العمليّة في عهد الصحابة , كانت هي جواز التدوين وإباحته , واتصالها بعهد الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم , معلوم .

الهامش:

(1) الباعث الحثيث ( ? 127 ) .

(2) الإلماع ( ? 147 ) .

(3) لاحظ هذا الكتاب ( ? 417 ) والنهاية لابن الأثير (3/468 ) .

=======================?208

ومن الغريب أنْ نجد بين أسماء الصحابة المبيحين اسم مثل : عمر , وعثمان , وأبي موسى , مع أنّهم من المانعين والمبررين للمنع ! ! !(1)

بل قد رووا عن عمر قوله : قيّدوا العلم بالكتاب (2) موقوفاً عليه.

وعن عثمان قوله : قيّدوا العلم , قلنا : وما تقييد ? ? قال : تعلّموه وعلّموه , واستسخوه (3) .

وسيأتي أنّ لأبي موسى , صحيفةً موجودةً .

لكن : قد يكون الناقلون لهذه الأقوال والآثار , افتعلوا نسبتها إلى هؤلاء , الذين بدأوا منع التدوين , وعارضوا تقييد الحديث وحفظه في الكتب , إلى حدّ الإحراق والإبادة ,

الهامش:

(1) انظر دلائل التوثيق المبكر (?234) ويقول : ويبدو أنّ الفاروق عمر كان مؤيّداً لتسجيل الحديث , على الرغم من أنه لم يدعم ذلك !?

(2) المحدّث الفاصل (?377) رقم (357) وجامع بيان العلم (1/72 ) ومستدرك الحاكم (1/ 106) وتقييد العلم (?88) ومحاسن الاصطلاح (?296) وسنن الدارمي (1/ 127) .

ومن الغريب أنْ يستدل بعضهم بهذا الحديث ليؤكّد على أنّ ( عمر ) لم يكن ضدّ الكتابة , كما ذكر ( دلائل التوثيق المبكرص232) لكن مجرّد هذا الحديث لا يتمّ حجة ضدّ ما اشتهر عن عمر قولاً , وعملاً , بما لا يبقى معه مجال للإنكار .

(3) محاسن الاصطلاح (?296) عن كتاب المرزباني .

==================?209

مع معروفيّة أنّهم من أشدّ المعارضين للتدوين (1) .

قد يكون الناقلون عنهم هذه الأقوال والآثار إنّما وضعوا عليهم ذلك ليسجّلوا لهم مأثرةً في التدوين , تخفّف عنهم تبعات الإقدام على المنع , وتبعة إبادة الكتب وإحراقها .

لكن ذلك يصادم الحقيقة الثابتة الصارخة بأنهم منعوا التدوين حتى آخر لحظة من حياتهم , وما مات واحدهم إلاّ وهو ملتزم بذلك , كما سيأتي بيانه (*).

وأمّا جهود الصحابة المبيحين للتدوين , فقد وقفنا منها على ما يلي:

الإمام أمير المؤ منين عليّ بن أبي طالب عليه السلام (الشهيد عام 40هـ )

فقد عرفنا في الفصل الثالث منهذا القسم الأوّل أنّ الإمام عليه السلام كان رائد أهل التدوين , وأثبتنا ما روي عنه من أقوال , وما أثر عنه من آثار , في ذلك , فراجع .

2- الإمام الحسن بن عليّ السبط عليه السلام (? 49 هـ )

فقد عرفنا كذلك أنه كان ممن أباح التدوين , وقد أمر به أيضاً .

الهامش:

(1) لاحظ القسم الثاني , التمهيد ( ?263 ) .

(*) لاحظ ? من كتابنا هذا, وإليك هذا النص فعلاً : نقل أنه كان يحتفظ بالكتب عنده فلما حُضِرَ قال لابنه : ناولني الكتب يا عبد الله , قال ابنه : أنا أكفيك محوها .قال : لا والله , لا يمحيها أحد غيري , فمحاها بيده .

وكان فيها فريضة الجدّ ؟؟ فليلاحظ: طبقات ابن سعد (3/ 247)

===================?210

3- أنس بن مالك , خادم النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم (?93هـ)

فعن يزيد الرقاشي , قال : كنّا إذا أكثرنا على أنس بن مالك : ألقى إلينا بمخلاة _أو_ أتانا بمخالٍّ ,فألقاها إلينا وقال : هذه أحاديث كتبتها عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ,أو سمعتها من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , وكتبتها , وعرضتها (1).

وقد روى الخطيب هذه الرواية بلفظ : ألقى إلينا بمجال(2) وهو جمع : مجلّة .

ورواه ابن عدي بلفظ ? مجالس , وفي روايته أنّ أنساً قال : هذه أحاديث سمعتها فكتبتها من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , ثم عرضتها عليه (3) .

وهذا النصّ يدلّ على وقوع الكتابة في زمان الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم

وفي عرضها عليه وسكوته صلّى الله عليه وآله وسلّم عنه , تقريرٌ واضحٌ منه صلى الله عليه وآله وسلّم على تدوينه وكتابته .

وعن أنس , قال : كتب العلم فريضة (4) .

وأسند الرامهرمزي : أنّ أنساً كان يأ مر بنيه أنْ يقيّدوا العلم بالكتاب (5) .

وكان يقول لبنيه : يا بنيَّ, قيّدوا هذا العلم (6) .

الهامش:

(1) المحدث الفاصل ( ? 367 ) رقم ( 325 ) ومحاسن الاصطلاح ( ? 297 ) .

(2) تقييد العلم ( ? 95 ) .

(3) الكامل لابن عدي (1/36 ) وميزان الاعتدال (3/28 ) وقد تجرّأ الذهبي فأنكر صحة قوله: وعرضتها عليه ,مع أنه النصّ المرويّ ,لاحظ دراسات في السنة النبوية الشريفة (? 129).

(4) محاسن الاصطلاح ( ? 297 ) .

(5) المحد ? الفاصل ( ? 368 ) رقم ( 326 ) ومحاسن الاصطلاح ( ? 297 ) .

(6) سنن الدارمي (1/104) ? ( 497 ) .

====================?211

وقد روى الخطيب بسنده , عن النضر وموسى ابني أنسٍ , عن أبيهما : أنّه أمرهما بكتابة الحديث والآثار عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , وتعلمها (1) .

وقد أثرت عن أنس جملة :قيّدوا العلم بالكتاب (2) التي مرّت مرفوعةً عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم (3) كما مرّت موقوفةً على عليّ عليه السلام أيضاً (4) .

وكان أنس يقول : كنّا لا نعدّ علم من لم يكتب علمه علماً (5) .

