فهرست کتاب‌‌ لیست کتاب‌ها
■ دليل الكتاب
■ تقديم
■ المقدمة
■ القسم الأول: جواز التدوين منذ عهد الرسالة , وأدلة المبيحين
■ تمهيد :ما هو الأصل في حكم التدوين ?
■ الفصل الأو ? : عرف العقلاء والتدوين
■ الكتابة أمر حضاري
■ الكتابة في القرآن
■ الكتابة في السنة ? الأثر
■ القرآن والكتابة
■ السنة والكتابة
■ الفصل الثاني : السنة النبوي ? والتدوين
■ السنة التقريرية
■ السنة الفعلية
■ صحيفة النبي صلى الله عليه وآله التي كانت عند علي عليه السلام
■ كتاب علي عليه السلام
■ كتاب فاطمة عليها السلام
■ ما كتبه النبي صلى الله عليه وآله إلى عماله
■ وأخيرا
■ السنة القولية
■ ما ورد بلفظ الأمر بالكتابة والتقييد
■ ما فيه الإذ ? بالكتابة والتقييد
■ ما ورد فيه لفظ الكتابة وتصاريفها
■ ما ذكر فيه شيء من أدوات الكتابة
■ تعليق على الفصل الثاني
■ الفصل الثالث : إجماع أهل البيت عليهم السلام على التدوين.
■ حجية إجماع أهل البيت عليهم السلام
■ ما ورد عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام
■ في مجال التصنيف
■ كتاب في علوم القرآن
■ كتاب السنن والأحكام
■ عهد الأشتر
■ التعليقة النحوية
■ في مجال الروايات والآثار
■ ما ورد عن الإمام الحسن السبط عليه السلام
■ ما ورد عن الإمام الحسين السبط عليه السلام
■ ما ورد عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين السجاد عليه السلام
■ ما ورد عن الإمام محمد بن علي الباقر عليه السلام
■ في الأقوال
■ في المؤلفات
■ ما ورد عن الشهيد زيد عليه السلام
■ ما ورد عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام
■ في الأحاديث
■ في المؤلفات
■ ما ورد عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام
■ ما ورد عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام
■ ما ورد عن الإمام محمد بن علي الجواد عليه السلام
■ ما ورد عن الإمام علي بن محمد الهادي عليه السلام
■ ما ورد عن الإمام الحسن بن علي العسكري عليه السلام
■ ما ورد عن الإمام المهدي الحج ? المنتظر عليه السلام
■ تعليق على الفصل الثالث
■ الفصل الرابع : سيرة المسلمين على التدوين
■ تمهيد
■ العهد الأو ل : عهد الصحابة
■ العهد الثاني عهد التابعين
■ خاتمة القسم الأول : خلاصة واستنتاج
■ القسم الثاني : مع المانعين للتدوين وتوجيهاتهم للمنع
■ تمهيد : متى بدأ منع التدوين
■ الفصل الأو ? : المنع الشرعي عن كتابة الحديث
■ أحاديث أبي سعيد الخدري
■ أحاديث أبي هريرة
■ أحاديث زيد بن ثابت
■ المناقشات العامة في الأحاديث المرفوعة الناهية
■ الجمع بين أحاديث الإباحة والمنع
■ أن النهي عام والإذن خاص
■ أن الإذن ناسخ للنهي
■ أن النهي خاص والإذن عام
■ رأينا في الجمع
■ الفصل الثاني : الخوف من اختلاط الحديث بالقرآن:
■ المناقشات في هذا:أن نسبة الخوف من ذلك إلى الشارع غير مقبولة
■ لماذا كتب القرآن مع أنه معجزه
■ بقية المناقشات في هذا التبرير
■ الفصل الثالث : التخوف من ترك القرآن والاشتغال بغيره
■ المناقشة في هذا التبرير
■ الاشتغال بالحديث ليس مؤديا إلى ترك القرآن
■ ليس الصحابة متهمين بترك القرآن
■ المؤدي إلى ترك القرآن هو المناقض له
■ أحاديث التهو ? الذي حذر عنه الرسول
■ السنة الشريفة لا تعارض القرآن بل هي امتداد له
■ الفصل بين السنة والقرآن ضلال
■ الأصل في الحكم بضلال الفاصل بينها هو الرسول
■ أحاديث الأريكة من دلائل النبو ه
■ معنى الأريكة ? دلالة أحاديثها
■ دفاع الخطابي وتأويله لأحاديث الأريكة
■ دفاع الذهبي وتأويله لأحاديث الأريكة
■ قول حسبنا كتاب الله مأثور عن من؟
■ الدعوة إلى نبذ السنة في نظر القدماء و المعاصرين
■ الفصل الرابع : الاستغناء بالحفظ عن التدوين
■ المناقشات في ذلك
■ ١ - أن ذلك لا يدل على حرمة الكتابة
■ ٢ - أن الحفظ ليس من الواجبات فلا يعلق عليه أمر واجب
■ ٣ - الكتابة لا تنافي الحفظ بل تؤيده وتؤكده
■ ٤ - الاعتماد على مجرد الحفظ يؤدي إلى الأوهام
■ بعض المقارنات بين الحفظ ? الكتابة
■ هل الحفظ أعظم فائدة من الكتابة ?
■ الفصل الخامس : عدم معرفة المحدثين للكتابة
■ المناقشة في هذا التبرير
■ ١ - الكتابة أصبحت في الإسلام واسعة الانتشار
■ ٢ - أن ذلك لم يمنع عن الكتابة , كما لم يمنع عن كتابة القرآن
■ ٣ - انهم لم يمتنعوا بل مُنعوا
■ الفرق بين القرآن ? السنة في أمر التدوين
■ الفصل السادس : القول الفصل في سبب المنع
■ المنع لم يكن إلا رأيا للصحابة
■ المصلحة المهمة في نظر المانعين وشروطها
■ رواية ابن مسعود الدالة على المصلحة
■ الأحاديث الممنوعة هي غير أحاديث الفرائض والسنن
■ التدبير السياسي ضد أهل البيت عليهم السلام
■ المصلحة هي إخفاء الأحاديث على فضل أهل البيت
■ لزوم منع رواية الحديث أيضا
■ الملحق الأول : المنع عن رواية الحديث
■ أبو بكر يمنع الحديث رواية ونقلا
■ دفاع الذهبي عن أبي بكر, ورد ?
■ عمر و رواية الحديث
■ ١ - يمنع وفد الكوفة
■ ٢ - يمنع صحابة كبارا
■ ٣ - يمنع عام ? الناس
■ ٤- يهد ? الصحابة على الحديث ? ينهاهم
■ ٥ - يحبس الصحابة كيلا يرووا عن رسول الله
■ توجيهات العام ? لإقدام عمر على المنع وخاصة حبس الصحابة
■ ١ - توجيه الخطيب البغدادي : بالاحتياط للدين
■ ٢ - توجيه ابن حزم بر ? الحديث سندا ودلالة
■ ٣ - توجيه ابن عبد البر
■ ٤ - توجيه ابن عساكر بالتشديد لئلا يتجاسر أحد على رواية ما لم يتحقق
■ ٥ - توجيه ابن قتيبة : بالإقلال لئلا يتسع الناس في الرواية
■ بعض المعاصرين يجعل الإقلال من قوانين الرواية
■ محمد عجاج الخطيب يعارض روايات الحبس
■ الهدف من منع الرواية هو الهدف من منع التدوين
■ منع الحديث سنة للحكام
■ عثمان بمنع رواية الحديث
■ معاوية يمنع الحديث
■ رسالة معاوية إلى عم اله بمنع الحديث ووضعه
■ المسموح من الحديث في عهد معاوية هو المسموح في عهد عمر, ? الممنوع فيهما واحد
■ التوجيه المقبول للمنع
■ الملحق الثاني : آثار منع التدوين
■ ١ - اختفاء جملة من الحديث
■ نوعية الحديث الذي اختفى
■ ٢ - وضع الحديث
■ إهمال أثر المنع في أسباب الوضع عند المعاصرين
■ نوعية الحديث الموضوع
■ من هم الوضاعون
■ ٣ – اختلاف الحديث والتشكيك فيه
■ الاختلاف المذكور لا يؤدي إلى سقوط الحديث عن الحجية
■ نقل الحديث بالمعنى
■ نقل الحديث بالمعنى ليس مضر
■ محمود أبو رية يضل ? في هذا المجال
■ البلاغة لا تنكر في كلام الرسول
■ نقل الحديث بالمعنى وشروطه عند المحدثين
■ عدم التدوين ? حجية الحديث
■ بقية الردود على أبي رية
■ اختلاف الحديث بنظر الشيعة الامامية
■ من جعل الاختلاف سببا لعدم التدوين
■ ٤ - اتهام الدين الإسلامي بالتخلف
■ الرد عليه
■ ٥ - ? ? عاد أهل البيت عليهم السلام عن الساحة وابتعاد الناس عن أهل البيت عليهم السلام
■ هذا من أسوأ آثار منع الحديث تدوينا ورواية
■ إن هذا هو التدبير السياسي المنشود من المنع
■ نماذج من الروايات المضر ? للسلطات
■ ٦- ابعاد المسلمين عن أهل البيت عليهم السلام
■ التعدي على أهل البيت إلى حد القتل والسبي
■ ترك أهل البيت عليهم السلام في مجال الأحكام والالتزام بغيرهم , وهذا من أخطر الآثار والأضرار المترتبة على منع الحديث
■ اتهامهم لشيعة أهل البيت ورواة أحاديث الممنوعة
■ موقف المسلمين اليوم من أهل البيت وفضائلهم
■ صفات أتباع أهل البيت عليهم السلام والتزاماتهم
■ خاتمة القسم الثاني : خلاصة واستنتاج
■ تلخيص القسم الثاني
■ موقفنا من مسألة التدوين
■ موقف أمير المؤمنين عليه السلام
■ موقف أبي ذر
■ موقف أبن عباس
■ موقف علقمه
■ حصيلة الكتاب
■ الفهارس العامة
  1. الوهابيّون والبيوت المرفوعة للشيخ محمّد عليّ السنقريّ الحائريّ
  2. وصول الأخيار إلى أصول الأخبار
  3. الوسيلة العذراء للشاعر عبد الحسين شكر (ت هجري.)
  4. همزيّة التميميّ صالح بن درويش الكاظمي (ت 1261هجري.)
  5. النكت في مقدمات الاصول، في تعريف المصطلحات الكلامية
  6. نثر اللآليْ للطبرسيّ (ت 548 هجري.)
  7. مقدّمتان توثيقيتان للسيد المرعشيّ والسيد المشكاة
  8. مسند الحِبَريّ
  9. مختصر رسالة في أحوال الأخبار
  10. الكلمات المائة للجاحظ (ت 250 هجري. )
  11. فصل الخطاب في ردّ محمّد بن عبد الوهّاب النجديّ
  12. عروض البلاء على الأولياء
  13. عجالة المعرفة في اُصول الدين
  14. شفاء السقام بزيارة خير الأنام عليه السلام
  15. الرعاية في شرح البداية في علم الدراية
  16. الدرة الفاخرة في دراية الحديث
  17. الرسالة الرحمانيّة حول كتابة كلمة (الرحمن)
  18. رسالة الحقوق
  19. رسالة ابي غالب الزراري إلى ابن ابنه في ذكر آل أعين
  20. الرجال لابن الغضائري
  21. دفع الشبه عن الرسول والرسالة
  22. الخلاصة في علم الكلام
  23. خاتمة وسائل الشيعة
  24. الحكايات، في الفرق بين المعتزلة والشيعة
  25. الحقوق لمولانا زيد الشهيد عليه السلام
  26. تفسير الحِبَري أو ما نزل من القرآن في علي أمير المؤمنين عليه السلام تفسير بالحديث المأثور
  27. تسمية من قُتِل مع الحسين عليه السلام من ولده واخوته وشيعته
  28. تثبيت الإمامة لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام
  29. تاريخ أهل البيت عليهم السلام
  30. البداية في علم الدراية
  31. الباقيات الصالحات في أصول الدين الإسلامي عاى المذهب الإمامي
  32. إنجاح المطالب في الفوز بالمآرب
  33. الإمامة والتبصرة من الحَيْرة
  34. أسماء السور القرآنيّة، في مقطوعتين رائعتين في مدح النبيّ صلى الله عليه وآله
  35. الأُرجوزة اللطيفة في علوم البلاغة
  36. الأحاديث المقلوبة و جواباتها
  37. الإجازة الشاملة للسيّدة الفاضلة من الشيخ أبي المجد الأصفهاني للعلويّة الأمينيّة الهاشميّة
  38. آداب المتعلّمين
  39. نقد الحديث بين الاجتهاد والتقليد
  40. نظرات في تراث الشيخ المفيد
  41. المنهج الرجاليّ والعمل الرائد في (الموسوعة الرجالية لسيّد الطائفة آية الله العظمى البروجرديّ 1292 ـ 1380هجري)
  42. المنتقى النفيس من درر القواميس
  43. معجم أحاديث البسملة
  44. الموت أياتهاجاديثه احكامه
  45. القافية والرويّ في الشعر العربيّ
  46. ديوان الإجازات المنظومة
  47. دفاع عن القرآن الكريم
  48. حول نهضة الحسين عليه السلام
  49. الحسين عليه السلام سماته وسيرته
  50. جهاد الإمام السجّاد علي بن الحسين عليه السلام
  51. ثبت الأسانيد العوالي بطرق محمد رضا الحسيني الجلالي
  52. تدوين السنة الشريفة
  53. تحقيق النصوص يبن صعوبة المهمة وخطورة الهفوات، في النقد العلمي
  54. إيقاظُ الوَسْنان بالملاحظات على (فتح المنّان في مقدّمة لسان الميزان)
  55. أنا ـ ترجمة ذاتية للإمام أمير المؤمنين عليه السلام طبقاً للنصوص الموثوقة
  56. الأجوبة السديدة على أسئلة السيّدة الرشيدة
  57. الأجوبة الجلالية على الاسئلة الحلوانية
  58. أبو الحسن العُريضي، علي بن جعفر الصادق عليه السلام ترجمة حياته، ونشاطه العلميّ

