ارسال السریع للأسئلة
تحدیث: ١٤٤٠/١١/١٢ السیرة الذاتیة کتب مقالات الصور دروس محاضرات أسئلة أخبار التواصل معنا
فهرست کتاب‌‌ لیست کتاب‌ها
■ مُلاحَظاتٌ
■ مَنْ هو ابن عساكر؟
■ ١ ـ الهويّة الشخصيّة
■ اسمه : الحُسَيْن :
■ كنيته: أبو عبد الله :
■ ألقابه:
■ سبط رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم:
■ سيّد شباب أهل الجنّة:
■ ريحانة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم:
■ أبوه:
■ اُمّه:
■ ٢ ـ تواريخ وأرقام
■ الولادة: عامها وشهرها ويومها:
■ مكان الولادة: المدينة المنوّرة:
■ الشهادة: عامها وشهرها ويومها:
■ مكان الشهادة: نَهر كربلاء:
■ مدّة عمره:
■ ٣ ـ المظاهر الخلقية
■ ٤ ـ الخلق العظيم
■ ٥ ـ الطهارة الإلهيّة
■ ٦ ـ القوة الغيبية
■ ٧ ـ شؤون أُخرى
■ ١ ـ بين الحسن والحسين:
■ ٢ ـ عند الولادة:
■ ٣ ـ الرضاع:
■ ٤ ـ الغنّة الحُسينية:
■ ٥ ـ كان يصبغ بالوسمة:
■ ٦ ـ تواضع وكرم:
■ الباب الثاني: سيرة الحسين عليه السلام قبل كربلاء.
■ ٨ ـ رواية الحديث الشريف
■ ٩ ـ بيعة الرسول
■ ١٠ ـ الرسولُ يفعلُ
■ ١١ ـ الرسول يقول
■ ١٢ ـ الحسين والبكاء
■ ١٣ ـ الحُبُّ والبُغْض
■ ١٤ ـ السلم والحرب
■ ١٥ ـ وديعةُ الرسول
■ ١٦ ـ ضياع بعد الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم
■ ١٧ ـ موقف من عُمر!
■ ١٨ ـ مع أبيه في المشاهد
■ ١٩ ـ في وداع أخيه الحسن عليه السلام
■ ٢٠ ـ مقوِّمات الإمامة
■ ٢١ ـ البركة والإعجاز
■ ٢٢ ـ «الحجّ» في سيرة الحسين عليه السلام
■ ٢٣ ـ مع الشعر والشعراء
■ ٢٤ ـ رعاية المجتمع الإسلاميّ
■ ٢٥ ـ مواقف قبل كربلاء
■ الباب الثالث: سيرة الحسين عليه السلام
■ ٢٦ ـ تباشير الحركة
■ ٢٧ ـ عراقيل على المسير
■ ٢٨ ـ من أنباء الغيب
■ ٢٩ ـ أصْحابٌ أوفياء
■ ٣٠ ـ يَوْمَ عاشوراء
■ الباب الرابع: أحداث بعد كربلاء
■ ٣١ ـ مواقف متأخّرة
■ ٣٢ ـ أحزان الأحلام
■ ٣٣ ـ رثاء الطبيعة
■ ٣٤ ـ الأسى والرثاء
■ ٣٥ ـ الانتقام للدماء
■ الخاتمة
  1. الوهابيّون والبيوت المرفوعة للشيخ محمّد عليّ السنقريّ الحائريّ
  2. وصول الأخيار إلى أصول الأخبار
  3. الوسيلة العذراء للشاعر عبد الحسين شكر (ت هجري.)
  4. همزيّة التميميّ صالح بن درويش الكاظمي (ت 1261هجري.)
  5. النكت في مقدمات الاصول، في تعريف المصطلحات الكلامية
  6. نثر اللآليْ للطبرسيّ (ت 548 هجري.)
  7. مقدّمتان توثيقيتان للسيد المرعشيّ والسيد المشكاة
  8. مسند الحِبَريّ
  9. مختصر رسالة في أحوال الأخبار
  10. الكلمات المائة للجاحظ (ت 250 هجري. )
  11. فصل الخطاب في ردّ محمّد بن عبد الوهّاب النجديّ
  12. عروض البلاء على الأولياء
