فهرست کتاب‌‌ لیست کتاب‌ها
  1. الوهابيّون والبيوت المرفوعة للشيخ محمّد عليّ السنقريّ الحائريّ
  2. وصول الأخيار إلى أصول الأخبار
  3. الوسيلة العذراء للشاعر عبد الحسين شكر (ت هجري.)
  4. همزيّة التميميّ صالح بن درويش الكاظمي (ت 1261هجري.)
  5. النكت في مقدمات الاصول، في تعريف المصطلحات الكلامية
  6. نثر اللآليْ للطبرسيّ (ت 548 هجري.)
  7. مقدّمتان توثيقيتان للسيد المرعشيّ والسيد المشكاة
  8. مسند الحِبَريّ
  9. مختصر رسالة في أحوال الأخبار
  10. الكلمات المائة للجاحظ (ت 250 هجري. )
  11. فصل الخطاب في ردّ محمّد بن عبد الوهّاب النجديّ
  12. عروض البلاء على الأولياء
  13. عجالة المعرفة في اُصول الدين
  14. شفاء السقام بزيارة خير الأنام عليه السلام
  15. الرعاية في شرح البداية في علم الدراية
  16. الدرة الفاخرة في دراية الحديث
  17. الرسالة الرحمانيّة حول كتابة كلمة (الرحمن)
  18. رسالة الحقوق
  19. رسالة ابي غالب الزراري إلى ابن ابنه في ذكر آل أعين
  20. الرجال لابن الغضائري
  21. دفع الشبه عن الرسول والرسالة
  22. الخلاصة في علم الكلام
  23. خاتمة وسائل الشيعة
  24. الحكايات، في الفرق بين المعتزلة والشيعة
  25. الحقوق لمولانا زيد الشهيد عليه السلام
  26. تفسير الحِبَري أو ما نزل من القرآن في علي أمير المؤمنين عليه السلام تفسير بالحديث المأثور
  27. تسمية من قُتِل مع الحسين عليه السلام من ولده واخوته وشيعته
  28. تثبيت الإمامة لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام
  29. تاريخ أهل البيت عليهم السلام
  30. البداية في علم الدراية
  31. الباقيات الصالحات في أصول الدين الإسلامي عاى المذهب الإمامي
  32. إنجاح المطالب في الفوز بالمآرب
  33. الإمامة والتبصرة من الحَيْرة
  34. أسماء السور القرآنيّة، في مقطوعتين رائعتين في مدح النبيّ صلى الله عليه وآله
  35. الأُرجوزة اللطيفة في علوم البلاغة
  36. الأحاديث المقلوبة و جواباتها
  37. الإجازة الشاملة للسيّدة الفاضلة من الشيخ أبي المجد الأصفهاني للعلويّة الأمينيّة الهاشميّة
  38. آداب المتعلّمين
  39. نقد الحديث بين الاجتهاد والتقليد
  40. نظرات في تراث الشيخ المفيد
  41. المنهج الرجاليّ والعمل الرائد في (الموسوعة الرجالية لسيّد الطائفة آية الله العظمى البروجرديّ 1292 ـ 1380هجري)
  42. المنتقى النفيس من درر القواميس
  43. معجم أحاديث البسملة
  44. الموت أياتهاجاديثه احكامه
  45. القافية والرويّ في الشعر العربيّ
  46. ديوان الإجازات المنظومة
  47. دفاع عن القرآن الكريم
  48. حول نهضة الحسين عليه السلام
  49. الحسين عليه السلام سماته وسيرته
  50. جهاد الإمام السجّاد علي بن الحسين عليه السلام
  51. ثبت الأسانيد العوالي بطرق محمد رضا الحسيني الجلالي
  52. تدوين السنة الشريفة
  53. تحقيق النصوص يبن صعوبة المهمة وخطورة الهفوات، في النقد العلمي
  54. إيقاظُ الوَسْنان بالملاحظات على (فتح المنّان في مقدّمة لسان الميزان)
  55. أنا ـ ترجمة ذاتية للإمام أمير المؤمنين عليه السلام طبقاً للنصوص الموثوقة
  56. الأجوبة السديدة على أسئلة السيّدة الرشيدة
  57. الأجوبة الجلالية على الاسئلة الحلوانية
  58. أبو الحسن العُريضي، علي بن جعفر الصادق عليه السلام ترجمة حياته، ونشاطه العلميّ

الدين هو الإسلام بإظهار الشهادتين

[الدين هو الإسلام بإظهار الشهادتين]

فنقول: قال الله عزّوجلّ: } إنّ الدين عند الله الإسلام {(2).