تمهيد : متى بدأ منع التدوين

التمهيد

متى بدأ المنع من التدوين ?

في عصر النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم , لم يصدر النهي عن كتابة الحديث وتدوينه إلاّ من أعداء الرسول والرسالة ,وهم قريش المستسلمة.

فقد ثبت أنهم نهوا عبد الله بن عمرو بن العاص عن كتابة كلام النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم , بزعم أنه يتكلم في الرضا والسخط , معلنين بذلك عن عدم اعتقادهم بحقيّة جميع ما يقول , كما جاء في الحديث المشهور عن عبد الله بن عمرو , قال : كنت أكتب كلّ شيء أسمعه من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وأريد حفظه , فنهتْني قريشٌ , وقالوا : تكتب كلّ شيء تسمعه من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , ورسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بشرٌ ,يتكلم في الرضا والغضب !?

قال عبد الله : فأمسكت , فذكرت ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.

فقال:اكتب ,فوالذي نفسي بيده ,ما خرج منه إلاّ حقٌ _ وأشار بيده إلى فيه _(1).

فسلف المانعين عن كتابة الحديث هم قريش هؤلاء , وقد ردّ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم عليهم هكذا ,مؤكّداً على حقيّة حديثه السابق واللاحق , مع القسم على ما قال , واستعمال الإشارة ,أيضاً.

ثمّ لم نجد عمليةّ منع لكتابة الحديث إلا ما قام به عمر بن الخطاب من منعه لكتابة النبي ّصلّى الله عليه وآله وسلّم لما أراده عند موته صلّى الله عليه وآله وسلّم ,ذلك العمل الفظيع الذي فصّلنا الكلام عنه(2).

