فهرست کتاب‌‌ لیست کتاب‌ها
  1. الوهابيّون والبيوت المرفوعة للشيخ محمّد عليّ السنقريّ الحائريّ
  2. وصول الأخيار إلى أصول الأخبار
  3. الوسيلة العذراء للشاعر عبد الحسين شكر (ت هجري.)
  4. همزيّة التميميّ صالح بن درويش الكاظمي (ت 1261هجري.)
  5. النكت في مقدمات الاصول، في تعريف المصطلحات الكلامية
  6. نثر اللآليْ للطبرسيّ (ت 548 هجري.)
  7. مقدّمتان توثيقيتان للسيد المرعشيّ والسيد المشكاة
  8. مسند الحِبَريّ
  9. مختصر رسالة في أحوال الأخبار
  10. الكلمات المائة للجاحظ (ت 250 هجري. )
  11. فصل الخطاب في ردّ محمّد بن عبد الوهّاب النجديّ
  12. عروض البلاء على الأولياء
  13. عجالة المعرفة في اُصول الدين
  14. شفاء السقام بزيارة خير الأنام عليه السلام
  15. الرعاية في شرح البداية في علم الدراية
  16. الدرة الفاخرة في دراية الحديث
  17. الرسالة الرحمانيّة حول كتابة كلمة (الرحمن)
  18. رسالة الحقوق
  19. رسالة ابي غالب الزراري إلى ابن ابنه في ذكر آل أعين
  20. الرجال لابن الغضائري
  21. دفع الشبه عن الرسول والرسالة
  22. الخلاصة في علم الكلام
  23. خاتمة وسائل الشيعة
  24. الحكايات، في الفرق بين المعتزلة والشيعة
  25. الحقوق لمولانا زيد الشهيد عليه السلام
  26. تفسير الحِبَري أو ما نزل من القرآن في علي أمير المؤمنين عليه السلام تفسير بالحديث المأثور
  27. تسمية من قُتِل مع الحسين عليه السلام من ولده واخوته وشيعته
  28. تثبيت الإمامة لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام
  29. تاريخ أهل البيت عليهم السلام
  30. البداية في علم الدراية
  31. الباقيات الصالحات في أصول الدين الإسلامي عاى المذهب الإمامي
  32. إنجاح المطالب في الفوز بالمآرب
  33. الإمامة والتبصرة من الحَيْرة
  34. أسماء السور القرآنيّة، في مقطوعتين رائعتين في مدح النبيّ صلى الله عليه وآله
  35. الأُرجوزة اللطيفة في علوم البلاغة
  36. الأحاديث المقلوبة و جواباتها
  37. الإجازة الشاملة للسيّدة الفاضلة من الشيخ أبي المجد الأصفهاني للعلويّة الأمينيّة الهاشميّة
  38. آداب المتعلّمين
  39. نقد الحديث بين الاجتهاد والتقليد
  40. نظرات في تراث الشيخ المفيد
  41. المنهج الرجاليّ والعمل الرائد في (الموسوعة الرجالية لسيّد الطائفة آية الله العظمى البروجرديّ 1292 ـ 1380هجري)
  42. المنتقى النفيس من درر القواميس
  43. معجم أحاديث البسملة
  44. الموت أياتهاجاديثه احكامه
  45. القافية والرويّ في الشعر العربيّ
  46. ديوان الإجازات المنظومة
  47. دفاع عن القرآن الكريم
  48. حول نهضة الحسين عليه السلام
  49. الحسين عليه السلام سماته وسيرته
  50. جهاد الإمام السجّاد علي بن الحسين عليه السلام
  51. ثبت الأسانيد العوالي بطرق محمد رضا الحسيني الجلالي
  52. تدوين السنة الشريفة
  53. تحقيق النصوص يبن صعوبة المهمة وخطورة الهفوات، في النقد العلمي
  54. إيقاظُ الوَسْنان بالملاحظات على (فتح المنّان في مقدّمة لسان الميزان)
  55. أنا ـ ترجمة ذاتية للإمام أمير المؤمنين عليه السلام طبقاً للنصوص الموثوقة
  56. الأجوبة السديدة على أسئلة السيّدة الرشيدة
  57. الأجوبة الجلالية على الاسئلة الحلوانية
  58. أبو الحسن العُريضي، علي بن جعفر الصادق عليه السلام ترجمة حياته، ونشاطه العلميّ

القدرية ومذاهبهم

فصل

[القدرية ومذاهبهم]

ثم خرجت بدعة القَدَريّة، وذلك في آخر زمن الصحابة، وذلك أنّ القَدَرية فرقتان:

فرقة أنكرت القَدَر رأساً، وقالوا: إنّ الله لم يقدّر المعاصي على أهلها، ولا هو يقدّر ذلك، ولا يهدي الضالّ، ولا هو يقدر على ذلك.

والمسلم عندهم هو الذي جعل نفسه مسلماً، وهو الذي جعل نفسه مصلّياً، وكذلك سائر الطاعات والمعاصي، بل العبد هو الذي خلقها بنفسه، وجعلوا العبد خالقاً مع الله، والله سبحانه ـ عندهم ـ لا يقدر أن يهدي أحداً، ولا يقدر [ أن  ]يضلّ أحداً.

إلى غير ذلك من أقوالهم الكفريّة، تعالى الله عمّـا يقول أشباه المجوس علوّاً كبيراً.

الفرقة الثانية من القَدَريّة: مَن قابَل هؤلاء، وزعم أنّ الله جبر الخلق على ما عملوا، وأنّ الكفر والمعاصي في الخلق كالبياض والسواد في خَلْق الآدميّ، ما للمخلوق في ذلك صُنْعٌ، بل جميع المعاصي عندهم تضاف لله، وإمامهم في ذلك إبليس حيث قال: }فبما أغويتني{(1) وكذلك المشركون الذين قالوا: } لو شاء الله ما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الأعراف : 16 .
(48)

أشركنا ولا أباؤنا {(1).

إلى غير ذلك من قبائحهم وكفريّاتهم التي ذكرها عنهم أهل العلم في كتبهم، كالشيخ تقيّ الدين وابن القيّم.

ومع هذا الكفر العظيم والضلالة، خرج أوائل هؤلاء في زمن الصحابة رضي الله عنهم كابن عمر، وابن عبّاس، وأجلاّء التابعين، وقاموا في وجوه هؤلاء، وبيّنوا ضلالهم من الكتاب والسُنّة، وتبرّأ منهم مَن عندهم من الصحابة رضي الله عنهم، وكذلك التابعون، وصاحوا بهم من كلّ فجّ.

ومع هذا الكفر العظيم الهائل لم يكفّرهم الصحابة، ولا مَن بعدهم من أئمّة أهل الإسلام، ولا أوجبوا قتلهم، ولا أجرَوا عليهم أحكام أهل الردّة، ولا قالوا: قد كفرتم حيث خالفتمونا، لأنّا لا نتكلّم إلاّ بالحقّ، وقد قامت عليكم الحجّة ببياننا لكم:

كما قلتم أنتم هذا ؟!

ومِن الرادّ عليهم، والمبيّن ضلالَهم، الصحابةُ والتابعونَ الذين لا يقولون إلاّ حقّاً.

بل كبير هؤلاء من أئمّة دُعاتهم قتلوه الأُمراء.

وذكر أهل العلم أنـّه قُتل حدّاً، كدفع الصائل خوفاً من ضرره، وبعد قتله غُسّل وصُلّي عليه، ودُفن في مقابر المسلمين ـ كما يأتي إن شاء الله ذِكره في كلام الشيخ تقيّ الدين ـ.

 

فصل

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الأعراف : 16 .
(49)

[المعتزلة وآراؤهم]

 

الفرقة الثالثة من أهل البدع : المعتزلة الذين خرجوا في زمن التابعين، وأَتَوا من الأقوال والأفعال الكفرّيات ما هو مشهور.

منها: القول بخلق القرآن .

ومنها: القول بخلود أهل المعاصي في النار، إلى غير ذلك من قبائحهم وفضائحهم التي نقلها أهل العلم عنهم.

ومع هذا فقد خرجوا في زمن التابعين، ودَعوا إلى مذهبهم، وقام في وجوههم العلماء من التابعين ومن بعدهم، وردّوا عليهم، وبيّنوا باطلهم من الكتاب، والسُنّة، وإجماع علماء الأمّة، وناظروهم أتمّ المناظرة.

ومع هذا أصرّوا على باطلهم ودَعَوا إليه، وفارقوا الجماعة.

فبدّعهم العلماء، وصاحوا بهم، ولكن ما كفّروهم، ولا أجرَوا عليهم أحكام أهل الردّة، بل أجرَوا عليهم ـ هم وأهل البدع قبلهم ـ أحكام الإسلام من التوارث، والتناكح، والصلاة عليهم، ودفْنهم في مقابر المسلمين.

ولم يقُلْ لهم أهل العلم من أهل السُنّة: قامت عليكم الحجّة، حيث بيّنّا لكم، لأنّا لا نقول إلاّ حقّاً، فحيث خالفتمونا كفرتم، وحلّ مالكم ودمائكم، وصارت بلادكم بلاد حرب.

كما هو الآن مذهبكم.

أفلايكون لكم في هؤلاء الأئمّة عبرة؟ فترتدعون عن الباطل؟! وتفيئون إلى الحقّ!

 

فصل

(50)

[المرجئة وأقوالهم]

 

ثمّ خرج بعد هؤلاء، المرجئة الذين يقولون: الإيمان قولٌ بلا عمل.

فمن أقرّ عندهم بالشهادتين فهو مؤمنٌ كامل الإيمان، وإن لم يصلّ لله ركعةً طول عمره، ولا صام يوماً من رمضان، ولا أدّى زكاة ماله، ولا عمل شيئاً من أعمال الخير، بل من أقرّ بالشهادتين فهو عندهم مؤمن، كامل الإيمان، إيمانه كإيمان جبريل، وميكائيل، والأنبياء.

إلى غير ذلك من أقوالهم القبيحة التي ابتدعوها في الإسلام.

ومع أنـّه صاح بهم أئمّة أهل الإسلام، وبدّعوهم، وضلّلوهم، وبيّنوا لهم الحقّ من الكتاب والسُنّة وإجماع أهل العلم من أهل السُنّة من الصحابة فمن بعدهم.

وأبَوا إلاّ التمادي على ضلالهم، ومعاندتهم لأهل السُنّة متمسّكين ـ هم ومن قبلهم من أهل البدع ـ بمتشابه من الكتاب والسُنّة.