  13. عجالة المعرفة في اُصول الدين
  14. شفاء السقام بزيارة خير الأنام عليه السلام
  15. الرعاية في شرح البداية في علم الدراية
  16. الدرة الفاخرة في دراية الحديث
  17. الرسالة الرحمانيّة حول كتابة كلمة (الرحمن)
  18. رسالة الحقوق
  19. رسالة ابي غالب الزراري إلى ابن ابنه في ذكر آل أعين
  20. الرجال لابن الغضائري
  21. دفع الشبه عن الرسول والرسالة
  22. الخلاصة في علم الكلام
  23. خاتمة وسائل الشيعة
  24. الحكايات، في الفرق بين المعتزلة والشيعة
  25. الحقوق لمولانا زيد الشهيد عليه السلام
  26. تفسير الحِبَري أو ما نزل من القرآن في علي أمير المؤمنين عليه السلام تفسير بالحديث المأثور
  27. تسمية من قُتِل مع الحسين عليه السلام من ولده واخوته وشيعته
  28. تثبيت الإمامة لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام
  29. تاريخ أهل البيت عليهم السلام
  30. البداية في علم الدراية
  31. الباقيات الصالحات في أصول الدين الإسلامي عاى المذهب الإمامي
  32. إنجاح المطالب في الفوز بالمآرب
  33. الإمامة والتبصرة من الحَيْرة
  34. أسماء السور القرآنيّة، في مقطوعتين رائعتين في مدح النبيّ صلى الله عليه وآله
  35. الأُرجوزة اللطيفة في علوم البلاغة
  36. الأحاديث المقلوبة و جواباتها
  37. الإجازة الشاملة للسيّدة الفاضلة من الشيخ أبي المجد الأصفهاني للعلويّة الأمينيّة الهاشميّة
  38. آداب المتعلّمين
  39. نقد الحديث بين الاجتهاد والتقليد
  40. نظرات في تراث الشيخ المفيد
  41. المنهج الرجاليّ والعمل الرائد في (الموسوعة الرجالية لسيّد الطائفة آية الله العظمى البروجرديّ 1292 ـ 1380هجري)
  42. المنتقى النفيس من درر القواميس
  43. معجم أحاديث البسملة
  44. الموت أياتهاجاديثه احكامه
  45. القافية والرويّ في الشعر العربيّ
  46. ديوان الإجازات المنظومة
  47. دفاع عن القرآن الكريم
  48. حول نهضة الحسين عليه السلام
  49. الحسين عليه السلام سماته وسيرته
  50. جهاد الإمام السجّاد علي بن الحسين عليه السلام
  51. ثبت الأسانيد العوالي بطرق محمد رضا الحسيني الجلالي
  52. تدوين السنة الشريفة
  53. تحقيق النصوص يبن صعوبة المهمة وخطورة الهفوات، في النقد العلمي
  54. إيقاظُ الوَسْنان بالملاحظات على (فتح المنّان في مقدّمة لسان الميزان)
  55. أنا ـ ترجمة ذاتية للإمام أمير المؤمنين عليه السلام طبقاً للنصوص الموثوقة
  56. الأجوبة السديدة على أسئلة السيّدة الرشيدة
  57. الأجوبة الجلالية على الاسئلة الحلوانية
  58. أبو الحسن العُريضي، علي بن جعفر الصادق عليه السلام ترجمة حياته، ونشاطه العلميّ