وأمّا بعد عصر النبوّة :

فلم يكن لمنع التدوين ذكر ولا أثر , قبل جلوس أبي بكر على أريكة الحكم , بل على العكس من ذلك , فإنّ الآثار تدلّ على أنّ أبا بكر – نفسه - قام بعمليّة التدوين فعلاً من دون تحرّج , لمّا جلس على أريكة الخلافة بعد وفاة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم , مباشرةً .

فقد نقل الذهبي : أنّ أبا بكر جمع أحاديث النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في كتاب فبلغ عددها خمسمائة حديثٍ , ثمّ دعا بنارٍ فأحرقها(3)!

والغريب أنّ أبا بكر لم يستند في إتلافه هذا الكتاب إلى نصّ شرعيّ , وإنّما برّر عمله ذلك بأنّه أتلفه مخافة أنْ يكون كتب شيئاً لم يحفظه جيّداً (3).

الهامش:

(1) لاحظ مصادر الحديث في هذه الدراسة (? 89).

( 2) لاحظ الصفحات ( ).

(3) تذكرة الحفاظ للذهبي (1/5) وعلوم الحديث لصبحي الصالح(?39) .

(4) المصادر السابقة , نفس المواضع .

==================?264

وروى القاسم بن محمد , من أئمة الزيدية عن الحاكم , بسنده عن عائشة قالت : جمع أبي الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فكانت خمسمائة حديث فبات ليلةً … فلمّا أصبح قال : أيْ بنيّة , هلمّي الأحاديث التي عندك , فجئته بها , فدعا بنار فحرقها . فقلت : لِمَ حرقتها ؟؟

قال : خشيتُ أنْ أموت وهي عندي , فيكون فيها أحاديث عن رجلٍ قد ائتمنته ووثقت به , ولم يكن كما حدّثني فأكون قد نقلت ذلك (1).

وهنا يعلّل إحراق الحديث بمجرّد خشيته المخالفة , مع تصريحه بأمانة الناقل ووثاقته , إنْ كان هناك بينه وبين النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ناقل وواسطة؟ فلو كان هناك حديثٌ عن المنع الشرعيّ , لم يكن أبو بكر ليقدم على الكتابة , أوّلاً ,? لم يكن ليعلّل الإتلاف بأمر آخر غير المنع الشرعيّ , ثانياً .

وقد قال المعلمي _ بعد أنْ أورد هذه الرواية _ : لو صحّ هذا لكان حجةً على ما قلناه _ من عدم صحّة النهي عن كتابة الحديث _ فلو كان النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم نهى عن كتابة الأحاديث مطلقا لما كتب أبو بكر (2).

الهامش:

(1) الاعتصام بحبل الله المتين (1/30).

(2) الأنوار الكاشفة ( ? 83 ) .

==================?265

ولم يُؤْثَرْ عن أبي بكر منعٌ عن تدوين الحديث بالخصوص غير إقدامه ذلك , وإنّما رووا عنه المنع عن أصل رواية الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم :

روى الذهبي : أنّ الصدّيق _ يعني أبا بكر _ جمع الناس بعد وفاة نبيهم ! فقال : إنكم تحدّثون عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أحاديث تختلفون فيها , والناس بعدكم أشدّ اختلافاً , فلا تحدّثوا عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم شيئاً , فمن سألكم فقولوا :بيننا وبينكم كتاب الله , فاستحلّوا حلاله وحرّموا حرامه (1).

ويمكن أنْ يستفاد من هذه الرواية أنّ أبا بكر منع تدوين الحديث , بأحد وجهين :

1_ بطريق الأولويّة , فإنّ أبا بكر لما منع نقل الحديث وروايته , فهو لكتابته أشدّ منعاً , لأنّ الكتابة أبقى , وسببٌ أقوي لتداول الحديث وانتشاره ,أكثر ممّا هو في مجرّد النقل .

مع أنّ الأمة بين مانع للتدوين دون الرواية , وبين مانع للاثنين , وبين مبيح لهما , وليس في الأمة من يمنع الرواية دون التدوين , فلم ينقلْ ذلك عن أبي بكر ولا عن غيره !

2_ أنّ النهي عن مطلق الحديث المفهوم من قوله : لا تحدّثوا … شيئاً ,يشمل الكتابة , وخاصة بالنظر إلى التعليل الذي ذكره , فهو يرى أنّ الحديث عن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم موجبٌ للاختلاف , من دون فرقٍ بين أن يُروى أو يُكتب ?.

الهامش:

(1) تذكرة الحفاظ للذهبي (1/3) ترجمة أبي بكر , والأنوار الكاشفة (?53) ? سنعلّق عليه بتفصيل في الملحق الأوّل ( ? 424 فما بعدها ).

===================?266

والحاصل : أنّ استفادة منع أبي بكر للتدوين , من هذه الرواية , واضحة .

ومهما يكن , فإنّ منع أبي بكر للحديث _ روايةً أو تدويناً _ لم يأخذ به أحدٌ , بحيث لم ينقل حوله شيءٌ يذكر .

وأمّا إقدام أبي بكر على إحراق حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله الذي جمعه . فبالإضافة إلى أنه أدّى إلى فقدان تلك المجموعة من الأحاديث , ومضافا إلى أنّ الإحراق للكتب عمل غير مستساغ , كما سيأتي ,فهو منافٍ لما روته ابنته عائشة عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ,قالت : نهى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عن حرق التوراة (1).

مع أنّ التوراة منهيٌّ عن تداولها وقرائتها , كما تدلّ على ذلك أحاديث التهوّك(2).

ولعلّ هذه المفارقات في عمل أبي بكر هي التي دعت بعض المتأخرين أنْ يسقط هذه الرواية عن الاعتبار , بقوله : ذكر الذهبي هذا الخبر , ولا ندري ما سنده إلى ابن أبي مليكة , وبيّن الذهبي أنه مرسل ,أي منقطع ,لأنّ ابن أبي مليكة لم يدرك أبا بكر ولا كاد , ومثل ذلك ليس بحجّة ,إذْ لا يدرى ممن سمعه (3).

الهامش:

(1) الكامل لابن عدي (1/177) ?سنتحدث المشابهة بين حرق اليهود للتوراة وبين حرق كتب السنة على أيدي اعدائها.

(2) لاحظ (? ).

(2) الأنوار الكاشفة ( ? 53 ) .

================?267

أقول : مع أنّ الذهبي وغيره أعلم بما أوردوا , فإنْ كان الخبر بهذه المنزلة من عدم الاعتبار , فلماذا أوردوه في ترجمة أبي بكر ? أليس للاعتبار به ?

ثم إنّ تشدّدهم في مسائل رجال السند إنّما هو في أحاديث أحكام الشريعة , دون غيرها من الأخبار والسير .

قال أحمد بن حنبل : إذا روينا عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم

في الحلال والحرام شدّدنا في الأسانيد, وإذا روينا عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في فضائل الأعمال وما لا يضع حكماً ولا يرفعه تساهلنا في الأسانيد (1).

ثم تلاه عمر , فلما تربّع على أريكة الحكم أبدى في بداية أمره رغبةً في جمع الحديث وكتابة السنن , لكنه بعد مدّة , بدا له منع التدوين , وبشدّة فائقة , إلى حدّ أنْ عمّم ذلك في أمرٍ رسميٍّ على الجميع .

ومن هذا التاريخ بالذات بدأ حديث المنع عن تدوين الحديث يتسرّب وينتشر .

والذي يستوقف الناظر أمران :

1 _ أنّ أبا بكر وعمر , لم يعمدا في إجرائهما إلى الاستدلال بثبوت المنع في ما سبقهما من عصر النبوّة , ولا استندا في عملهما إلى حديثٍ مرفوعٍ عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , أو أحدٍ من علماء الصحابة (2).

بل لم نجد غيرهما من المانعين استند إلى نهي نبويّ عن التدوين .

قال المعلمي : لم يثبت استدلال أحدٍ منهم بنهي النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم (3).