ومع هذه الأمور الهائلة فيهم لم يكفّرْهم أهل السُنّة، ولا سلكوا مسلككم في من خالفكم، ولا شهدوا عليهم بالكفر، ولا جعلوا بلادهم بلاد حرب، بل جعلوا الأخوّة الإيمانيّة ثابتة لهم ولمن قبلهم من أهل البدع.

ولا قالوا لهم: كفرتم بالله ورسوله، لأنّا بيّنّا لكم الحقّ، فيجب عليكم اتّباعنا، لأنّا بمنزلة الرسول، مَن خَطَّأَنا فهو عدو الله ورسوله.

كما هو قولكم اليوم، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

 

فصل

[الجهميّة ودعاواهم]

 

(51)

ثمّ حدث بعد هؤلاء، الجهميّة الفرعونيّة الذين يقولون: ليس على العرش إلهٌ يُعبد، ولا لله في الأرض من كلام، ولا عُرج بمحمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) لربّه، وينكرون صفات الله سبحانه التي أثبتها لنفسه في كتابه، وأثبتها رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأجمع على القول بها الصحابة فمن بعدهم، وينكرون رؤية الله سبحانه في الآخرة، ومن وصف الله سبحانه بما وصف به نفسه، ووصف به رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) فهو عندهم كافر، إلى غير ذلك من أقوالهم وأفعالهم التي هي غاية الكفر، حتّى أنّ أهل العلم سمّوهم الفرعونيّة، تشبيهاً لهم بفرعون، حيث أنكر الله سبحانه.

ومع ذا، فردّ عليهم الأئمّة، وبيّنوا بدعتهم، وضلالهم، وبدّعوهم، وفسّقوهم، وجعلوهم أكفر ممّن قبلهم من أهل البدع، وأقلّ تشبّثاً بالشرعيّات، وقالوا عنهم: إنهم قدّموا عقولهم على الشرعيّات، وأمر أهل العلم بقتل بعض دعاتهم، كالجعد ابن درهم، وجَهْم بن صفوان.

وبعد أن قُتلوا غسّلوهم، وصلّوا عليهم، ودفنوهم مع المسلمين ـ كما ذكر ذلك الشيخ تقيّ الدين ـ ولم يجروا عليهم أحكام أهل الردّة ـ.

كما أجريتم أحكام أهل الردّة على من لم يقل أو يفعل عُشْر معشار ما قالوا هؤلاء، أو فعلوا.

بل، والله كفّرتم من قال الحقّ الصِّرف، حيث خالف أهواءكم.

وإنّما لم أذكر فرقة الرافضة، لأنهم معروفون عند الخاصّ والعامّ، وقبائحهم مشهورة.

ومن هؤلاء الفرق الذين ذكرنا تشعّبت الثنتان والسبعون فرقة ـ أهل الضلالة  ـ المذكورون في السُنّة في قوله عليه الصلاة والسلام: تفترق هذه الأمّة على ثلاث

(52)

وسبعين فرقة(1).

وما سوى الثنتين والسبعين ـ وهي الثالثة والسبعون ـ هم الفرقة الناجية، أهل السُنّة والجماعة من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وإلى آخر الدهر، وهي التي لا تزال قائمة على الحقّ، رزقنا الله اتّباعهم ـ بحوله وقوّته ـ.

وكلُّ ما ذكرت من أخبار هذه الفرق، فإنّما أخذته من كتب أهل العلم، وأكثر ما أنقل عن ابن تيميّة، وابن القيّم.

 

فصل

[مذهب السلف عدم تكفير الفرق]

 

وها أنا أذكر لك شيئاً ممّا ذكر أهل العلم من أنّ مذهب السلف عدم القول بتكفير هؤلاء الفِرَق الذين تقدّم ذكرهم.

قال الشيخ تقيّ الدين في (كتاب الإيمان): لم يكفّر الإمام أحمد الخوارج، ولا المرجئة، ولا القَدَريّة، وإنّما المنقول عنه وعن أمثاله تكفير الجهميّة.

مع أنّ أحمد لم يكفّر أعيان الجهميّة ولا من قال: « أنا جهميّ » كفّره، بل، صلّى خلف الجهميّة الذين دَعَوا إلى قولهم، وامتحنوا الناس، وعاقبوا من لم يوافقهم بالعقوبات الغليظة، ولم يكفّرهم أحمد وأمثاله.

بل، كان يعتقد إيمانهم وإمامتهم، ويدعو لهم، ويرى لهم الائتمام بالصلاة خلفهم، والحجّ والغزو معهم، والمنع من الخروج عليهم، بما يراه لأمثالهم من الأئمّة.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سنن ابن ماجة: 2/1321 ح3991 كتاب الفتن.
(53)

وينكر ما أحدثوا من القول الباطل الذي هو كفرٌ عظيم ـ وإن لم يعلموا هم أنـّه كفر ـ كان ينكره، ويجاهدهم على ردّه ـ بحسب الإمكان ـ.

فيجمع بين طاعة الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) في إظهار السُنّة والدين، وإنكار بدع الجهميّة والملحدين، وبين رعاية حقوق المؤمنين، من الأئمّة والأمّة ـ وإن كانوا جُهّالا مبتدعين، وظلمةً فاسقين ـ انتهى كلام الشيخ.

فتأمّله تأمّلا خالياً عن الميل والحيف.

وقال الشيخ تقيّ الدين أيضاً: مَن كان في قلبه الإيمان بالرسول، وبما جاء به، وقد غلط في بعض ما تأوّله من البدع ـ ولو دعا إليها ـ فهذا ليس بكافر أصلاً.

والخوارج كانوا من أظهر الناس بدعةً، وقتالا للأمّة، وتكفيراً لها، ولم يكن في الصحابة من يكفّرهم لا عليٌّ ولا غيره، بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين ـ كما ذكرت الآثار عنهم بذلك في غير هذا الموضع ـ.

وكذلك سائر الثنتين والسبعين فرقة ; مَن كان منهم منافقاً، فهو كافر في الباطن، ومن كان مؤمناً بالله ورسوله في الباطن لم يكن كافراً في الباطن ـ وإن كان أخطأ في التأويل ـ كائناً مَن كان خطؤه.

وقد يكون في بعضهم شعبةٌ من النفاق، ولا يكون فيه النفاق الذي يكون صاحبه في الدَّرْك الأسفل من النار.

ومن قال إنّ الثنتين والسبعين فرقة كل واحد منهم يكفر كفراً ينقل عن الملّة فقد خالف الكتاب، والسُنّة، وإجماع الصحابة، بل إجماع الأئمّة الأربعة، وغير الأربعة.

فليس فيهم من كفّر كلَّ واحد من الثنتين والسبعين فرقة، انتهى كلامه.

فتأمّله وتأمّل حكاية الإجماع من الصحابة وغيرهم من أهل السُنّة، مع ما تقدّم لك ممّا في مذاهبهم من الكفر العظيم، لعلّك تنتبه من هذه الهُوّة التي وقعتَ فيها

(54)

أنت وأصحابك.

وقال ابن القيّم في طُرُق أهل البدع الموافقين على أصل الإسلام، ولكنّهم مختلفون في بعض الأصول، كالخوارج، والمعتزلة، والقَدَريّة، والرافضة، والجهميّة، وغُلاة المرجئة، فهؤلاء أقسام:

أحدها: الجاهل المقلِّد الذي لا بصيرة له، فهذا لا يكفّر، ولا يفسَّق، ولا تردّ شهادته، إذا لم يكن قادراً على تعلّم الهدى، وحكمه حكم المستضعفين من الرجال والنساء والولدان.

القسم الثاني: متمكّن من السؤال وطلب الهداية ومعرفة الحقّ، ولكن يترك ذلك اشتغالا بدنياه، ورئاسته، ولذّاته، ومعاشه، فهذا مفرِّط مستحقّ للوعيد، آثم بترك ما أُوجب عليه من تقوى الله بحسب استطاعته.

فهذا إن غلب ما فيه من البدعة والهوى على ما فيه من السُنّة والهدى رُدّت شهادته، وإن غلب ما فيه من السُنّة والهُدى على ما فيه من البدعة والهوى قُبلت شهادته.

الثالث: أن يسأل ويطلب ويتبيّن له الهدى، ويترك تعصّباً أو معاداةً لأصحابه، فهذا أقلّ درجاته أن يكون فاسقاً، وتكفيره محلّ اجتهاد(1)، إنتهى كلامه.

فانظره وتأمّله، فقد ذكر هذا التفصيل في غالب كتبه، وذكر أن الأئمّة وأهل السُنّة لا يكفّرونهم.

هذا مع ما وصفهم به من الشرك الأكبر، والكفر الأكبر، وبيّن في غالب كتبه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يلاحظ على هذا أنّ الحكم بالكفر، المستوجب لأحكام مثل الارتداد الذي حدّه القتل والفراق من المسلمين، والخروج من الأموال، لا يمكن أن يبنى على أمر ظنّي مثل الاجتهاد، لما في الدماء والاعراض والأموال من الحرمة عند الله، ممّـا لا يمكن الخروج من عهدته إلاّ بدليل قطعي. والله الموفق. انظر ما يأتي ص59 وبعدها.
(55)

مخازيهم، ولنذكر من كلامه طرفاً، تصديقاً لما ذكرناه عنه.

وقال رحمه الله تعالى في (المدارج)(1): المثبتون للصانع نوعان:

أحدهما: أهل الإشراك به في ربوبيّته وإلهيّته، كالمجوس ومن ضاهاهم من القَدَريّة، فإنّهم يثبتون مع الله إلهاً آخر.

والقَدَريّة المجوسيّة تثبت مع الله خالقين للأفعال، ليست أفعالهم مخلوقةً لله، ولا مقدورةً له، وهي صادرةٌ بغير مشيئته تعالى وقدرته، ولا قدرة له عليها، بل هم الذين جعلوا أنفسهم فاعلين، مريدين، شيّائين.

وحقيقة قول هؤلاء: أنّ الله ليس ربّاً خالقاً لأفعال الحيوان، انتهى كلامه.

وقد ذكرهم بهذا الشرك في سائر كتبه، وشبّههم بالمجوس الذين يقولون: إنّ للعالَم خالقَيْن.

وانظر لمّا تكلّم على التكفير هو وشيخه، كيف حَكَوا عدم تكفيرهم عن جميع أهل السُنّة، حتّى مع معرفة الحقّ والمعاندة، قال: كُفْرُه محلّ اجتهاد! ـ كما تقدم كلامه قريباً ـ.

وأيضاً الجهميّة، ذكرهم بأقبح الأوصاف، وذكر أنّ شركهم شرك فرعون، وأنـّهم مُعَطِّلة، وأنّ المشركين أقلّ شركاً منهم، وضرب لهم مَثَلا في (النونيّة) وغيرها من كتبه، كالصواعق وغيرها.