وقال تعالى: } ومن يبتغِ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه {(3).

وقال تعالى: } فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلّوا سبيلهم {(4).

وفي الآية الأُخرى: } فإخوانكم في الدين {(5).

قال ابن عبّاس: حرّمت هذه الآية دماء أهل القبلة.

وقال أيضاً: لا تكونوا كالخوارج، تَأوّلوا آيات القرآن في أهل القبلة، وإنّما أُنزلت في أهل الكتاب والمشركين، فجهلوا علمها، فسفكوا بها الدماء، وانتهكوا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يعني بذلك ـ والله أعلم ـ أخاه محمّد بن عبدالوهّاب، وتكفيره لمن خالفه من المسلمين أمرٌ قد اشتهر عنه وتواتر، وذكره غير المصنّف أيضاً، فما يقول الوهّابيّون؟.
(2) آل عمران: 19.
(3) آل عمران: 85.
(4) التوبة: 5.
(5) الأحزاب: 5.
(25)

الأموال، وشهدوا على أهل السُنّة بالضلالة، فعليكم بالعلم بما نزل فيه القرآن، انتهى.

وكان ابن عمر يرى الخوارج شرار الخلق، قال: إنّهم عمدوا في آيات نزلت في الكفّار فجعلوها في المسلمين ـ ورواه البخاريّ عنه(1) ـ فحينئذ ذكر الله عزّوجلّ: } إنّ الدين عند الله الإسلام {(2).

وقد قال النّبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ في حديث جبريل في الصحيحين(3) ـ: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً رسول الله... الحديث.

وفي حديث ابن عمر ـ الذي في الصحيحين(4) ـ: بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً عبده ورسوله... الحديث.

وفي حديث وفد عبدالقيس: آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله  وحده؟

شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول الله... الحديث، وهو في الصحيحين(5).

وغير ذلك من الأحاديث وصف الإسلام بالشهادتين، وما معهما من الأركان، وهذا إجماع من الأمّة، بل أجمعوا أنّ من نطق بالشهادتين أُجريت عليه أحكام الإسلام، لحديث: أُمرت أن أقاتل النّاس، ولحديث الجارية: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: مَن أنا؟ قالت: رسول الله، قال: أعتقها، فإنّها مؤمنة.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخاري: 6/2539 باب 5 في قتل الخوارج والملحدين.
(2) صحيح مسلم: 1/64 ح1 كتاب الايمان.
(3) صحيح البخاري: 1/29 ح53.
(4) صحيح البخاري: 1/12 ح8 كتاب الإيمان، صحيح مسلم: 1/73 ح21 كتاب الإيمان.
(5) صحيح البخاري: 1/29 ح53 كتاب الإيمان، صحيح مسلم: 1/75 ح24 كتاب الإيمان.
(26)

وكلّ ذلك في الصحيحين(1).

ولحديث: كفّوا عن أهل لا إله إلاّ الله(2)، وغير ذلك.

قال ابن القيّم: أجمع المسلمون على أنّ الكافر إذا قال: لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً رسول الله، فقد دخل في الإسلام، انتهى.

وكذلك أجمع المسلمون أنّ المرتدّ إذا كانت رِدّته بالشرك، فإنّ توبته بالشهادتين.

وأمّا القتال: إن كان ثَمَّ إمام قاتَل الناس حتّى يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة.

وكلّ هذا مسطورٌ، مبيَّن في كتب أهل العلم، من طلبه وجده، فالحمد لله على تمام الإسلام.

 

فصل

[تكفير المسلمين]

 

إذا فهمتم ما تقدّم.