وكلمة ( كنّا ) تدلّ على استقرار عادة الصحابة على التدوين والكتابة , وقد عرفنا أنه كان ممن يكتب في عصر الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وقد بقي إلى أواخر القرن الأوّل , ولم ينقل عنه ما يدلّ على التزامه بمنع التدوين , فيمكن أن نعتبر كلمة ( كنّا ) دالّة على استمرار هذه العادة من عصر الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى زمنٍ بعيدٍ .

وكان أنس يملي على الناس , وهم حوله يكتبون(6) .

الهامش:

(1) شرف أصحاب الحديث ( ? 97 ) رقم ( 211 ) .

(2) سنن الدارمي (1/ 127) والمحدّث الفاصل ( ? 368 ) رقم ( 327 ) وتقييد العلم ( 6 - 97 ) .

(3) مرّ برقم ( 6 - 9 ) ? ( 89 - 90 ) .

(4) مرّ برقم ( 2 ) ? ( 144 ) .

(5) تقييد العلم ( ? 96 ) وشرف أصحاب الحديث ( ? 97 ) رقم ( 211 ) .

(6) تاريخ بغداد (8/259) ودلائل التوثيق المبكر ( ? 460 ) . وقد كتبت عنه عدة صحف , اقرأ عنها: معرفة النسخ (?99-) .

==============================?212

وكان الحجّاج الثقفي سفّاك العراق , قد ختم في عنقه يريد إذلاله , وأنْ يجتنبه الناس فلا يسمعوا منه الحديث , في آخرين من الصحابة (1) .

4- جابر بن عبد الله الأنصاري (?74هـ )

كانت له صحيفة مشهورة , ذكرها ابن سعد (2) وعبد الرزاق (3) وابن أبي حاتم (4) وابن معين (5) والذهبي (6) وقد حدّدها بعضهم بأنها كانت في مناسك الحج (7) .

لكن قيل : يحتمل أنْ تكونهذه الصحيفة غير المنسك الصغير الذي أورده مسلم بن الحجاج في كتاب الحج من صحيحه (8) .

وقيل: إنّ نسخة منها توجد في مكتبة شهيد علي باشا في تركيا (9).

وكان قتادة بن دعامة السدوسي يقول : لأنا بصحيفة جابر أحفظ مني لسورة البقرة (10) .

الهامش:

(1) أسد الغابة لابن الأثير (2/ 472 ) من الطبعة الحديثة المحققة, في ترجمة سهل الساعدي.

(2) الطبقات الكبرى (5/ 467 ) وفي طبعة ليدن ( 344 ) .

(3) المصنف لعبد الرزاق (11/183 ) .

(4) المراسيل , للرازي ( ? 37 ) .

(5) جامع التحصيل للعلائي ( ? 296 ) رقم ( 862 ) .

(6) تذكرة الحفاظ (1/43 ) .

(7) علوم الحديث لصبحي الصالح( ? 26 ) .

(8) السنة قبل التدوين ( ? 352 )وانظر توثيق السنة ( ? 52 ) وصحيح مسلم(2/886-892 ) وصحيح مسلم بشرح النووي (3/ 313 - 356 ) .

(9) الخلاصة للطيبي ( ? 10 ) المقدمة .

(10) طبقات ابن سعد (7 ? 2/1 - 2 ) من طبعة ليدن , والتاريخ الكبير للبخاري (4/1/186 ) رقم ( 827 ) .

===================?213

وكان جابر من المعلنين بأمر التدوين , فكان يملي الأحاديث على تلامذته من التابعين فيكتبون عنه (1) مثل : سليمان بن قيس اليشكري (2) وقد روى عنه وصف حجة الوداع , كما رواه مسلم في كتابه(3) .

ومحمد بن الحنفيّة (4) وعبد الله بن محمد بن عقيل (5) ووهب بن منبّه (6) , وآخرين(7) .

وكان الحجّاج , قد ختم في يده , وفي عنق آخرين معه من الصحابة , يريد إذلالهم وأنْ يجتنبهم الناس , ولا يسمعوا منهم (8) .

5- معاذ بن جبل (? 18هـ) :

كان لديه كتاب يحتوي على أحاديث (9) وقد كان عند موسى بن طلحة (10) وكانت عند ابن عائذ نسخة كتاب له أيضاً (11) .

الهامش:

(1) لاحظ دلائل التوثيق المبكر ( ? 454 ) .

(2) تهذيب التهذيب (4/215) وتقييد العلم (?108) ? معرفة النسخ (?151_160).

(3) صحيح مسلم (2/886 ) وشرح النووي عليه (3/313 - 356 ) .

(4) تقييد العلم ( ? 104 ) .

(5) المصدر السابق والكامل لابن عدي (4/1447 ) .

(6) تهذيب التهذيب (4/215 ) .

(7) راجع السنة قبل التدوين ( ? 353 ) وانظر معرفة النسخ ( ? 152 )

(8) أسد الغابة (2/472 ) من الطبعة الحديثة المحققة, في ترجمة سهل الساعدي.

(9) سيرة ابنهشام ( ? 886 ?956 ) حلية الأولياء (1/240 ) الأموال , لأبي عبيد ( 27 ?37 ) .

(10) مسند أحمد (5/228 ) .

(11) انظر دلائل التوثيق المبكر ( ? 418 ) .

============================?214

6- حنظلة بن ربيع الكاتب ( مات في عصر معاوية ) :

قال الشيخ الطوسي : روى ( كتابا ) للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم(1) .

ولابدّ أنْ يكون الكتاب المذكور أكبر من مجرّد رسالة من رسائل النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى بعض الأشخاص , لأنّ الطوسي إنما ذكر ذلك في عداد المصنّفات , فلابدّ أنْ يكون الكتاب المذكور في حجم المؤلّفات , كما لا يخفى على أهل الخبرة .

7- أبو ? ? الغفاري (?32هـ ) :

قال ابن شهرآشوب : الصحيح _ وقيل : المشهور _ : أنّ أوّل من صنّف في الإسلام أمير المؤمنين عليه السلام , ثمّ سلمان الفارسي , ثم أبو ذر الغفاري(2). قال الصدر : أوّل من صنّف في الآثار بعد سلمان هو أبو ذر الغفاري , له كتاب (الخطبة ) شرح فيها الأمور الواقعة بعد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم , ذكره الطوسي في الفهرست (3) .

8- رافع بن خديج الأنصاري (?74هـ ) :

روى مسلم في صحيحه , عن نافع بن جبير : أن مروان الأموي خطب الناس , فذكر مكّة وأهلها وحرمتها , ولم يذكر المدينة وأهلها وحرمتها ,

الهامش:

(1)الفهرست , للطوسي ( ? 91 ) رقم ( 266) وانظر معالم العلماء لشهر آشوب ( ? 40 )

(2) معالم العلماء , لشهر آشوب - ? إقبال - (?1) .

(3) تأ سيس الشيعة ( ? 281 ) .