وكذلك المعتزلة، كيف وصفهم بأكبر القبائح، وأقسم أنّ قولهم وأحزابهم من أهل البدع لا تُبقي من الإيمان حبّة خَرْدَل، فلمّا تكلّم على تكفيرهم في (النونيّة) لم يكفّرهم، بل فصّل في موضع منها، كما فصّل في الطرق ـ كما مرّ ـ.

وموضع آخر فيه عن أهل السُنّة ـ مخاطبةً لهؤلاء المبتدعة الذين أقسم أنّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مدارج السالكين: 1/85.
(56)

قولهم لا يُبقي من الإيمان حبّة خَرْدَل ـ يقال: واشهدوا علينا بأنّا لا نكفّركم بما معكم من الكفران، إذ أنتم ـ أهل الجهالة ـ عندنا لستم أولي كفر ولا إيمان.

ويأتي إن شاء الله تعالى لهذا مزيدٌ من كلام الشيخ تقيّ الدين، وحكاية إجماع السلف، وأنّ التكفير هو قول أهل البدع من الخوارج، والمعتزلة، والرافضة!!

وقال أبو العبّاس بن تيميّة(رحمه الله) ـ في كلام له ـ في (الفرقان): ودخل أهل الكلام المنتسبين إلى الإسلام من المعتزلة ونحوهم في بعض مقالة الصابئة، والمشركين ممّن لم يهتدِ بهدْي الله الذي أرسل به رسله من أهل الكلام والجدل، صاروا يريدون أن يأخذوا مأخذهم ـ كما أخبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: لتأخذنّ مأخذ من كان قبلكم ـ الحديث الصحيح.

إلى أنْ قال: إنّ هؤلاء المتكلّمين أكثر حقّاً، وأتبع للأدلّة، لِما تنوّرت به قلوبهم من نور القرآن والإسلام، وإن كانوا قد ضلّوا في كثير ممّا جاء به الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، فوافقوا أولئك على أنّ الله لا يتكلّم ولا تكلّم، كما وافقوهم على أنـّه لا علم له، ولا قدرة، ولا صفةً من الصفات.

إلى أن قال: فلمّا رأو أنّ الرسل متفقةٌ على أنّ الله متكلّم، والقرآن من أثبات قوله وكلامه، صاروا تارةً يقولون: ليس بمتكلّم حقيقةً، بل مجازاً.

وهذا قولهم الأوّل لمّا كانوا في بدعتهم وكفرهم على الفطرة قبل أن يدخلوا في العناد والجحود.

إلى أن قال: وهذا قول من يقول: القرآن مخلوق.

إلى أن قال: وأنكر هؤلاء أن يكون الله متكلّماً، أو قائلا على الوجه الذي دلّت عليه الكتب الإلهيّة، وأفهمت الرسل لقومهم، واتفق عليه أهل الفِطَر السليمة.

إلى أن قال:

ونشأ بين هؤلاء الذين هم فروع الصابئة، وبين المسلمين المؤمنين ـ أتباع

(57)

الرسول ـ الخلاف، فكفر هؤلاء ببعض ما جاءت به الرسل، واختلفوا في كتاب الله، فآمنوا ببعض، واتّبع المؤمنون ما أُنزل إليهم من ربّهم، وعلموا أنّ قول هؤلاء أخبث من قول اليهود والنصارى، حتّى كان عبدالله بن المبارك ليقول: إنّا لنحكي قول اليهود والنصارى! ولا نحكي قول الجهميّة.

وكان قد كثر هؤلاء الذين هم فروع المشركين، ومن اتّبعهم من الصابئة في آخر المائة الثانية في إمارة المأمون، وظهرت علوم الصابئين والمنجّمين ونحوهم، فظهرت هذه المقالة في أهل العلم، وأهل السيف والإمارة، وصار في أهلها من الخلفاء، والأُمراء، والوزراء، والفقهاء، والقضاة وغيرهم ما امتحنوا به المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، انتهى كلام الشيخ(رحمه الله).

فانظر في هذا الكلام وتدبّره، كيف وصف هؤلاء بأعظم الكفر والشرك، وبالإيمان ببعض الكتاب، والكفر ببعضه، وأنـّهم خالفوا العقل، والنقل، والفطرة، وأنـّهم خالفوا جميع الرسل في قولهم، وأنـّهم عاندوا الحق، وأنّ أهل العلم يقولون: قولهم هذا أخبث من قول اليهود والنصارى، وأنـّهم عذّبوا المؤمنين والمؤمنات على الحقّ.

وهؤلاء الذين عنى بهذا الكلام هم المعتزلة، والقَدَريّة، والجهميّة، ومن سلك سبيلهم من أهل البدع وغيرهم.

والخلفاءُ الذين يعنيهم المأمون، والمعتصم، والواثق، ووزراؤهم، وقضاتهم، وفقهاؤهم، وهم الذين جلدوا الإمام أحمد(رحمه الله)، وحبسوه، وقتلوا أحمد بن نصر الخزاعيّ وغيره، وعذّبوا المؤمنين والمؤمنات، يدعونهم إلى الأخذ بقولهم.

وهم الذين يعني بقوله ـ فيما تقدم وما يأتي ـ: إنّ الإمام أحمد لا يكفّرهم ولا أحدٌ من السلف، وأنّ أحمد صلّى خلفهم، واستغفر لهم، ورأى الائتمام بهم، وعدم الخروج عليهم.

(58)

وأنّ الإمام أحمد يردّ قولهم الذي هو كفرٌ عظيمٌ ـ كما تقدم كلامه فراجعه ـ.

[الوهابية تخالف ذلك كلّه]

فبالله عليك، تأمّل، أينَ هذا؟

وأينَ قولكم فيمن خالفكم فهو كافر؟ ومن لم يكفّره فهو كافر؟؟

بالله عليكم، انتهوا عن الجفاء، وقول الزور.

واقتدوا بالسلف الصالح.

وتجنّبوا طريق أهل البدع.

ولا تكونوا كالذي زُيِّن له سوء عمله فرآه حسناً.

[تكفير المسلمين من أقبح البدع]

قال الشيخ تقيّ الدين رحمه الله تعالى: ومن البدع المنكَرة تكفير الطائفة غيرها من طوائف المسلمين، واستحلال دمائهم، وأموالهم، وهذا عظيمٌ، لوجهين:

أحدهما: أنّ تلك الطائفة الأخرى قد لا يكون فيها من البدعة أعظم ممّا في الطائفة المكفِّرة لها.

بل، قد تكون بدعة الطائفة المكفّرة لها أعظم من بدعة الطائفة المكفَّرة، وقد تكون نحوها، وقد تكون دونها.

وهذا حال عامّة أهل البدع والأهواء الذين يكفّرون بعضهم بعضاً.

وهؤلاء من الذين قال الله فيهم } إنّ الذين فرّقوا دينهم وكانوا شِيَعاً لستَ منهم في شيء {(1).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الأنعام: 159.
(59)

الثاني: أنـّه لو فرض أنّ إحدى الطائفتين مختصّة بالبدعة، والأُخرى موافقة للسُنّة، لم يكن لهذه [ الموافقة لـ ] السُنّة أن تكفّر كلّ من قال قولا أخطأ فيه.

فإنّ الله تعالى قال: } ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا {(1).

وثبت في الصحيح عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ الله تعالى قال: قد فعلت.

وقال تعالى: } وليس عليكم جُناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمّدت قلوبكم {(2).

ورُوي عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنـّه قال: إنّ الله تجاوز عن أمتي عن الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه.

وهو حديث حَسَن، رواه ابن ماجة(3) وغيره.

وقد أجمع الصحابة، والتابعون لهم بإحسان، وسائر أئمّة المسلمين على أنـّه ليس كلّ من قال قولا أخطأ فيه أنـّه يكفّر بذلك، ولو كان قوله مخالفاً للسُنّة.

ولكن للناس نزاع في مسائل التكفير، قد بسطت في غير هذا الموضع.

وقال الشيخ(رحمه الله) أيضاً: الخوارج لهم خاصّيّتان مشهورتان، فارقوا بها جماعة المسلمين وأئمتهم.

إحداهما: خروجهم عن السُنّة، وجعلهم ماليس بسيّئة سيّئةً، وجعلهم ما ليس بحسَنة حسَنةً.

الثانية: في الخوارج وأهل البدع، أنـّهم يكفّرون بالذنوب والسيّئات.

ويترتّب على ذلك استحلال دماء المسلمين، وأموالهم، وأنّ دار الإسلام دار

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البقرة: 286.
(2) الأحزاب: 5.
(3) سنن ابن ماجة: 1/659 ح2043 كتاب الطلاق.
(60)

حرب، ودارهم هي دار الإيمان، وبذلك يقول جمهور الرافضة!! وجمهور المعتزلة، والجهميّة، وطائفة من غلاة المنتسبة إلى أهل الحديث.

فينبغي للمسلم أن يحذر من هذين الأصلين الخبيثين، وما يتولّد عنهما من بغض المسلمين، وذمّهم، ولعنهم، واستحلال دمائهم وأموالهم.

وعامّة البدع إنّما تنشأ من هذين الأصلين.

أمّا الأوّل: فسببه التأويل الفاسد، إمّا حديثٌ بلغه غير صحيح، أو عن غير الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، قلّد قائله فيه، ولم يكن ذلك القائل مصيباً، أو تأويلٌ تأوّله من آية من كتاب الله، ولم يكن التأويل صحيحاً، أو قياساً فاسداً، أو رأياً رآه اعتقده صواباً ـ وهو خطأ ـ.

إلى أن قال: قال أحمد: أكثر ما يخطيء الناس من جهة التأويل، والقياس.

وقال الشيخ: أهل البدع صاروا يبنون دين الإسلام على مقدّمات يظنّون صحتّها، إمّا في دلالة الألفاظ، وإمّا في المعاني المعقولة، ولا يتأمّلون بيان الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّها تكون ضلالا.

وقد تكلّم أحمد على من يتمسّك بما يظهر له من القرآن، من غير استدلال ببيان الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، والصحابة، والتابعين.

وهذه طريقة سائر أئمّة المسلمين، لا يعدلون عن بيان الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) إن وجدوا إلى ذلك سبيلا.

وقال الشيخ أيضاً: إنّي دائماً ومن جالسني يعلم منّي أنّي من أعظم الناس نهياً من أن يُنسب معيّنٌ إلى تكفير، أو إلى تفسيق، أو معصية إلاّ إذا عُلم أنـّه قد قامت فيه الحجّة الرساليّة التي من خالفها كان كافراً تارةً، وفاسقاً أخرى، وعاصياً أُخرى.