فإنّكم الآن تكفّرون مَن شهد أن لا إله إلاّ الله وحده، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، وحجّ البيت مؤمناً بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، ملتزماً لجميع شعائر الإسلام، وتجعلونهم كفّاراً، وبلادَهم بلادَ حرب.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح مسلم: 1/80 ح33 كتاب الإيمان، و2/21 ح33 كتاب المساجد، سنن الدارمي: 2/87، كتاب النذور والأيمان.
(2) كنز العمّال: 3/635 ح8270.
(27)

فنحن نسألكم مَن إمامكم في ذلك؟ وممّن أخذتم هذا المذهب عنه؟

فإن قلتم: كفّرناهم لأنّهم مشركون بالله، والذي منهم ما أشرك بالله لم يكفّر من أشرك بالله، لأنّ الله سبحانه قال: } إنّ الله لا يغفر أن يشرك به {(1)... الآية، وما في معناها من الآيات، وأنّ أهل العلم قد عدّوا في المكفّرات مَن أشرك بالله.

قلنا: حقٌّ، الآيات حقٌّ، وكلام أهل العلم حقٌّ.

ولكنّ أهل العلم قالوا في تفسير ( أشرك بالله ): أي ادّعى أنّ لله شريكاً، كقول المشركين: } هؤلاء شركاؤنا {(2)، وقوله تعالى: } وما نرى معكم شفعاءَكم الذين زعمتم أنّهم فيكم شركاء {(3)، } إذا قيل لهم لا إله إلاّ الله يستكبرون {(4)، } أجَعَلَ الآلهة إلهاً واحداً {(5).

إلى غير ذلك ممّا ذكره الله في كتابه، ورسوله، وأهل العلم.

[آراء وأهواء مخالفة لإجماع الاُمّة]

ولكنّ هذه التفاصيل التي تفصّلون من عندكم أنّ من فعل كذا فهو مشرك، وتخرجونه من الإسلام.

من أين لكم هذا التفصيل؟

أاستنبطتم ذلك بمفاهيمكم؟

فقد تقدّم لكم من إجماع الأمّة  أنّه لا يجوز لمثلكم الاستنباط ! !

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) النساء: 48.
(2) النحل: 86.
(3) النحل: 86.
(4) الصافات: 35.
(5) النحل: 86.
(28)

ألكم في ذلك قدوةٌ من إجماع ؟ أو تقليد مَن يجوز تقليده؟

مع أنّه لا يجوز للمقلّد أن يكفّر إن لم تُجمع الأمّة على قول متبوعه.

فبيّنوا لنا: من أين أخذتم مذهبكم هذا؟

ولكم علينا عهد الله وميثاقه إن بيّنتم لنا حتماً يجب المصير إليه، لنتّبع الحقّ إن شاء الله.

فإن كان المراد مفاهيمكم.

فقد تقدّم أنـّه لا يجوز لنا ولا لكم ولا لمن يؤمن بالله واليوم الآخر الأخذ بها، ولا نكفّر من معه الإسلام الذي أجمعت الأمّة على [أنّ] من أتى به فهو مسلم.

فأمّا الشرك ففيه أكبر وأصغر، وفيه كبير وأكبر، وفيه ما يُخرج من الإسلام، وفيه ما لا يُخرج من الإسلام، وهذا كلّه بإجماع.

وتفاصيل ما يُخرج ممّا لا يُخرج يحتاج إلى تبيين أئمّة أهل الإسلام الذين اجتمعت فيهم شروط الاجتهاد، فإن أجمعوا على أمر لم يسع أحداً الخروج عنه، وإن اختلفوا فالأمر واسع.

فإن كان عندكم عن أهل العلم بيانٌ واضحٌ فبيّنوا لنا ـ وسمعاً وطاعةً ـ.

وإلاّ، فالواجب علينا وعليكم الأخذ بالأصل المجمع عليه، واتّباع سبيل المؤمنين.

وأنتم تحتجّون أيضاً بقوله عزّوجلّ } لئن أشركت ليحبطنّ عملك {(1).