الهامش:

(1) طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (1/ 425) وذيله لابن رجب (1/ 135)والمستدرك للحاكم (1/490)والكفاية للخطيب(?134)وانظر شرح علل الترمذي لابن رجب (1/ 72-74)?جامع بيان العلم (1/31) فإنه قال :والحجة من جهة الإسناد إنما تتقصّى في الأحكام وفي الحلال والحرام .وقد جعل الخطيب ذلك مما ينبفي للمحدّث ,فلاحظ:الجامع لأخلاق الراوي (2/ 122-123).

(2) الحديث والمحدّثون لأبي زهو (? 233 - 234 )وانظر دلائل التوثيق المبكر (? 234 )فإنه أكد على أن موقف عمر لم يكن على أساس منع النبيّ صلّى الله عليه وآله .

(3) الأنوار الكاشفة (? 34 ).

==========================?268

وهذا في نفسه سببٌ للتشكيك في شرعية إجراء المنع , وكذلك في ما نقل بعد ذلك من أحاديث مرفوعة يستدلّ بها على المنع ,وسيأتي تفصيل لهذا الأمر .

2_ أنّ التوجّه إلى منع التدوين , وبذلك الأسلوب , يوحي :أنّ عمليّة التدوين كان لها شأنٌ بليغٌ , وأنّها كانت قائمةً على قدمٍ وساقٍ , بحيث استدعى تنفيذ المنع القيام بتلك المبادرات الشديدة من الحكام .

بل أحاديث المنع ورواياته فيها ما يدلّ بوضوح على وقوع التدوين بشكل واسع , قبل التعرّض لعملية المنع .

قد قال الدكتور فؤاد سز كين _ بعد أن ذكر بعض روايات المنع _ : إنّا نتبين _ من الخبرين النافيين _ اهتماماً بالتدوين في وقتٍ مبكرٍ , للغاية (1).

ويقول في الجواب عن : متى ظهر التحرّج من كتابة الحديث ? ما نصّه : ليس هناك ما يمنع من افتراض كون الصحابة والتابعين قد أرادوا المحافظة على أقوال الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم , وما روي عنه , فقاموا بتدوينها خوفاً عليها من الضياع ,وهل يجوز أنْ تترك أقوال الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم لمصادفات الحفظ في الصدور , في مجتمع كانت الأقوال المأثورة للبشر العاديين تحفظ بالتدوين ?!

الهامش:

(1) تاريخ التراث العربي لسز كين (1/1/233).

==================?269

فهذا الرأي الخاص بصدر الإسلام رأيٌ صحيح , غير أنه قد ظهر لدى القوم _ في ما تلا هذا من زمن _ تحرّج من الاحتفاظ بالحديث على شكل مدوّن (1).

وأمّا أشخاص المانعين :

فهم _ بعد أبي بكر وعمر _ : أبو سعيد الخدري , وابن مسعود , وزيد بن ثابت , وأبو موسى الأشعري (2).

ويكاد عدد المانعين ينحصر في هؤلاء , لولا أنّ المنع نسب إلى آخرين من الصحابة , بينما هم من المبيحين , الذين أثرتْ عنهم الكتب , مثل : أبي هريرة , وابن عباس (3).

كما أنّ الإباحة نسبت إلى بعض رؤوس المانعين , كعمر وأبي بكر وعثمان (4).

وقد بحث الفقهاء في حكم اقتناء كتب الضلال – وإن كان ذلك أخصّ مما نحن فيه – فحكم المحققون منا بجواز ? لمن يريد أن يطلع على ما فيها للرد عليه , بل يجب ذلك – كفاية أو عينا - عند اللزوم .

وقال السلفية المتعنتون – ويمثلهم ابن قيّم الجوزيّة - :يجب إتلافها وإعدامها , وهي أولى بذلك من إتلاف آلات اللهو والمعازف وإتلاف آنية الخمر , فأن ضررها أعظم من ضرر هذه , ولاضمان فيها كما لا ضمان في كسر أةاني الخمر وشق زقاقها (5).

وقال :الكتاب الذي يخشى منه الضرر والشرّ ,فالحزم المبادرة إلى إتلافه وإعدامه ,وقد إفتى ابن تيمية بحرق بعض الكتب (6).

لكن الإمام المحقق السبكيّ في مسألة إعدام كتاب الحكم وعدمه , أفتى بعدمه وقال: لأنّ عند إعدامه قد يقول قائل : قد كان ما فيه حقاً , وأما عند وجوده فالفاصل يتأمّله فيفهم بطلانه (7).

أقول : كلامه وإن كان في أوراق المحطمة , إلاّ أن كتب العلم زخصوص كتب السنة أولى بما جاء في تعليله.

وفي مقابل هؤلاء نجد أكثر الصحابة يقولون بجواز التدوين وإباحته, وكثير منهم قد زاول عمل الكتابة والتدوين ,وقد فصّلنا عن جهودهم في ذلك , قولاً وعملاً , في الفصل الرابع من القسم الأول .

الهامش:

(1)تاريخ التراث العربي لسز كين (1/1/226).

(2) مقدّمة ابن الصلاح (? 296 )علوم الحديث لابن الصلاح ,تحقيق عتر (?181).

(3) انظر محاسن الاصطلاح (?297 ).

(4) لاحظ تقييد العلم للخطيب فإنا نجد فيه نسبة إباحة التدوين إلى من ذكره من المانعين , وكذلك العكس , ? هذا في نفسه تناقض لابدّ في رفعه من توجيه ?!ولاحظ ما ذكرناه (? 8 – 209 ).

(5) الطرق الحكمية في السياسة الشرعية (?322-325).

(6) زاد المعاد لابن القيم (3/ 581)وانظر : حول إبادة الكتب وحرقها : المصنّف لابن أبي شيبة باب تحريق الكتب (6/ 211-212) طبعة دار الفكر , ومصنّف عبد الرزاق (11/ 424) ? سير أعلام النبلاء (1/ 377).

(7) طبقات الشافعية للسبكي (10/ 290-291).

================?270

فنجد أنّ المنع _ بالرغم من تبّني السلطة له , ودعمها إيّاه بكلّ الأساليب _ لم يصبح واقعاً متسالماً عليه , بل ظلّ منحصراً في أطر خاصّة , وانقسم الصحابة أنفسهم , فنجدهم مختلفين بين قليل مانع , وكثير مبيح .

فلو أعرضنا عن الترجيح بينهم بالكثرة والقلة, وأعرضنا _ كذلك _ عن جميع ما مرّ في القسم الأوّل _ من هذه الدراسة _ من الأدلّة على إباحة التدوين, والذي يلزم من ذلك عدم نسبة المنع إلى الشرع الإسلامي , فلو أعرضنا عن كلّ ذلك:

يمكننا _ استنادا إلى الأمرين التاليين _ إثبات أنّ المنع من التدوين لم يكن إلاّ رأيا شخصيّا من عمر , وتبعه بعض الصحابة الدائرين في فلك سياسته ,والأمران هما :

1_ عدم إسناد عمر وأتباعه عمل المنع , إلى أيّ نصّ من الشارع الأقدس كما ذكرناه سابقاً , وسنعيده .

2_ مخالفة الصحابة , لإجراء المنع , فلو كان للمنع أصلٌ شرعيٌّ لم يَخْفَ على الصحابة المعارضين _ وهم الأكثر عدداً _ , ولم يختصّ علمه بعمر والعدد الضئيل ممن تبعه من المانعين .

مع أنّ في المبيحين من الصحابة من هو أكثر اتصالاً بالنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم من أقاربه وخاصّته , مثل أميرالمؤمنين عليّ عليه السلام ابن عمّه , وحتى أنس بن مالك خادمه , وعائشة زوجته .

=====================?271

فلو كان حكم التدوين ثابتاً _ في الشرع المبين _ أنه حرامٌ وممنوعٌ , لم يكن عليّ عليه السلام , وأنس وأمثاله , يخفى عليهم ذلك الحكم, لفرض اتصالهم الوثيق بمصدر الشريعة, فكيف إذا علمنا أنّ هؤلاء من المصرّين على إباحة التدوين ? بل من المؤكّدين عليه ,والمزاولين له , بحيث أثرت عنهم كتبٌ ومؤلّفات , كما عرفنا في الفصل الرابع من القسم الأوّل .