28 ـ من أنباء الغيب

28 ـ من أنباء الغيب

للغيب والإيمان به، دور في حضارة الدين، والرسالات كلّها، وفي الاسلام كذلك، حتّى جعل من صفات الّذين يلتزمون بها انّهم (يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ)والرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم قد جاء بأنباء الغيب التي أوحاها الله إليه.

وكلّ ما أخبر به منْ أنْباء المستقبل وحوادثه، فهو من الغيب الموحى إليه، إذ هو (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى) وكانت واقعة خروج الحسين إلى أرض العراق وقتله هُناك من دلائل النبوّة، وشواهد صدقها حقّاً(2).

وقد استفاضتْ بذلك الأخبار، وممّا نقله ابن عساكر:

[213] عن عليّ عليه السلام قال: دخلت على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وعيناه تفيضان! فقلت: يانبيّ الله، أغضبك أحدٌ؟ ما شأن عينيك تُفُيضان؟

قال: بل قام من عندي جبرئيل قبلُ، فحدّثني أنّ الحسين يقتل بشطّ الفرات(3).

وزار مَلَك القَطْر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فدخل الحسين

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) انظر مقال «علم الأئمة بالغيب» ص 58 ـ69.

(2) أورد كثير من هذه الأخبار البيهقي في «دلائل النبوّة» وكذلك أبو نعيم في «دلائل النبوّة» وهما مطبوعان متداولان.

(3) مختصر تاريخ دمشق، لابن منظور (7/133).


ــ[113]ــ

يتوثّب على رسول الله فقال الملك:

[217] أما إنّ أُمّتك ستقتله!

وقد روى هذه الأنباء عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: عليّ أمير المؤمنين عليه السلام، وأُمّ سلمة أُمّ المؤمنين، وزينب أُمّ المؤمنين، وأُمّ الفضل مرضعة الحسين، وعائشة بنت أبي بكر، ومن الصحابة: أنس بن مالك، وأبو أُمامة، وفي حديثه:

[219] قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لنسائه: لا تُبكوا هذا الصبيّ ـ يعني حسيناً ـ.

فكان يوم أُمّ سلمة، فنزل جبرئيل، فدخل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وقال لأُمّ سلمة: لا تَدَعي أحداً يدخلْ علَيَّ.

فجاء الحسين،... أراد أن يدخل، فأخذته أُمّ سلمة فاحتضنته وجعلت تُناغيه وتسكّته، فلمّا اشتدّ في البكاء خلّت عنه، فدخل حتّى جلس في حجر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.

فقال جبرئيل للنبيّ: إنّ أُمتّك ستقتل ابنك هذا!...

فخرج رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قد احتضن حسيناً، كاسف البال مهموماً...

فخرج إلى أصحابه وهم جلوس فقال لهم: «إنّ أُمّتي يقتلون هذا» وفي القوم أبو بكر وعمر(1).

إنّ الذين بلغتهم هذه الانباء وآمنوا بها، غيبيّاً، ليَزداد إيمانهم عمقاً وثباتاً لمّا يجدون الحسين عليه السلام يُقتل فعلاً، وبذلك يكون الحسين عليه السلام ومقتله من شواهد النبوّة والرسالة ودلائلها الواضحة، وبهذا تتحقّق مصداقيّة قول رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «... وأنا من حُسين».

ونزول جبرئيل بالأنباء إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أمرٌ مألوفٌ إذ هو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مختصر تاريخ دمشق، لابن منظور (7/134).


ــ[114]ــ

مَلَك الوحي، وموصل الأنباء، أمّا نزول ملك القَطْر ـ المطر ـ وإخباره بذلك، فهو أمر يستوقف القاري؟

فهل في ذلك دلالة خفيّة على موضوع فقدان الماء في قضيّة كربلاء، و«العطش» الذي سيتصاعد مثل الدخان،، من أبْنِيَة الحسين، يوم عاشوراء!

ومن دلائل الإمامة:

فعليٌّ عليه السلام أمير المؤمنين، الوصيُّ الذي تلقّى من النبيّ أدوات الخلافة: عينيّها ومعنويّها، خفيّها وعلنيّها، علومها الشرعية وأسرارها المودعة الجفريّة، ما أسرّ كثيراً منها، وأعلن عن البعض.

فكان فيما أعلن عنه: الإخبار عن «مقتل الحسين»!

قال صاحب مطهرته:

[213] لمّا حَاذى عليه السلام «نينوى» وهو منطلق إلى «صفّين» نادى: صبراً! أبا عبد الله، صبراً! أبا عبد الله! بشطّ الفُرات!!

قلتُ: مَنْ ذا أبو عبد الله؟

قال عليّ عليه السلام: دخلت على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وعيناه تُفيضان... فقال: قام من عندي جبرئيل قبلُ، فحدّثني أن الحسين يُقتل بشطّ فرات...(1).