وبقوله عزّوجلّ في حقّ الأنبياء: } ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون {(2).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الزمر: 65.
(2) الأنعام: 88.
(29)

وبقوله تعالى: } ولا يأمركم أن تتّخذوا الملائكة والنبيّين أرباباً {(1).

فنقول: نعم، كلّ هذا حقّ يجب الإيمان به.

ولكن، من أين لكم أنّ المسلم الذي يشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً عبده ورسوله، إذا دعا غائباً أو ميّتاً، أو نذر له أو ذبح لغير الله أو تمسّح بقبر، أو أخذ من ترابه أنّ هذا هو الشرك الأكبر الذي من فَعَلَه حبط عمله، وحلّ ماله ودمه، وأنـّه الذي أراد الله سبحانه من الآية وغيرها في القرآن؟

[لا عبرة بفهم أولئك لقصورهم]

فإن قلتم: فهمنا ذلك من الكتاب والسُنّة.

قلنا: لا عبرة بمفهومكم، ولا يجوز لكم ولا لمسلم الأخذ بمفهومكم.

فإنّ الأمّة مجمعةٌ ـ كما تقدّم ـ [ على ] أنّ الاستنباط مرتبةُ أهل الاجتهاد المطلق.

ومع هذا لو اجتمعت شروط الاجتهاد في رجل لم يجب على أحد الأخذ بقوله دون نظر.

قال الشيخ تقيّ الدين: من أوجب تقليد الإمام بعينه دون نظر إنـّه يستتاب، فإن تاب وإلاّ قتل، إنتهى .

[مخالفة حتى لابن تيميّة]

وإن قلتم: أخذنا ذلك من كلام بعض أهل العلم كابن تيميّة وابن القيّم، لأنّهم سمّوا ذلك شركاً.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) آل عمران: 80.
(30)

قلنا: هذا حقٌّ، ونوافقكم على تقليد الشيخين أنّ هذا شركٌ، ولكنّهم لم يقولوا ـ كما قلتم ـ إنّ هذا شرك أكبر يُخرج من الاسلام، وتجري على كلّ بلد هذا فيها أحكام أهل الردّة، بل من لم يكفّرهم عندكم فهو كافر تجري عليه أحكام أهل الردّة.

ولكنّهم رحمهم الله ذكروا أن هذا شرك، وشدّدوا فيه، ونهوا عنه.

ولكنْ ما قالوا كما قلتم ولا عُشْر معشاره.

ولكنّكم أخذتم من قولهم ما جاز لكم، دون غيره.

بل في كلامهم رحمهم الله ما يدلّ على أنّ هذه الأفاعيل شركٌ أصغر.

وعلى تقدير أنّ في بعض افراده ما هو شركٌ أكبر ـ على حسب حال قائله ونيّته ـ فهم ذكروا في بعض مواضع من كلامهم:

أنّ هذا لا يكفّر، حتّى تقوم عليه الحجّة التي يكفر تاركها ـ كما يأتي ـ في كلامهم إن شاء الله مفصّلا.

ولكنّ المطلوب منكم هو الرجوع إلى كلام أهل العلم، والوقوف عند الحدود التي حدّوا.

فإنّ أهل العلم ذكروا في كلّ مذهب من المذاهب الأقوال والافعال التي يكون بها المسلم مرتدّاً.

ولم يقولوا: مَن طلب من غير الله فهو مرتدٌّ.

ولم يقولوا من ذبح لغير الله فهو مرتدٌّ.

ولم يقولوا من تمسّح بالقبور وأخذ من ترابها فهو مرتدٌّ.

ـ كما قلتم أنتم ـ.

فإن كان عندكم شيءٌ فبيّنوه، فإنّه لا يجوز كَتْم العلم.

ولكنّكم أخذتم هذا بمفاهيمكم، وفارقتم الإجماع، وكفّرتم أمّة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)

(31)

كلّهم، حيث قلتم: مَن فعل هذه الأفاعيل فهو كافر، ومن لم يكفّره فهو كافر.

ومعلومٌ عند الخاصّ والعامّ أنّ هذه الامور ملأت بلاد المسلمين، وعند أهل العلم منهم أنـّها ملأت بلاد المسلمين من أكثر من سبعمائة عام.