ويدلّ إعراضهم عن إجراء عمر للمنع , على أنّ الصحابة المجوّزين للتدوين لم يُعيروا اهتماما لذلك الإجراء , ولم يعتبروه أمراً شرعيّاً مستنداً إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , ? إلاّ لم يخالفوه , هكذا , علانيةً ,لأنهم أتقى من ذلك .

وليس لأحدٍ أنْ يقول : إنّ مخالفة هؤلاء معارضةٌ بموافقة مجموعة من الصحابة لإجراءات عمر , المانعة من التدوين ?!

لأنا نقول : إنّ الصحابة اختلفوا في أمر التدوين على فريقين , فمنهم من ترك الكتابة , ومنهم من فعلها أو أباحها لمن أقدم عليها , ولا يمكن تقديم الترك على الفعل , لأنّ دلالة الفعل نصٌّ , ودلالة الترك ظاهر , لأن الترك أعمُّ من الحرمة , كما هو واضح , وتقديم النصّ على الظاهر واجب .

ونظراً إلى هذين الأمرين , يمكن القول _ بالقطع _ بأن إجراء المنع إنما كان رأيا شخصيّاً لعمر ,ارتآه لغرضٍ خاصٍّ به .

مع أنّ النصوص الناقلة لحديث منع عمر وأتباعه , تدل بنفسها على أن إقدامهم لم يكن مستندا إلى أصلٍ شرعيٍّ , وإنّما كان رأيا رأو ? , حسب ما اعتبروه من المصلحة , فلنستعرض تلك النصوص :

==================?272

1_ قال عروة بن الزبير : إنّ عمر بن الخطاب أراد أنْ يكتب السنن فاستشار في ذلك أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , فأشاروا عليه : أنْ يكتبها , فطفق عمر يستخير الله فيها شهراً , ثمّ أصبح يوماً , وقد عزم الله له , فقال : إني كنت أردتُ أنْ أكتب السنن , وإني ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً , فأكّبُوا عليها , فتركوا كتاب الله تعالى , وإني _ والله _ لا ألبس كتاب الله بشيء أبداً(1).

وفي بعض نقول هذا النصّ : أنّ أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أشار عامّتهم بذلك , أي : بكتابة السنن (2).

وهذا النصّ يحتوي على أمور مهمّة :

1_ أنّ عمر أراد أنْ يكتب السنن , فاستشار .

يدلّ هذا على أنّ الكتابة لم تكن ممنوعةً , ولا حراماً , في الأصل , وإلاّ فكيف يريد عمر أنْ يكتب السنن ?

كما انه يدلّ على أنّ عمر لم يكن يعرف من النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم نهياً عن التدوين, فأخذ يستشير الصحابة ,

كما يدلّ على ذلك - أيضاً - قوله : فطفق عمر … شهراً , مضافاً إلى أنّه لم يستدلّ بالنهي الشرعيّ , وإنما علّل المنع بغير ذلك , كما سيجيء .

الهامش:

(1) تقييد العلم (? 49 ) ورواه في دفاع عن السنة (? 21 )عن البيهقي في المدخل .

(2) تقييد العلم (? 50 ? 51 ).

==============?273

وقال المعلمي _ في استشارة عمر , وإشارة الصحابة عليه بالتدوين _ ما نصه : فلو كان النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم نهى عن كتابة الأحاديث مطلقاً لما همَّ بها عمر , ? [ لما ] أشار بها عليه الصحابة (1).

2_ أنّ أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , أو عامتهم , أشاروا عليه أنْ يكتبها .

فأصحاب الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم لم يكونوا متحرّجين من كتابة السنن .

3 _ أنّ عمر _ بالرغم من أنه استشار الأصحاب فأشاروا عليه أنْ يكتب الحديث _ خالفهم ولم يأخذْ بآرائهم , بل منع الكتابة .

وهذا استبدادٌ بالأمر , إذْ بعد الإشارة عليه من عامّة الأصحاب , يجب عليه الأخذ بآراء الأكثرية _ على الأقلّ _ وهذا يدلّ على أنّ المنع لم يكن إلاّ رأياً خاصّاً له , مخالفاً للجميع (2) كما يدلّ عليه النصّ التالي أيضاً :

قال يحيى بن جعدة : إنّ عمر بن الخطاب أراد أنْ يكتب السنة, ثمّ بدا له أنْ لايكتبها , ثمّ كتب في الأمصار :من كان عند ? منها شيءٌ فليمحه (3).

الهامش:

(1) الأنوار الكاشفة (? 38 ).

(2) الحديث ? المحدّثون , لأبي زهو (? 126 ) والغريب أن النص يحتوى على نسبة ذلك إلى الله - تعالى - بقوله :ثمّ أصبح ? قد عزم الله له , ? يقول أبو شهبة : ولكن الله لم يردْ له , دفاع عن السنة (? 21 ).

(3) تقييد العلم (? 53 ).

=================?274

وهذا النصّ يحتوي على :

1_ إرادة عمر لكتابة السنة .

وهذا كما مضى يعني أنّ الكتابة لم يكن فيها حرجٌ أو منعٌ في أصل الشرع .

2_ أنّ قوله :أراد ,وقوله : بدا له ,يدلاّ ? _ بوضوح _ على أنّ إقدام عمر كان عن رغبة شخصيّة , ومستنداً إلى إرادته الخاصّة , وأنّه كان يعمل ما يبدو له , كما دلّ عليه النصّ السابق أيضاً , وإلاّ لاستند في منعه إلى إرادة الشارع ونهيه .

3_ قال القاسم بن محمد بن أبي بكر : إن عمر بن الخطاب بلغه أنه قد ظهر في أيدي الناس كتب , فاستنكرها وكرهها , وقال : أيّها الناس , إنه قد بلغني أنه قد ظهرت في أيديكم كتب , فأحبّها إلى الله أعدلّها وأقو مها , فلا يبقينّ أحدٌ عند ? كتاباً إلاّ أتاني به , فأرى فيه رأيي .

قال : فظنّوا أنه يريد ينظر فيها ويقوّمها على أمرٍ لا يكون فيه اختلاف , فأتو ? بكتبهم , فأحرقها بالنار , ثمّ قال : أمنية كأمنية أهل الكتاب (1).

وفي بعض النقول : مثناة كمثناة أهل الكتاب (2).

والمستفاد من هذا النصّ أمور :

الهامش:

(1) تقييد العلم (? 52 ).

(2) طبقات ابن سعد (1/140)طبع ليدن والصواب (مشناه )بالشين ? الهاء , كما يـأتي مفصّلاً (340).

======================?275

1_ قوله : قد ظهر في أيدي الناس كتب .

يدلّ هذا على أنّ الكتب كانت منتشرةً بين الناس , ومعناه عدم تحرّجهم منها , وإلاّ فلو كان في ذلك حرمةٌ لم يكن أهل ذلك العصر , وهم صدر الإسلام وأهل خير القرون ? وفي تلك الكتب ما كتبه جمع من الصحابة قطعاً , إنْ لم يكن جميع ما في الكتب منقولاً عنهم ? لم يكونوا ليتداولوها بينهم وتكون في أيديهم ? وهذا _ في نفسه دليلٌ على أنّ حكم التدوين _ أوّلاً , وقبل المنع العمري _ هو الجواز والإباحة .

2_ قوله : فاستنكرها , وكرهها .

وهذا يدلّ على أنّ الأمر يرتبط بمحض إرادة عمر وكراهته , دون أنْ يكون في الكتب ما يوجب الكراهة , والاستنكار الواقعي , وذلك :

1?_ إنّ عمر إنّما كره الكتب واستنكرها , قبل أنْ يراها , كما يدلّ عليه النصّ بوضوح .