وإنّي أُقرّر أنّ الله قد غفر لهذه الأمّة خَطأها، وذلك يعمّ الخطأ في المسائل الخبرية، والمسائل العلميّة.

(61)

وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل، ولم يشهد أحدٌ منهم على أحد منهم معيّن لأجل ذلك لا بكفر، ولا بفسق، ولا بمعصية.

كما أنكر شُريح قراءةَ } بل عجبتَ ويسخَرون {(1) وقال: إنّ الله لا يعجب.

إلى أن قال: وقد آل النزاع بين السلف إلى الاقتتال، مع اتّفاق أهل السُنّة على أنّ الطائفتين جميعاً مؤمنتان، وأنّ القتال لا يمنع العدالة الثابتة لهم! لأن المقاتل وإن كان باغياً فهو متأوّل! والتأويل يمنع الفسق.

وكنتُ أُبيّن لهم أنّ ما نُقل عن السلف والأئمّة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضاً حقٌّ.

لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين.

وهذه أوّل مسألة تنازعتْ فيها الأمّة من مسائل الأصول الكبار، وهي مسألة الوعيد، فإنّ نصوصَ الوعيد ـ في القرآن ـ المطلقةَ عامّةٌ، كقوله تعالى: } إنّ الذين يأكلون أموال اليتامى ظُلماً {... الآية(2)، وكذلك سائر ما ورد: «مَن فَعَل كذا فله كذا، أو فهو كذا».

فإنّ هذه النصوص مطلقة عامّة، وهي بمنزلة من قال من السلف: مَن قال كذا فهو كافر.

إلى أن قال: والتكفير يكون من الوعيد، فإنّه وإن كان القول تكذيباً لما قاله الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، لكن قد يكون الرجل حديثَ عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارضٌ آخر أوجَبَ تأويلها ـ وإن كان مخطئاً ـ.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الصافات: 12.
(2) النساء: 10.
(62)

وكنت دائماً أذكر الحديث الذي في الصحيحين(1) في الرجل الذي قال لأهله: إذا أنا متّ فأحرقوني ـ الحديث.

فهذا رجلٌ شكّ في قدرة الله، وفي إعادته إذا ذُري، بل اعتقد أنـّه لا يُعاد، فغفر له بذلك.

والمتأوّل من أهل الاجتهاد، الحريص على متابعة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أولى بالمغفرة من مثل هذا، انتهى.

وقال الشيخ(رحمه الله) ـ وقد سُئل عن رجلين تكلّما في مسألة التكفير، فأجاب وأطال، وقال في آخر الجواب ـ: لو فُرض أنّ رجلا دفع التكفير عمن يعتقد أنـّه ليس بكافر، حمايةً له ونصراً لأخيه المسلم، لكان هذا غرضاً شرعيّاً حسناً، وهو إذا اجتهد في ذلك فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فيه فاخطأ فله أجر.

وقال(رحمه الله): التكفير إنّما يكون بإنكار ما عُلم من الدين بالضرورة، أو بإنكار الأحكام المتواترة المجمع عليها، انتهى.

فانظر إلى هذا الكلام وتأمّله.

وهل هذا كقولكم: هذا كافر، ومن لم يكفّره فهو كافر؟

وهو قال: إن دفع عنه التكفير ـ وهو مخطىءٌ ـ فله أجرٌ.

وانظر وتأمّل كلامه الأوّل، وهو أنّ القول قد يكون كفراً، ولكنّ القائل أو الفاعل لا يكفّر، لاحتمال أمور، منها: عدم بلوغ العلم على الوجه الذي يكفّر به، إمّا لم يبلغه، وإمّا بلغه ولكن ما فهمه، أو فهمه ولكن قام عنده معارضٌ أوجب تأويله، إلى غير ذلك ممّا ذكره.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخاري: 5/2378 ح6116 كتاب الرقاق، سنن ابن ماجة: 2/1421 ح4255 كتاب الزهد.
(63)

[الفرقة الوهابيّة تخالف ذلك]

فيا عباد الله، تنبّهوا وارجعوا إلى الحقّ، وامشوا حيث مشى السلف الصالح، وقِفوا حيث وقفوا، ولا يستفزّكم الشيطان، ويزيّن لكم تكفير أهل الإسلام، وتجعلون ميزان كفر الناس مخالفتكم، وميزان الإسلام موافقتكم.

فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، آمنّا بالله وبما جاء عن الله على مراد الله وعلى مراد رسوله، أنقذنا الله وإيّاكم من متابعة الأهواء.

[كلام ابن القيّم في عدم تكفير المسلم]

قال ابن القيّم رحمه الله تعالى(1) ـ لمّا ذكر أنواع الكفر ـ: وكفر الجحود نوعان: كفرٌ مطلق عامّ، وكفر مقيّد خاصّ.

فالمطلق: أن يجحد جملةَ ما أنزل الله، ورسالة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

والخاصّ المقيّد: أن يجحد فرضاً من فروض الإسلام، أو محرّماً من محرّماته، أو صفةً وصف الله بها نفسه، أو خبراً أخبر الله به محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو تقديماً لقول من خالفه عالماً عمداً، لغرض من الأغراض.

وإمّا ذلك جهلا أو تأويلا ـ يعذر فيه ـ فلا يكفر صاحبه لما في الصحيحين والسنن والمسانيد عن أبي هريرة قال: قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): قال رجلٌ لم يعمل خيراً قطّ لأهله، وفي رواية: أسرف رجلٌ على نفسه، فلمّـا حُضِرَ أوصى بنيه: إذا مات فحرقوه، ثم ذروا نصفه في البرّ، ونصفه في البحر، فَوَالله لئن قدر الله عليه ليعذّبنّه عذاباً ماعذّب به أحداً من العالمين، فلمّا مات فعلوا ما أمرهم، فأمر الله البحر فجمع ما فيه، وأمر البرّ فجمع ما فيه، ثم قال: لِمَ فعلتَ؟ قال: من خشيتك ياربّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مدارج السالكين: 1/347.
(64)

وأنت تعلم، فغفر له.

فهذا منكِرٌ لقدرة الله عليه، ومنكرٌ للبعث والمعاد، ومع هذا غفر الله له، وعذره بجهله، لأنّ ذلك مَبْلَغ عمله، لم ينكر ذلك عناداً.

وهذا فصل النزاع في بطلان قول من يقول: إنّ الله لا يعذر العباد بالجهل في سقوط العذاب إذا كان ذلك مبلغ علمه، انتهى.

[جوابٌ لابن تيميّة عن التكفير]

وقد سُئل شيخ الإسلام ابن تيميّة(رحمه الله) عن التكفير الواقع في هذه الأمّة، مَن أوّل من أحدثه وابتدعه؟

فأجاب: أوّل من أحدثه في الإسلام المعتزلة، وعنهم تلقّاه من تلقّاه، وكذلك الخوارج هم أوّل من أظهره، واضطرب النّاس في ذلك، فمن الناس من يحكي عن مالك فيه قولين، وعن الشافعيّ كذلك، وعن أحمد روايتان، وأبوالحسن الأشعريّ وأصحابه، لهم قولان.

وحقيقة الأمر في ذلك، أنّ القول قد يكون كفراً، فيطلق القول بتكفير قائله، ويُقال: من قال كذا فهو كافر، لكنّ الشخص المعيّن الذي قاله لا يكفّر، حتّى تقوم عليه الحجّة التي يكفّر تاركها، من تعريف الحكم الشرعي من سلطان، أو أمير مطاع، كما هو المنصوص عليه في كتب الأحكام، فإذا عرّفه الحكم وزالت عنه الجهالة، قامت عليه الحجّة، وهذا كما هو في نصوص الوعيد من الكتاب والسُنّة، وهي كثيرة جدّاً، والقول بموجبها واجب على وجه العموم والإطلاق، من غير أن يعيّن شخصٌ من الأشخاص، فيُقال: هذا كافر، أو فاسق، أو ملعون، أو مغضوب عليه، أو مستحقّ للنار ـ لا سيّما إن كان للشخص فضائل وحسناتٌ ـ لأنّ ما سوى الأنبياء تجوز عليهم الصغائر والكبائر، مع إمكان أن يكون ذلك الشخص صدّيقاً،

(65)

أو شهيداً، أو صالحاً، كما قد بسط في غير هذا الموضع من أنّ موجب الذنوب تتخلّف عنه بتوبة أو باستغفار، أو حسنات ماحية، أو مصائب مكفّرة، أو شفاعة مقبولة، أو لمحض مشيئة الله ورحمته.

فإذا قلنا بموجَب قوله تعالى: } وَمَنْ يَقْتُل مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً {(1)... الآية.

وقوله: } إنَّ الذين يَأكلُونَ أموالَ اليَتامى ظُلماً إنَّما يَأكلُونَ في بُطونِهِم ناراً وسَيَصْلَوْنَ سَعيراً {(2).

وقوله: } ومَنْ يَعْصِ اللهَ ورَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدودَهُ {(3)... الآية.

وقوله: } لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ـ إلى قوله ـ ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً {(4)... الآية.

إلى غير ذلك من آيات الوعيد.

وقلنا بموجَب قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): لعن الله من شرب الخمر، أو من عقّ والديه، أو من غيّر منار الأرض، أو من ذبح لغير الله، أو لعن الله السارق، أو لعن الله آكل الربا، ومُوكله، وشاهده، وكاتبه، أو لعن الله لاوي الصدقة، والمتعدّي فيها، ومَن أحدث في المدينة حَدَثاً، أو آوى مُحْدِثاً، فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين، إلى غير ذلك من أحاديث الوعيد.

لم يجز أن نعيّن شخصاً ممّن فعل بعض هذه الأفعال، ونقول: هذا المعيّن قد أصابه هذا الوعيد، لإمكان التوبة، وغيرها من مسقطات العقوبة.

إلى أن قال: فَفِعْلُ هذه الأمور ممّن يحسب أنـّها مباحة ـ باجتهاد أو تقليد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) النساء: 93.
(2) النساء: 10.
(3) النساء: 14.
(4) النساء: 29 ـ 40.
(66)

ونحو ذلك ـ وغايته أنـّه معذورٌ من لحوق الوعيد به لمانع.

كما امتنع لحوق الوعيد بهم لتوبة، أو حسنات ماحية، أو مصائب مكفّرة، أو غير ذلك.

وهذه السبيل هي التي يجب اتّباعها، فإنّ ما سواها طريقان خبيثان:

أحدهما: القول بلحوق الوعيد بكلّ فرد من الأفراد بعينه، ودعوى أنـّه عمل بموجب النصوص.