وأنّ من لم يفعل هذه الأفاعيل من أهل العلم لم يكفّروا أهل هذه الأفاعيل، ولم يجروا عليهم أحكام المرتدّين.

بل أجروا عليهم أحكام المسلمين.

بخلاف قولكم، حيث أجريتم الكفر والردّة على أمصار المسلمين، وغيرها من بلاد المسلمين، وجعلتم بلادهم بلاد حرب، حتّى الحرمين الشريفين اللذَين أخبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)في الاحاديث الصحيحة الصريحة أنّهما لا يزالان بلاد إسلام، وأنهما لا تعبد فيهما الأصنام، وحتّى أنّ الدجّال في آخر الزمان يطيء البلاد كلّها إلاّ الحرمين(1) ـ كما تقف على ذلك إن شاء الله في هذه الرسالة ـ.

فكلّ هذه البلاد عندكم بلاد حرب، كُفّارٌ أهلها، لأنّهم عبدوا الأصنام ـ على قولكم ـ.

وكلّهم ـ عندكم ـ مشركون شركاً مخرجاً عن الملّة.

فإنا لله وإنّا إليه راجعون.

فوالله، إنّ هذا عين المحادّة لله ولرسوله، ولعلماء المسلمين قاطبةً.

[آراء ابن تيمية وابن القيم]

فأعظم مَن رأينا مشدّداً في هذه الامور التي تكفّرون بها الأمّة ـ النذور وما معها ـ ابن تيميّة وابن القيّم.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخاري: 2/665 ح1782 فضائل المدينة.
(32)

وهما رحمهما الله قد صرّحا في كلامهما تصريحاً واضحاً أنّ هذا ليس من الشرك الذي ينقل عن الملّة.

بل قد صرّحوا في كلامهم: أنّ من الشرك ما هو أكبر من هذا بكثير كثير، وأنّ من هذه الأمّة مَن فَعَله وعاند فيه، ومع هذا لم يكفّروه ـ كما يأتي كلامهم في ذلك إن شاء الله تعالى ـ.

[في النذور لغير الله]

فأمّا النذور:

فنذكر كلام الشيخ تقيّ الدين فيه، وابن القيّم، وهما من أعظم مَن شدّد فيه، وسمّـاه شركاً، فنقول:

قال الشيخ تقيّ الدين: النذر للقبور ولأهل القبور، كالنذر لإبراهيم الخليل (عليه السلام)أو الشيخ فلان نذر معصية لا يجوز الوفاء به، وإنْ تصدّق بما نذر من ذلك على من يستحقّه من الفقراء أو الصالحين كان خيراً له عند الله وأنفع، انتهى.

فلو كان الناذر كافراً عنده لم يأمره بالصدقة، لأنّ الصدقة لا تُقبل من الكافر، بل يأمره بتجديد إسلامه، ويقول له: خرجتَ من الإسلام بالنذر لغير الله.

قال الشيخ(1) أيضاً: مَن نذر إسراج بئر، أو مقبرة أو جبل، أو شجرة، أو نَذَر له، أو لسكّانه لم يجُز، ولا يجوز الوفاء به، ويصرف في المصالح ما لم يعرف ربّه، انتهى.

فلو كان الناذر كافراً لم يأمره بردّ نذره إليه، بل أمر بقتله.

وقال الشيخ أيضاً: من نذر قنديل نقد للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) صُرف لجيران النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1)
(33)

انتهى.

فانظر كلامه هذا وتأمّله، هل كفّر فاعل هذا ؟ أو كفّر من لم يكفّره ؟ أو عدّ هذا في المكفّرات هو أو غيره من أهل العلم ؟ ـ كما قلتم أنتم وخرقتم الإجماع ـ ؟

وقد ذكر ابن مفلح في (الفروع) عن شيخه الشيخ تقيّ الدين ابن تيميّة: والنذر لغير الله، كنذره لشيخ معيّن للاستغاثة، وقضاء الحاجة منه، كحلفه بغيره، وقال غيره: هو نذر معصية، انتهى.