2?_ إنّ وجود الكتب في أيدي الناس , واحتفاظهم بها , دليلّ واضح على عدم احتوائها على ما ينكر أو يكره , إنْ أردنا أنْ نحسن الظنّ بالناس كلّهم! وإلاّ , لصرّح لهم عمر بما فيها , ولما قال : أحبّها إلى الله أعدلها وأقومها , فإنّ هذا الكلام يدلّ على عدم علم عمر بما فيها , وأنه يحتمل وجود الأعدل والأقوم فيها , بل العدل والقائم أيضاً .

====================?276

3_ قوله : فظنّوا … فأحرقها .

يدلّ على مدى البُعد الشاسع بين عمر , وبين الناس , حيث كانوا يظنُون به أمراً , بينما هو يعمل ما لا يتوقّعون , فلم يكن ما قام به إلاّ رأياً صادراً منه بالخصوص , من دون أن يوافقه أحدٌ من الناس , بل , ? نّ بعض النصوص يحتوي على الجملة التالية : ولو أنّ الناس علموا أنّ عمر يفعل بالكتب ذلك _ أي يحرقها _ لما أتوه بها , ولأخفوها عنه !? .

4_ قوله : أمنية كأمنية أهل الكتاب .

هذا الكلام ظاهر في أنّ المصلحة التي رآها عمر في إجراء المنع , تصوّره أنّ الناس سيلجأون إلى الكتب , ويهملون القرآن , كما فعل أهل الكتاب بما كان لديهم من الكتب وأهملوا التوراة .

وهذا _ بالرغم من أنه سوء ظنٍّ بالناس ,صد ? من عمر _ فهو أحدُ التبريرات المطروحة للمنع , والتي سنناقشها بتفصيل في بعض ما يلي من الفصول .

5_ وأخيراً : فإنّ لجوء عمر إلى إحراق كتب السنة بالنار, عمل يستوقف الناظر , للاعتبار : ولا نريد أنْ نتساءل عن المجوّز الشرعيّ في أنْ يحرق كتب الناس وهي أموالهم الخاصّة , من دون رضاهم ,كما هو ظاهر الرواية ? فإنّ ذلك أمرٌ راجع إلى الناس , كي يطالبوا به الخليفة !

لكنا نريد أن نسأل عن خصوص إبادة كتبٍ ,يحتمل عمر أنْ تحتوي على ما هو ? الأعدل والأقوم - بنصّ الخليفة نفسه _ ولابدّ أنْ يكون فيها الكثير من سنن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم , لفرض أنّ الكتب كانت صادرةً من الناس الذين فيهم علماء الصحابة ?

=============?277

فنسأل عن خصوص الإبادة بالإحراق بالنار؟.

هل علماء الإسلام يوافقون على هذا الإقدام , فيُجيزون لأحدٍ أنْ يحرق كتاباً من كتب السنة بالنار ? اتّباعاً لفعل عمر وسنّته العملية تلك ؟؟.

إنّ الإجابة على هذا صعبةٌ جدّاً , وخاصّة أنّ الكتب الأولى في صدر الإسلام كانت عزيزة , ولابدَّ أنها كانت تحتوي على أصول السنن , وقد فات ما فيها بالإحراق حيث لا تتدارك أصلاً وابداً!!

كما لوحظ في ما أتلفه أبو بكر من حديثه الذي جمعه , فقد صرّح بأنه جمع خمسمائة حديث , بينما الموجود من حديثه _ كما أحصاه ابن حزم ? السيوطي _ هو (142) حديثاً فقط , فالباقي _ وهو (358) حديثاً _ قد أتلفها أبو بكر , ولا يوجد بين الأمة منها عيٌن ولا أثرٌ (1).

فلعل في ما أحرقه عمر أيضاً كثير من ذلك ?.

وقد اتبع موافقو عمر أثره في إبادة الحديث , لكن لا بالإحراق , بل بمجرد الغسل بالماء, كما سيأتي في نقل آثار أبي موسى الأشعري وغيره .

لكن أساليب الإبادة , خفّت في ما تلا ذلك من العصور : من الإحراق والغسل , إلى مجرّد الد فن .

قال إبراهيم بن هاشم : دفنّا لبشر بن الحارث ثمانية عشر ,ما بين قمطر وقوصرة (2).

الهامش:

(1) أسماء الصحابة الرواة (? 35 )? تاريخ الخلفاء للسيوطي (? 66 )? انظر نهاية هذا القسم عن آثار المنع (? 482 )وخاصة (? 486 ).

(2) تقييد العلم (? 62 - 63 ).

==================?278

لكن واحداً من كبار المحدّثين , وأئمّة الحديث وهو أحمد بن محمد ابن حنبل الشيباني صاحب المسند أبدى استيائه من ذلك , فقال : لا أعلم لدفن الكتب معنى (1).

كما أنّ ابن الجوزي جعل ? دفن كتب العلم , وإلقاءها في الماء من تلبيس إبليس على جماعة من القوم , وقال : قد كان جماعةٌ منهم تشاغلوا بكتابة العلم , ثم لبّس عليهم إبليس وقال : ما المقصود إلاّ العمل ,ودفنوا كتبهم .

وأضاف : إنّ العلم نور , وإنّ إبْليس يحسّن للإنسان إطفاء النور , ليتمكّن منه في الظلمة , ولا ظلمة كظلمة الجهل , ولمّا خاف إبْليس أنْ يعاود هؤلاء مطالعة الكتب , فربما استدلّوا بذلك على مكايده حسّن لهم دفن الكتب وإتلافها .

وهذا فعل قبيحٌ محظورٌ وجهلٌ بالمقصود بالكتب .

وقال : واعلم أنّ الصحابة ضبطتْ ألفاظ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم … فإذا كانت الصحابة قد روت السنة , وتلقاها التابعون وسائر المحدّثين , وقطعوا شرق الأرض وغربها لتحصيل كلمةٍ من ههنا وكلمةٍ من ههنا , وصحّحوا ما صحّ , وزيّفوا ما لم يصحّ , وجرحوا الرواة وعدّلوا , وهذّبوا السنن وصنّفوا .

ثمّ من يغسل ذلك, فيضيّع التعب , ولا يعرف حكم الله في حادثة؟!

فما عُوندت الشريعةُ بمثل هذا !

الهامش:

(1) تقييد العلم (? 63 ).

============?279

أفترى , إذا غسلت الكتب , ودفنت !على من يعتمد في الفتاوى والحوادث (1) ؟؟

أقول : والدفن الذي ذكر , واحدٌ من طرق إبادة كتب الحديث , التي زاولها كثير من المانعين , لكنه هو أهونها , لأنّ الكتاب المدفون , له قابلية البقاء _ تحت الأرض _ لفترةٍ , قد يتلافى أمره , فيستخرج قبل أنْ يتلف , بخلاف الإبادة بالإحراق , أو الإماثة في الماء , والإمحاء بالغسل, فإنّ الكتاب _ في هذه الحالات _ غير قابل للإعادة , ولا يستفاد منه أصلاً .

فإذا كان ابن حنبل _ وكذا ابن الجوزي _ يشنّان الحملة على دفن الكتب ويستنكرانه , فهما بالأولى يستنكران الإحراق بالنار ويقبحانه .

ولا أتصوّر أنّ قبح هذا العمل يزول إذا كان الفاعل له شخصٌ معيّن كعمر , أو غيره !?

ولو أبحنا للفرد أنْ يتلف الكتاب الذي كتبه هو , باعتبار أنه مسلّطٌ على ماله , ولم يكن من الإسراف المنهيّ عنه شرعاً , أو التبذير كذلك , فإنّ إتلاف الإنسان لكتاب غيره , من دون رضاه محرّم شرعاً , وموجبٌ للضمان وضعاً , فكيف بمن يحرق كتب الناس , وهم جيلٌ أو جماعةٌ كبيرةٌ !

فإنه بالإضافة إلى المسؤوليّة الشرعيّة , ينوءُ تحتَ مسؤوليّة حضاريّة ثقيلة , ويواجه محاسبة ثقافيّة دقيقة , فلا ينجو من كلّ ذلك العقاب والعتاب أيّاً كان سلطانا , أو خليفة ?!.