==================?215

فناداه رافع بن خديج , وقال : ما لي أسمعك ذكرت مكّة وأهلها وحرمتها , ولم تذكر المدينة وأهلها وحرمتها ؟وقد حرّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ما بين لابتيها ? ? ذلك عندنا في أديم خولاني , إنْ شئت أقرأتكه !(1)

وقد مرّ أنّ رافع بن خديج كان ممن استأذن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في كتابة حديثه, فأذ ? لهم, وقال : اكتبوا عني , ولا حرج(2) .

9- أبو رافع المدني , مولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم (?35هـ )

كان يملي على ابن عباس الحديث , فيكتبه : قال عبيد اللّه بن أبي رافع : كان ابن عباس يأتي أبا رافع , فيقول : ما صنع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يو ? كذا ? ما صنع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يو ? كذا ? ومع ابن عباس ألواح يكتب فيها (3) .

وأبو رافع من المتقدّمين في التصنيف من سلفنا الصالح , وهو أوّل من ذكره النجاشي منهم في كتاب ( فهرست مصنّفي الشيعة ) المعروف برجال النجاشي , قال : ولأبي رافع كتاب ( السنن والأحكام والقضايا ) وذكر سند ? إليه (4) .

الهامش:

(1) صحيح مسلم , كتاب الحج , باب فضل المدينة (2/992) رقم (1361) .

(2) مرّ الحديث في القسم الأول , الفصل الثاني ( الحديث الثاني ) ? ( 87 ) .

(3) طبقات ابن سعد (2/2/123) من طبعة ليدن , تقييد العلم ( ? 91 - 92 ) والإصابة , لابن حجر (4/92 ) .

(4) رجال النجاشي ( ? 8 ) رقم ( 1 ) .

========================?216

وقد مرّ ذكر هذا الكتاب في ما أثر عن الإمام عليّ عليه السلام من المؤلّفات(1).

وقال السيد شرف الدين : أبو رافع , مولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم , وصاحب بيت مال أمير المؤمنين عليه السلام , وكان من خاصّة أو ليائه , والمستبصرين بشأنه , له كتاب ( السنن والأحكام والقضايا ) جمعه من حديث عليّ عليه السلام خاصة , فكان عند سلفنا في الغاية القصوى من التعظيم (2) .

وقال الصدر : أوّل من دوّن الحديث من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام بعده: أبو رافع (3) .

وقال محمد عجّاج الخطيب : كان عند أبي رافع مولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم (?35هـ ) كتاب فيه استفتاح الصلاة , دفعه إلى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث (?94هـ ) (4) .

10- سعد بن عبادة الخزرجي الأنصاري (?15هـ )

كان يعرف الكتابةَ في الجاهلية , فكان يُسمّى بالكامل من أجل ذلك(5) .

الهامش:

(1) انظر القسم الأول , الفصل الثالث ? ( 138 - 143 ) من هذا الكتاب .

(2) المراجعات , المراجعة ( 110 ) الفقرة ( 2 ) ? ( 306 ) ? النجف .

(3) تأ سيس الشيعة ( ? 280 ) .

(4) السنة قبل التدوين ( ? 346 ) عن الكفاية للخطيب ( ? 330 ) .

ودلائل التوثيق المبكر ( ? 419 ) عن الكفاية ( ? 39 ) .

(5) تهذيب التهذيب (3/457) ? فتوح البلدان للبلاذري ( ? 459 ) وانظر : تسمية من شهد مع عليّ عليه السلام حروبه - بتحقيقنا - والأم للشافعي (7/112) والمعارف لابن قتيبة ( ? 87 ) .

===================?217

وكانت له صحيفة , روى ابنه منها حديثاً (1) .

وقيل : هي صحيفة عبد اللّه بن أبي أوفى بعينها , وأنّه جمع فيها طائفة من أحاديث الرسول وسننه (2) .

11- سلمان الفارسي (?34هـ)

قال ابن شهر آشوب : الصحيح _ وقيل : المشهور _ : أنّ أوّل من صنّف أمير المؤمنين عليّ عليه السلام , ثمّ سلمان الفارسي رضي اللّه عنه (3) .

وذكره الصدر بعنوان ? أوّل من صنّف الآثار ,صنّف حديث الجاثليق الرومي , الذي بعثه ملك الروم , بعد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ,ذكره الطوسي في الفهرست (4) .

الهامش:

(1) مسند أحمد (5/285) وسنن الترمذي , كتاب الأحكام , باب اليمين مع الشاهد (3/657) رقم ( 1343 ) تعجيل المنفعة لابن حجر ( 36 ?314 ) مشاهير علماء الأمصار ( 130 ) رقم ( 1024 ) .

(2) السنة قبل التدوين ( ? 342 ) وعلوم الحديث لصبحي الصالح ( ? 24 ) ودلائل التوثيق المبكر ( ? 417 ) .

(3) معالم العلماء - ? إقبال - ( ? 1 ) والمراجعات , المراجعة ( 110 ) ? 306 ? النجف.

(4) تأ سيس الشيعة ( ? 280 ) .

================?218

12- البراء بن عازب (?72هـ) :

قال محمد عجاج الخطيب : كان البراء بن عازب , صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم , يحدّث , ويكتب مَنْ [كان] حوله .

فعن عبد اللّه بن خنيس : رأيتهم عند البراء يكتبون على أيديهم بالقصب (1) .

13- عائشة (?57هـ)

ورد عنها في ما يرتبط بالتدوين حديثان :

1- قالت لابن أختها عروة بن الزبير : يا بنيَّ , بلغني أنك تسمع عني الحديث , ثم تعود فتكتبه ! فقال لها : أسمعه منك على شيء , ثم أعود فاسمعه على غيره ?! فقالت : هل تسمع في المعنى خلافاً ? قال : لا . قالت : لا بأس بذلك (2) .

قال محمد عجاج الخطيب : فلو كرهتْ عائشة الكتابة لأمرتْ بمحوه , ولنهته عن الكتابة , ولكن لم يحدث شيء من هذا , بل , لم تر بأساً بعمله (3) .

الهامش:

(1) السنة قبل التدوين ( ? 320 ) ومصادره : جامع بيان العلم (1/73) وكتاب العلم لزهير بن حرب ( ? 193 ? ) وتقييد العلم ( ? 105 ) وانظر العلل لابن حنبل (1/42) سنن الدارمي (1/106) وفيها :عبد الله بن حنش .

(2) الكفاية للخطيب ( ? 309 - 310 ) .

(3) السنة قبل التدوين ( ? 391 ) .

======================?219

2- روى الخزّاز القمي , بأسانيد عن أبي سلمة , قال : دخلت على عائشة , وهي حزينة , فقلت لها : ما يحزنك , يا أم المؤمنين؟!.

قالت : فقدُ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم , وتظاهر الحسكات !.

فحملت الجارية إليها ( كتاباً ) ففتحتْ , ونظرتْ فيه طويلاً , ثم قالت : صدق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . فقلت : ماذا , يا أم المؤمنين ?