فانظر إلى هذا الشرط المذكور ـ أي نَذَر له لأجل الاستغاثة به ـ بل جَعَله الشيخ كالحلف بغير الله، وغيره من أهل العلم جَعَله نذر معصية.

هل قالوا مثل ما قلتم: مَن فعل هذا فهو كافر ؟ ومن لم يكفّره فهو كافر؟

ـ عياذاً بك اللهمّ من قول الزور ـ.

كذلك ابن القيّم ذكر النذر لغير الله في فصل الشرك الأصغر من المدارج(1).

واستدلّ له بالحديث الذي رواه أحمد(2) عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) النذر حِلْفة، وذكر غيره من جميع ما تسمّونه شركاً، وتكفّرون به، فعل الشرك الاصغر.

[في الذبح لغير الله]

وأمّا الذبح لغير الله:

فقد ذكره في المحرّمات، ولم يذكره في المكفّرات، إلاّ إنْ ذبح للأصنام، أو لما عُبد من دون الله، كالشمس ، والكواكب.

وعدّه الشيخ تقيّ الدين في المحرّمات الملعون صاحبها، كمن غيّر منار

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مدارج السالكين: 1/353.
(2) مسند أحمد: 4/146 و147.
(34)

الأرض، أو من ضارّ مسلماً ـ كما سيأتي في كلامه إن شاء الله تعالى ـ.

وكذلك أهل العلم ذكروا ذلك ممّا أُهِلّ به لغير الله ونهوا عن أكله، ولم يكفّروا صاحبه.

وقال الشيخ تقّي الدين: كما يفعله الجاهلون بمكّة ـ شرّفها الله تعالى ـ وغيرها من بلاد المسلمين، من الذبح للجنّ، ولذلك نهى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عن ذبائح الجنّ، انتهى.

ولم يقل الشيخ: مَن فعل هذا فهو كافرٌ، بل من لم يكفّره فهو كافرٌ.

ـ كما قلتم أنتم ـ.

[في السؤال من غير الله]

وأمّا السؤال من غير الله، فقد فصّله الشيخ تقيّ الدين(رحمه الله): إن كان السائل يسأل من المسؤول مثلَ غفران الذنوب، وإدخال الجنّة، والنجاة من النار، وإنزال المطر، وإنبات الشجر، وأمثال ذلك مما هو من خصائص الربوبيّة، فهذا شركٌ وضلالٌ، يُستتاب صاحبه، فإن تاب وإلاّ قُتل.

ولكنّ الشخص المعيَّن الذي فعل ذلك لا يكفر، حتّى تقوم عليه الحجّة التي يكفر تاركها ـ كما يأتي بيان كلامه في ذلك إن شاء الله تعالى  ـ.

فإن قلت: ذكر عنه في (الإقناع) أنـّه قال: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، ويسألهم، ويتوكل عليهم كفر إجماعاً.

قلت: هذا حقٌّ، ولكنّ البلاء من عدم فهم كلام أهل العلم.

لو تأمّلتم العبارة تأمّلاً تامّاً لعرفتم أنكم تأوّلتم العبارة على غير تأويلها.

ولكنّ هذا من العجب.

تتركون كلامه الواضح.

(35)

وتذهبون إلى عبارة مجملة، تستنبطون منها ضدّ كلام أهل العلم، وتزعمون أنّ كلامكم ومفهومكم إجماعٌ!!!

هل سبقكم إلى مفهومكم من هذه العبارة أحدٌ؟

يا سبحان الله، ما تخشون الله؟!

ولكن انظر إلى لفظ العبارة وهو قوله: «يدعوهم، ويتوكّل عليهم، ويسألهم»، كيف جاء بواو العطف، وقرن بين الدعاء والتوكل والسؤال ؟

فإنّ الدعاء ـ في لغة العرب ـ هو العبادة المطلقة، والتوكلّ عمل القلب، والسؤال هو الطلب الذي تسمّونه ـ الآن ـ الدعاء.

وهو في هذه العبارة لم يقل: أو سألهم، بل جمع بين الدعاء والتوكّل والسؤال.

والآن أنتم تكفّرون بالسؤال وحده، فأين أنتم ومفهومكم من هذه العبارة؟!