أمّا أين هي «نينوى»؟ وأيّ شاطئ من شواطئ الفرات، هو موضع قتل الحسين؟

فإنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، قد هدى عليّاً عليه السلام إلى «علامة» ووضع عنده عيّنةً من تربة الموضع.

قال: هل لك أنْ اُشِمَّك من تُربته؟

فمدّ يده، فقبض قبضةً من تراب، فأعطانيها.

وعلامةٌ أُخرى، إنّ هذه التربةَ مفيضةُ الدمع، وقد جرّبها عليّ عليه السلام

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مختصر تاريخ دمشق، لابن منظور (7/133).


ــ[115]ــ

لأوّل مرّة وقعت بيده، فقال:

فلم أملك عينيَّ أن فاضتا.

وبعد هذه الأعوام الطوال، والحُسين يقرب من الثلاثين من عمره، يقف عليٌّ عليه السلام على هذه الأرض، ليقف على تلكما العلامتين، ويُعلن عن الغيب المستودع، مرّتين، مرّة حين سار إلى صفّين، كما قرأنا في الحديث السابق، ومرّة أُخرى حينما رجع من صفّين، قال الراوي:

[238] أقبلنا مرجعنا من صفّين، فنزلنا كربلاء، فصلّى بها عليّ صلاة الفجر، بين شجرات ودوحات حَرْمَل، ثم أَخَذَ كفّاً من بَعْر الغِزْلان فشمه، ثم قال: أُوّهْ، أُوّهْ، يُقتلُ بهذا الغائط قومٌ يدخلون الجنّةَ بغير حساب..(1).

لقد شمّ عليٌّ تُربة هذه الأرض من يَد النبيّ، ويشمّها اليوم وهو على أرض كربلاء، يقدّسها، فيصلّي فيها.

ولئن كانت أنباءُ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم من دلائل النبّوة، فإنّ حضور عليّ عليه السلام على هذه الأرض، وإعلانه عن أنباء الغيب التي أوحاها إليه الرسول، وحمّلها عليّاً، فهي من دلائل الإمامة.

وزاد عليّ عليه السلام أنْ حضر في كربلاء، وقدّس أرضها، وواسى ابنه الشهيد بنداء له: «صَبْراً أبا عبد الله» «صبراً أبا عبد الله».

وإذا كانت أنباء كربلاء، من الغيب الذي يُوحيه الله إلى الرسول، فلابُدّ أنّ شيئاً من تلك الأنباء قد جاء في صحف الأنبياء، مادامت الشريعة الإلهية واحدة، والحقائق الكونيّة بعينها متّحدة، والوقائع المتجدّدة محفوظة في لوح الغيب، والأهداف في الإعلان عنها بنفسها مُتكرّرة.

فماذا عن كربلاء في الصحف الأُولى!

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مختصر تاريخ دمشق، لابن منظور (7/135).


ــ[116]ــ

إنّ رجالاً من أهل الأديان قد تناقلوا بعض تلك الأنباء:

[ص189] فهذا كعب الأحبار كان إذا مرَّ عليٌّ عليه السلام يقول: يخرج من وُلد هذا رجلٌ يُقتل في عصابة لا يجفُّ عرق خيولهم حتّى يردوا على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم(1).

[ص189] وكان رأسُ الجــالوت ـ وهو من أولاد الأنبياء السابقين ـ يقول: كُنّا نسمع أنّه يقتل بكربلاء، ابن نبيٍّ، فكنتُ إذا دخلتُها ركضتُ فرسي حتّى أجوزَ عنها، فلمّا قُتل حُسَينٌ، جعلتُ أسير بعد ذلك على هيئَتي(2).

وإذا كانت الأنباء قد ذاعتْ وانتشرتْ، ورويتْ عن الصحف الأُولى، وعن النبيّ، وعن عليّ، فأجدر بالحسين أبي عبد الله، صاحب الأنباء ومحورها، وموضوع حديثها، أن يكون على علم بها.