فقالت : أخبار وقصص , كتبتُه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم … فأطبقت الكتاب ,وفتحت الكتاب .

قال : فأخرجتُ البياض , وكتبت هذا الخبر , وأملتْ عليَّ حفظاً , ولفظاً (1) .

أقول : والحديث طويل , انتخبنا منه ما يهمّنا هنا , ولو صحّ الخبر فلابدَّ أنْ يكون إنّما كتبته عائشة في عهد الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ,? مع إحراز رضاه ,على أقل التقادير !?

14- عبد اللّه بن عباس (?68هـ)

عُنِيَ بكتابة الكثير .

الهامش:

كفاية الأثر , للخز از ( ? 189 - 192 ) .

=====================?220

وقد وقفنا على حديث كتابته لسيرة الرسول الأكرم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم , حيث كان يسأل عنها الصحابي أبا رافع مولى الرسول , ويسجّلها في ألواح كان يحملها , ولعلّ هذه أوّل سيرة للرسول كتبتْ في الإسلام (1) .

وعرفنا – أيضاً - أنه كانت عنده صحف فيها قضاء عليّ عليه السلام (2) .

ولقد اشتهر أنه ترك حين وفاته حمل بعير من كتبه (3) وأنّ ابنه عليّاً ورثها وكان يستفيد منها(4) .

وذكر له ابن النديم كتاباً قال عنه : رواه مجاهد , ورواه حميد بن قيس , عن مجاهد , وورقاء , وعيسى بن ميمون , عن أبي نجيح , عن مجاهد (5) .

والظاهر أنّ هذا الكتاب هو في تفسير القرآن ,لأنّ ابن النديم إنّما ذكره في عنوان ( تسمية الكتب المصنّفة في تفسير القرآن ).

وقد ذكر النجاشي لابن عباس كتباً عديدة في ترجمة الجلودي (6) .

ومن أقواله في التدوين :

خيرُ ما قيّد به العلم الكتاب (7) وقيّدوا العلم بالكتاب (8) .

الهامش:

(1) ذكرنا ذلك آنفا عند ذكر أبي رافع لاحظ ( ? 215 ) .

(2) ذكرنا ذلك في القسم الأوّل , الفصل الثالث , رقم 8 ( ? 140 ) .

(3) طبقات ابن سعد (5/216) طبع ليدن وتقييد العلم ( ? 136 ) .

(4) المصدران السابقان .

(5) الفهرست لابن النديم ( ? 36 ) .

(6) رجال النجاشي (?242) رقم (460) وانظر الفوائد الطوسية للحر (?243) (7) تقييد العلم ( ? 92 ) .

(8) المصدر السابق .

=====================?221

ولم يقصر جهوده على التدوين والحثّ عليه , بل كان يربّي جيلاً من التلامذة على ذلك , فقد كان يملي الحديث فيكتبه تلامذته (1) .

قال ابن أبي مليكة : رأيت مجاهداً يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن , ومعه ألواحه , فيقول له ابن عباس : اكتبْ حتّى سأله عن التفسير كلّه (2) .

وعنه في قوله تعالى :( أو أثارة من علم ) [ الآية 4من سورة الأحقاف ] قال :جودة الخطّ (4).

وسيأتي ذكر تلامذته من التابعين , في هذه الدراسة .

15- عبد اللّه بن عمرو (? 63هـ)

من المبيحين لكتابة الحديث , وكان إقدامه عليها بإذنٍ صريحٍ من النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم , وفي عهده .

وقد أوردنا حديث استئذانه من النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في كتابة الحديث , وإذنه عليه السلام له بذلك بقوله : اكتب , فإنه لا يخرج منه_ وأشار إلى فيه _ إلاّ الحقّ (3) .

وقد كانت كتابته سبباً في كثرة حد0يثه :

قال البلقيني : كان عبد اللّه بن عمرو بسبب الكتابة كثير الحديث ,ولذلك قال أبو هريرة : ما أجد من أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أكثر حديثاً مني عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلاّ عبد اللّه بن عمرو ,

الهامش:

(1) سنن الدارمي (1/105) طبقات ابن سعد (6/179) طبع ليدن ,

(2) تفسير الطبري (1/30-31) ? شاكر وأعيان الشيعة (1/195) .

(3) ذكرناه في القسم الأول الفصل الثاني , النوع ( 1 ) رقم ( 5 ) ( ? 89 ) .

(4) الجامع لاخلاق الراوي (1/ 398) وانظر فتح القدير للشوكاني (5/ 15).

===============?222

فإنه كان يكتب , وأنا لا أكتب (1) .

وعن أبي هريرة : كنتُ أعي بقلبي , وكان يعي هو _ يعني عبد اللّه _ بقلبه ويكتب بيده (2) .

وفي رواية أحمد , والبيهقي في المدخل ,? العقيلي , من طرق مختلفة : أنّ أبا هريرة قال : ما أحد أعلم بحديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم منّي إلاّ عبد اللّه بن عمرو , فإنه كان يكتب , استأذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنْ يكتب بيده ما سمع منه , فأذ ? له .

قال أبو زهو : فاستئذان عبد اللّه عنها في أوّل الأمر , وقد أذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بالكتابة لما استأذنه , ولا خصوصية لعبد اللّه بن عمرو على غيره , وعليه : فيمكن أنْ يقال : إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لم يلتحق بالرفيق الأعلى إلاّ وكتابة الحديث مأذون فيها (3) .

ومما يؤثر عنه كتابه المسمّى بالصحيفة الصادقة التي اشتهر أمرها , وتكرّ ? ذكرها , وأنّ عبد اللّه أظهر اعتزازاً فائقاً بها ,كان يقول : ما يرغّبني في الحياة إلاّ الصادقة ,? الوهط ,

الهامش:

(1) البخاري , كتاب العلم , باب كتابة العلم من صحيحه (1/39) والترمذي (5/40) رقم ( 3668 ) والكامل لابن عدي ( 1/32 ?36 ) والمحدّث الفاصل , للرامهرمزي وتقييد العلم ( ? 82 ?83 ) والأسماء المبهمة للخطيب ( ? 172 ) ومحاسن الاصطلاح ( ? 299 ) .

(2) محاسن الاصطلاح ( ? 299 ) .

(3) الحديث والمحدثون ( ? 125 ) وعل ? : بل هذا هو المتعيّن .

===================?223

فأمّا الصادقة صحيفة كنتُ استأذنتُ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنْ أكتبها عنه , فكتبتها (1) .

وفي نقل الدارمي : فكتبتها عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم(2) .

وقال : ما أتينا على شيء إلاّ على الصادقة , والصادقة صحيفة استاذنتُ فيها النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنْ أكتب فيها ما أسمع منه , فأذن لي (3) .