مع أنـّه(رحمه الله) بيّن هذه العبارة وأصلها في مواضع من كلامه، وكذلك ابن القيّم بيّن أصلها.

قال الشيخ: من الصابئة المشركين مَن يظهر الإسلام ويعظّم الكواكب، ويزعم أنـّه يخاطبها بحوائجه، ويسجد لها، وينحر، ويدعو.

وقد صنّف بعض المنتسبين إلى الإسلام في مذهب المشركين من الصابئة والمشركين البراهمة كتاباً في عبادة الكواكب، وهي من السحر الذي عليه الكنعانيّون، الذين ملوكهم النماردة، الذين بعث الله الخليل ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ بالحنيفيّة ـ ملّة إبراهيم ـ وإخلاص الدين لله إلى هؤلاء.

وقال ابن القيّم في مثل هؤلاء: يُقرّون للعالمَ صانعاً، فاضلاً، حكيماً، مقدّساً عن العيوب والنقائص، ولكن لا سبيل لنا إلى الوجهة إلى جلاله إلاّ بالوسائط، فالواجب علينا أن نتقرّب بهم إليه، فهم أربابنا، وآلهتنا، وشفعاؤنا عند ربّ الأرباب، وإله الآلهة، فما نعبدهم إلاّ ليقرّبونا إلى الله زلفى، فحينئذ نسأل حاجاتنا

(36)

منهم، ونعرض أحوالنا عليهم، ونَصْبو في جميع أمورنا إليهم، فيشفعون إلى إلهنا وإليهم، وذلك لا يحصل إلاّ من جهة الاستمداد بالروحانيّات، وذلك بالتضرّع والابتهال من الصلوات، والزكاة، والذبائح والقرابين، والبخورات!!!

وهؤلاء كفروا بالأصلين اللذَين جاءت بهما جميع الرسل.

أحدهما: عبادة الله وحده لا شريك له، والكفر بما يُعْبَد من دونه من إله.

والثاني: الإيمان برسله، وبما جاؤوا به من عند الله، تصديقاً وإقراراً وانقياداً، انتهى كلام ابن القيّم.

فانظر إلى الوسائط المذكورة في العبارة، كيف تحملونها على غير محملها؟.

ولكن ليس هذا بأعجب من حملكم كلام الله، وكلام رسوله، وكلام أئمّة الإسلام على غير المحمل الصحيح ـ مع خرقكم الإجماع ـ !؟

وأعجب من هذا، أنّكم تستدلّون بهذه العبارة على خلاف كلام من ذكرها، ومن نقلها، ترون بها صريح كلامهم في عين المسألة.

وهل عملكم هذا إلاّ اتّباع المتشابه، وترك المحكم؟

أنقذنا الله وإيّاكم من متابعة الأهواء.

[التبرّك بالقبور]

وأمّا التبرّك والتمسّح بالقبور، وأخذ التراب منها، والطواف بها:

فقد ذكره أهل العلم، فبعضهم عدّه في المكروهات، وبعضهم عدّه في المحرّمات.

ولم ينطق واحدٌ منهم بأنّ فاعل ذلك مرتدٌّ ـ كما قلتم أنتم، بل تكفّرون من لم يكفّر فاعل ذلك ـ.

فالمسألة مذكورة في كتاب الجنائز في فصل الدفن وزيارة الميّت، فان أردت

(37)

الوقوف على ماذكرت لك فطالع (الفروع) و(الإقناع) وغيرهما من كتب الفقه.

[القدح في المؤلّفين لكتب الفقه]

فإن قدحتم فيمن صنّف هذه الكتب، فليس ذلك منكم بكثير، ولكن ليكن معلوماً عندكم أنّ هؤلاء لم يحكوا مذهب أنفسهم، وإنّما حكوا مذهب أحمد بن حنبل وأضرابه من أئمّة أهل الهدى، الذين أجمعت الأمّة على هدايتهم ودرايتهم.

فإن أبيتم إلاّ العناد، وادّعيتم المراتب العليّة، والأخذ من الادّلة من غير تقليد أئمة الهدى، فقد تقدّم أنّ هذا خرقٌ للإجماع.