وهذا أقبح من قول الخوارج المكفّرين بالذنوب، والمعتزلة وغيرهم، وفساده معلوم بالاضطرار، وأدلّته في غير هذا الموضع، فهذا ونحوه من نصوص الوعيد  حقّ.

لكنّ الشخص المعيّن الذي فعله لا يُشهَد عليه بلا وعيد، فلا يُشهَد على معيّن من أهل القبلة بالنار، لفوات شرط، أو لحصول مانع.

وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها، قد يكون القائل لها لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحقّ، وقد تكون بلغته ولم تثبت عنده، أو لم يتمكّن من معرفتها وفهمهما، أو قد عرضت له شبهات يعذره الله بها.

فمن كان مؤمناً بالله وبرسوله، مظهراً للإسلام، محبّاً لله ورسوله، فإنّ الله يغفر له، ولو قارف بعض الذنوب القوليّة، أو العمليّة، سواء أُطلق عليه لفظ الشرك، أو لفظ المعاصي.

هذا الذي عليه أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وجماهير أئمّة الإسلام.

لكنّ المقصود أنّ مذاهب الأئمّة مبنيّةٌ على هذا التفصيل بالفرق بين النوع والعين.

بل، لا يختلف القول عن الإمام أحمد وسائر أئمّة الإسلام كمالك، وأبي حنيفة، والشافعيّ أنـّهم لا يكفّرون المرجئة الذين يقولون: « الإيمان قول بلا

(67)

عمل ».

ونصوصهم صريحة بالامتناع من تكفير الخوارج، والقَدَريّة وغيرهم.

وإنّما كان الإمام أحمد يطلق القول بتكفير الجهميّة، لأنّه ابتلي بهم حتّى عرف حقيقة أمرهم، وأنـّه يدور على التعطيل.

وتكفير الجهميّة مشهور عن السلف والأئمة، لكن ما كانوا يكفّرون أعيانهم.

فإنّ الذي يدعو إلى القول أعظم من الذي يقوله ولا يدعو إليه، والذي يعاقب مخالفه أعظم من الذي يدعو فقط، والذي يكفّر مخالفه أعظم من الذي يعاقب.

ومع هذا، فالذين ـ من ولاة الأمور ـ يقولون بقول الجهميّة: إنّ القرآن مخلوقٌ، وإنّ الله لا يُرى في الآخرة، وإنّ ظاهر القرآن لا يحتجّ به في معرفة الله، ولا الأحاديث الصحيحة، وإنّ الدين لا يتمّ إلاّ بما زخرفوه من الآراء، والخيالات الباطلة، والعقول الفاسدة، وإنّ خيالاتهم وجهالاتهم أحكم في دين الله من كتاب الله، وسُنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وإجماع الصحابة والتابعين لهم باحسان، وإنّ أقوال الجهميّة والمعطِّلة من النفي والإثبات أحكم في دين الله.

بسبب ذلك امتحنوا المسلمين، وسجنوا الإمام أحمد، وجلدوه، وقتلوا جماعة، وصلبوا آخرين.

ومع ذلك لا يطلقون أسيراً، ولا يعطون من بيت المال إلاّ مَن وافقهم، ويقرّ بقولهم.

وجرى على الإسلام منهم أمورٌ مبسوطة في غير هذا الموضع(1).

ومع هذا التعطيل الذي هو شرّ من الشرك، فالإمام أحمد ترحّم عليهم،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) اقرأ بعضها في ما كتبه الداعية الوهّابيّ أبو الحسن الندوي الهنديّ (كتاب ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين).
(68)

واستغفر لهم، وقال: ما علمتُ أنـّهم مكذّبون للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا جاحدون لما جاء به، لكنّهم تأوّلوا فأخطأوا، وقلّدوا مَن قال ذلك.

والإمام الشافعيّ لمّا ناظر حفص الفرد ـ من أئمّة المعطِّلة ـ في مسألة القرآن، وقال: القرآن مخلوق، قال له الشافعيّ: كفرتَ بالله العظيم، فكفّره ولم يحكم بردّته بمجرد ذلك، ولو اعتقد ردّته وكفّره لسعى في قتله.

وأفتى العلماء بقتل دُعاتهم، مثل غَيْلان القَدَريّ، والجعد بن درهم، وجهم بن صفوان ـ إمام الجهميّة ـ وغيرهم.

وصلّى الناس عليهم، ودفنوهم مع المسلمين، وصار قتلهم من باب قتل الصائل، لكفّ ضررهم، لا لردّتهم.

ولو كانوا كفّاراً لرآهم المسلمون كغيرهم.

وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع، انتهى كلام الشيخ(رحمه الله).

وإنّما سُقته بطوله لبيان ما تقدّم مما أشرت إليه، ولما فيه من إجماع الصحابة والسلف، وغير ذلك ممّا فُصّل.

فإذا كان هذا كفر هؤلاء ـ وهو أعظم من الشرك، كما تقدّم بيانه مراراً من كلام الشيخين ـ مع أنّ أهل العلم من الصحابة، والتابعين، وتابعيهم إلى زمن أحمد بن حنبل هم المناظرون والمبيّنون لهم، وهو خلاف العقل والنقل، مع البيان التامّ من أهل العلم!

ومع هذا لم يكفّروهم، حتّى دعاتهم الذين قتلوا، لم يكفّرهم المسلمون.

أما في هذا عبرة لكم؟

[الفرقة الوهابيّة تخالف ذلك]

(69)

تكفّرون عوامّ المسلمين، وتستبيحون دماءهم، وأموالهم، وتجعلون بلادهم بلاد حرب، ولم يوجد منهم عُشْر مِعشار ما وجد من هؤلاء؟!

وإن وجد منهم شيءٌ من أنواع الشرك ـ سواء شرك أصغر أو أكبر ـ فهم جُهّال، لم تقم عليهم الحجّة التي يكفّر تاركها!

أتظنّون أنّ أولئك السادة ـ أئمة أهل الإسلام ـ ما قامت الحجّة بكلامهم؟! وأنتم قامت الحجّة بكم!؟

بل، واللهِ تكفّرون من لا يكفّر من كفّرتم، وإن لم يوجد منه شيءٌ من الشرك والكفر.

الله أكبر، } لقد جئتم شيئاً إدّاً {(1).

يا عباد الله: اتّقوا الله!

خافوا ذا البطش الشديد، لقد آذيتم المؤمنين والمؤمنات } والذين يُؤْذُون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً {(2).

والله مالعباد الله عند الله ذنبٌ، إلاّ أنّهم لم يتّبعوكم على تكفير من شهدت النصوص الصحيحة بإسلامه، وأجمع المسلمون على إسلامه.

فإن اتّبعوكم أغضبوا الله تعالى، ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وإن عَصَوا آراءكم حكمتم بكفرهم وردّتهم!!

وقد رُوي عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنـّه قال: لستُ أخاف على أمتي جوعاً يقتلهم، ولا عدّواً يجتاحهم، ولكن أخاف على أمّتي أئمةً مضلّين، إن أطاعوهم فتنوهم، وإن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مريم: 89.
(2) الأحزاب: 58.
(70)

عَصَوهم قتلوهم، رواه الطبرانيّ(1) من حديث أبي أمامة.

وكان أبو بكر الصدّيق(رضي الله عنه) يقول: أطيعوني ما أطعتُ الله، وإن عصيتُ فلا طاعة لي عليكم(2).

ويقول: أنا أخطىء وأصيب، وإذا ضربه أمر جمع الصحابة واستشارهم.

وعمرُ يقول مثل ما قال أبو بكر، ويفعل مثل ما يفعل، وكذلك عثمان، وعليّ رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.

[أئمة المذاهب لا يلزمون أحداً بمذهبهم]

وأئمّة أهل العلم لا يُلزمون أحداً أن يأخذ بقولهم، بل لمّا عزم الرشيد بحمل الناس على الأخذ بمُوَطَّأ الإمام مالك(رضي الله عنه)، قال له مالك: لا تفعل يا أمير المؤمنين، فإنّ العلم انتشر عند غيري، أو كلاماً هذا معناه.

وكذلك جميع العلماء من أهل السُنّة، لم يُلزم أحدٌ منهم الناسَ الأخذَ بقوله.

[الوهابية تخالف ذلك]

وأنتم تكفّرون من لا يقول بقولكم، ويرى رأيكم!!

سألتكَ بالله ; أنتم معصومون، فيجب الأخذ بقولكم؟

فإن قلت: لا، فلِمَ توجبون على الأمّة الأخذ بقولكم ؟

أم تزعمون أنّكم أئمّة تجب طاعتكم؟

فأنا أسألكم بالله، أهل اجتمع في رجل منكم شروط الإمامة التي ذكرها أهل

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المعجم الكبير للطبراني: 8/149 ح7653.
(2) الإمامة والسياسة لابن قتيبة: 1/34، تاريخ الطبريّ: 2/450 حوادث سنة 11هـ.
(71)

العلم، أو حتّى خصلة واحدة من شروط الإمامة؟

بالله عليكم انتهوا، واتركوا التعصّب.

هبنا عذرنا العامّيّ الجاهل الذي لم يمارس شيئاً من كلام أهل العلم، فأنت ما عذرك عند الله إذا لقيته؟

بالله عليك تنبّه، واحذر عقوبة جبّار السماوات والأرض.

فقد نقلنا لك كلام أهل العلم، وإجماع أهل السُنّة والجماعة ـ الفرقة الناجية ـ وسيأتيك إن شاء الله ما يصير سبباً لهداية من أراد الله هدايته.فصل [اتفاق أهل السنة! على عدم التكفير المطلق للمسلمين]

قال ابن القيّم في (شرح المنازل)(1):

أهل السُنّة متّفقون على أنّ الشخص الواحد تكون فيه ولاية الله وعداوته من وجهين مختلفين، ويكون محبوباً لله مبغوضاً من وجهين، بل يكون فيه إيمانٌ ونفاقٌ، وإيمانٌ وكفرٌ، ويكون إلى أحدهما أقرب من الآخر، فيكون إلى أهله.

كما قال تعالى: } هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان {(2).

وقال: } وما يؤمن أكثرهم بالله إلاّ وهم مشركون {(3).

فأثبت لهم تبارك وتعالى الإيمان مع مقارنة الشرك.

فإن كان مع هذا الشرك تكذيبٌ لرُسُله، لم ينفعهم ما معهم من الإيمان.