وقال مجاهد : رأيتُ عند عبد اللّه بن عمرو صحيفة , فذهبت أتناولها , فقال : مه , يا غلام بني مخزوم ?,قلتُ : ما كنتَ تمنعني شيئاً ؟قال : هذه الصادقة , فيها ما سمعتُه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم,ليس بيني وبينه فيها أحدٌ(4) .

وليس في شيء من هذه النصوص تصريحٌ بوقوع الكتابة لهذه الصحيفة في عهد الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم , إلاّ أنّه لا مانع من افتراض ذلك , كما أن في بعض الروايات ? شعار بذلك .

بل, إنّ ما احتوى من تلك الأحاديث على نهي قريشٍ لعبد الله عن كتابة حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم دليلٌ على وقوع كتابته للحديث النبوي في بدايات عهد رسالته صلّى الله عليه وآله وسلّم , وإلاّ لم يكن لقريش المستسلمة من الجرأة ما يتكلّمون بهذا الكلام على حديث الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم , والذي يمسّ الرسول والرسالة , ولعلّ من لجأ بعد وفاته إلى منع كتابة حديثه صلّى الله عليه وآله وسلّم – بل ومنع التحدّث به – هو من قريشٍ هؤلاء , ولاحظ ما سنذكره في بداية القسم الثاني من هذه الدراسة .

ولقد شاعت أخبار هذه الصحيفة (5) .

الهامش:

(1) الحديث والمحدثون (125) ولاحظ المحدث الفاصل (366) رقم (323).

(2) سنن الدارمي (1/105) ? ( 502 ) .

(3) محاسن الاصطلاح ( 298 ) .

(4) محاسن الاصطلاح ( ? 8 - 299 ) وطبقات ابن سعد (2/2/125) طبع ليدن ,? أسد الغابة (3/320 ) ترجمة عبد الله , ولاحظ المحدث الفاصل (367) رقم (324).

(5) سنن الدارمي ( 1/ 103?105 ) وتقييد العلم (?82 ?84 ) واقرأ عنها معرفة النسخ (?178- 181).

====================?224

وقال بعضهم_ عن محتواها_ :إنها ألف مثل (1) .

ويعتقد البعض أنّ هذه الصحيفة كانت أصلاً لما يرويه عمرو بن شعيب بن عبد اللّه , عن أبيه , عن جدّه عبد اللّه بن عمرو هذا(2) .

وقد أورد أحمد بن حنبل قسماً كبيراً من روايات عبد اللّه في مسنده(3) .

وفي مؤلّفات مسلم صاحب الصحيح كتاب حديث عمرو بن شعيب (4) .

وقال الدكتور فوزي رفعت : مسند عبد الله بن عمرو _ في مسند أحمد_ كثير يصل إلى (627) رواية , فيها ما هو مكرّر من حيث متنه , ولكن بإسقاط المكرّر يبقى الكثير أيضاً (5) .

محاولة فاشلة لإعادة تأليف هذا الكتاب :

ومن الجدير بالذكر – ونحن بصدد هذا الكتاب , صحيفة عبد الله بن عمرو – أن نورد حكاية طريفة تنقل محاولة بعض المحدّثين لجمع أحاديث هذا الكتاب , وخصوص ما رواه حفيد المؤلف وهو عمرو بن شعيب بن عبد الله , عن أبيه , عن جده , ليجدّد تأليف الكتاب المذكور , ? إليك نصّ الحكاية :

الهامش:

(1) ? سد الغابة , لابن الأثير (3/233) الطبعة القديمة .

(2) منهج النقد في علوم الحديث ( ? 46 ) .

(3) انظر مسند أحمد (2/158- 226 ) .

(4) الحطة ( ? 448 ) .

(5) صحيفة علي بن أبي طالب عليه السلام ( ? 4 - 45 ) .

===================?225

روى السيّد المرشد بالله ,أبو الحسين الهاروني (?499هـ) بسنده عن أبي عبد الله ,عبد الرحمن بن أحمد بن يزيد الختلي الحافظ ,في المذاكرة ,قال : كنت أجمع حديث عمرو بن شعيب ,عن أبيه ,عن جدّه ,فلمّا ظننتُ أنّي قد فرغتُ منه ,جلست ليلةً في بيتي – والسراج بين يديّ ,? أمّي في صفّةٍ حيال البيت الذي أنا فيه – وابتدأ تُ أنظّم الرقاع ? أصنفها ,

فغلبتني عيني ,فرأيتُ : كأنّ رجلاً أسود ,قد دخل إليّ بمهنّدٍ ذي نارٍ ,فقال : تجمع حديث هذا العدو لله ? أحرقه وإلاّ أحرقتك ,? أومأ بيده بالنار,فصحتُ ,وانتبهتُ ,فعدتْ أمّي,فقالت: ما لك؟ ما لك؟ فقلت : مناماً رأيتُه ,وجمعتُ الرقاع ,ولم أعرضْ لتمام التصنيف ,? هالني المنام ,وتعجّبتُ منه ,فلمّا كان بعد مدّةٍ طويلةٍ ,ذكرتُ المنام لشيخٍ من أصحاب الحديث كنتُ آنسُ به ,فذكر لي : ? نّ عمرو بن شعيب هذا ,لمّا أسقط عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى من الخطب على المنابر لعن أمير المؤمنين عليه السلام ,قام إليه عمرو بن شعيب ,وقد بلغ إلى الموضع الذي كانت بنو أميّة تلعنُ فيه عليّاً عليه السلام ,فقرأ مكانه: ( إنّ الله يأمر بالعدل ? الإحسان ? إيتاءى ذي القربى ? ينهى عن الفحشاء ? المنكر ) [ سورة النحل :61 الآية ( 90) ],

=============================?225

فقام إليه عمرو بن شعيب (لعنه الله) فقال : يا أمير المؤمنين ,السنّة ,السنّة (1) يحرّضه على لعن عليّ عليه السلام ,فقال عمر : اسكتْ ,قبّحك الله ,تلك البدعة لا السنّة,? تمّم الخطبة,

قال أبو عبد الله الختلي : فعلمتُ أنّ منامي كان عظةً من أجل هذه الحال ,ولم أكنْ علمت من عمرو هذا الرأي ,فعدتُ إلى بيتي وأحرقتُ الرقاع التي كنتُ جمعتُ فيها حديثه (2) ,

16- عبيد الله بن أبي رافع (بعد 80 هـ) :

كان صحابياً سمع النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم وروى عنه (3) وكان كاتبَ الإمام أمير المؤمنين عليه السلام(4) ,

ذكره الشيخ ابن شهر آشوب في المصنّفين الأوائل في الإسلام(5) وقد ألّف كتاب قضايا أمير المؤمنين عليه السلام(6) ,

الهامش:

(1) قال بعض العلماء : إنّ مصطلح ( أهل السنّة ) يطلق على من كان يؤيّد استمرار اللعن الذي سنّه معاوية واستمرّ عليه بنو أميّة وبنو مروان ,وهم نبزوا التاركين للعن بأهل البدعة ,على هذا الأساس ,وهذا من موارد تسمية الشيء باسم ضده ,وانظر : تاريخ اليعقوبي (2/230 ) في إطلاق كلمة الجماعة ,على من ساير الحكام والولاة في العداء لعليّ عليه السلام وأهل البيت وشيعتهم ,

(2) الأمالي الخميسية (1/153) ,

(3) المراجعات ,لشرف الدين ,المراجعة ( 110 ) ,

(4) لاحظ ترجمته في مقدمتنا لكتابه ( تسمية من شهد… ) ,

(5) معالم العلماء (?2) ,

(6) الفهرست للطوسي (?133) وانظر ما ذكرناه سابقا القسم الاول ,الفصل الثالث (?138رقم2 ) ,

=================?227

وله أيضاً : كتاب تسمية من شهد مع عليّ عليه السلام حروبه (1) ويعدّ كتابه هذا أوّل مصنّف في الرجال والتاريخ (2) واعتمد عليه جلّ المؤلّفين من بعده ,وكانت نسخته عند كبار المؤرّخين والرجاليّين مثل الشيخ الطوسي ,وابن الأثير,وابن عساكر,وابن حجر ,

وقد وفّقني الله بفضله العميم ,للاطلاع على نصّه ,فحقّقته ,وفصّلت في مقدّمته الحديث عن الحروب الثلاث : الجمل ,وصفّين ,والنهْروان ,عقائديّاً ,وفقهيّاً ,وتراثياً ,كما فصّلت الكلام في المقدمة حول المؤلّف ,وآل أبي رافع ,بشكلّ وافٍ ومستوعبٍ ,وأشكر الله على هذه النعمة الجسيمة ,وأسأله التوفيق لإنجازه بعونه,

17- عليّ بن أبي رافع (القرن الأوّل)

و لد على عهد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم فسمّاه عليّاً (3) ,

وقال النجاشي : من خيار الشيعة ,وكاتب أمير المؤمنين عليه السلام ,حفظ كثيراً ,وجمع كتاباً في فنون من الفقه : الوضوء ,والصلاة ,وسائر الأبواب … وكانوا يعلمون هذا الكتاب (4) ,

الهامش:

(1) الفهرست للطوسي ( ? 133 ) رقم ( 468 ) والذريعة (4 /187 ) وتأسيس الشيعة للصدر ( ? 232 ) ,

(2) لاحظ الذريعة (4/181) ومصفّى المقال في مصنّفي علم الرجال للشيخ الطهراني (عمود 258 ) والمراجعات الريحانية لكاشف الغطاء ( ? 56 ) ? التسميات طليعة المؤلّفات ,

(3) الإصابة لابن حجر (5/82 ) رقم 6258 ? دار الكتب العلمية بيروت ,

(4) رجال النجاشي (?6-7) الترجمة رقم (2) ,=====================?228

وقال السيد شرف الدين : وكانوا عليهم السلام يعظّمون هذا الكتاب ,ويرجعون إليه (1) ,

18- كعب بن عمرو ,أبو اليسر :

يقال : إنّ أبا اليسر كان لديه عددٌ من المخطوطات ,اعتاد أن يحفظها في الضمامة (2) ,

19- أبو موسى الأشعري (?50هـ ) :

ذكر بعضهم : أنّ له صحيفة توجد نسختها في مكتبة شهيد علي باشا ,بمدينة الآستانة في تركيا (3) ,

ومن الغريب أنّهم نقلوا عن أبي موسى أحاديث تدلّ على كراهته للكتابة ومعارضته للتدوين (4) ? فكيف تؤثر عنه كتابة هذه الصحيفة ? ,

20- أبو هريرة الدوسي (?57 أو 59)

كانت له صحف كثيرة جدّاً ,رآها عنده عمرو بن أميّة الضمري ,وكان أبو هريرة يراجعها (5) بالرغم من تصريحه بأنّه كان لا يكتب (6) ,

الهامش:

(1) المراجعات ,( ? 306 ) المراجعة ( 110 ) الفقره ( 2 ) ,

(2) دلائل التوثيق المبكر ( ? 424 - ) ,

(3) الخلاصة ,للطيبي (?10) ولاحظ مسند أحمد (4/396) ,

(4) انظر القسم الثاني ( ? 280 ? 281 ) ,

(5) جامع بيان العلم وفضله (1/74) والمستدرك للحاكم (3/511) وفتح الباري(1/217),

(6) جامع بيان العلم وفضله (1/74) هدي الساري (1/184) وفتح الباري (1/217) وانظر :دفاع عن أبي هريرة(?71),

====================?229

لكن الظاهر أنّ مراد ? عدم الكتابة في عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فلابدّ أنّه كتب في ما بعد ما لا يمكن نفي نسبته عنه ,كما أنّ تلامذته الكثيرين قد كتبوا عنه (1) :

منهم بشير بن نهيك الذي كتب عنه ,? استجازه رواية ما كتب ,فأجازه أبو هريرة (2) وقد ذكرنا في كتابنا إجازة الحديث أنّ هذه الإجازة هي أقدم إجازة عثرنا عليها (3) ونصّها ,كما ذكره الدارمي ,بسنده ,عن بشير ,قال : كنتُ أكتبُ ما أسمعُ من أبي هريرة ,فلمّا أردتُ أنْ أفارقه أتيته بكتابه ,فقرأته عليه ,وقلتُ له : هذا ما سمعتُ منك ? قال : نعم (4) ,

ومنهم : همّام بن منبّه الذي ألّف ما سمعه من أبي هريرة في صحيفةٍ ,وسيأتي ذكره في التابعين من هذا الفصل ,إلاّ أنّ البعض – وبالرغم من نسبة الصحيفة إلى همّام – يعتقد بأنّها في الحقيقة صحيفة أبي هريرة لهمّام (5) ,

الهامش:

(1) لاحظ دلائل التوثيق المبكر ( ? 436 ) ,

(2) طبقات ابن سعد (7/223) ? جامع بيان العلم (1/72) والعلم لزهير بن حرب (?193) ,

(3) لاحظ الفصل الأول ( تاريخ الإجازة ) ,

(4) سنن الدارمي (1/105) ? (500) وجامع بيان العلم (1/72) وفيه ( كتابي ) ,

(5) علوم الحديث ,لصبحي (?31-32) ومعرفة النسخ (?261) ,

=======================?230

ومهما يكن : فهي - كما اعتبرها البعض أيضا - نموذج عملي على أن السّنة قد كتبت في وقت مبكّر ,أي في عهد الصحابة(1) ,