وقد حاول البعض تبرير عمل الذين أقدموا على إبادة الكتب بوجوه لا تقنع أبداً :

مثل ما ذكره صبحي الصالح :ومن المؤسف أنّ ورع بعض الصحابة كان يحملهم على إتلاف ما كتبوه من الأحاديث لأنفسهم مخافة أن تكون الذاكرة قد خانتهم(2).

أقول :حتى لو كان ذلك ناتجاً من الورع فإنه بلاريب ورعٌ مظلم, ولا يُطاع الله من حيث يُعصى , وإلاّ فما وجه الأسف الذي يبديه الدكتور على عمل سببه الورع ? ثمّ أي نوع من الورع هذا الذي لم يعرفه التابعون , بل أجمع عليه المتأخرون , بل أصبح مفخرة لمن تجاوزه وأقدم على تخليد الكتب , كما هو الحقُّ , فما هذا التناقض بين القول والفعل ؟؟

وقال بعض المتسلّفين المعاصرين - وهو يتكلّم عن إعدام الكتب -:إنه موقف صحيح بالنظر إلى مصالح الأمّة المسلمة , فإنها جماعة متّحدة في فكرها والمهمّة الملقاة على كواهلها لا يمكن القيام بها من غير هذه الوحدة , فلن يرضى الإسلام بأن تتلاشى هذه الوحدة الفكرية فتعرض الأمّة لردّة عقليّة أو فوضى فكرية , لأنّ الأمّة لا تستطيع أن تقاوم القوى المعارضة لها في العلم والفنّ ما دام إيمانها بفلسفة حياتها ضعيفاً وما دامت أسسها الفكرية غير راسخة(3).

أقول – هذا الكلام المعسول ليس من نمط كلام السلفية ولا من شأنها واهتمامها , فإنها لم تفكّر في وحدة الأمة يوماً ما ,بل كانت على طول الخطّ سبباً لتفرّق الأمة وتنازعها ? تشتّتها ,كما هو المعروف من تاريخها , منذ بزوغ نجمها النحس في سماء الإسلام في القرن الثامن , على يد ابن تيمية الحراني الشامي , وحتّى عصرنا الحاضر - ومع ذلك يرد عليه بوجوه:

فأوّلاً : إنّ البحث عن الكتب في داخل الأمة – كما يعلم من أمثلة الكتب التي يحذّر هو منها – مثلاً كتب السنّة التي أقدم السلف على إبادتها , إنما هو بحث عما هو مقوم لفكر الأمة , وبه تتمكن من تحديد أدوات معرفتها وترسيخ أسس فكرها , وهي وسائل الإيمان بفلسفة حياتها , فالانقضاض على هذه الأدوات والوسائل تحطيم لما يدّعيه هذا القائل , ونسف لما يتباكى عليه.

وثانياً: إنه يتحدّث عن الأمة جميعاً من الماضي إلى الحاضر , وفي عصرنا فقط ما يناهز المليار مسلم , ويجعلهم كأنهم بحاجة إلى ولاية الحزب السلفي , لأنهم لا يعرفون ماذا يقرأون وما لا يقرأون ? بينما في الأمة من العلماء والخبراء والرجال المفكرين من يقرأ ,ويجب أن يقرأ لكي يعرف ما للعدوّ من الرأي والفكر ,حتى يمكنه معارضته إذا كان باطلاً ,بل المسلمون يعلمون أن معارضة العدو لا تمكن إلاّ بمعرفة فكره ورأيه وأهدافه ,كما تقول الحكمة : اعرف عدوّك حتى تقدر على التغلّب عليه , بينما الأسلوب الذي تتبعه هذه الفئة تؤدّي إلى تقزيم الأمة بحجم السلفية الضحلة .

وثالثاً: وبالنسبة إلى فكر الأعداء من خارجي الأمة : متى كانت المقاومة للعدوّ تحصل بإبادة الكتب والجهل بالآراء مهما كانت باطلة ?

وهل الانتصار في مجال إبادة الكتب وإحراقها وتغييبها عن العقول هو الانتصار المطلوب لكم ?

وهل التوسّل بسلاح الجهل بالآراء وأقوال الآخرين هو الطريق الأفضل لنصرة الإسلام في هذا العصر الذي توسّعت فيه أدوات المعرفة ووسائل الاستطلاع على المعلومات بشكل واسع ,عبر الأثير, وغيره ؟؟

ثمّ أين الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة ? والجدال بالتي هي أحسن ? إذا كان المسلم لا يعرف فكر الذي يجادله , لأن السلفية لا يسمحون بقراءة كتب الفكر الآخر ?

وأخيراً: فإنّ الحديث عن السنّة التي منعها سلف هؤلاء المتحجرين , لا يأتي فيه شيء مما ذكره القائل , فإنّ الذين جمعوا السنن لم يكونوا إلاّ من صميم هذه الأمة ومن كبار الصحابة والتابعين .

وأسخف ما وقفت عليه في هذا الباب كلام الذهبي التركماني – وهو يتحدّث عن إعدام بعض الأحاديث – فبكلّ صلافة يقول: وهذا في ما بأيدينا وبين علمائنا فينبغي طيّه وإخفاؤه , بل ,وإعدامه ! لتصفو القلوب وتتوفّر على حبّ الصحابة , والترضّي عنهم , وكتمان ذلك متعيّن عن العامّة وآحاد العلماء , وقد يرخّص في مطالعة ذلك خلوةً للعالم المنصف العريّ عن الهوى ,بشرط أن يستغفر لهم (4).

وهذا أخطر المبرّرات , حيث لم يحاول الغبيّ إخفاء هواه وأغراضه , بل يصرّح بكلّ وقاحةٍ بإخفاء ما سمّاه حديثاً , ويعلن عن أنّ ذلك لغرض حبّ من يسمّيهم صحابة , متغافلاّ عن أنّ الصحابة إنّما يعرفون من خلال هذه الأحاديث التي يريد إخفاءها عن المسلمين حتى العلماء منهم ,ولماذا ,فهل أنت أحرص على الدين من الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم الذي صرّح وأعلن في تلك الأحاديث بما يلزم عن حال أولئك الذين تتباكى عليهم وتسمّيهم صحابة !

ثمّ لو كانوا صحابة – صدقاً وحفاً – لما كانوا يفعلون ما تخشى أن يعرفه الناس من أفعالهم التي تدعو للاستغفار لهم؟!

ثم ما هذا التخفّي والتلوّن مع الناس , فكأنَّ جريمةً تتعاطى ? أو ذنباً يعمل ? بينما هي أحاديث واردة عن النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم , وفيها من الحق ما لم تقدر على تكذيبه وتضعيفه ورده , وإلاّ فما أسرعكم إلى ذلك ? كما هو عادة أهل الجرح والتعديل؟ فلماذا اللجوء إلى أساليب السرّاق ? المغتالين؟

الهامش:

(1)نقد العلماء ,أو تلبيس إبليس (? 314 - 316 ).

(2)علوم الحديث لصبحي الصالح(?36).

(3) كتب حذّر العلماء منها (1/44).

(4) سير أعلام النبلاء (10/ 92).

==========================?280

وأمّا موافقو عمر في رأيه وفعله, فإنّ الآثار المنقولة عنهم, كالتالي :

1_ قال أبو نضرة : قلنا لأبي سعيد : اكتتبنا حديثاً من حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم . قال : امحه (1).

2_ قال عبد الرحمن بن أبي مسعود : كنّا نسمع الشيء , فنكتبه , ففطن لنا عبد الله _ يعني : ابن مسعود _ فدعا أم ولده , ودعا بالكتاب , ? بإجانة من ماء , فغسله (2).

3_ وقال أبو بردة : كان لأبي موسى تابع , فقذفه في الإسلام , فقال لي : يوشك أبو موسى أنْ يذهب , ولا يحفظ حديثه, فاكتب عنه , قال : قلت : نعم ما رأيت . قال : فجعلت أكتب حديثه . قال : فحدّث حديثاً , فذهبت أكتبه كما كنت أكتب , فارتاب بي , وقال : لعلّك تكتب حديثي ? قال : قلت : نعم .