وإن كان تصديقٌ برُسُله ـ وهم يرتكبون الأنواع من الشرك، لا يخرجهم عن الإيمان بالرُسُل، واليوم الآخر ـ فهم مستحقّون للوعيد، أعظم من استحقاق أهل

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شرح منازل السائرين.
(2) آل عمران: 167.
(3) يوسف: 106.
(72)

الكبائر.

وبهذا الأصل أثبت أهل السُنّة دخول أهل الكبائر النار، ثم خروجهم منها، ودخولهم الجنّة، لِما قام بهم من السببين.

قال: وقال ابن عبّاس في قوله تعالى: } ومَن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون {(1).

قال ابن عبّاس رضي الله عنهما: ليس بكفر ينقل عن الملّة إذا فعله فهو به كَفَر، وليس كمن كفر بالله، واليوم الآخر.

وكذلك قال طاووس وعطاء(2)، انتهى كلامه.

وقال الشيخ تقيّ الدين(3): كان الصحابة والسلف يقولون: إنّه يكون في العبد إيمانٌ ونفاقٌ.

وهذا يدّلّ عليه قوله عزّوجلّ: } هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان {.

وهذا كثيرٌ في كلام السلف، يبيّنون أنّ القلب يكون فيه إيمانٌ ونفاقٌ، والكتاب والسُنّة يدلّ على ذلك.

ولهذا قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)(4):يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذَرّة من إيمان.

فعُلم أنـّه من كان معه من الإيمان أقلّ قليل لم يخلّد في النار، وإن كان معه كثيرٌ من النفاق، فهذا يعذّب في النار على قدر ما معه، ثم يخرج.

إلى أنْ قال: وتمام هذا أنّ الإنسان قد يكون فيه شعبةٌ من شعب الإيمان، وشعبةٌ من شعب الكفر، وشعبةٌ من شعب النفاق.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المائدة: 44.
(2) مدارج السالكين: 1/345.
(3)
(4) إتحاف السادة المتّقين للزبيدي: 8/562.
(73)

وقد يكون مسلماً وفيه كفرٌ دون الكفر الذي ينقل عن الإسلام بالكلّيّة، كما قال الصحابة ـ ابن عبّاس وغيره ـ: كفرٌ دون كفر، وهذا عامّة قول السلف، انتهى.

فتأمّل هذا الفصل، وانظر حكايتهم الإجماع من السلف، ولا تظنّ أنّ هذا في المخطىء، فإنّ ذلك مرفوعٌ عنه إثمُ خطئه ـ كما تقدّم مراراً عديدةً ـ.

 

[الوهابية تخالف ذلك]

فأنتم الآن تكفّرون بأقلّ القليل من الكفر، بل تكفّرون بما تظنّون ـ أنتم ـ أنّه كفر، بل تكفّرون بصريح الإسلام، فإنّ عندكم أنّ من توقّف عن تكفير من كفّرتموه خائفاً من الله تعالى في تكفير من رأى عليه علامات الإسلام، فهو عندكم كافر.

نسأل الله العظيم أن يخرجكم من الظلمات إلى النور، وأن يهدينا وإيّاكم الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيّين، والصدّيقين، والشهداء، والصالحين.

 

فصل

[الإيمان الظاهر]

 

قال الشيخ تقيّ الدين في (كتاب الإيمان)(1):

الإيمان الظاهر الذي تجري عليه الأحكام في الدنيا لا يستلزم الإيمان في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كتاب الايمان، المطبوع في مجموع فتاوى ابن تيمية 7/210 ـ 213.
(74)

الباطن، وإنّ المنافقين الذين قالوا: } آمنّا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين {(1) هم في الظاهر مؤمنون، يصلّون مع المسلمين، ويناكحونهم، ويوارثونهم ـ كما كان المنافقون على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ ولم يحكم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فيهم بحكم الكفّار المظهرين الكفر، لا في مناكحتهم ولا في موارثتهم، ولا نحو ذلك.

بل، لمّا مات عبدالله بن أُبيٍّ ـ وهو من أشهر الناس في النفاق ـ ورثه عبدالله ابنه ـ وهو من خيار المؤمنين ـ وكذلك سائر من يموت منهم، يرثه ورثته المؤمنون، واذا مات لهم وارثٌ ورثوه مع المسلمين، وإن عُلم أنـّه منافقٌ في الباطن.

وكذلك كانوا في الحدود والحقوق كسائر المسلمين، وكانوا يغزون مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).

ومنهم مَن هَمَّ بقتل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في غزوة تَبوك، ومع هذا ففي الظاهر تجري عليهم أحكام أهل الايمان.

إلى أنْ قال: ودماؤهم وأموالهم معصومةٌ، لا يُستحلّ منهم ما يُستحلّ من الكفّار، والذين يظهرون أنـّهم مؤمنون، بل يظهرون الكفر دون الإيمان.

فإنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: أمرت أن أقاتل الناس حتّى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله، وأنّي رسول الله، فإذا قالوها عصموا منّي دماءهم، وأموالهم إلاّ بحقّها، وحسابهم على الله.

ولمّا قال لأُسامة: اقتله ـ بعد أن قال: « لا إله إلاّ الله » ـ قال: فقلت: إنّما قالها تعوّذاً.

قال: هل شققتَ عن قلبه؟

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البقرة: 8.
(75)

وقال: إنّي لم أُؤمر أن أنقّب عن قلوب الناس، ولا أشقّ بطونهم.

وكان إذا استؤذن في رجل يقول: أليس يصلّي؟ أليس يشهد؟ فإذا قيل له: إنّه منافق، قال ذلك.

فكان حكمه في دمائهم وأموالهم كحكمه في دماء غيرهم، ولا يستحلّ منها شيئاً، مع أنـّه يعلم نفاق كثير منهم، انتهى كلام الشيخ.

قال ابن القيّم في (إعلام الموقّعين)(1):

قال الإمام الشافعيّ: فرض الله سبحانه طاعته على خلقه، ولم يجعل لهم من الأمر شيئاً، وأنْ لا يتعاطَوا حكماً على عيب أحد بدلالة ولا ظنّ، لقصور علمهم عن علم أنبيائه الذين فرض عليهم الوقوف عمّـا ورد عليهم حتّى يأتيهم أمره، فإنّه سبحانه ظاهَرَ عليهم الحُجج، فما جعل عليهم الحكم في الدنيا إلاّ بما ظهر [من ]المحكوم عليه.

ففرض على نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ يقاتل أهل الأوثان حتّى يسلموا، فيحقن دماءهم إذا أظهروا الإسلام.

واعلم أنـّه لا يعلم صدقهم بالإسلام إلاّ الله تبارك وتعالى، ثم أطلع الله رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) على قوم يظهرون الإسلام ويسرّون غيره، ولم يجعل له أنْ يحكم عليهم بخلاف حكم الإسلام، ولم يجعل له أن يقضي عليهم في الدنيا بخلاف ما أظهروا.

فقال تعالى لنبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم): } قالت الأعراب آمنّا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا {(2) يعني أسلمنا بالقول مخافة القتل والسبا.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أعلام الموقّعين عن ربّ العالمين.
(2) الحجرات: 14.
(76)

ثمّ أخبر أنـّه يجزيهم إن أطاعوا الله تعالى ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)، يعني: إن أحدثوا طاعة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

وقال في المنافقين وهم صنفٌ ثان: } إذا جاءَك المنافقون قالوا نشهد إنّك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إنّ المنافقين لكاذبون اتّخذوا أيمانهم جُنّةً {(1) يعني جُنّةً من القتل.

وقال: } ويحلفون بالله إنـّهم لَمنكم وما هم منكم {(2)... الآية، فأمَر بقبول ما أظهروا، ولم يجعل سبحانه لنبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يحكم عليهم بخلاف حكم الإيمان، وقد أعلم الله سبحانه نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنـّهم في الدرّك الأسفل من النار.

فجعل حكمه سبحانه على سرائرهم، وحكم نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) في الدنيا على علانيّتهم.

إلى أن قال: وقد كذّبهم في قولهم في كل ذلك، وبذلك أخبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)عن الله سبحانه بما أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عطاء ابن يزيد، عن عبيدالله بن يزيد بن عديّ بن الخَيار، أنّ رجلا سارّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يُدْرَ ما سارّه؟ حتّى جهر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإذا هو يسارّه في قتل رجل من المنافقين.

قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): أليس يشهد أن لا إله إلاّ الله؟ قال: بلى، ولا صلاة له.

فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أولئك: الذين نهاني الله عن قتلهم.

ثم ذكر حديث: أُمرت أن أقاتل الناس ـ حتّى قال ـ: فحسابهم بصدقهم وكذبهم وسرائرهم على الله العالم بسرائرهم،المتولّي الحكم عليهم، دون أنبيائه وحُكّام خلقه.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المنافقون: 1 ـ 2.
(2) التوبة: 56.
(77)

وبذلك مضت أحكام رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فيما بين العباد من الحدود، وجميع الحقوق، أعلمَهم أنّ جميع أحكامه على ما يُظهرون، والله يدين بالسرائر.

فمن حكم على الناس بخلاف ما ظهر عليهم ـ استدلالا على ما أظهروا خلافَ ما أبطنوا بدلالة منهم، أو غير دلالة ـ لم يسلم عندي من خلاف التنزيل والسُنّة.

إلى أن قال: ومَن أظهر كلمة الإسلام، بأن شهد «أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)» قُبل ذلك منه، ولم يُسأل عن كشف حاله، أو عن باطنه، وعن معنى ما لفَظَ به، وباطنه وسريرته إلى الله، لا إلى غيره من نبيّ أو غيره.

فهذا حكم الله ودينه الذي أجمع عليه علماء الأمّة، انتهى كلام الشافعيّ(رحمه الله).

قال ابن القيّم ـ بعدما حكى كلام الشافعيّ ـ: وهذه الأحكام جاريةٌ منه(صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم هي التي مشى عليها الصحابة والتابعون لهم بإحسان، والأئمة، وسائر المتّبعين له من علماء أمّته إلى يوم القيامة، انتهى.

 

فصل

   [شروط المجتهد الذي يجوز تقليده في علوم الدين]

 

قد تقدّم لك من كلام أهل العلم وإجماعهم أنـّه لا يجوز أن يقلَّد ويؤتمَّ به في الدين إلاّ من جَمَع شروط الاجتهاد إجماعاً.