ويقول محمد عجاج : ولهذه الصحيفة أهمية تاريخية في تدوين الحديث الشريف ,لأنها حجة قاطعة ودليل ساطع على أن الحديث النبوي كان قد دوّن في عصر مبكّر - وتصحّح الخطأ الشائع : أن الحديث لم يدوّن إلا في أوائل القرن الهجري الثاني ,

ذلك ,لأن همّاماً لقي أبا هريرة ,ولا شك أنه كتب عنه قبل وفاته ,وقد توفّي أبو هريرة سنة (59) للهجرة ,فمعنى ذلك أنّ هذه الوثيقة العلمية قد دوّنت قبل هذه السنة ,أي في منتصف القرن الأوّل ,

وقد ثبت لنا أن عبد الله بن عمرو دوّن في عهد الرسول صحيفته الصادقة ,وها نحن يثبت لنا تدوين صحيفة همّام في منتصف القرن الأوّل ,ممّا يدلّ على أنّ العلماء كانوا قد باشروا التدوين قبل أمر عمر بن عبد العزيز(2) ,

21- أبو سلام ,جد يحيى بن أبي كثير اليمامي

قال العلائي: يحيى أحد الأعلام ,روى عن جماعة من الصحابة ,وقال : كل شيء عن أبي سلام ,فهو في كتاب ,وقال حسين المعلم : لمّا قدم علينا ,وجّه إلى مطر : أن احمل الدواة والقرطاس قال : فأتيته ,فأخرج إلينا صحيفة أبي سلام(3) .

الهامش:

(1) صحيفة علي بن ابي طالب عليه السلام ( ? 5 ) .

(2) السنة قبل التدوين ( ? 356 - 357 ) .

(3) المراسيل للرازي (?143) وجامع التحصيل للعلائي (?299) رقم 880 وانظر الجامع لأخلاق الراوي (2/ 6-177).

==========================?231

22- واثلة بن الأسقع (? 83 هـ)

كان يملي على الناس الأحاديث ,وهم يكتبونها بين يديه (1) .

ويبد ? منه - في الحديث التالي - أنه كان مستاءاً من عدم كتابة الحديث ,وأنه اعتبر ذلك سببا لعدم ضبط الحديث : قال مكحول : دخلت - أنا وأبو الأزهر - على واثلة بن الأسقع ,فقلنا له : يا أبا الأسقع ,حدّثنا بحديث سمعته من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ,ليس فيه وهمٌ ,ولا تزيّدٌ ,ولا نسيان ,

قال : هل قرأ أحدٌ منكم من القرآن شيئا ? .

قال : قلنا : نعم ,وما نحن له بحافظين جيّداً ,? نّا لنزيد الواو والألف ,وننقص ,

قال : فهذا القرآن مكتوب بين أظهركم لا تألون حفظا ? وانتم تزعمون : أنكم تزيد ون وتنقصون! ? فكيف بأحاديث سمعناها من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عسى ألا نكون سمعناها منه إلا مرّةً واحدةً !? حسبكم ,إذا حدّثناكم بالحديث على المعنى(2) .

الهامش:

(1) الكامل لابن عدي (1/37) والجامع لأخلاق الراوي (2/56) ? ميزان الاعتدال (4/145) وقم ( 8658 ) ,وتدريب الراوي (?338) .

(2) الجامع لأخلاق الراوي (2/20-21) وتدريب الراوي (?312) ومختصرا في الكنى للدولابي (1/64) وبمعناه في المستدرك للحاكم (2/212) ومشكل الآثار (1/316).

==============?232

23- بلال الحبشي ,المؤذن

فقد أمر بكتابة الحديث ,في ما رواه عبد الله بن عليّ ,قال : حملتُ متاعي من البصرة إلى مصر ,فقدمتها ,فبينما أنا في بعض الطريق إذا أنا بشيخ طويل ,شديد الأدمة ,أبيض الرأس واللحية ,عليه طمران … فقلت من هذا ?

فقالوا : هذا بلال مولى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ,فأخذتُ ألواحاً ,فأتيته ,فسلمتُ عليه ,فقلت له : السلام عليك أيها الشيخ ,فقال: وعليك السلام ,قلت : يرحمك الله تعالى ,حدّثني بما سمعتَ من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ,فقال : وما يدريك من أنا ? فقلت :أنت بلال ,مؤذّن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ,فبكى وبكيت ,ثمّ قال : اكتب ,يا أخا أهل العراق (1).

فذكر حديثاً طويلاً في فضائل الأذان ,يقول فيه بلال مكرّراً :اكتب … اكتب .

أقول : بل أدّى عدم التدوين من البداية إلى تحرّج البعض من الكتابة في ما بعد ,حذراً أن يظنّ ما كتبوه أنه عين لفظ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ,بينما هو منقولٌ بالمعنى ,واللفظ للراوي .

الهامش:

(1) كتاب من لا يحضره الفقيه (1/189-194) وانظر أمالي الصدوق (?176) المجلس (38) .

==================?233

فقد كان عمرو بن دينار يحدّث على المعنى ويقول :أحرّج على من يكتب عني (1) ,

كما أنّ بعض المهوسين من أهل العصر - ممن أراد أنْ يطعن في السنّة الشريفة - استند إلى إجراءات المنع ,وتبريرات المانعين عن التدوين ,ليثبت دعواه الباطلة الناطقة بأن الحديث الشريف لم ينقل بلفظ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ,ولم يكن لفظه حجة ? إنما نقل بالمعنى (2) .

وللإجابة على ذلك ,نقول :

أولاً : إنّ ما رتّب زعمه الباطل عليه وجعله دليلاً له ,وهو تحقّق المنع عن تدوين الحديث ,إنّما هو أمرٌ غير شرعي ,ولا صحّة له ,فإنّ المنع - وإنْ مارسه بعض الحكّام في فترات من تاريخ الإسلام في عصر الخلافة الأوّل - إلاّ أنّ ذلك الإجراء لم يكتسب لدى المسلمين شرعيّة ,ولم يأبه به علماء المسلمين ,وخاصّة الصحابة الأبرار ,بل زاولوا عملية التدوين باستمرار ,وبلا انقطاع ,اتّباعاً لسنّة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ,وحفاظاً على الحديث الشريف من الضياع ,

فكيف يبني دعواه ,على هذا المنع الباطل ?

الهامش:

(1) تذكرة الحفاظ (1/113) والسنة قبل التدوين ( ? 132 ) .

(2) أضواء على السنة المحمدية لأبي ريّة (?97) ? ستأتي مناقشته بتفصيل في القسم الثاني من هذه الدراسة (?512) وما بعدها .