 

فصل

[الجاهل معذور]

 

وعلى تقدير هذه الأمور التي تزعمون أنـّها كفرٌ ـ أعني النذر وما معه ـ فهنا أصلٌ آخر من أصول أهل السُنّة، مجمعون عليه ـ كما ذكره الشيخ تقيّ الدين، وابن القيّم عنهم ـ وهو:

أنّ الجاهل والمخطىء من هذه الأمّة ـ ولو عمل من الكفر والشرك ما يكون صاحبه مشركاً أو كافراً ـ أنـّه يعذر بالجهل والخطأ، حتّى تتبيّن له الحجّة التي يكفر تاركها بياناً واضحاً ما يلتبس على مثله، أو ينكر ما هو معلومٌ بالضرورة من دين الإسلام، ممّا أجمعوا عليه إجماعاً جليّاً قطعيّاً يعرفه كلٌّ من المسلمين، من غير نظر وتأمّل ـ كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى ـ ولم يخالف في ذلك إلاّ أهل البدع.

(38)

فإن قلت: قال الله عزّوجلّ: } مَنْ كفر بالله مِنْ بعد إيمانه {(1)... الآية، نزلت في المسلمين، تكلّموا بالكفر مكرَهين عليه.

قلت: هذا حقٌّ، وهي حجّةٌ عليكم لا لكم، فإنّ الذي تكلّموا به هو سبّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، والتبرّي من دينه، وهذا كفرٌ إجماعاً، يعرفه كلّ مسلم.

ومع هذا إنّ الله عزّوجلّ عذر من تكلّم بهذا الكفر مكرَهاً، ولم يؤاخذه.

ولكنّ الله سبحانه وتعالى كفّر من شرح بهذا الكفر صدراً، وهو مَن عرفه ورضيه واختاره على الإيمان، غير جاهل به، وهذا الكفر في الآية ممّا أجمع عليه المسلمون، ونقلوه في كتبهم، وكلّ من عدّ المكفّرات ذكره.

وأمّا هذه الأمور التي تكفّرون بها المسلمين، فلم يسبقكم إلى التكفير بها أحدٌ من أهل العلم، ولا عدّوها في المكفّرات، بل ذكرها من ذكرها منهم في أنواع الشرك، وبعضهم ذكرها في المحرّمات، ولم يقل أحد منهم أنّ من فعله فهو كافرٌ مرتدٌّ، ولا احتجّ عليه بهذه الآية ـ كما احتججتم ـ ولكن ليس هذا بأعجب من استدلالكم بآيات نزلت في الذين } إذا قيل لهم لا إله إلاّ الله يستكبرون * ويقولون أئنّا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون {(2) والذين يقال لهم: } أئنّكم لتشهدون أنّ مع الله آلهةً أُخرى {(3) والذين يقولون: } اللّهم إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارةً من السماء {(4) والذين يقولون: } أجَعَل الآلهة إلهاً واحداً {(5).

ومع هذا، تستدلّون بهذه الآيات، وتنزّلونها على الذين يشهدون أن لا إله

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) النحل: 106.
(2) الصافّات: 35 ـ 36.
(3) الصافّات: 35 ـ 36.
(4) الصافّات: 35 ـ 36.
(5) ص: 5.
(39)

إلاّ  الله، وأنّ محمداً رسول الله، ويقولون: ما لله من شريك، ويقولون: ما أحدٌ يستحقّ أن يُعبد مع الله.

فالذي يستدلّ بهذه الآيات على من شهد له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وأجمع المسلمون على إسلامه، ما هو بعجيب لو استدلّ بالآية على مذهبه!

فإن كنتم صادقين، فاذكروا لنا من استدلّ بهذه الآية على كفر من كفّرتموه بخصوص الأفعال والأقوال التي تقولون إنّها كفر؟!

ولكن ـ والله ـ ما لكم مثل إلاّ عبد الملك بن مروان لمّا قال لابنه: ادع الناس إلى طاعتك، فمن قال عنك برأسه فقل بالسيف على رأسه: هكذا.

يعني اقطعه، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.