ولقد أعلن عنها قبل كربلاء، وكان يحلف بالله على النتيجة التي يلقاها، ومن تلك الأنباء:

[267] قال الحسين عليه السلام: والله، ليَعْتَدُنَّ عليَّ كما اعتدت بنو إسرائيل في السبت!

[268] وقال عليه السلام: والله، لا يَدَعُوني حتّى يستخرجوا هذه العَلَقةَ من جوفي!

[266] وقال من شافَهَ الحسين: رأيت ابْنِيةً مضروبة بفلاة من الأرض، فقلتُ: لمن هذه؟

قالوا: هذه لحسين.

فأتيتُه، فإذا شيخ يقرأ القرآن ـ والدموع تسيلُ على خدّيه ولحيته! ـ فقلت: بأبي أنت وأُمّي، يابن رسول الله، ما أنزلك هذه البلاد والفلاة التي ليس بها أحدٌ؟

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مختصر تاريخ دمشق، لابن منظور (7/135).

(2) مختصر تاريخ دمشق، لابن منظور (7/135).


ــ[117]ــ

فقال: هذه كتب أهل الكوفة إليَّ، ولا أراهم إلاّ قاتلي.

وأوْلى بالحسين عليه السلام أن يعلم ما يجري في الغيب من خلال إخبار جدّه المرسَل، لأنّه من أعلام الإمامة التي زانها

وحديث كربلاء: أحزانُها وتربتُها:

واسم «كربلاء» نفسه، الذي لم يذكر في تراث العرب القديم، وإنّما جاء على لسان الغيب، وسمعه العرب لأوّل مرّة في حديث النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، فيما رواه سعيد بن جهمان، قال:

[233] إنّ جبرئيل أتى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بتراب من تربة القرية التي يقتل فيها الحسين.

وقيل: اسمها «كربلاء».

فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : كربٌ وبلاءٌ(1).

فلابُدّ أن يكون هذا الاسم موضوعاً على تلك القرية، لكن تداولها بدأ منذ هذا الحديث، وأمّا استيحاء «الكرب» و «البلاء» منه، فلم يؤثر إلاّ من هذا النصّ، بالرغم من إيحاء حروف الكلمة، ودلالتها التصوّرية التي لا يمكن إنكارها.

وعليّ عليه السلام أيضاً سأل عن هذا الإسم واستوحى منه نفس الوحي:

[278] قال الراوي: رجعنا مَعَ عليّ من صِفّين، فانتهينا إلى موضع، فقال: ما يُسَمّى هذا الموضع؟

قلنا: كربلاء.

قال: «كربٌ وبلاءٌ».

ثم قَعَدَ على رابِية وقال: يُقتل هاهنا قومٌ أفضل شهداء على ظهر الأرض، لا يكون شهداء رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.

والحسينُ نفسُه، حين نزلَ كربلاء، تساءَلَ:

[275] ما اسمُ هذه الأرض؟

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مختصر تاريخ دمشق، لابن منظور(7/134).


ــ[118]ــ

قالوا: كربلاء.

قال عليه السلام: كربٌ وبلاءٌ.

وبعد حديث الغيب كان إحضار عيّنة من «تُربة كربلاء» التي تكرّر الحديث عنها، دعماً من الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، لكلّ ذلك الحديث بمصداق، ونموذج، من تُربتها، لتكون دليلاً عينياًمن دلائل النبوّة ومعجزاتها.

[213] ففي حديث عليّ: أنّ جبرئيل قال للنّبي: هل أُشمّك من تُربته؟

فمدّ يده فقبض قبضةً من تُراب، فأعطانيها.

وفي حديث أنس:

[217] فجاءه بسهلة، أو تُراب أحمر، فأخذته أُمّ سلمة فجعلتْه في ثوبها.

وفي حديث أبي أُمامة:

[219] فخرج على أصحابه وهم جلوس... قال: «هذه تُربته» فأراهم إيّاها(1).

ولأُمّ سلمة ـ أُمّ المؤمنين ـ شأن أكبر مع هذه التربة، فقد روت حديثه بشي من التفصيل:

[221 و222]:... فاستيقظ وفي يده تُربة حمراء وقال: أخبرني جبرئيل: أنّ ابني هذا الحسين يقتل بأرض العراق... فهذه تُربتها.