وتقدّم أن من لم يجمع شروط الاجتهاد أنّه يجب عليه التقليد، وأنّ هذا لا خلاف فيه:

وتقدّم أيضاً إجماع أهل السُنّة: أنّ من كان مقرّاً بما جاء به الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)

(78)

ملتزماً له، أنـّه ـ وإن كان فيه خصلةٌ من الكفر الأكبر، أو الشرك ـ أن لا يكفّر حتّى تقام عليه الحجّة التي يكفّر تاركها، وأنّ الحجّة لا تقوم إلاّ بالإجماع القطعيّ لا الظنّيّ، وأنّ الذي يقيم الحجّة الإمام، أو نائبه، وأنّ الكفر لا يكون إلاّ بإنكار الضروريّات من دين الإسلام، كالوجود، والوحدانيّة، والرسالة، أو بإنكار الأمور الظاهرة، كوجوب الصلاة.

وأنّ المسلم المقرّبالرسول إذا استند إلى نوعِ شبهة تخفى على مثله لا يكفّر.

وأنّ مذهب أهل السُنّة والجماعة التحاشي عن تكفير مَن انتسب إلى الإسلام، حتّى أنـّهم يقفون عن تكفير أئمّة أهل البدع، مع الأمر بقتلهم دفعاً لضررهم لا لكفرهم.

وأنّ الشخص الواحد يجتمع فيه الكفر والإيمان، والنفاق والشرك، ولا يكفر كلّ الكفر.

وأنّ مَن أقرّ بالإسلام قُبل منه، سواءٌ كان صادقاً أو كاذباً ـ ولو ظهرت منه بعض علامات النفاق ـ.

وأنّ المكفِّرين هم أهل الأهواء والبدع، وأنّ الجهل عذرٌ عن الكفر، وكذلك الشبهة ـ ولو كانت ضعيفةً ـ.

وغير ذلك مما تقدّم.

فإن وفّقت ففي هذا كفاية للزجر عن بدعتكم هذه التي فارقتم بها جماعة المسلمين وأئمّتهم، ونحن لم نستنبط، ولكن حكينا كلام العلماء ونقلهم عن أهل الاجتهاد الكامل.

[أدلّة الدعاة على مسلكهم باطلة]

(79)

فلنرجع إلى ذكر وجوه تدلّ على عدم صحّة ما ذهبتم إليه من تكفير المسلم، وإخراجه من الإسلام إذا دعا غير الله، أو نذر لغير الله، أو ذبح لغير الله، أو تبرك بقبر، أو تمسّح به، إلى غير ذلك ممّا تكفّرون به المسلم، بل تكفّرون من لا يكفّر مَن فعل ذلك، حتّى جعلتم بلاد الإسلام كفراً وحرباً.

[ليسوا أهلا للاستنباط]

فنقول: عُمدتكم في ذلك ما استنبطتم من القرآن!

فقد تقدّم الإجماع على أنـّه لا يجوز لمثلكم الاستنباط، ولا يحلّ لكم أن تعتمدوا على ما فهمتم من غير الاقتداء بأهل العلم.

ولا يحلّ لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أنْ يقلّدكم فيما فهمتم من غير اقتداء بأئمّة الإسلام.

فإنْ قلتم: مقتدون ببعض أهل العلم في أنّ هذه الأفعال شرك.

قلنا: نعم، ونحن نوافقكم على أنّ مِن هذه الأفعال ما يكون شركاً.

ولكن، من أين أخذتم من كلام أهل العلم: أنّ هذا هو الشرك الاكبر، الذي ذكر الله سبحانه في القرآن؟ والذي يحلّ مال صاحبه ودمه؟ وتجري عليه أحكام المرتدين؟

وأنّ من شكّ في كفره فهو كافر ؟ بيّنوا لنا: مَنْ قال ذلك من أئمّة المسلمين؟

وانقلوا لنا كلامهم، واذكروا مواضعه، هل أجمعوا عليه أم اختلفوا فيه؟

فنحن طالعنا بعض كلام أهل العلم، ولم نجد كلامكم هذا.

بل، وجدنا ما يدلّ على خلافه، وأنّ الكفر بإنكار الضروريّات كالوجود، والوحدانيّة، والرسالة، وما أشبه ذلك، أو بإنكار الأحكام المجمع عليها إجماعاً ظاهراً قطعيّاً، كوجوب أركان الإسلام الخمسة وما أشبهها.

(80)

مع أنّ من أنكر ذلك جاهلا لم يكفر، حتّى يُعرّف تعريفاً تزول معه الجهالة، وحينئذ يكون مكذّباً بالله تعالى ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم).

فهذه الأمور التي تكفّرون بها ليست ضروريّات.

وإن قلتم: مجمعٌ عليها إجماعاً ظاهراً يعرفه الخاصّ والعامّ!

قلنا لكم: بيّنوا لنا كلام العلماء في ذلك، وإلاّ، فبيّنوا كلام ألف منهم، وحتّى مائة، أو عشرة، أو واحد، فضلا عن أن يكون إجماعاً ظاهراً كالصلاة.

فإن لم تجدوا إلاّ العبارة التي في (الإقناع) منسوبة إلى الشيخ، وهي: «من جعل بينه وبين الله وسائط ... إلى آخره».

فهذه عبارة مجملة، ونطلب منكم تفصيلها من كلام أهل العلم، لتزول عنّا الجهالة.

ولكن، من أعجب العجب: أنّكم تستدلّون بها على خلاف كلام صاحبها، وعلى خلاف كلام من أوردها ونقلها في كتبه ـ على خصوصيّات كلامهم في هذه الأشياء التي تكفّرون بها ـ.

بل، ذكروا النذر والذبح، وبعض الدعاء.

وبعضها عدّوه في المكروهات، كالتبرّك والتمسّح، وأخذ تراب القبور للتبرّك، والطواف بها.

وقد ذكر العلماء في كتبهم، منهم صاحب (الإقناع)(1) ـ واللفظ له ـ قال ـ: ويكره المبيت عند القبر، وتجصيصه، وتزويقه، وتخليقه، وتقبيله، والطواف به، وتبخيره، وكتابة الرقاع إليه، ودسّها في الأنقاب، والاستشفاء بالتربة من الأسقام.

لأنّ ذلك كله من البدع، انتهى.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الإقناع: 1/92 ـ 193.
(81)

وأنتم تكفّرون بهذه الامور.

فإذا قلتم: صاحب (الإقناع) وغيره من علماء الحنابلة كصاحب (الفروع) جُهّال لا يعرفون الضروريّات، بل، عندكم ـ على لازم مذهبكم ـ كفّار.

قلت: هؤلاء لم يحكوا من مذهب أنفسهم، لا هُم ولا أجلّ منهم، بل، ينقلون ويحكون مذهب أحمد بن حنبل ـ أحد أئمّة الإسلام الذي أجمعت الأمّة على إمامته ـ .

أتظنّون أنّ الجاهل يجب عليه أن يقلّدكم، ويترك تقليد أئمّة أهل العلم ؟

بل، أجمع أئمّة أهل العلم ـ كما تقدّم ـ أنـّه لا يجوز إلاّ تقليد الأئمّة المجتهدين.

وكلّ من لم يبلغ رتبة الاجتهاد [له] أن يحكي ويفتي بمذاهب أهل الاجتهاد.

وإنّما رخّصوا للمستفتي أن يستفتي مثل هؤلاء، لأنّهم حاكون مذاهب أهل الاجتهاد والتقليد للمجتهد، لا للحاكي.

هذا صرّح به عامّة أهل العلم، إن طلبته من مكانه وجدته، وقد تقدّم لك ما فيه كفاية.

وإنّما المقصود: أنّ العبارة التي تستدلّون بها على تكفير المسلمين لا تدلّ لمرادكم.

وأنّ من نقل هذه العبارة واستدلّ بها هم الذين ذكروا النذر، والدعاء، والذبح، وغيره، ذكروا ذلك كلّه في مواضعه، ولم يجعلوه كفراً مخرجاً عن الملّة، سوى ماذكره الشيخ في بعض المواضع في نوع من الدعاء، كمغفرة الذنوب، وإنزال المطر، وإنبات النبات، ونحو ذلك ممّا ذكر أنّ هذا وإن كان كفراً فلا يكفّر صاحبه حتّى تقوم عليه الحجّة التي يكفّر تاركها، وتزول عنه الشبهة.

ولم يحكه عن قوله، ـ أي التكفير بالدعاء المذكور ـ إجماعاً حتّى

(82)

تستدلّون ـ أنتم ـ عليه بالعبارة.

بل ـ والله ـ لازم قولكم تكفير الشيخ بعينه، وأحزابه، نسأل الله العافية.

وممّا يدل على أنّ ما فهمتم من العبارة غير صواب: أنـّهم عدّوا الأمور المكفّرات فرداً فرداً في كتاب الردّة في كل مذهب من مذاهب الأئمّة.

ولم يقولوا أو واحد منهم: من نذر لغير الله كَفَر.

بل الشيخ نفسه ـ الذي تستدلّون بعبارته ـ ذكر: أنّ النذر للمشايخ لأجل الاستغاثة بهم، كالحلف بالمخلوق ـ كما تقدّم كلامه ـ والحلف بالمخلوق ليس شركاً أكبر. بل قال الشيخ: فمن قال: «انذروا لي تُقضى حوائجكم».

يُستتاب، فإن تاب وإلاّ قتل لسعيه في الأرض بالفساد.

فجعل الشيخ قتله حدّاً لا كفراً.

وكذلك تقدّم عنه من كلامه في خصوص النذور ما فيه كفاية.

ولم يقولوا أيضاً: من طلب غير الله كفر.

بل يأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ ما يدّل على أنـّه ليس بكفر.

ولم يقولوا: مَن ذبح لغير الله كفر.

أتظنّهم يحكون العبارة، ولا عرفوا معناها ؟!

أم هم أوهموا الناس ـ إرادةً لإغوائهم ـ !؟

أم أحالوا الناس على مفهومكم منها الذي مافهمه منها من أوردها، ولا من حكاها عمّن أوردها ؟

أم عرفتم من كلامهم ما جهلوا هم ؟

أم تركوا الكفر الصراح الذي يكفر به المسلم، ويحلّ ماله ودمه، وهو يعمل عندهم ليلا ونهاراً، جهاراً غير خفيّ، وتركوا ذلك ما بيّنوه، بل بيّنوا خلافه، حتّى جئتم أنتم فاستنبطتموه من كلامهم ؟

(83)

لا، والله، بل ما أرادوا ما أردتم، وإنّهم في واد، وأنتم في واد!

وممّا يدلّ على أنّ كلامكم وتكفيركم ليس بصواب: أنّ الصلاة أعظم أركان الإسلام ـ بعد الشهادتين ـ ومع هذا ذكروا: أنّ من صلاّها رئاء الناس ردّها الله عليه، ولم يقبلها منه، بل يقول الله تعالى(1): (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه غيري تركته وشركه، ويقول له يوم القيامة: اطلب ثوابك من الذي عملت لأجله).