قال : فأتني بكلّ شيء كتبته . قال : فأتيته به , فمحاه , ثم قال : احفظ كما حفظت (3) .

الهامش:

(1) تقييد العلم (? 38 ).

(2) سنن الدارمي (1/102 ).

(3) طبقات ابن سعد (4/112) .

===============?281

وفي حديث : قال أبو بردة بن أبي موسى : كنتُ كتبتُ عن أبي كتاباً , فدعا بمركن ماء فغسله فيه (1).

4_ وقال أبو بردة _ أيضاً _ : كان أبو موسى يحدّثنا بأحاديث , فنقوم _ أنا ومولى لي _ فنكتبها , فقال : أتكتبان ما سمعتما منّي؟ قالا : نعم .قال : فجيئاني به , فدعا بماء فغسله (2).

وتشترك هذه الآثار مع ما تقدّم من الآثار عن عمر ,في أمرين :

1?_ أنّ هؤلاء , لم يحاولوا أن ينسبوا شيئاً إلى الشرع , أو يستدلّوا لفعلهم بنص عن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم (3).

وهذا _ في ذاته _ ممّا يشكّك في الأحاديث التي نقلت عنهم , والتي ? سب وا فيها النهي عن الكتابة إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم , بقطع النظر عن ضعفها سنداً , كما سيجيء مفصلاً في الفصل الأوّل من هذا القسم .

2_ أنّ إقدام هؤلاء _ مهما كانت مبرّراته ومصالحه _ لم يكن إلاّ رأياً منهم , لم يكن ملزماً للآخرين , لأنه :

1?_ مخالف لما ثبت في الشرع الشريف من إباحة التدوين , وقد ذكرنا ذلك في القسم الأوّل (4).

الهامش:

(1) تقييد العلم (? 41) .

(2) تقييد العلم (? 40).

(3) بل كما يقول في دلائل التوثيق المبكر (? 235) :أعطوا أسبابا شخصية لعدم موافقتهم , بدلاً من أن يستشهدوا بالأحاديث المانعة .

(4) انظر ما مضى (? 255 ? بعدها ) .

====================?282

وقلنا في نهايته : إنّ عمل هؤلاء المانعين هو اجتهاد _ لو صدق عليه الاجتهاد _ في مقابل النصّ , وقد اعترف الصحابة والعلماء ,أنه لاحقَّ لأحدٍ في الالتزام به , وأنه الهلاك الذي حذّر عنه ابن عباس في الحديث التالي :

روى سعيد بن جبير , عن ابن عباس , قال : تمتّع النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم .فقال عروة بن الزبير : نهى أبو بكر وعمر عن المتعة !.

فقال ابن عباس : ما يقول عُرَيَّةُ ? قال : يقول :نهى أبو بكر وعمر عن المتعة ! .

فقال ابن عباس : أراهم سيهلكون , أقول : قال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم , ويقول :نهى أبو بكر وعمر (1).

وفي حديث : قال ابن عباس : إنّي أحدّثكم عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم , وتجيئوني بأبي بكر وعمر ?!.

فقال عروة : هما _ والله _ كانا أعلم بسنّة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , وأشيع لها منك !.

قال الخطيب البغدادي _ حول جواب عروة _ : قلت : قد كان أبو بكر وعمر على ما وصفهما عروة , إلاّ أنه لا ينبغي أن يقلّد أحدٌ في ترك ما ثبتت به سنة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم (2).

الهامش:

(1) مسند أحمد - ? شاكر – (5/48 ?3121 ) ? طبعة مصر ( 6 أجزاء ) (1/337 ) وجامع بيان العلم (2/196) والفقيه والمتفقه (1/145) والسنة قبل التدوين (? 88) .

(2) الفقيه والمتفقة (1/145).

================?283

وكان عبد الله بن عمر يفتي بالذي أنزل الله عزّ وجلّ من الرخصة بالتمتّع , وبما سنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فيه , فيقول ناسٌ لابن عمر : كيف تخالف أباك , وقد نهى عن ذلك ? فيقول لهم عبد الله : ? يلكم , ألا تتّقون الله ! إنْ كان عمر نهى عن ذلك ,فيُبتغى فيه الخير ?! فلم تحرّمون ذلك , وقد أحلّه الله , وعمل به رسول الله عليه الصلاة والسلام ؟؟! ? فرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أحقُّ أنْ تتّبعوا سنّته ? أم سنة عمر ?!(1).

وروى الربيع بن حبيب من محدثي الإباضية , عن جابر بن زيد ,قال : بلغني عن سعد بن أبي وقاص , والضحّاك بن قيس : اختلفا في التمتّع بالعمرة إلى الحجّ ,فقال الضحّاك : لا يصنع ذلك إلاّ من جهل أمر الله ! فقال سعد: بئس ما قلت ! فقال الضحاك :إنّ عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك ?! فقال سعد: قد صنعها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وصنعناها معه (2).

وقال الشافعي : لقد ضلّ من ترك قول رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لقول من بعده (3).

وقال ابن حزم : ومن جاءه خبر عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقرُّ أنه صحيح , وأنّ الحجة تقوم بمثله ,أو قد صحّح مثل ذلك الخبر في مكان آخر ,ثمّ ترك مثله في هذا المكان , لقياسٍ ,أو لقول فلانٍ وفلانٍ ,فقد خالف أمر الله وأمر رسوله ,واستحقّ الفتنة , والعذاب الأليم (4).

الهامش:

(1) مسند أحمد (2/95) وطبعة شاكر :(8/77) ? (5700 ) وإسناده صحيح ? نقله ابن كثير في تاريخه (5/141)? السنة قبل التدوين (? 90 ).

(2) الجامع الصحيح ( مسند الربيع) (?113رقم433).

(3) الفقيه والمتفقه (1/149).

(4) الأحكام لابن حزم (1/149).

=================?284

وقال الدكتور عبد الغني عبد الخالق : لا يصحّ لنا أنْ نقول بالتعارض بين قول صحابيّ , وبين قول النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم والإجماع , فإنهما مقدّمان عندنا , ويقول : إنّ عمل الصحابيّ ,أو قوله , ليس بحجّة (1).

2?_ إنّ هؤلاء النفر من الصحابة , ليسوا بأولى بالاتّباع من سائر أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم ,الذين قالوا بإباحة التدوين , وعملوا على ذلك, وهم الأكثر , وفيهم من هو أعلم من هؤلاء المانعين ,وأقرب إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم منزلاً ومنزلةً وعلماً وهدياً ,مثل عليّ أمير المؤمنين عليه السلام .

وبالرغم من كلّ المناقضات التي ترى في منع التدوين , فقد انبرى جمع من أتباع المنع , لتبرير ذلك .

فتناقلوا تبريرات عديدة , نقل بعضها عن الصحابة الذين بدأوا المنع , وبعضها الآخر عمن تأخّر من المؤرّخين للحديث (2).

ولابدّ لنا من استعراض جميع تلك الوجوه لنرى مدى قابليّتها لحلّ المشكلة , ومدى مطابقتها للواقع , ولسائر الأقوال والبحوث المطروحة في هذا المجال ,

وسنذكرها في فصول :

الهامش:

(1) حجية السنة (? 465) .

(2) ومنهم من جعل المبرّر سببين أو أكثر من هذه الأسباب ,كما فعل عجيل جاسم في كتابه :المستشرقون ومصادر التشريع الإسلامي (?92-93).

============?285

الأوّل : النهي الشرعيّ عن كتابة الحديث .

الثاني : الخوف من اختلاط الحديث بالقرآن .

الثالث : الخوف من الاشتغال بغير القرآن ,وترك القرآن .

الرابع : الاعتماد على الحفظ يغني عن الكتابة والكتب .

الخامس : عدم معرفة رواة الحديث للكتابة .

السادس : القول الفصل في سبب منع التدوين .

===================?287