====================?234

وثانياً : إنّ أداء منع تدوين الحديث إلى هذه الدعوى الباطلة ,أعني عدم حجيّة الحديث ,هو في نفسه دليلٌ آخر على بطلان المنع ,وعدم مشروعيته ,لأنّ جمهور المسلمين من كلّ الطوائف – متّفقون على حجّية الحديث الشريف وقدسيّته ,والالتزام بما تؤدّيه ألفاظه وعباراته ,فلو كان منع التدوين يقتضي عدم حجّية ألفاظ الحديث ,فهو يتنافى وهذا الأمر المتّفق عليه ,? المتسالم بين علماء الإسلام عليه ,فلابدّ أنْ يكون المنع باطلاً وغير شرعيٍّ ,لا أنْ يخدش بسببه اعتبار الحديث الشريف وقدسيته .

وبعد:

فمع هذه الكثرة في عدد الصحابة الذين كتبوا الحديث - سواء الذين كتبوه في عصر الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ,أم بعد ذلك –.

ومع هذه الوفرة من الصحف ,والكتب ,والمدوّنات المأثورة عنهم - التي لا يزال قسم منها متوفراً حتى عصرنا -.

فكيف يجوز التقوّل على الصحابة بأنهم لم يكتبوا الحديث الشريف ? أو لم يدوّنوا السنة ?

والاستناد في هذا التقوّل إلى مجرّد نهي عمر ومنعه عن التدوين لا يكون صحيحاً إطلاقاً ,فمن الواضح أن الفعل الذي قام به ذلك العدد الكبير من الصحابة ,وهو مباشرتهم لتدوين الحديث ,هو عمل لا يدخله أيّ تأويل أو تشكيك ,ولا حكم له إلاّ الجواز ,إبعاداً لعمل أولئك الكرام من فعل الحرام .

وأمّا المنع الذي أقدم عليه عمر ,فإنه - على فرض حمله على الصحّة - لا يعدو أن يكون عملاً خاصّاً من عمر ,لم يوافقه عليه عامّة الصحابة ,وهو ترك يحتمل التعليل والتبرير ,سواءٌ كانت تبريراته موجّهةً أم لا؟!(1).

الهامش:

(1) سنستعرض في القسم الثاني تلك التبريرات بتفصيل ,إنْ شاء الله .

======================?235

ومن الواضح أنّ دلالة الفعل على الجواز مقدّمةٌ على دلالة الترك على الحرمة ,لأنّ الترك أعمُّ ومحتملٌ للتعليل ,كما ذكرنا .

يقول محمد عجاج : تلك أخبارٌ متعاضدة ,تثبت أنّ الصحابة رضوان الله عليهم أباحوا الكتابة ,وكتبوا الحديث لأنفسهم ,وكتب طلاّبهم بين أيديهم ,وأصبحوا يتواصون بكتابة الحديث وحفظه(1) .

ومن هنا نعرف بطلان ما في القول بأنّ أبا هريرة : ما هو بالوحيد من الصحابة ممن لم يكتبوا الحديث ,بل لم يكتب من الصحابة إلاّ قلّة قليلة ,كعبد الله بن عمرو ? عليّ بن أبي طالب (2).

فمع أنّ الصحابة الذين كتبوا لم يكونوا بالقلّة ,بل ,الكاتبون منهم كثيرون كما عرفنا ,فإنّ البحث ليس في مباشرتهم الكتابة وإنّما في وقوع الكتابة في محاضرهم وموافقتهم على حصولها وعدم معارضتهم لها ,وهذا أمرٌ لا يمكن لأيّ أحدٍ إنكار حصوله وتحققه منهم.

وكذلك يعرف ما في كلام الشيخ عتر من التهافت ,حيث يقول : لم يكن الصحابة - رضوان الله عليهم - يتداولون تلك الصحف من الحديث ,ولم نجد في شيء من الروايات أنّ أحداً فعل ذلك ,وإنّما كانت تلك الصحف بين أيديهم بمثابة المذكّرات (3) .

وأوجه التهافت فيه :

أو لاً : أنّ البحث إنّما هو في أصل جواز الكتابة والتدوين وعدم حرمتهما ,وعمل الصحابة ذلك يدلّ بوضوح على الجواز ونفي الحرمة ,وكذلك أقوالهم تدلّ على ذلك ,وهذا كافٍ في المدّعى ,وأمّا تداول ما كتبوه وعدمه فهذا أمر آخر لا يخصّ تلك الدعوى .

وثانياً : أنّ غرضه من التداول غير واضح :

فإنّ الكتب إنّما تؤلّف لتكون مذكّراتٍ يرجع إليها المؤلّف أو غيره عند الحاجة ,وهذا هو الغرض الأصليّ من تأليف الكتب والمصنّفات ,

الهامش:

(1) السنة قبل التدوين ( ? 321 ) .

(2) دفاع عن أبي هريرة (?71).

(3) منهج النقد في علوم الحديث ( ? 45 ) .

===================?236

وقد اعترف عتر بأنّ الصحابة - أيضاً - اتّخذوا كتبهم مذكّراتٍ ?,أليس هذا تداولاً للكتاب ,باستعماله في الغرض المنشود منه ?

وثالثاً : إنْ كان مراده بالتداول هو الاستشهاد بالكتاب والرجوع إليه ,فقوله :لم نجدْ في شيء من الروايات أنّ أحداً فعل ذلك ,غير صحيح ,لأنّ من الروايات ما تحتوي على رجوع الصحابة إلى كتبهم :

ففي حديث رافع بن خديج أنه قال لمروان ? إنْ شئت أقرأ تكه ,أليس هذا استشهادا بالكتاب الذي عنده ؟‍

وكذلك قراءة عائشة في كتابها ,واعتزاز عبد الله بن عمرو بصحيفته ,

ورابعاً : إنْ كان المراد من التداول هو الاستنساخ والقراءة والحفظ والرواية - وهو أظهر معاني التداول - فهذا - أيضاً - متحقّق في ما كتبه الصحابة ,فقد سمعت ذلك في إلقاء أنس بمخاله ,او مجاله ,إلى الرواة ,ورأينا أنّ قتادة السدوسي كان يحفظ صحيفة جابر ,وأدلّ دليل على ذلك تناقل الرواة أحاديث تلك الصحف ,التي ألفها الصحابة ,كصحيفة سعد التي رواها ابنه ,وصحيفة سمرة التي رواها ابنه ,وصحيفة عبد الله التي رواها ابنه ,

وإنّ وجود بعض تلك الصحف - في عصرنا الحاضر - بأعيانها ليس إلا نتيجة لذلك التداول ,كما لا يخفى .

=====================?237

وقد ثبت من خلال استعراضنا هذا أنّ السيرة العمليّة للصحابة كانت هي التدوين ,بالرغم من الضغوط التي تعرّضوا لها على أثر إجراءات المنع من قبل الحكام ,وأنّ الصحابة التزموا بالتدوين ,بلا انقطاع ولا هوادة ,وكانت سيرتهم تلك مأخوذةً من الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ,ومتصلةً بعهده الأنور ,كما يقتضيه حسن الظن بهم رضوان الله عليهم .