فذكروا أنّ ذلك يبطل العمل.

ولم يقولوا: إنّ فاعل ذلك كافرٌ حلال المال والدم، بل من لم يكفّره ـ كما هو مذهبكم فيما [هو] أخفّ من ذلك بكثير ـ.

وكذلك السجود، الذي هو أعظم هيئات الصلاة ـ التي هي أعظم من النذور والدعاء وغيره ـ فرّقوا فيه وقالوا: من سجد لشمس، أو قمر أو كوكب، أو صنم كَفَر.

وأمّا السجود لغير ما ذُكر، فلم يكفّروا به، بل عدّوه في كبائر المحرّمات.

ولكنّ حقيقة الأمر أنّكم ما قلّدتم أهل العلم ولا عباراتهم، وإنّما عُمدتكم مفهومكم واستنباطكم الذي تزعمون أنـّه الحقّ، مَن أنكره أنكر الضروريات.

وأمّا استدلالاتكم بمشتبه العبارات فتلبيسٌ.

ولكنّ المقصود: أنّا نطلب منكم أن تبيّنوا لنا وللناس كلام أئمّة أهل العلم بموافقة مذهبكم هذا، وتنقلون كلامهم ـ إزاحةً للشبهة ـ.

وإن لم يكن عندكم إلاّ القذف، والشتم، والرمي بالفرية والكفر، فالله المستعان.

لآخر هذه الأمّة أُسوة بأوّلها.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كنز العمّال: 3/471 ح7474، 7476.
(84)

الذين أنزل الله عليهم، لم يَسْلَموا من ذلك.

 

فصل

[الحدود تدرأ بالشبُهات]

 

وممّا يدلّ على عدم صوابكم في تكفير من كفّرتموه، وأنّ الدعاء والنذر ليسا بكفر ينقل عن الملّة.

وذلك أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أمر في الحديث الصحيح(1) أن تُدْرءَ الحدودُ بالشبهات.

وقد روى(2) الحاكم في صحيحه، وأبو عوانة، والبزّار ـ بسند صحيح ـ وابن السُنّي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إذا انفلتت دابّة أحدكم بأرض فلاة فليناد: يا عباد الله احبسوا، ياعباد الله احبسوا، ياعباد الله احبسوا ـ ثلاثاً ـ فإنّ لله حاضراً سيحبسه.

وقد روى الطبرانيّ(3): إن أراد عوناً فليقل: ياعباد الله أغيثوني.

ذكر هذا الحديث الأئمّة في كتبهم، ونقلوه ـ إشاعةً وحفظاً للأمّة ـ ولم ينكروه.

منهم النوويّ في (الأذكار) وابن القيّم في كتابه (الكلم الطيّب) وابن مفلح في (الآداب).

قال في (الآداب) ـ بعد أن ذكر هذا الأثر ـ:

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كنز العمّال: 5/305 ح12957.
(2) فيض القدير للمناوي: 1/307، كنز العمّال: 6/705 ح17496.
(3) المعجم الكبير للطبراني: 17/118، كنز العمّال: 6/706 ح17498.
(85)

قال عبدالله بن الإمام أحمد: سمعت أبي يقول: حججت خمس حجج، فضللت الطريق في حجّة ـ وكنتُ ماشياً ـ فجعلتُ أقول: ياعباد الله دلّونا على الطريق، فلم أزل أقول ذلك حتّى وقعتُ على الطريق، انتهى.

أقول: حيث كفّرتم من سأل غائباً، أو ميتاً، بل زعمتم أنّ المشركين الكفّار الذين كذّبوا الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) أخفّ شركاً ممّن سأل غير الله في بَرّ أو بحر.

واستدللتم على ذلك بمفهومكم الذي لا يجوز لكم ولا لغيركم الاعتماد عليه.

هل جعلتم هذا الحديث وعَمَلَ العلماء بمضمونه، شبهةً لمن فعل شيئاً ممّا تزعمون أنـّه شركٌ أكبر؟

فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

قال في (مختصر الروضة): الصحيح أنّ من كان من أهل الشهادتين، فإنّه لا يكفر ببدعة على الإطلاق، ما استند فيها إلى تأويل يلتبس به الأمر على مثله، وهو الذي رجّحه شيخنا أبو العبّاس ابن تيميّة، انتهى.

أتظنّ دعاء الغائب كفراً بالضرورة، ولم يعرفه أئـمّة الإسلام ؟

أتظنّ أنّ على تقدير أنّ قولكم صوابٌ، تقوم الحجّة على الناس بكلامكم ؟

ونحن نذكر كلام الشيخ تقيّ الدين الذي استدللتم بعبارته على تكفير المسلمين بالدعاء والنذر، وإلاّ ففي ما تقدّم كفاية، ولكنّ زيادته فائدة.

قال الشيخ رحمه الله تعالى في (اقتضاء الصراط المستقيم)(1):

من قصد بقعةً يرجو الخير بقصدها، ولم تستحبّه الشريعة، فهو من المنكرات، وبعضه أشد من بعض، سواء كان شجرةً، أو عيناً، أو قناةً، أو جبلا، أو مغارة، وأقبح أن ينذر لتلك البقعة، ويقال: إنّها تقبل النذر ـ كما يقوله بعض

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) اقتضاء الصراط المستقيم: ص314 ـ 315.
(86)

الضالّين ـ فإنّ هذا النذر نذرُ معصية باتّفاق العلماء، لا يجوز الوفاء به.

ثمّ ذكر رحمه الله تعالى(1) ـ في مواضع كثيرة ـ موجودٌ في أكثر البلاد في الحجاز منها مواضع كثيرة.

وقال في مواضع أُخَر من الكتاب المذكور(2): والسائلون قد يدعون دعاءً محرّماً يحصل منه ذلك الغرض، ويحصل لهم ضررٌ أعظم منه.

ثمّ ذكر أنـّه تكون له حسناتٌ تربو على ذلك، فيعفو الله بها عنه.

قال(3): وحُكي لنا أنّ بعض المجاورين بالمدينة إلى قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) اشتهى عليه نوعاً من الأطعمة، فجاء بعض الهاشميّين إليه فقال: إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بعث لك هذا، وقال: اخرج من عندنا، فإنّ من يكون عندنا لا يشتهي مثل هذا.

قال الشيخ(4): وآخرون قُضيت حوائجهم ولم يقل لهم مثل ذلك، لاجتهادهم، أو تقليدهم، أو قصورهم في العلم، فإنّه يغفر للجاهل ما لا يغفر لغيره، ولهذا عامّة ما يُحكى في هذا الباب إنّما هو عن قاصري المعرفة، ولو كان هذا شرعاً أو ديناً لكان أهل المعرفة أولى به.

فَفَرْقٌ بين العفو عن الفاعل والمغفرة له، وبين إباحة فعله.

وقد علمتُ جماعةً ممّن سأل حاجته لبعض المقبورين من الأنبياء والصالحين، فقُضيت حاجته.

وهؤلاء يخرج ممّا ذكرته، وليس ذلك بشرع فيُتّبع.

وإنّما يثبت استحباب الأفعال واتخاذها ديناً بكتاب الله وسُنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المصدر السابق: 318.
(2) المصدر السابق: 349.
(3) اقتضاء الصراط المستقيم: 351.
(4) المصدر السابق: 351.
(87)

وما كان عليه السابقون الأوّلون.

وما سوى هذا من الأمور المحدثة فلا تستحبّ، وإن اشتملت أحياناً على فوائد(1).

وقال أيضاً(2): صارت النذور المحرّمة في الشرع مأكل السدنة، والمجاورين العاكفين على بعض المشاهد وغيرها، وأولئك الناذرون يقول أحدهم: مرضت فنذرت، ويقول الآخر: خرج عليّ المحاربون فنذرت، ويقول الآخر: ركبت البحر فنذرت، ويقول الآخر: حُبسْت فنذرت.

وقد قام في نفوسهم من هذه النذور [أنّها] هي السبب في حصول مطلوبهم، ودفع مرهوبهم.

وقد أخبر الصادق المصدوق(صلى الله عليه وآله وسلم)أنّ نذر طاعة الله ـ فضلا عن معصيته ـ ليس سبباً للخير.

بل تجد كثيراً من الناس يقول: إنّ المشهد الفلانيّ، والمكان الفلانيّ يقبل النذر، بمعنى أنـّهم نذروا له نذوراً ـ إن قضيت حاجتهم ـ فقضيت(3).

إلى أن قال(4): وما يُروى أنّ رجلا جاء إلى قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فشكى إليه الجَدْب عام الرمادة، فرآه وهو يأمره أن يأتي عمر فيأمره أن يخرج يستسقي بالناس.

قال: مثل هذا يقع كثيراً لمن هو دون النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأعرف من هذا وقائع.

وكذلك سؤال بعضهم للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أو غيره من أمّته حاجته، فتُقضى له.

فإنّ هذا وقع كثيراً.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المصدر السابق: 352.
(2) المصدر السابق: 360.
(3) اقتضاء الصراط المستقيم: 360.
(4) المصدر السابق: 373 ـ 374.
(88)

ولكن عليك أن تعلم أنّ إجابة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)أو غيره لهؤلاء السائلين لا يدلّ على استحباب السؤال.

وأكثر هؤلاء السائلين الملحّين ـ لمِا هم فيه من الحال ـ لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم، كما أنّ السائلين له في الحياة كانوا كذلك(1).

وقال(رحمه الله) أيضاً(2): حتّى أنّ بعض القبور يجتمع عندها في اليوم من السنة، ويُسافَر إليها من الأمصار في المحرّم، أو في صفر، أو عاشوراء، أو غير ذلك، تُقصد ويجتمع عندها فيه، كما تقصد عرفة ومزدلفة في أيام معلومة من السنة، وربّما كان الاهتمام بهذه الاجتماعات في الدين والدنيا أشدّ منكراً، حتّى أنّ بعضهم يقول: نريد الحجّ إلى قبر فلان وفلان.

وبالجملة: هذا الذي يُفعل عند هذه القبور هو بعينه نهى عنه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا هو الذي أنكره أحمد بن حنبل(رحمه الله)، وقال(3): قد أفرط الناس في هذا جدّاً وأكثروا، وذكر الإمام أحمد ما يُفعل عند قبر الحسين(رضي الله عنه).

قال الشيخ(4): ويدخل في هذا ما يُفعل بمصر عند قبر نفيسة وغيرها، وما يُفعل بالعراق عند القبر الذي يقال إنّه قبر عليّ وقبر الحسين، إلى قبور كثيرة في بلاد الإسلام لا يمكن حصرها، انتهى كلام الشيخ.