... أهل هذه المدرة يقتلونه!

بل زادها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم شرفاً بأن استودعها تلك التربة، وكانت تحتفظ بها، فيما روته، قالت:

[223] كان الحسن والحسين يلعبان بين يدي النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم في بيتي، فنزل جبرئيل فقال: يا محمّد، إنّ أُمّتك تقتل ابنك هذا من بعدك.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مختصر تاريخ دمشق، لابن منظور (7/134).


ــ[119]ــ

وأومأ بيده إلى الحسين.

فبكى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وضمّه إلى صدره، ثمّ قال:

«وديعةٌ عندكِ هذه التُربة» فشمّها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وقال: وَيْحَ كرب وبلاء.

وقال: يا أُمّ سلمة إذا تحوّلت هذه التُربة دماً فاعلمي أنّ ابني قد قُتل.

فجعلتْها أُمّ سلمة في قارورة، ثمّ جعلتْ تنظر إليها كلّ يوم وتقول: إنّ يوماً تحوّلين دماً ليوم عظيمٌ!(1)

وهذه التفاصيل اختصّت بها أُمّ سلمة من بين زوجات النبيّ.

أما حديث التُربة فقد رواه غيرها من النساء أيضاً:

فعائشة قالت:

[228] فأشار له جبرئيل إلى «الطفّ» بالعراق، وأخذ تربة حمراء، فأراه إيّاها فقال: هذه تربة مصرعه.

وزينب بنت جحش روت:

[230] فأراني تربة حمراء.

وأُمّ الفضل ـ مرضعة الحسين ـ قالت:

[232] وأتاني بتربة من تربته حمراء.

والعجيب في أحاديثهنّ، كلّهن، وأحاديث مِن غيرهنّ، انها تحتوي على جامع مشترك هو «الحُمرة» لون الدم، إلاّ أنّ حديثها احتوى على تحوّل التربة إلى «دَم» في يوم عاشوراء.

فما هذه الأسرار التي تحتويها هذه الأخبار؟

وما سرّ هذه التُربة التي:

تُفيضُ دمعة الناظر إليها!

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مختصر تاريخ دمشق، لابن منظور (7/134).


ــ[120]ــ

وتتحوّلُ إلى دم!

ولها رائحةٌ خاصّة!

وكان طيبها دليلاً عليها لمن يهواها:

[346] فلمّا أُجريَ الماءُ على قبر الحسين ـ في عصر المتوكّل العبّاسي ـ نضب بعد أربعين يوماً، وامّحى أثر القبر، فجاء أعرابيٌ من بني أسد، فجعل يأخذ قبضةً ويشّمها، حتّى وقع على قبر الحسين وبكاه، وقال: بأبي وأُمّي ما كان أطيبَك، وأطيب تربتك ميّتاً، ثمّ بكى وأنشأ يقول:

أرادُوا ليُخفوا قبره عن وليّه(1) فطِيبُ ترابِ القبر دلَّ على القبرِ(2)

وتُوحي الكرب، والدمّ، والقتل، والبلاء!

وهل يمكن الاطّلاع على تلك الأسرار إلاّ من خلال أنباء الغيب التي تُوحيها السماءُ على سيّد الانبياء؟

وإنّ من أعظم دلائل النبوّة والإمامة، تحقُّقُ تلك التنبُّؤات كلّها.

ولاتزال «تُربةُ كربلاء» ذاتها، تتحوّلُ يوم عاشوراء إلى دَم قان.

ولايزال الموالون للحسين يعرفونها من رائحتها.

ولازال تراب كربلاء، يُقدَّس، ويتقربُ إلى الله بالسجود عليه لطهارته وشرفه عند الله، ويُتبرّك به ويُستشفى به، لأن دم الحسين اُريق عليه، في سبيل الله.

ولازالتْ أرضُ كربلاء توحي المآسيَ والكربَ والبلاء، وتجري عليها المصائبُ والآلامُ، وتجري فيها أنهارُ الدماء!

لأنّها كربٌ وبلاءٌ!

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في المختصر: عن عدوّه، فليلاحظ.

(2) مختصر تاريخ دمشق، لابن منظور (7/155).